الجامعة العربية تابعت «بغضب شديد
وقلق كبير العدوانالصارخ والمبيت على المسجد الأقصى»
والحكومة الأردنية «أدانت بشدة وشجبتواستنكرت»، واستدعت القائم
بالأعمال الإسرائيلي في عمان وطلبت إليه نقلالاحتجاج إلى حكومته.
مصر سكتت ولم تقل شيئا.
وغاية ما ذهب إليه بيانجامعة الدول العربية أنه طالب
مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدةوالرباعية الدولية «بالتدخل الفوري لوقف
الانتهاكات الإسرائيلية الخطيرةللمسجد الأقصى».
هذه أهم الأصداء التي اعقبت
محاولة اقتحام المسجد الأقصىمن جانب 150 من المتطرفين الإسرائيليين، عشيَّة عيد الغفران (يوم
كيبور)
التي تزامنت
مع ذكرى اندلاع انتفاضة الأقصى في سنة 2000. وهي التي اعقبتاقتحام رئيس الوزراء الأسبق آريل
شارون للمسجد وسط حراسة مشددة.
المقدسيون العزل هم الذين أوقفوا
الاقتحام الأخير. حموا المسجدبأجسادهم وهاجموا المتطرفين اليهود بالحجارة والأحذية والكراسي. كما
ذكرتالتقارير
الصحافية. لم ينتظروا تدخلا من الأمم المتحدة أو الرباعيةالدولية، ولم يعلقوا أملا على أي
موقف عربي، خرجوا منذ الصباح الباكرلحماية المسجد، بعدما دخل المتطرفون اليهود
إلى باحته متنكرين على هيئةسياح. رشقهم الفلسطينيون بكل ما طالته أيديهم حتى صدوهم وردوهم علىأعقابهم، وأمطرتهم الشرطة التي
كانت تحمي المستوطنين بالرصاص المطاطي. مماأدى إلى إصابة 40 فلسطينيا، منهم اثنان في
حالة خطرة، إضافة إلى تسعة منرجال الشرطة الإسرائيليين.
ما حدث للمسجد الأقصى جزء من حملة
تهويد مدينةالقدس التي تدعي إسرائيل أنها خارج المناقشة ولا مجال للتفاوض بشأنها.
وهيالمدينة التي
أثبتت الدراسات أنه حتى بداية القرن السابع عشر الميلادي لميكن اليهود يملكون شبرا فيها. ومن
وجد منهم بها كان مستأجرا فقط، سواءللدور أو الدكاكين، حتى مقابر اليهود كانت
مؤجرة لهم من دائرة الأوقافالإسلامية.
وللعلم، فإن شعار «إن نسيتك يا أورشليم فلتشل
يمينى» هو منالعبارات الصليبية التي أطلقها حاكم عكا الفرنجي قبل رحيله، ولكن
الحركةالصهيونية
اختطفتها وزيفتها لمصلحة مشروعها في فلسطين.
إن عملية الحفرالتي تهدد أساسات المسجد الأقصى
مستمرة على قدم وساق. وحصار الحرم بمئةكنيس وسبع حدائق «توراتية» ومنتزهات من كل
صوب يسهم في تهيئة المسرح لبناءما يسمونه هيكل سليمان الذي فشلوا في العثور على أي دليل أو أثر له.
أماعمليات الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين وهدم
ما بني منها فهي من تجلياتالتطهير العرقي الذي يمارس في المدينة على مرأى ومسمع من الجميع. في
ذاتالوقت تستمر
إسرائيل في إقامة مستوطنة في قلب البلدة القديمة تحدثت عنهاصحيفة «هاآرتس» هذا الأسبوع. وهذا
التسارع والتصميم على تهويد القدس هوإحدى حلقات تصفية القضية التي تتابع أمام
أعيننا، دون أن يستثير غضبالسلطة الفلسطينية أو يحرك شيئا لدى النظم العربية أو الإسلامية.
إن استمرار الاستعانة بالمجتمع
الدولي والرباعية سيئة الذكر هو فيحقيقة الأمر ضوء أخضر للإسرائىليين لكي يستمروا في مخططاتهم، لأنه
يعني أن
«السلطة» مستعدة
لغض الطرف عما يجري، وان الأنظمة العربية انسحبت منالموضوع ولم تعد مستعدة لفعل أي شيء، حتى على
المستوى الديبلوماسي أوالقانوني، رغم أنها تملك الكثير على هذين الصعيدين.
في زمن النخوة قامتالدنيا ولم تقعد حين جرت محاولة
إحراق منبر المسجد الأقصى في سنة 69، ممااستدعى عقد القمة الإسلامية وإنشاء منظمة
المؤتمر الإسلامى وتشكيل لجنةالقدس. وبمضي الوقت ثبت أن الشيء الذي لم يعد متوافرا هو إرادة الدفاع
عنالقضية وعن
أمن الأمة. ولذلك لم يكن غريبا أن يهب الفلسطينيون للدفاع عنالمسجد الأقصى بأجسادهم،
وبالحجارة والأحذية والكراسي.
إن الأنظمة العربيةلم تعد مؤتمنة على قضايا المصير، ولم يعد
أمام شعوبنا العزل التي لم تهزمبعد سوى أن تدافع عنها بأجسادها وصدورها العارية، على الأقل حتى يأذن
اللهبفرج من عنده.
الضجة التى أثارتها زيارة السفير
الإسرائيلى فى القاهرة لمؤسسة الأهرامأعادت فتح ملف التطبيع الملتبس، بقدر ما أنها
سلطت ضوءًا كاشفا على أزمةالحركة الوطنية المصرية.
(1) القصة احتلت
مكانا بارزا فىالوسط الإعلامى على الأقل، فشغلت المثقفين طوال عشرة أيام كما أثارت
غضبشباب الأهرام
واللجنة النقابية بالمؤسسة. واستنفرت نقابة الصحفيين التىاتجهت إلى مساءلة الدكتورة هالة
مصطفى رئيس تحرير مجلة الديمقراطية التىتصدرها المؤسسة، والتى استقبلت فى مكتبها
السفير الإسرائيلى شالوم كوهين.
بداالمشهد مسكونا بالمفارقات، إذ فى
حين أسرفت الصحف المستقلة فى متابعةالموضوع فإن الصحف القومية سكتت تماما إزاءه،
بسبب التزامها بالموقفالرسمى المؤيد للتطبيع، من ناحية ثانية، فإن عددا غير قليل من الذينشاركوا فى الضجة انصب احتجاجهم
على استقبال السفير الإسرائيلى فى مبنىصحيفة عريقة مثل «الأهرام»، فيما بدا أنه غضب
للمكان وليس اعتراضا علىمبدأ الزيارة، بمعنى أن الأمر كان يمكن أن يمر بسلام لو أن اللقاء تم فىمكان آخر.
من ناحية
ثالثة فإن الذين سربوا الخبر ومن ثم أطلقواالشرارة الأولى للحملة كانوا خليطا من أنصار
التطبيع ومن المقربين إلىلجنة السياسات، مما أعطى انطباعا قويا بأنهم ليسوا ضد التطبيع وإنما
همبالدرجة
الأولى ضد الدكتورة هالة مصطفى، كأنما صرنا بإزاء تصفية حساباتبين أعضاء الحزب الحاكم.. من
ناحية رابعة فإن الضجة المثارة وضعت بعضالقيادات الصحفية فى حرج بالغ، لأن رئيس
مؤسسة الأهرام من أركان جماعةكوبنهاجن ومن أنصار التطبيع. كما أن نقيب الصحفيين من أوائل الذين
زارواإسرائيل فى
عهد الرئيس السادات.
هذه الأجواء
تعكس حالة البلبلةالحاصلة فى مصر بصدد موضوع التطبيع. فالمجتمع ضد التطبيع والسلطة معه،
وفىأحسن أحوالها
فهى ليست ضده، أما المثقفون فهم منقسمون بين مؤيد ومعارض له. ورغم أن المؤيدين قلة، فإن صوتهم
أعلى، خصوصا أن السلطة احتضنت بعضهمومكنتهم من تبوء مراكز متقدمة فى وسائل
الإعلام التى تسيطر عليها، فأعطواحجما أكثر مما ينبغى ومن ثم أحدثوا تأثيرا لا يمكن إنكاره.
