فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

مظاهرات مرغوبة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 29 جمادى الأول 1430 – 24 مايو 2009

مظاهرات مرغوبة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_23.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/880370.html

 

هذا نوع من المظاهرات نستطيع أن نتحدث عنه ونحن مرتاحون، ومطمئنون إلى أن تشجيعه لن يوقعنا تحت طائلة القانون، أو يعرّضنا لمظنة الاتهام. كما أن المشاركين في تلك المظاهرات بوسعهم أن يخرجوا إليها وهم واثقون من أنهم سيعودون إلى بيوتهم سالمين، ولن يقضي أحدهم ليلته في «تخشيبة» قسم الشرطة. إذ من الأرجح أن رجال الأمن المركزي لن يجدوا مبررا للتعرض لهم في هذه الحالة، لأن موضوع هذه المظاهرات لا علاقة له بالسياسة ولا بالأمن العام، وإنما هو إلى الأمن الخاص أقرب. هذا إذا لم يتعللوا بأن من شأن خروج تلك المظاهرات إلى الشارع أن يؤدي إلى تعطيل المواصلات العمومية. وهي الذريعة التي ابتدعها «ترزية» القوانين لقمع وجرجرة أي جماعة من الناس تخرج إلى الشارع دون إذن من الأمن إلى غياهب السجون والمعتقلات.

 

المظاهرات التي أعنيها هي التي ينظمها العزاب والعازبات، يطالبون فيها بحقهم في العثور على شريك للحياة. ولأنها كذلك، فهي ليست ضد أي جهة، ولكنها ضد الشعور بالوحدة ولمصلحة الرغبة المشروعة في التواصل مع الجنس الآخر. وهي فكرة تحتاج إلى شجاعة، خصوصا في عالمنا العربي والإسلامي، الذي لا تحتمل التقاليد أكثر من الهم إلى الموضوع أو التحرّك إزاءه في الظلام، وتستنكر بشدة التطرّق إليه في العلن والحديث عنه بصوت عال يسمعه الآخرون.

 

لست صاحب الفكرة، ولكنها استوقفتني حين قرأت أخيرا عن مظاهرة قام بها أولئك العزاب والعازبات في ريو دي جانيرو «عاصمة البرازيل»، رفعوا خلالها لافتات تعلن أنهم سئموا العيش في ظل الوحدة، وأن كل واحد منهم أو واحدة يريد شريكا في الحياة، في حين كتب بعضهم على لافتات أخرى نداء يقول: أريد حبيبا الآن.

ذكر التقرير الذي بثته الوكالة الفرنسية للأنباء أن المشكلة حادة في البرازيل، وأن هناك 52 مليون عازب من أصل مجموع السكان البالغ عددهم 190 مليون شخص،

 

وجدت أن الفكرة شجاعة، ويمكن أخذها على محمل الجد، خصوصا إذا وُظفت لمصلحة تشجيع الزواج وليس تشجيع اللهو والعبث، وسواء تم ذلك من خلال المظاهرات أو المسيرات الجماعية أو حفلات التعارف، فإن الهدف يظل مشروعا والاجتهاد فيه يغدو مستحبا، بدلا من الهروب من المشكلة بكتمانها أو الاحتيال عليها، خصوصا في مجتمعاتنا التي تتزايد فيها معدلات العنوسة، وترتفع نسب الطلاق بشكل ملحوظ.

 

في حدود علمي، فإن الجاليات الإسلامية في أوروبا والولايات المتحدة تعاني من هذه المشكلة، وبعضها كان أكثر شجاعة منا في التعامل معها ـ وقيل لي، في لوس أنجليس بالولايات المتحدة، إن المركز الإسلامي هناك ينظم رحلات جماعية مختلطة للشباب والفتيات لكي يوفر لهم فرصة التعارف وإقامة أسر مسلمة جديدة، بدلا من البقاء في ظل الوحدة، أو الذوبان في المجتمع الأميركي من خلال الزواج بأميركيين غير مسلمين، الأمر الذي يؤدي إلى اندثار الأسر المسلمة هناك بمضي الوقت.