(2) حينيذهب السفير الإسرائيلى بنفسه
للقاء رئيسة تحرير مجلة مغمورة ومحدودةالتوزيع، فإن ذلك يكشف عن مدى الدأب والإلحاح
الذى ىبذله الإسرائيليونلاختراق الساحة الإعلامية فى مصر. وهو ما يذكرنا بكلام وزير الأمن
الداخلىالإسرائىلى آفى ديختر فى محاضرته الشهيرة التى استشهدت بها أكثر من
مرة.
وقال فيها إن
إسرائيل لكى تثبت أقدامها فى مصر، فإنها تعتمد على ركائزأولها «إقامة شراكة مع القوى والفاعليات
المؤثرة والمالكة لعناصر القوة فىالبلد وهى: الطبقة الحاكمة ــ وطبقة رجال الأعمال ــ والنخب الإعلاميةوالسياسية». هذا الكلام الذى ردده
الرجل فى معهد أبحاث الأمن القومى (فى 4سبتمبر عام 2008)، تترجمه الممارسات
الإسرائىلية فى مصر، التى لا يشك أحدفى أنها حققت نجاحات مشهودة فى أوساط النخب
سابقة الذكر.
لقد بدأاختراق الوسط الصحفى ــ الذى
يعنينا فى الوقت الراهن ــ بموقعين أساسيينهما: مجلة أكتوبر تحت رئاسة الأستاذ أنيس
منصور، ومركز الدراساتالإستراتيجية بالأهرام تحت رئاسة الدكتور عدالمنعم سعيد. ذلك أنه ما
منصحفى أو باحث
إسرائيلى جاء إلى مصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلا وبدأرحلته انطلاقا من أحد هذين
الموقعين، حتى إن بعض الصحفيين وصفوا دارالمعارف التى تصدر مجلة أكتوبر بأنها أصبحت
دار «معاريف» (أحد محررىالمجلة أعلن على شاشة التليفزيون أنه زار إسرائيل 25 مرة) وبات معلوما
أنبعض باحثى
مركز الدراسات يحتفظون بعلاقات وثيقة مع الباحثين الإسرائيليين.
المدى الذى
بلغه الاختراق الإسرائيلى لأوساط النخب المصرية ليسمرصودا بوضوح عندنا، لأن ما يتم منه خارج
الدوائر الرسمية يحاط بتكتم وحذرشديدين لأسباب مفهومة، لكن الصورة من الجانب الإسرائيلى أكثر وضوحا. وقدتحدث عنها ببعض التفصيل السفير
الإسرائيلى فى القاهرة شالوم كوهين، فىحوار نشرته له صحيفة «الشرق الأوسط» فى 13
سبتمبر الحالى. إذ ذكر أنه خلالالسنوات الأربع الأخيرة حدث تقدم كبير فى مسيرة التطبيع، تم من خلالالحوار المستمر مع وزارات
الخارجية والتجارة والصناعة والزراعة والسياحة،وهو ما أدى إلى استئناف عمل اللجان العسكرية
والأمنية المشتركة، وتحت هذهالعناوين هناك تفصيلات كثيرة، منها مثلا أن اللجنة الأمنية المشتركة
بينالبلدين
تجتمع بصفة دورية مرتين سنويا، مرة فى القاهرة والأخرى فى تلأبيب. منها أيضا أن إسرائيل
استقبلت هذا العام 200 مبعوث من وزارة الزراعةللالتحاق بدورات دراسية تستمر ما بين شهر
وشهر ونصف الشهر. منها كذلك أنحجم التبادل التجارى بين البلدين تضاعف ثلاث مرات ووصل إلى 400 مليوندولار. منها أيضا أن زيارات
المسئولين الإسرائيليين لمصر كثيفة، إلى درجةفاقت زياراتهم لدول أوروبية صديقة مثل فرنسا
وهولندا وبلجيكا.
عنالمثقفين والفنانين قال السفير
الإسرائيلى إنه يحتفظ بعلاقات واسعة معهم. وقد التقى أخيرا بواحد من «كبارهم»، اعتذر عن
عدم ذكر اسمه. كما اعتذر عنعدم ذكر أسماء الذين يحضرون الحفلات التى يقيمها ويتبادل معهم
الزيارات أوالذين يرحبون بالمثقفين الإسرائيليين الذين يفدون إلى القاهرة، ولم
يذكرمن أسماء
هؤلاء وهؤلاء سوى الدكتور عبدالمنعم سعيد والدكتورة هالة مصطفى.
(3) تلاحقالمفارقات فصول المشهد. إذ فى حين
تنتعش العلاقات المصرية ــ الإسرائيلية،فإن أوروبا تشهد حملة متصاعدة تدعو إلى
مقاطعة إسرائيل من جانب أناس شرفاءيعتبرون ذلك واجبا أخلاقيا يجب الوفاء به. وقد نشرت مجلة «لومونددبلوماتيك» تقريرا ضافيا حول هذا
الموضوع فى عددها الأخير الصادر فى أولسبتمبر الحالى، تحدث عن أن العدوان
الإسرائيلى الوحشى على غزة استنفرقطاعات من المثقفين، الذين رأوا أن المقاطعة هى الرد الأخلاقى على
جرائمإسرائيل
وعنصريتها. وهؤلاء لم يجدوا فرقا يذكر بين النظام العنصرى الذىتطبقه إسرائيل فى فلسطين وبين
ممارسات النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا،الذى أسهمت المقاطعة فى فضحه وإسقاطه.
ذكر التقرير
أن المنتدىالاجتماعى العالمى الذى عقد فى «بيليم» بالبرازيل قرر يوم 30 مارس
الماضىيوما عالميا
لمقاطعة المنتجات المصنعة فى إسرائيل من الأزهار والفاكهة إلىالخضار والمعلبات وانتهاء
بالأدوية ومستحضرات التجميل. وترددت فى أنحاءأوروبا أصداء تلك الحملة التى خاطبت
المستهلكين وأصحاب المحال العامة،الذين دعوا إلى سحب البضائع الإسرائيلية من رفوف العرض، كما شنت بعضالجمعيات الأهلية حملة دعت إلى
تعليق الشراكة بين إسرائيل والاتحادالأوروبى، استنادا إلى أن الاتفاق بين
الجانبين دعا إلى احترام حقوقالإنسان، وقد انتهكت إسرائيل هذا البند فى فلسطين.
قال تقريرالمجلة إن 21٪ من المصدرين
الإسرائيليين اضطروا إلى خفض أسعارهم بسببالمقاطعة، لأنهم خسروا جزءا كبيرا من
أسواقهم، خصوصا فى الأردن وبريطانياوالدول الإسكندنافية.
إلى جانب
المقاطعة الاقتصادية، أضاف تقريرالمجلة، هناك تحركات أخرى تم اللجوء إليها للضغط على إسرائيل ومحاولةعزلها عن الساحة الدولية، منها
المقاطعة الثقافية والأكاديمية والرياضية. وكان من نتيجة تلك الضغوط أن تم تأجيل معرض
السياحة الإسرائيلية الذى كانمقررا إقامته فى باريس فى 15 يناير الماضى، وسحب اللوحات السياحيةالإعلانية من مترو أنفاق لندن فى
مايو 2009. ورفض شركة «هيرتز» الرائدة فىتأجير السيارات إدراجها فى عرض ترويجى لشركة
الطيران الإسرائىلية «العال»،ورفض السويد الاشتراك فى مناورات
جوية دولية بسبب اشتراك إسرائيل فيها،وفى بلجيكا شنت حملة جعلت 14 بلدية تلغى
توظيفاتها المالية فى المصرفالبلجيكى الفرنسى، لأن فرعه الإسرائيلى يشارك فى تمويل بلديات موجودة
علىالأراضى
الفلسطينية المحتلة. وفى فرنسا خسرت شركتا ألستوم وفيوليا عقودابملايين اليوروات لأنهما اشتركتا
فى تشييد خط للترام فى القدس، وهو ماتكرر مع شركات أخرى فى بريطانيا وهولندا
والسويد، إما حرمت من عقودتجارية، أو أجبرت على نقل مشروعاتها من الضفة الغربية المحتلة.
(4) يشعرالمرء بالخجل حين يقارن بين دعوات
مقاطعة إسرائيل فى أوروبا لأسبابإنسانية وأخلاقية، وبين نظيراتها فى مصر والعالم العربى حيث تشكل
إسرائيلتهديدا أمنيا ووجوديا. صحيح أن لجان المقاطعة نشطت فى مصر حينا من
الدهر،
(فى أعقاب
الانتفاضة الثانية عام 2000)، إلا أنها هدأت بعد ذلك، ولم يعديسمع لها صوت يذكر، فى حين تسارعت
عملية التطبيع واتسع نطاقها.