 

صحيح أن التقاليد السائدة في مجتمعنا تستنكر إعلان الرغبة في الزواج من جانب الفتيات بوجه أخص (كتاب «عايزة أتجوز» للمدونة غادة عبدالعال كان مفاجئا وجريئا في عنوانه، ما روّج له، حتى أعيد طبعه خمس مرات، لكنه كان يسخر من العرسان وينتهى بإبقاء المشكلة بلا حل).

 

إلا أن المسألة لم تكن بهذا التعقيد في المجتمعات الإسلامية المبكرة. إذ يذكر صحيح البخاري أن امرأة اسمها سبيعة بنت الحارث مات عنها زوجها، فلما انتهت عدّتها فإنها تزينت و«تجمّلت للخطاب». فدخل عليها رجل اسمه أبو السنابل، وقال لها ما لي أراك تجمّلت للخطّاب ترجين النكاح (تريدين الزواج)؟ وحين تقدّم لخطبتها فإنها رفضته. وفي رواية أخرى أن شابا وكهلا تقدّما لخطبتها «فحطّت إلى الشاب».

 

حدث ذلك قبل ألف عام، لكننا حين «تقدّمنا» كل تلك السنين تمنّعنا عليه وتحرّجنا منه، حتى صرنا نتردد في الجهر بالمطالبة بالحلال، ونؤثر عليه الحرام في السر!

............................

فتّش عن السياسة في الصحافة

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 28 جمادى الأول 1430 – 23 مايو 2009

فتّش عن السياسة في الصحافة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_22.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/879799.html

 

لست أشك في حسن نية الذين دعوا إلى إصدار ميثاق شرف للصحافة العربية، لكنني أشك كثيرا في أن يسهم الميثاق في الدفاع أو الحفاظ على شرف المهنة.

 

صحيح أننا لا ننكر أن ثمة انفلاتا وهبوطا في مستوى الحوار الصحافي. وأن النموذج الذي تقدمه الصحافة المصرية في هذا الصدد يبعث على الخزي والحزن، من حيث إنها في تعاملها مع المخالفين لا ترعى فيهم إلّاً ولا ذمة، إلا أن هذه مشكلة لا يحلها ميثاق الشرف الصحافي. الأمر الذي يسوغ لي أن أقول إننا نتفق على وجود المشكلة لكننا نختلف في حلها.

 

فكرة ميثاق الشرف طرحت في الاجتماع الأخير للأمانة العامة لاتحاد الصحافيين العرب، وكانت صدى لتنامي ظاهرة التجاوز والتدهور الذي أصاب لغة الخطاب الإعلامي، خصوصا في ظل الانقسام العربي الراهن. إذ دأبت بعض الأبواق على تجريح الطرف الآخر على نحو ذهب أبعد من نقد السياسات وتسفيهها، وبلغت حد النيل من الأشخاص والخوض في أوضاعهم وعلاقاتهم العائلية. وبذلك أصبحنا بصدد صحافة هابطة لا يقتصر أثرها على إفساد الذوق العام وتشويه المدارك، وإنما ذهبت إلى حد إفساد العلاقات بين المجتمعات والدول العربية الشقيقة.

 

عند تحليل الظاهرة نجد أن الإعلام بتأثيره الكبير وانتشاره الواسع أصبح إحدى الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها الأنظمة السياسية سواء في تحسين صورتها أو تصفية حساباتها. ولم يعد سرا أن جميع وسائل الإعلام «القومية» في مصر مثلا تخضع للتوجيه السياسي والأمني، سواء كانت صحفا أو قنوات تلفزيوينة أو محطات إذاعية.