حينيحاول الباحث أن يفسر تلك
المفارقة، فإنه لا يستطيع أن يفصل بين تراجعوضعف حملة المقاطعة وبين الوهن والتشرذم
اللذين أصابا الحركة الوطنيةالمصرية، على نحو أصابها بالتآكل وأدخلها فى مرحلة الأفول وهو ما
يدفعنىإلى الزعم
بأن الاختراقات الحاصلة ليست راجعة إلى قوة حركة التطبيع التىلا تزال مرفوضة شعبيا، ولكنها
راجعة إلى ضعف الحركة الوطنية المصرية.
وحتىلا يلتبس الأمر على أحد، فإننى
أسجل أن الساحة المصرية تحفل بالعناصروالتجمعات الوطنية لكنها لم تلتئم فيما بينها
بحيث تشكل حركة فاعلةومؤثرة. ذلك أن الحركة الوطنية كما أفهمها هى ذلك التجمع الذى يضم قوىسياسية عدة تلتقى حول المصالح
العليا للوطن، بما يستحثها على الدفاع عنتلك المصالح من خلال التأثير فى المجال العام.
إذا صح ذلكالاستنتاج فهو يعنى أن تقدم مسيرة
التطبيع عرضا لمرض أكبر يتمثل فيما أصابالحركة الوطنية المصرية من وَهَن، يرجع إلى
عدة عوامل فى مقدمتها الضعفالذى أصاب المجتمع جراء تهميش دوره وخضوعه لأكثر من نصف قرن لنظام سعى
طولالوقت إلى
تفكيك وتقويض مؤسساته المستقلة وتجمعاته المدنية وإلحاقهابسياسة السلطة القائمة.
وإذ تزامن
ذلك مع تعاظم قوة وأدواتالدولة الحديثة وفرض قيود قانونية تقيد حركة المجتمع، فإنه أدى إلى
إجهاضوإيقاف نمو
قواه الحية. توازى ذلك مع تعاظم دور الأجهزة الأمنية، التىنذرت نفسها للدفاع عن النظام
وسياساته، بأكثر مما انشغلت بالدفاع عنالمجتمع أو الوطن. وفى سبيل ذلك فإنها لجأت
إلى اختراق جميع مؤسساتالمجتمع وخلايا العافية فيه لضمان إلحاقها بالسياسة والتحقق من مدى
خضوعهاوالتزامها
بخطوطها الرئيسية. وفى ذات الوقت فإننا لا نستطيع أن نغفل دورالإغراءات الشديدة التى باتت
تترتب على التعلق بركاب السلطة، والثمنالباهظ الذى يتعين دفعه جراء التحليق خارج
السرب. وإزاء طول أجل النظامالراهن فإنه نجح فى توسيع دائرة المستفيدين واحتواء شرائح غير قليلة
منالسياسيين
والمثقفين.
وفى الوقت
ذاته نجح فى تيئيس الذين رفضواالالتحاق بالركب واختلفوا مع رؤيته السياسية ــ وترتب على ذلك كله أنالسلطة أصبحت واثقة من أن المجتمع
بات منزوع العافية، حتى أطلقت يدها فىكل شىء وهى مطمئنة إلى أنه لن يحدث أى شىء.
لست أشك فى
أن غيرىقد يكون لديه اجتهاد آخر فى تفسير ما يجرى، لكننى أرجو أن نتفق على أنالمجتمع الضعيف لا يستطيع أن يفرز
حركة وطنية قوية، وأن فاتورة وهن الحركةالوطنية تخصم من أحلام الناس فى الحاضر
والمستقبل.
أما من نهاية لمسلسل القمع
والترويع الذي يتعرّض لهأبناء سيناء؟
هذا السؤال يلحّ عليّ كلما وقعت
على شيء من صفحات سجل الحزنالمقيم في سيناء، الذي عمّق من مشاعر التوتر والرغبة في الثأر بين
القبائلمن ناحية وأجهزة الأمن والشرطة من ناحية أخرى.
أحدث صفحة في ذلك السجلتصدرها بيان موقع باسم «أبناء
القبائل»، موجّه إلى الرئيس حسني مبارك،تمنى فيه من أصدروه أن يصل صوتهم إلى مسامع
الرئاسة، بعدما بدا أن أبوابالأمل سُدّت أمامهم، وأن آذان بقية المسؤولين انصرفت عنهم وامتنعت عناستقبال نداءاتهم.
في البيان مطالب عدة، في مقدمتها
أمران هما:
إطلاق سراح أكثر من ألفمعتقل من أبناء القبائل محتجزين
منذ أكثر من سنتين لدى أجهزة الأمن،
ووضعسيناء على خريطة التنمية، بما ينتشلها من
التخلّف المخيّم عليها، ويطويصفحة الإهمال الذي تعاني منه منذ عقود عدة.
ومن الواضح من استعراض بقيةالمطالب التفصيلية الواردة في
البيان أن موقعيه يختزنون أحزانا كثيرة، وأنثمة تراكما في تلك المشاعر المحبوسة تجلى هذه
المرة في قائمة المطالباتالمكتوبة، لكنه قد يعبر عن نفسه بوسائل أخرى يظل التمرّد والتصادم منخياراتها.
لا يشك أحد في مشروعية المطلبين
الرئيسيين اللذين أشرت إليهما.
ذلك أن
اعتقال ألف شخص لأجل غير معلوم حدث جلل في المجتمع القبلي بوجهأخص، لأن كل فرد وراءه قبيلة
تُستنفَر لأجله، وقد قيل لي من المتابعينلملف معتقلي سيناء أن جميعهم تم احتجازهم بمقتضى
قانون الطوارئ.
بعضهماعتقل لأسباب جنائية (تهريب مثلا)،
والبعض الآخر تم اعتقالهم
للاشتباهفيهم بعد حدوث بعض التفجيرات في المنتجعات السياحية،
والفئة الثالثة منالناشطين السياسيين الذين تضيق
بهم الأجهزة الأمنية ذرعا، وتستسهلاحتجازهم في السجون للخلاص من «صداعهم»، كما حدث مع الناشط سعد أبوفجر،الذي لم يعرف أحد في سيناء لماذا
هو معتقل منذ قرابة عشرين شهرا، وماتهمته بالضبط؟
إن الأجهزة الأمنية المصرية تلجأ
بعد كل حادث يقع إلى أسلوب «التمشيط»،الذي بمقتضاه يتم إلقاء القبض على أكبر عدد
من المشتبه بهم والمشكوك فيأمرهم، وهؤلاء قد يصل عددهم إلى المئات وربما الآلاف، حسب الحالة،
وبعد أنيصبحوا في قبضة الأجهزة تتم التحريات ويحدث الفرز لمحاولة العثور علىالمتهمين من بينهم، بعد استخدام
الأساليب المعروفة في الاستنطاق، وهؤلاءعادة لا يزيد عددهم على عشرة أو عشرين شخصا.
في حين أن الدول التي تحترمحقوق البشر وكراماتهم تجري
التحريات أولا، ثم تلقي القبض على من تتوافرضده أدلة كافية لاتهامه، حتى إن الشرطة في
إنجلترا لم تُلق القبض إلا علىثمانية أشخاص فقط في حادث التفجيرات التي هزت لندن عام 2005، فقتلت 50شخصا وأصابت 700.
أما قضية إهمال تنمية سيناء وترك
أهلها فريسة للفقر والبطالة، فهي ممالا ينبغي الاستهانة به، لأن هذه هي البيئة
التي فرّخت التطرف والإرهاب فيالصعيد، وهي ذاتها المشكلة التي فجرت تمرد الحوثيين في شمال اليمن. وقداعتبر بعض الباحثين أن ذلك
الإهمال من قبيل ما سمّوه «تطرف التنمية»، الذييهدي قطاعات من المجتمع إلى التجمعات
الإرهابية، حيث تجد لديهم رصيداكافيا للتمرّد والنقمة والقطيعة مع السلطة والمجتمع.