 

وهذا التوجيه والاختراق الأمنيان حاصلان بدرجات متفاوتة في الأغلبية الساحقة من القنوات التلفزيونية والصحف الأخرى التي توصف بأنها خاصة ومستقلة. لذلك فليس من قبيل المصادفة أن تتبنى تلك المنابر موقفا واحدا وتكاد تقول كلاما واحدا فيما خص العديد من القضايا الكبيرة المثارة مثل «خلية» حزب الله والعلاقة مع إيران وحماس، والعلاقة مع الإخوان، والموقف من سورية وقطر.. الخ.

 

كذلك لم يعد سرا أن فرص التقدم والترقي في الصحافة القومية المصرية باتت مفتوحة على مصاريعها للصحافيين الأكثر ذوبانا في السياسات المتبعة والأكثر «تجاوبا» مع التوجهات الأمنية. وحين ساد هذا الانطباع وذاع أمره في المحيط الصحافي فإنه دفع أعدادا غير قليلة من الصحافيين إلى التنافس في إثبات الالتزام والولاء والتجاوب مع السياسات والتوجهات الصادرة من الجهات العليا، بعدما أصبح كل واحد منهم مقتنعا بأن دوره في «المكافأة» قادم يوما ما. وقد رأوا بأعينهم أن تلك المكافآت والجوائز توزع على زملائهم كل حين، خصوصا في مواسم تغيير القيادات الصحافية.

 

إذا صح ذلك التحليل، وأحسب أنه صحيح، فهو يعني أن المعارك التي تخوضها الصحف ضد الأشقاء، والأسلحة الفاسدة والكتابات الهابطة التي تستخدم فيها هي بالأساس معارك سياسية وليست صحافية، الأمر الذي يعني أن الصحافة في هذه الحالة مجرد وكيل وليس طرفا أصيلا، ومخاطبتها في هذه الحالة، من خلال ميثاق الشرف الصحافي، تغدو توجها نحو العنوان الغلط. الأمر الذي يعني أن السعي لإصدار ذلك الميثاق هو من قبيل إبراء الذمة وسد الخانة ليس أكثر.

 

إن المشكلة الحقيقية تكمن في هيمنة السياسة على الصحافة. الأمر الذي يستدعي بقوة ملف الحريات العامة، التي يشكل إطلاقها المدخل الحقيقي لعلاج أزمة الصحافة، صحيح أن لدينا مشكلة أخرى تتعلق بضعف وتراجع كوادر المهنة، التي أصبحت في بعض الأحيان مهنة من لا مهنة له.

إلا أن هذه تأتي في مرتبة تالية من الأهمية، علما بأن رفع يد السياسة عن الصحافة كفيل بتصحيح القصور في أوضاعها المهنية بمضي الوقت.

 

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن الصحافة ظالمة حقا لكنها مظلومة أيضا.

...................................

ما هكذا تكون «الرعاية»

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 26 جمادى الأول 1430 – 21 مايو 2009

ما هكذا تكون «الرعاية» - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_21.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/878624.html

 

ظل اللواء عمر سليمان من الشخصيات القليلة التي تحظى بالثقة والاحترام بين المتربعين على قمة هرم السلطة في مصر. وهذه المواصفات تجعلنا نزن كلامه بميزان مختلف عن غيره من المسؤولين. خصوصا أولئك الذين يتحدثون في الشأن الفلسطيني ويسيء كلامهم إلى مصر إساءة بالغة، بحيث أصبحوا ينتقصون من رصيدها كلما تطرقوا إلى الموضوع. حتى غدوا نموذجا لذلك الذي أراد أن «يكحلها» فأعماها.

 

لأن الرجل من جنس آخر ومقام آخر، فقد استغربت ما نشرته جريدة «الأهرام» على لسانه يوم الاثنين 5/18 من أنه لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار أو فك الحصار أو التهدئة أو تحريك عملية السلام في المنطقة من دون التوصل إلى اتفاق ينهي الانقسام في الساحة الفلسطينية. وهو كلام حمّل الانقسام بالمسؤولية عن كل العناوين والملفات المتعثرة في الملف الفلسطيني. كأنما كان كل شيء سائرا على ما يرام خصوصا في مسيرة العملية السلمية منذ توقيع اتفاق أوسلو في سنة 1993، ولكن الانقسام الذي حدث في عام 2007 أوقف المراكب السائرة وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء، بحيث تراجعت كل «الإنجازات» التي تحققت بين عامي 93 و2007. وهو ما لا يصدقه عقل ولا تؤيده شواهد الواقع، ولا يقول به حتى أبومازن ذاته.