أضيف من جانبي مسألة أخرى جوهرية
لا تمسّ سيناء وحدها، وإنما تحوّلتإلى إحدى مشكلات المجتمع المصري المستعصية، التي لا يوجد لها حل في
الأجلالقريب، أعني
بذلك التعامل مع المشكلات الاجتماعية بعقلية أمنية، وهو ماسميته من قبل إدارة المجتمع بعقلية المطرقة،
التي لا تعرف التفاهم أوالسياسة ولا تخاطب الآخرين إلا بلغة الهراوة أو المطرقة. وهو ذات
النهجالذي لا يؤمن
بالتنمية أو المشاركة أو محاولة كسب القبائل واحترامخصوصيتها، وإنما يعتبر أن القمع هو الحل. ولا
يحتاج المرء إلى عراف أوقارئ كف لكي يخلص إلى أنه طالما ظل القمع هو الحل، فإن المجتمع لن
يعرفالاستقرار،
سواء كان قبليا أم حضريا، وهو درس قديم ظل المستبدون محصّنينضد تعلّمه، بالرغم من أن أغلبهم
دفعوا ثمنا باهظا جراء ذلك.
أستغرب تجاهل الإعلام العربي
تصريح وزير الخارجيةالإسرائيلي، الذي طالب فيه السلطة الفلسطينية بأن تسحب دعواها التي
قدمتهاإلى المحكمة
الجنائية الدولية.. واتهمت فيها إسرائيل بارتكاب جرائم حربأثناء الحرب على غزة.
وبرر ذلك بقوله إن السلطة التي
طلبت من إسرائيل أنتوجه ضربة قاصمة إلى حماس في غزة ليس لها أن تدعي عليها بعد ذلك بأنهاارتكبت جرائم حرب بحق القطاع.
هذا الكلام الخطير الذي أوردته
صحيفة «جيروزاليم بوست» في 23 /9، لميثر اهتمام وسائل الإعلام العربية المعروفة،
باستثناء قناة «الجزيرة» التيأوردت الخبر،
وهو موقف يبعث على الحيرة ويثير الشك، من حيث
إنه يعطيانطباعا بمحاولة التستر على المعلومة وطمسها، لأسباب غير مطمئنة.
مع ذلكيظل مضمون الكلام هو الأهم، وهو يستحق
التدقيق والتحقيق، على الأقل لكينفهم ما يجري.
صحيح أن السيد ليبرمان على
المستوى الشخصي رجل سيئ السمعة،وهو من جانبنا لا يحظى بأي احترام.
أما على مستوى الموضوع، فحين يقولكلاما كهذا وهو في منصب وزير
الخارجية، فإننا لا ينبغي أن نغض الطرف عنه،وإذا كنا لم ننس له تهديده بقصف السد العالي
وهو مجرد زعيم حزب يزايد علىغيره، فأجدر بنا ألا نتجاهل ذلك الكلام الخطير الذي قاله وهو مسؤول فيالحكومة.
عند الوهلة الأولى فإن ادعاء
ليبرمان يبدو أقرب إلى المستحيلات، حيث لايتصور عقلا أن تطلب قيادة السلطة الفلسطينية
من إسرائيل أن تجهز على حماسفي غزة، رغم ما تكنه لها من خصومة وما تختزنه من مرارات، لكن هذااللامعقول صار معقولا في ممارسات
عدة حاصلة على الأرض، يجسدها مثلاالتنسيق الأمني بين الأجهزة الفلسطينية والإسرائيلية، ذلك أن هذا
التنسيقيتم بين الطرفين في مواجهة عناصر المقاومة، ويراد به في حقيقة الأمرالقضاء على المقاومة تماما.
والفرق بينه وبين العدوان، أن
الإجهاز في ظلالتنسيق الأمني يتم بالتقسيط، في حين أنه «فوري» ودفعة واحدة في حالةالحرب
يكمل الصورة من هذه الزاوية ما
ذكره رئيس الموساد السابق «إفرايمهاليفي» في مقال نشرته له «يديعوت أحرونوت» (في 25 مايو الماضي) تحت
عنوان
«الفلسطيني
الجديد»، من أن الاعتقالات التي تقوم بها إسرائيل في الضفة فيصفوف قادة حماس تستهدف تعزيز حكم
أبومازن وجماعته.
ومن المفارقات أن الرجلعارض في مقاله سياسة القضاء على
حماس التي تنبأ لها بالفشل، ودعا إلىضرورة الحوار معها.
ثمة قرائن أخرى يفيدنا استحضارها
أثناء بحث الموضوع، منها على سبيلالمثال،
أن بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية
التابعة للسلطة كانوا يزودونالإسرائيليين أثناء الحرب بمعلومات عن الأوضاع في غزة. وقد سمعت من
أحدقادة حركة
الجهاد الإسلامي أن أحدهم اتصل به هاتفيا في اليوم الثانيللعدوان. لكي يلفت نظره إلى أن
الإسرائيليين قصفوا أهداف حماس ولم يوجهواصواريخهم إلى أهداف الحركة، ساعيا بذلك إلى
استمالته وإغراء مقاومي الجهادبعدم التضامن مع حماس في المعركة.
وحين سمع الرجل ما لا يرضيه بادرتالطائرات الإسرائيلية إلى قصف
مقار «الجهاد» في اليوم التالي مباشرة! وماكان لذلك أن يتم إلا من خلال انتظام الاتصال
المباشر بين الطرفين أثناءالعمليات.
من تلك القرائن أيضا أن بعض
مسؤولي الأجهزة الأمنية الفلسطينيةتمركزوا في العريش منذ الساعات الأولى لبدء العدوان الإسرائيلي،
وكانوامتأهبين
للدخول إلى غزة مقدرين أن الحكومة القائمة في القطاع ستسقط، وأنقادتها سيحاولون الاحتماء
بالأراضي المصرية.
حين تشيع هذه المعلومات في أوساط
المتابعين للشأن الفلسطيني، ثم يخرجليبرمان على الجميع ليقول ما قاله، فإنهم لا
يفاجأون، وإنما يهزون رؤوسهمقائلين إن ظنونهم كانت في محلها حقا وهو ما يدعوني إلى القول بأن
الخطرعلى القضية
لم يعد من إسرائيل وحدها، لأن الأخطر هو سلوك الممسكين بالملففي البيت الفلسطيني ذاته.
هذه قصة من ذلك النوع الذي تصيبك
وقائعه بالكآبة فيعز العيد.
الشخصية المحورية فيها مزارع يبلغ
من العمر ثلاثين عاما، اسمهشعبان سعد، يعيش في إحدى القرى المجاورة لمدينة طنطا عاصمة محافظةالغربية،
هذا الرجل أنجب طفلا في أواخر شهر
رمضان، وقيل له إنه يحتاج إلىجهاز للتنفس الصناعي. فحمله وذهب به إلى حضانة تابعة لمستشفى خاص في
طنطا.
وما إن عرض
عليهم الأمر حتى طلبوا منه إيداع مبلغ 2400 جنيه كمقدم للسماحللطفل بالدخول.
دفع الرجل المبلغ صاغرا، وظل
يتردد على طفله كل يوم لكييتابع حالته. وفي اليوم الخامس طالبته إدارة المستشفى بسداد مبلغ ألفيجنيه إضافية، أسقط في يده، فخرج
من المستشفى لكي يبحث عن حضانة مجانيةتستطيع استقبال ابنه الرضيع. وبعدما حفيت
قدماه ولم يعثر على ضالته عادإلى المستشفى مرة أخرى ليجد أنهم رفعوا جهاز التنفس الصناعي، وأن
الطفلفارق الحياة،
جن جنون الرجل وذهب إلى أقرب مركز
للشرطة حيث حرر محضرا ضدإدارة المستشفى، متهما إياها بقتل طفله. الأدهى من ذلك والأمر أنه حينأراد أن يتسلم جثمان الطفل لكي
يدفنه فإن إدارة المستشفى رفضت تسليم الجثةإلا بعد أن يسدد الرجل بقية الحساب!
في القصة التي نشرتها «الأهرام» (عدد
22سبتمبر الجاري) أن وكيل وزارةالصحة بمحافظة الغربية اهتم بالموضوع، وأن الطبيب الشرعي سيحدد ما إذاكانت وفاة الطفل حدثت بسبب رفع
جهاز التنفس الصناعي عنه، أم أنه كان قدمات ثم تم رفع الجهاز بعد ذلك. وفي ضوء ذلك
البحث ستتحدد الإجراءات التييتعين اتخاذها في مواجهة الأطراف المسؤولة.
تثير القصة أكثر من ملاحظة.