لا أريد أن أهون من شأن الانقسام، لكننا لا ينبغي أن نهول من شأنه أيضا. ولا ينبغي أن نحوله إلى مشجب نعلق عليه كل الإخفاقات التي حدثت أو العقبات التي وضعت أمام التسوية المرجوة.

 

إنني أفهم أن تتذرع السلطات الإسرائيلية بالانقسام لكي تستمر في الحصار وتمنع الإعمار وتسوّف في مفاوضات السلام، باعتبار أنها لا تريد أن تفوت فرصة وتتعلق بأي ذريعة لكي تواصل الضغط على الفلسطينيين لإذلالهم وإجبارهم في غزة على الإذعان لشروط الرباعية الدولية، في الوقت الذي تواصل فيه من جانبها توسيع المستوطنات وإكمال السور العازل وتهويد القدس وطرد الفلسطينيين منها بعد تدمير بيوتهم.

 

أفهم من رجل في حصافة اللواء سليمان أن يقول إن الاحتلال هو المشكلة، وإن مواقف الحكومة الإسرائيلية الجديدة تضاعف من تعقيد أي تقدم مرجو. وإن الانقسام يضر بوحدة الصف الفلسطيني حقا، لكن هناك أمورا يمكن أن تنجز حتى مع استمراره. فقد ظلت المفاوضات مستمرة في ظل ذلك الانقسام طوال السنتين الأخيرتين، بين أبومازن وجماعته وبين الحكومة الإسرائيلية السابقة، وقرأنا أن خمسين اجتماعا عقدت بين أحمد قريع رئيس الوفد المفاوض وبين تسيبي ليفني وزيرة الخارجية السابقة، لكن تلك الاجتماعات لم تسفر عن شيء. فلا حركت حاجزا ولا أطلقت أسيرا، ولكنها ظلت ستارا يخفي التوسعات الإسرائيلية على الأرض. إلى جانب ذلك فالتهدئة التي قصد بها وقف إطلاق الصواريخ من غزة تمت في ظل الانقسام، وتجددت عمليا بعد ذلك والانقسام لايزال مستمرا.

 

أما ما كان مثيرا للدهشة في كلام السيد عمر سليمان فهو قوله أيضا إنه لا يمكن في ظل الانقسام أن يكون هناك أيضا حديث عن إعادة الإعمار وفك الحصار. وهو كلام يمكن توقعه من الأطراف الأخرى ذات المصلحة في استمرار الدمار وتجويع سكان القطاع. لكنه لم يكن متوقعا من رئيس المخابرات العامة الذي كان ينبغي أن يعلن عن أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تؤجل لأي سبب. بعد التدمير الوحشي الذي تعرض له القطاع وأدى إلى تشريد ربع مليون فلسطيني في القطاع. وهو خير من يعلم أن ثمة اقتراحا مسكوتا عليه بتشكيل جهة محايدة تتبع الجامعة العربية أو أي مؤسسة دولية تتولى الإشراف على الإعمار. ولكن حكومة رام الله ترفضه لكي تواصل ابتزاز حكومة غزة ولي ذراعها.

 

ولست أشك في أنه يعرف كذلك أن الحصار فرضته إسرائيل على القطاع بعد حسم الأوضاع في غزة.

وأرادت بذلك عدة أمور

أولها تأديب القطاع ومعاقبته لأنه صوّت لحركة حماس في الانتخابات.

وثانيها إخضاع حكومة غزة وإجبارها على الاعتراف بإسرائيل.

وثالثها الانتصار لحكومة أبومازن في رام الله.