فأنا لا أريد أن أصدق أن تكون
إدارةالمستشفى قد
قررت رفع جهاز التنفس عن الطفل الرضيع مما أدى إلى موته. لأننا نصبح بإزاء جريمة قتل عمد، ينبغي أن
يجرم كل من شارك فيها بالتحريضوالتنفيذ.
مع ذلك فلا مفر من الاعتراف بتعدد حالات طرد
المرضى من بعضالمستشفيات لعجزهم عن تدبير نفقات العلاج مما أدى إلى وفاة بعضهم،
الأمرالذي يسلط
الضوء على ثلاثة أمور،
أولها فشل الدولة في تدبير
الرعايةالطبية اللازمة للمعوزين،
وثانيها جشع بعض أصحاب المستشفيات
وعزل الضميرعن المهنة في تلك الحالات،
أما الأمر الثالث فيتمثل في حجم
الانقلاب الذيحدث في منظومة القيم السائدة، وطغيان قيمة الاتجار بأي شيء وتحقيق
الكسبالسريع بصرف
النظر عما هو مشروع أو غير مشروع.
من ناحية أخرى، فإن ما جرى يسلط
الضوء على عذابات الفقراء في هذاالبلد، وعدم وجود أي غطاء يوفر لهم الحق في الحياة.
وللعلم فإن الرجل الذيفقد ابنه الرضيع ليس من المعدمين.
لأنه استطاع أن يوفر 2400 جنيه لعلاجابنه في يوم دخوله إلى المستشفى، وهو مبلغ
يعجز عن تدبيره ملايين المصريينإذا ما طولبوا به فجأة. كما أنه يفوق قدرة ثلاثة أرباع موظفي الحكومة،
إذاما تعرض أي
واحد منهم لمثل هذا الموقف.
في الوقت ذاته فإن ما جرى يثير
سؤالا كبيرا حول القاتل الحقيقي لابنالمزارع شعبان سعد. لأن مختلف الشواهد تشكك
في صدق المعلومات التي روجتلها الصحف حول توفير التأمين الصحي للأطفال منذ ولادتهم. إذ الثابت أنالصحف زفت تلك الأخبار للناس
وأشادت بها، لكن الحكومة اكتفت بالنشر فيالصحف، ولم تعتمد أي مبلغ لتنفيذ المشروع. وهو
ما يعني أن المتهم الأول فيجريمة قتل الطفل الرضيع ليس مستشفى مدينة طنطا.
وإذا ما أثبت تقرير الطبيبالشرعي مسؤولية إدارة المستشفى عن
وقوع الجريمة، فإنها يجب أن تضم إلىلائحة الاتهام كمتهم ثان.
والمشكلة في هذه الحالة أن المتهم الأول الذي هوفوق القانون سيفلت من العقاب، إذ
بامتناع الحكومة عن التأمين على الأطفالبعد ولادتهم، فإن حالات قتل أبناء الفقراء
سوف تستمر، وسيظل المسؤول الأولعن القتل مطلق السراح.
هذه خمس ملاحظات على ما حدث في
انتخابات مدير عاماليونسكو، التي أسفرت عن خسارة السيد فاروق حسني وفوز المرشحة
البلغاريةايرينا بوكوفا:
* الملاحظة الأولى أن هذه من المرات النادرة
التي يخوض فيها وزير مصريتجربة انتخابية حرة، لا مجال فيها للتلاعب أو التزوير. صحيح أن الأمر
لميخل من
تربيطات ومناورات، وهو ما يحدث في كل انتخابات، ولكن ذلك كله يتمخارج قاعة الاجتماع ولا علاقة له
بفرز الأصوات. وهو ما لم يألفه رجالالسلطة في مصر، الذين اعتادوا أن يخوضوا «المعارك
الانتخابية» وهم مطمئنونإلى نتيجتها، والمناسبة تثير السؤال التالي:
كم واحدا منهم يمكن أن يحققفوزه «الكاسح» في أي انتخابات
حرة؟
* الملاحظة الثانية أن فشل السيد فاروق حسني لا
يشكل خسارة لمصالحالعرب أو المسلمين، كما أن فوزه لم يكن ليعد مكسبا لهم. ذلك أن مديراليونسكو يظل محكوما في سياساته
ومواقفه بحسابات ومصالح الدول الكبرىالمهيمنة. ولا ينسى أن المسلم الوحيد الذي
شغل ذلك المنصب الوزير السابقوالمثقف السنغالي البارز أحمد مختار امبو الذي انتخب عام 1974. وحين
اقتربالرجل من
خطوط الغرب الحمراء، مثل نزع السلاح وإسرائيل والنظام العنصري فيجنوب أفريقيا. فإن الدول
الأوروبية ناصبته العداء، وانسحبت الولاياتالمتحدة من المنظمة، وقطعت تمويلها لأنشطتها.
الأمر الذي أصاب اليونسكوبالشلل وأضعف دورها، إلى أن تركها الرجل غير مأسوف عليه من جانب
العواصمالغربية، وهو ما يسوغ لي أن أقول إن نجاح صاحبنا لم يكن ليفيد في شيءالعالم الذي ينتمي إليه، كما أن
فشله لا يمثل خسارة لمصالح ذلك العالم.
* إن قرار التنافس على منصب مدير اليونسكو لم
يكن اختيارا صائبا لأنسمعة مصر السياسية والثقافية لا تشكل رصيدا إيجابيا يقوي مركز مرشحهاويعززه. ولعلي لا أبالغ إذا قلت
إن فشل السيد فاروق حسني ليس راجعا لكونهمعاديا لإسرائيل كما قيل، ولكن من الأسباب
المهمة التي أسهمت في الفشل أنهيمثل بلدا يصنف ضمن الدول الفاشلة سياسيا، حيث تُحتكر فيه السلطة
ويحكمبقانون
الطوارئ منذ أكثر من ربع قرن وتُقمع فيه الحريات العامة، وهو مايجرح صورة مرشحها، ويجعل من
انتخابه لإدارة اليونسكو اعتداء على قيمهاوإضعافا لرصيدها الأدبي والمعنوي. وهي ذاتها
الأسباب التي أدت إلى فشلالدكتور غازي القصيبي المرشح السعودي لذلك المنصب قبل أربع سنوات، حيث
قيلوقتذاك كيف
يمكن أن يصبح الرجل مديرا لليونسكو وهو يمثل بلدا يعاديالديموقراطية.
* الملاحظة الرابعة أن مصر بذلت جهودا كبيرة
لمساندة فاروق حسني، حتىان الرئيس مبارك تدخل بشخصه لمساندته فضلا عن ترشيحه. وبات معلوما أنه
لميلتق رئيسا
خلال العام الأخير إلا وحدثه في الموضوع. وهو ما أسهم في وقوفالحكومة الفرنسية إلى جواره، وفي
تغيير الموقف الإسرائيلي الرسمي منه. وقداستمرت جهود الرئيس لمساندته أثناء جولات
التصويت، ونشرت الأهرام في 9/22أنه أجرى اتصالا هاتفيا مع ملك إسبانيا عبر خلاله عن تقدير مصر لموقفبلاده في أمرين هما: قضية السلام
في الشرق الأوسط وترشيح فاروق حسنيلليونسكو (لاحظ أن الأمرين وضعا على قدم المساواة). وما يثير الانتباه
فيهذا الصدد أن
الرئاسة المصرية لم تلق بهذا الثقل في مواجهة ملفات أخرىمهمة داخلية وخارجية، من مكافحة الغلاء
وانهيار التعليم والبحث العلمي إلىأزمة الخبز واختلاط مياه المجاري بمياه الشرب وصولا إلى مشكلات توزيع
مياهالنيل وتنقية
الأجواء العربية وإنهاء حصار غزة.
* الملاحظة الأخيرة أن السيد فاروق حسني لم
يخرج خاوي الوفاض منالمعركة، ولكنه عاد «ضحية» وكسب نقطتين من حيث لا يحتسب.
إذ اتهم بالعداءلإسرائيل
وحسب عليه انتماؤه العربي
والإسلامي،
والحقيقة أنه بريء من «التهمتين». إذ علنًا بذل الرجل
المستحيل لكي ينفي عن نفسه التهمة الأولى،
وعمليا فإنه لم يدع حماسا لذلك
يوما ما، كما أنه لم يقصر في محاولةاستبعاد التهمة الثانية، تشهد بذلك حسابات
توزيع جوائز الدولة التقديريةللعام الحالي.
الكويتيةالمطلقة التي قامت بإحراق خيمة
نصبت لعرس زوجها السابق، وتسببت في قتلأكثر من 40 شخصا جعلتني أستعيد مقالة فرنسية
عن تنامي دور المرأة في عالمالجريمة.
فاجأتني معلوماتها فاحتفظت بها
بين أوراقي. صحيح أن هناك فرقا،فالسيدة الكويتية لم تكن زعيمة عصابة، وفيما قرأت فليس لها سجل في
عالمالجريمة،
ولكنها فعلت فعلتها مدفوعة بمشاعر الانتقام والغيرة والحقد، إلاأنها كانت واعية بأن من شأن
الحريق لا أن يقتل طليقها وعروسه الجديدةفحسب، ولكن أن يقتل الذين احتفلوا به أيضاً،
وعمدًا أرادت أن تحول الفرحإلى كارثة.
المقال الذي
أتحدث عنه نشرته «الاكسبريس» الفرنسية (في 13/8)، واشترك فيإعداده ثلاثة من الصحفيين، لفتوا
الانتباه إلى قول المدعي العام الإيطالي: إن النساء لم يعدن ضحايا في عالم الإجرام،
وإنما صار بعضهن مجرمات كبيراتيرأسن عصابات ومافيات في أنحاء العالم. وهؤلاء متعلمات ويتمتعن بجرأة
فاقتكثيراً جيل
الأمهات.
ذكرت المقالة
أن أول زعيمة مافيا في إيطاليا هي جيزى فيتال «37 سنة» التيأعلنت توبتها في سنة 2005، وكانت قد
رأست أحد فروع مافيا «كوزا نوسترا»
ذائعة الصيت
لمدة خمس سنوات (بين عامي 1998 و2003) وشهد لها الجميع بالحزموالقسوة.
ومن الشائع في نابولي أن تمسك
شقيقة زعيم العصابة أو خليلتهبزمام العصابة بعد سجنه. وفي بعض الأحيان فإنها ترفض أن تتخلى عن
دورهابعد الإفراج
عنه،
وفي رأي خبراء الجريمة أن النساء اللاتي يتقلدن
هذهالمواقع عادة
ما يتسمن بالجرأة المفرطة والوحشية. وقد ذاع صيت واحدة منهذا الصنف في الخمسينيات (اسمها
بوبيتا ماريكا) ذلك أنها وهي بنت 16عاماً، وحامل في شهرها السادس، قامت بإطلاق 15
رصاصة على رجل أثناء تناولهالطعام في مطعم.
وطوال عشرين عاماً هيمنت سيدة
أخرى متوحشة اسمها آن ماتساأو «الأرملة السوداء» على مدينة أفراتمولا الصغيرة بضواحي نابولي.
في المكسيك تتولى سيدات أنيقات،
هن بمثابة نجوم في وسائل الإعلام رئاسةعصابات المخدرات، ومنذ التسعينيات إلى اليوم يتعاظم
دور هؤلاء النسوة فيعمليات بيع المخدرات وترويجها، وبعضهن بلغن مواقع قيادية في العصابات.
وأكثر الزعيمات شهرة واحدة اسمها
ساندرا افيلا يلتران، أما أكثرهن نفوذاًفهي أندينا اريلانو فيليكس، التي رأست عصابات
«تيخوانا» منذ القبض على عددمن أشقائها ومقتل بعضهم. ومعروف عن هذه السيدة التي درست المحاسبة
أنهاكتومة وحذرة
ولا تهتم بالمظاهر أو بالحياة الباذخة. وقد استثمرت أرباحهافي مشروعات عقارية وفندقية.
وهناك زعيمة أخرى اشتهرت باسم «الفهد»
(اسمهاايفون
سوتوفيجا) أسست مكاتب صرف عملة ووكالات عقارية، وقامت بتبييض أكثرمن 100 مليون دولار في تلك
الشركات، قبل إلقاء القبض عليها في سنة 2001،وتشير الإحصاءات إلى أنه خلال عامي 2007 و2008
لقيت أكثر من 50 مكسيكيةمصرعها في حروب تصفية الحسابات بين العصابات،
وفي عام 2005 إثر القبض علىزوج ماريا ليتشيادى مديرة إحدى
عصابات المافيا، كان عنوان صحيفة «ايلماتينو» الذى أُبرِز على الصفحة الأولى هو: إلقاء
القبض على زوج الرِّيسة.
وفي بعض
المدن الأوروبية، تدير نساء نيجيريات شبكات دعارة تنتشر فيإسبانيا، وميلانو، وباريس وإدارة
مثل الشبكات هذه كانت إلى وقت قريب حكراًعلى «قوادين» رجال، ويسمى رجال الشرطة
الفرنسيون هؤلاء النسوة «لى ماما»
(الأمهات) ونظراؤهم
البلجيكيون يسمونهن «لى مدام» (السيدات) ويعود تأنيثإدارة شبكات الدعارة إلى نهاية الثمانينيات
من القرن العشرين، إثر وصولمومسات نيجيريات «مستقلات» إلى أوروبا واستقرت المومسات بإيطالياوإسبانيا. واستثمرن أرباحهن في
بلدهن الأم. وبعضهن اخترن الاستفادة منالخبرة التي راكمنها في عالم البغاء للإشراف
على عدد من الشابات، وتشتريالنسوة هذه «قوة عمل» شابة فتية.
وفي2009، بلغ
سعر استقدام شابة من نيجيريا إلى أوروبا 10 آلاف يورو، ويسددالمبلغ لشبكات هجرة غير مشروعة
تنقل المهاجرين إلى القارة الأوروبية،وتتولى «المدام» تفاصيل استقبال الشابة،
وتؤمن مكان إقامتها، وعملها،وتختار زبائنها، وتحتسب «مردودها» ويفترض بالشابة الجديدة تسديد نحو 60ألف يورو لـ«المدام»، وهو مبلغ
يمكن تحصيله من «الشغل» خلال عامين أوثلاثة
ـ إن وجه «الجنس اللطيف» يتغير
حيناً بعد حين ـ وتمكين المرأة يحقققفزات لم تخطر على البال!
انتابنيشعور بالهلع حين سمعت مصطلح الفلسطيني الجديد
لأنه بدا استعادة لتجربةصناعة الهندي الجديد، التي تعد احدى الجرائم التاريخية الكبرى.
- 1 -
الذي تحدث عن الفلسطيني الجديد هو
الجنرال كيث دايتون الذي يتولى رسمياوظيفة المنسق الأمني وهو يقيم في تل أبيب
ملحقا بالسفارة الأمريكية هناك.
أما وظيفته
الفعلية فهي الاشراف على تهيئة الأوضاع في الضفة الغربية بحيثتتوافق تماما مع الرغبات
والمخططات الاسرائيلية. وهي المهمة التي يحتل رأسأولوياتها تهدئة الهواجس الأمنية الاسرائيلية.
من خلال تخليق جيل منالفلسطينيين نافر من المقاومة ومتصالح مع الاسرائيليين.
من هذه
الزاوية يغدو الفلسطيني الجديد كائنا ممسوخ الذاكرة، لا تاريخ يحثهولا حلم يشده ولا أمل يتعلق به،
وانما هو مشغول بالتوافق مع المحيطالمفروض عليه، ومهجوس بالدفاع عن سلطة منفصلة عن الأمة، ومحتمية
بعدوهاالتاريخي.
المقاومة عنده ارهاب، وفصائل
النضال من بقايا عهد بائد عفا عليهالزمن. و»التعاون« مع الاسرائيليين اسهام مرغوب في الاستقرار، وليس
مجلبةللعار.
هذا الفلسطيني الذي يريدونه كائنا
غير الذي نعرفه. ومهمة الجنرال دايتونهي العمل على الاسراع بانتاجه، كي يتسلم
الزمام ويريح بال الاسرائيليين.
والجهد الذي
يبذله يتوزع على دوائر ثلاث هي:
سلطة الادارة
والأجهزةالأمنية
والمواطنون العاديون.
ومن الواضح أن كل التركيز في
الوقت الراهنموجه الى الدائرتين الأوليين. لأن ترويض الفلسطيني العادي مهمة بالغةالمشقة وتحتاج الى وقت طويل.