ورابعها الضغط على أهالي القطاع للثورة ضد حكومة إسماعيل هنية أو على الأقل عدم التصويت لها في أي انتخابات قادمة.

 

إذا كان ما نشر على لسان السيد عمر سليمان دقيقا، فأخشى أن يحمل كلامه باعتباره انحيازا إلى موقف الأطراف الأخرى وإسهاما في ابتزاز حكومة القطاع وإرغامها على الخضوع للرغبات الإسرائيلية التي تبنتها الرباعية الدولية. وهو ما يسحب من رصيده كطرف نزيه يفترض أنه راعٍ للحوار وليس خصما فيه.

...................

 

نقطة ضوء في الكويت

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 25 جمادى الأول 1430 – 20 مايو 2009

نقطة ضوء في الكويت – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_6647.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/877962.html

 

لاحظت أن اهتمام الصحافة العربية بنتائج الانتخابات البرلمانية في الكويت أكبر بكثير من اهتمامها بالانتخابات الرئاسية التي حدثت في الجزائر، ولم أجد ذلك أمرا مستغربا، لأن ما جرى في الكويت كان انتخابات حقيقية حفلت بمفاجآت لم تكن في الحسبان، وبالتالي فإن شيئا من نتائجها لم يكن معلوما مسبقا، حتى الذين كانوا واثقين من الفوز ظلوا في انتظار الفرز، ولم تطمئن قلوبهم إلا بعد إعلان النتائج.

 أما انتخابات الرئاسة الجزائرية، فقد كانت النتيجة معلومة للجميع. وكان الجميع يعلمون أن الدستور تم تعديله خصيصا وإعادة «تفصيل» المادة الخاصة بولاية الرئيس، لكي يمكن من الاستمرار في موقعه، سواء لأنه رغب في ذلك أو أن الجيش المهيمن على المقدّرات السياسية وجد أن ذلك هو الوضع الأنسب له.

 

وحتى نكون منصفين فلا مفر من الاعتراف بأن ما حدث في الجزائر ليس فريدا في بابه، ولكنه نموذج شائع في أغلب الجمهوريات العربية إن لم يكن جميعها. وقد خطر لي أن أستثني لبنان، التي لا تخضع فيها الانتخابات لتلاعب أو تزوير، لكني وجدت أن منصب الرئاسة هناك لا يخضع للانتخابات، وإنما يتم الاختيار بالتوافق بين رموز الطائفة المارونية. لذلك فلعلي لا أبالغ إذا قلت إنه لم تعد هناك جمهوريات حقيقية في العالم العربي، ولكن لدينا أنظمة إما ملكية أو «جملوكية» إذا صح التعبير. والأخيرة هي التي تكون الراية فيها جمهورية في حين تكون الممارسات أقرب إلى الملكية، من حيث الاستمرار وولاية العهد وغير ذلك.

 

لم تكن هذه هي الملاحظة الوحيدة، لأنني وجدت أن سبب الحفاوة الشديدة بالانتخابات البرلمانية الكويتية راجع إلى ندرة الحالة التي تتم فيها الانتخابات من دون تدخّل أو تزوير في العالم العربي. إذ باستثناء الانتخابات النيابية اللبنانية وربما البحرينية بدرجة أو بأخرى، فإننا لا نكاد نجد انتخابات مماثلة تتم في أي بلد آخر من دون أن تخضع للتلاعب من جانب الأجهزة الأمنية الحكومية.

 

ورغم أن الحالة الديموقراطية نسبية في الكويت، فإن ذلك لم يؤثر على درجة الحفاوة بها والحماس لها، أقول نسبية، لأن الديمقراطية هناك تُمارَس في حدود حق التمثيل والمشاركة المحدودة في إصدار التشريعات والرقابة على الأجهزة الحكومية، أما المشاركة في السلطة فهي نسبية، لأن رئاسة الحكومة والوزارات المهمة أو التي تسمى سيادية محجوزة للأسرة الحاكمة. وهو ما ينطبق أيضا على حق المساءلة، الذي لايزال محل أخذ ورد ولم يعترف به بعد في مواجهة رئيس الحكومة باعتباره أحد أركان الأسرة الحاكمة. وبطبيعة الحال فإن حق تداول السلطة ليس واردا بحكم الدستور الذي حصر الحكم في أسرة آل الصباح، نحن إذن بإزاء ديموقراطية منقوصة، ومع ذلك احتفى بها العالم العربي إلى حد كبير.