لقد كانت الرسالة الشهيرة التي
وجهها ياسر عرفات باسم منظمة التحرير الىرئيس الوزراء الاسرائيلي اسحاق رابين (سبتمبر
1993) - بداية مرحلة ترويضالقيادة الفلسطينية واستسلامها في أوسلو للضغوط الاسرائيلية. ولعل
كثيرينيذكرون أن
عرفات أعلن وقتذاك الاعتراف باسرائيل ونبذ الارهاب (في ادانةصريحة للمقاومة) مؤكدا أن كل
القضايا العالقة ستحل بالمفاوضات، الأمر الذيأغلق الأبواب أمام أي بدائل أخرى في حسم
الصراع.
وهذه البداية شقت منحدراانتهى الى حيث اعتبر خلفه أبومازن
أن المقاومة عمل »حقير«، والى حيث أصبحالتنسيق الأمني قائما بين السلطة الفلسطينية
وبين سلطة الاحتلال للقضاءعلى المقاومة واستئصال عناصرها.
وهي القرائن التي دلت على أن ثمة سلطة »جديدة« نالت رضا الاسرائيليين
وتأييدهم. الأمر الذي هيأ مناخا مواتياللتقدم نحو تخليق الفلسطيني الجديد في
الأجهزة الأمنية. وهي المهمة التيتصدى لها الجنرال دايتون، وساندته فيها بقوة الرباعية الدولية.
-2 –
في مطلع شهر
مايو الماضي ألقى الجنرال دايتون محاضرة في معهد واشنطنلسياسة الشرق الأدنى، تحدث فيها عن جهوده في
انتاج الفلسطيني الجديدالمنخرط في الأجهزة الأمنية. فقال ان عناصر تلك الأجهزة تم انتقاؤهم
منخارج
الفصائل، أي من خارج السياسة والدوائر ذات الصلة بالنضال (الارهاب). بحيث يتحول الواحد منهم الى شرطي
ينتمي مهنة أكثر من انتمائه الى وطن أوقضية. وعلى حد تعبيره فان الشرطي يلقن ابتداء
أنه يعد لكي لا يحارباسرائيل، ولكن لكي يحفظ النظام ويطبق القانون لهدف أساسي هو: العيش
بأمنوسلام مع
الاسرائيليين.
الى جانب الاعداد العسكري لأجهزة
الأمن، فهناك الاعداد النفسي الذي يستهدفتغيير طريقة تفكير ذلك الجيل الجديد من
الجنود، الذين يعملون تحت قيادةضباط سبقوهم في التعاون والتنسيق الأمني مع الاسرائيليين، وهذا
التنسيق لههدفان أساسيان هما
ملاحقة عناصر المقاومة واجهاض
عملياتها.
والحيلولة دونتصعيد التوتر بين الجماهير
الفلسطينية وقوات الاحتلال.
الجندي الفلسطيني »الجديد« أصبح
لا يتردد في تنفيذ تعليمات مطاردة أو خطفواغتيال المقاومين. والضابط الجديد أصبح على
تنسيق يومي مع الاسرائيليين.
حتى تباهى
الجنرال دايتون بأن التعاون بين الضباط الفلسطينيين ونظرائهمالاسرائيليين حقق نجاحا كبيرا
أثناء العدوان على غزة، لأنه ساعد على تهدئةالأمور في الضفة، لدرجة أن الضباط
الفلسطينيين كانوا يطلبون منالاسرائيليين الاختفاء عن الأنظار لساعة أو ساعتين من بعض المواقع، كي
تمرالمظاهرات
دون أن يستفزها وجودهم. وذكر أن ذلك »التفاهم« حقق نتائج مدهشةفي بيت لحم لدرجة أن القائدين
الفلسطيني والاسرائيلي تبادلا ثقة أدت الىرفع حظر التجول في المدينة على الرغم من أنه
مطبق في الضفة كلها منذ عام
2002. كما
أنها سمحت للفلسطينيين بادارة نقاط التفتيش الخاصة بهم لوقفعمليات التهريب.
عملية انتاج الفلسطيني الجديد
منزوع العداء لاسرائيل اعتمدت لها الولاياتالمتحدة 161 مليون دولار ويديرها الجنرال
دايتون حقا، ولكن بمساعدة فريقأمني من كندا والمملكة المتحدة وتركيا.
أما معسكرت تأهيل أولئك الضباطوالجنود فتتم في الأردن. وهذا
الفريق الأمني على صلة يومية مع فريق منرجال الشرطة الأوروبيين الذين يساعدونهم في
تنفيذ مخططهم.
في ختام محاضرته قال دايتون ان
الاسرائيليين مهتمون للغاية بعملية اعادةتأهيل الأجهزة الأمنية، معتبرين أن نجاح جهود
انتاج الفلسطيني الجديد هوالضمان الحقيقي لاستقرار السلام في المنطقة.
- 3 –
اذا أضفنا
الى ما سبق تغير أسماء المدن الى العبرية، والضغوط التي تمارسهااسرائيل لمحو تاريخ النكبة
والنضال الفلسطيني من مناهج التعليم في الضفة،بما يؤدي الى محو الذاكرة الفلسطينية، فاننا
نكون بازاء »سيناريو« احلالييطبق في فلسطين ما سبق تطبيقه مع الهنود الحمر منذ ثلاثة قرون تقريبا.
ذلكأن ما يجري
الآن هو صورة طبق الأصل لما فعله المهاجرون البروتستانتالانجليز حين وفدوا الى بلادهم التي عرفت
فيما بعد باسم الولايات المتحدةالأمريكية.
وهي التجربة المثيرة التي وثقها بمختلف فصولها
المروعة الباحثسوري الأصل منير العكش المقيم في الولايات المتحدة وهو مؤسس مجلة »جسور« التي تصدر بالانجليزية. وأستاذ
الانسانيات بجامعة »سفك« في بوسطن. وقد صدرله في الموضوع كتابان. (عن دار رياض الريس
ببيروت)
أحدهما سنة 2002 عنالابادة الجسدية الجماعية للهنود، كان عنوانه:
حق التضحية بالآخر - أمريكاوالابادات الجماعية.
أما الكتاب الثاني الذي عالج
الجانب الذي نتحدث عنهفقد صدر في شهر يوليو من العام الحالي. تحت عنوان »أمريكا والإباداتالثقافية«.
الكتاب الأول تحدث عن استئصال
الهنود، والثاني تحدث عن طمس هوية من بقيمنهم على قيد الحياة، بحيث لا يصبح الهندي
هنديا حقيقيا، وانما يغدو
»مخصيا« ثقافيا،
ومن ثم انسانا جديدا مقتلعا من جذوره ومنتميا الى غيرأهله.
من النقاط المهمة التي أثارها
الباحث أن الانجليز البروتستانت حين نزحوامنذ بدايات القرن السابع عشر الى ذلك العالم
الجديد الذي أطلقوا عليه اسماسرائيل، فانهم اعتبروا أنفسهم »يهود الروح« (العبرية كانت لغة
المتعلمينمنهم والعهد القديم اعتبر مرجعهم ومرشدهم). وقد تمثلوا في هجرتهم
الخروجالأسطوري
للعبرانيين من أرض مصر الى أرض كنعان في فلسطين. وبدورهم اقتنعوابأنهم »شعب الله المختار«، وأن
مشيئة الله تجسدت في أرض كنعان الجديدة،كما جسدت فكرة اسرائيل مشيئة الله في أرض
كنعان القديمة (فلسطين).
ولأنهم »الشعب المختار« فقد انطلقوا
من أن معاملة السكان الأصليين فيالبلاد التي هاجروا اليها لا تخضع للقوانين الأخلاقية أو المبادئ
العقلية،ومن ثم اسقطوا عليهم فكرة كراهية العبرانيين للكنعانيين، التي سوغتللأولين ممارسة القتل والاغتصاب
والاستعباد بدعوى تنفيذ المشيئة الالهيةالتي فوضتهم في ذلك حين أمرت بذبح
الفلسطينيين الكنعانيين.
المشهد لا يخلو من مفارقة، لأن
المهاجرين الانجليز حين فعلوا ما فعلوه بحقالهنود الحمر، فأبادوهم واغتصبوا أرضهم فانهم
استلهموا تجربة خروجالعبرانيين من مصر الى أرض الكنعانيين في فلسطين. ثم دارت دورة الزمنووجدنا أن الاسرائيليين »العبرانيين«
في هذا الزمان استلهموا تجربةالمهاجرين الانجليز بجميع مراحلها، من الاستيطان الى الاحتلال
واستبدالشعب بشعب وصولا الى استبدال ثقافة بثقافة.
وفي هذا الشق الأخير فان فكرةأولئك المهاجرين في انتاج الهندي
الجديد. جرى استلهامها في محاولة انتاجالفلسطيني الجديد. اذ ظل الهدف واحدا، على
الرغم من اختلاف التفاصيلوالأساليب.
- 4 -
تحدث المؤلف عن أنه فرح حين وجد
بين طلابه في الفصل الدراسي الجديد فتاةمن أصول هندية اسمها سنج سوك، لكنه دهش حين
دعاها باسمها مرة ومرتين ولمتجب.وبعد انتهاء المحاضرة جاءته بوجه شاحب وشفاه مرتعشة، ورجته أن
يناديهاباسم جينيفر، قائلة انها لا تحب أن يناديها أحد باسمها الأصلي. واعتبر
أنذلك الخوف من
الذات، الذي يستبطن كراهية للذات في الوقت نفسه، هو من ثمارعملية انتاج الهندي الجديد، الذي
أريد له أن يخجل من هنديته في نهايةالمطاف ويشعر بالعار حين يستعيد أيا من
بقاياها.
عقب منير العكش على هذه الواقعة
بقوله ان هناك شعوبا هندية كثيرة لم تفقدأسماءها الحقيقية فحسب، بل صارت لا تعرف سوى
الاسم الذي فرضه عليهمغزاتها. واستطرد قائلا انه: في سياق هذا الاقتلاع والاخضاع والتعريةالثقافية، التي اعتبرها »المحرقة
الأخيرة للوجود الهندي، مسخت فكرة أمريكاجسد ضحيتها الهندي وثقافته الى مادة ملوثة
للانسان والطبيعة لابد منتطهيرها. وكانت برامج التعليم على رأس الوسائل التي استخدمت لكي«.. نزرعفي الطفل الهندي ذاكرة الغزاة
ولغتهم ومزاجهم وأخلاقهم ودينهم.. بحيثيتدرب ذلك الطفل الشقي على الاشمئزاز من نفسه
ومن كل ما حوله، ويشحنبالخوف من هنديته، والنظر الى نفسه والى العالم بعيون جلادية.
في فصول الكتاب سجل المؤلف شهادات
ومقولات منظر الابادة الثقافية التي تمتفي ذلك الحين، واختزلت في عبارات مثل:
اللغة والدين هما خط الدفاع
الأخيرللهنود ولابد
من القضاء عليهما (الكابتن براد مؤسس مدارس الهنود 1840–
1924) - ان الهنود قد يتعافون من مجزرة أو شبه مجزرة،
لكنك حين تعلمالهندي وتغسله فانك ستقضي عليه حتما، عاجلا أم آجلا.. اقصف كل هنديبالتعليم والصابون ودعه يموت »مارك
توين 1867«
- علينا أن نربي طبقة تترجمما نريد للملايين الذين نحكمهم. طبقة
من هنود الدم والبشرة، لكنهمانجليزيو الذوق والأفكار والتوجه والأخلاق والعقل »توماس مكولاي مؤسسالسياسة التربوية في أوساط الهنود
1800 - 1859«.
من المفارقات أن عملية انتاج الهندي
الجديد كانت من مهام مكتب الشؤونالهندية الذي تأسس في سنة 1806، وقال المؤلف انه يعد بلغتنا الحديثة »السلطة الوطنية الهندية«، التي
قام عليها نفر من الهنود الذين تنكروالأصولهم، وتسموا بأسماء انجليزية، وهؤلاء
اتبعوا أساليب بعضها تم استنساخهفي فلسطين، منها على سبيل المثال،
فرض حصار خانق على الجماعات
الهنديةالمماثلة التي تمتنع عن تسليم أطفالها لمدارس التأهيل،
وقطع امداداتالتموين عنها لفترة طويلة قبل
اقتحامها واعتقال الآباء وخطف الأبناء وقتلالزعماء
- استخدام سياسة »السلام« لكي
تكون الألة المثالية لسحق هنديةالهنود وخلق جيل جديد من السماسرة الذين يسلمون بالأمر الواقع
ويعترفونبشرعيته
- اقامة مدن للهنود »المتعاونين« الذين دخلوا في
دين الغزاة،واعتبروا المجتمع الهندي الوحيد الذي تم الاعتراف بشرعيته، وجرى
تمثيلهبقيادات ثم
اختيارها »ديموقراطيا«
(!).
لا يحتمل الحيز المتاح مزيدا من
التفصيل في المعلومات والشهادات المثيرةالتي حفل بها الكتاب، لكن الأكثر اثارة فيه
أنك حين تطالع فصوله لابد أنتستحضر الحاضر، حتى يخيل اليك أنك تقرأ رصدا لما يحدث في فلسطين هذهالأيام.
«كان رضي الله عنه مزَّاحا يفرط في
الدعابة». بهذهالعبارة وُصف الصحابي سويبط بن حرملة حين ذكره ابن عبدالبر في كتابه «الاستيعاب»، إذ اشتهر بأنه رجل
«المقالب» التي كان يورط فيها رفاقه،
ومنهؤلاء واحد من ظرفاء الصحابة اسمه نعيمان
الأنصاري، إذ يروى أنهما خرجا فيتجارة مع سيدنا أبوبكر وكان زاد الرحلة مع نعيمان، فطلب منه سويبط
شيئايطعمه، لكنه
رفض حتى يجيء أبوبكر، فقرر صاحبنا أن ينتقم منه بواحد منمقالبه، ومن وراء ظهره قام ببيعه إلى قوم
صادفهم، وحذّرهم من أنه عبديتوهّم أنه حر،
وبعدما تمت الصفقة وقبض سويبط
الثمن، اتجه المشترون إلىنعيمان ليحملوه معهم، وفوجئ الرجل بذلك فظل يصيح قائلا إنه حر وإن
صاحبهيستهزئ بهم،
لكنهم لم يصدّقوه وقالوا له إن صاحبك أخبرنا بأمرك،
وبينما همكذلك جاء أبوبكر فروى له سويبط ما
حدث، فلحق بالمشترين وأعطاهم الثمن الذيدفعوه، واستعاد نعيمان. قال صاحب الترجمة
إنهم حين قدموا على النبي عليهالسلام وأخبروه بالقصة، فإنه «ضحك وأصحابه حولا»، أي أنهم ظلوا قرابةالعام يضحكون كلما تذكّروا القصة.
قليلة هي الكتابات المعاصرة التي سلطتالضوء على الفكاهة والمرح عند
المسلمين، لأسباب تتراوح بين غلبة الهم علىحياتهم، وبين ضغوط مدارس الجهامة والجفاف
التي استعذبت النكد وتعلقت به،حتى أن واحدا ممن حيرته تعاليم هذه المدارس الأخيرة وجّه سؤالا إلى
الشيخيوسف
القرضاوي عما إذا كان يجوز للمسلم أن يضحك ويمرح.
وفي إجابتهالمنشورة في الجزء الثاني من
كتابه «فتاوى معاصرة» تحدّث الشيخ عن وصفالصحابة لرسول الله بأنه «كان من أفكه
الناس»،
واستدل بكلمات النبي محمدحين وجد أن أبا بكر الصديق قد
عبّر عن استيائه لسماع غناء جاريتين ببيتهفي يوم العيد، فقال صلى الله عليه وسلم له:
«دعهما يا أبابكر فإنها أيامعيد»،
وذكر أنه عليه الصلاة والسلام
استنكر يوما أن تُزفّ فتاة إلى زوجهافي صمت، وقال: «هلا كان معها لهو؟».
هذه المقدمة سقتها لكي أدعوك لأن
تبتسم ونستعيد شيئا من المرح فيالعيد، باعتبار أن ثمة توجيها شرعيا بذلك، وهو سبب مهم، لكنه ليس
السببالوحيد، ذلك
أنني وقعت على تقرير عن مناقشات جرت حول الضحك والمرح فيالمؤتمر الثامن والخمسين لأطباء علم النفس
الذي حضره 400 منهم واستضافتهألمانيا في شهر يوليو الماضي،
ومن الخلاصات التي توصل إليها
المجتمعون أنالضحك يزوّد الإنسان بطاقة عالية وصحة جيدة، لأنه يرخي العضلات ويحركالدورة الدموية، ويزيد من هورمون
«السيروتونين» الذي يلقب بهرمون السعادة.
وتحدث بعضهم عن اعتقاد البوذيين
في الهند بأن الضحك «معدٍ»، وأنه ينتشر