 

الأمر الذي يعني أن سقف التطلعات الديموقراطية في بلادنا هبط كثيرا. بحيث إننا لم نعد نطمح إلى أكثر من ديموقراطية نسبية تسمح للجماهير بأن تنتخب ممثليها في المجلس التشريعي بحرية، حتى إذا كان دور المجلس محدودا ومتواضعا. بالتالي فنحن لم نعد نقارن أنفسنا بالأفضل، أعني بانتخابات نيابية ورئاسية حرة، وإنما أصبحنا في بعض أقطارنا نتطلع إلى انتخابات حرة لاتحاد طلاب المدارس الثانوية والجامعات، ونحلم بأن نشهد يوما ما انتخابات نيابية حرة، ولكن يبدو أن هذا الأمل لايزال بعيد المنال. وحين يصبح الواقع معتما إلى هذا الحد، فإن تحقيق ذلك الأمل في بلد مثل الكويت يغدو ضوءا مثيرا للإعجاب وإنجازا كبيرا يستحق الحفاوة والتهليل.

 

لقد كانت انتخابات الكويت خطوة إلى الأمام حتى على المستوى المحلي، وهو ما تجلى في احتلال النساء لأربعة مقاعد للمرة الأولى في تاريخ التجربة النيابية هناك. ولست أشك في أن استمرار التجربة وأجواء الحرية المتاحة فيها يمكن أن تذوِّب بعض الحساسيات القبلية والطائفية بمضي الوقت، لأننا تعلمنا من تجارب عديدة أن عيوب الممارسات الديموقراطية يمكن أن تعالج بشكل تدريجي من خلال توسيع المشترك بين الجميع وإضافة المزيد من الديموقراطية.

..........................

إرهاصات الدخول في المرحلة الإسرائيلية – المقال الاسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 24 جمادى الأول 1430 – 19 مايو 2009

إرهاصات الدخول في المرحلة الإسرائيلية – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_19.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/877418.html

 

الآن، في العام الواحد بعد الستين للنكبة، نكتشف أكثر من أي وقت مضى أن مأزقنا الكبير صار عربيا بأكثر منه فلسطينيا، وأن الموقف العربي أصبح الحلقة الأضعف والعنصر الأخطر في تصفية القضية.

(1)

تلك نكبة أخرى لها تاريخ، عايش السيد أحمد الشقيري السياسي الفلسطيني الذي كان أول رئيس لمنظمة التحرير بعض وقائعها في ثلاثينيات القرن الماضي، وسجلها في مذكراته التي صدرت في بيروت عام 69 تحت عنوان: أربعون عاما في الحياة العربية والدولية.

اذ تحدث عن أجواء الثورة التي اجتاحت الأراضي الفلسطينية عامي 35 و36، حين بدأت أفواج المهاجرين اليهود تتدفق تحت سمع وبصر سلطة الانتداب البريطاني، وحين أدرك الفلسطينيون خطورة هذه الهجرة التي اقترنت بوصول شحنات للسلاح كان المستوطنون يخفونها في أماكن عدة. وقتذاك أعلنوا الاضراب العام للتعبير عن الاحتجاج والغضب. فسارعت وزارة المستعمرات البريطانية الى اصدار بيان أعلنت فيه أنها تدرس بشكل جاد اجراء تغييرات دستورية لمعالجة مشكلتي الهجرة وبيع أراضي الفلسطينيين، لكنها نكثت بوعدها تحت وطأة الضغوط الصهيونية. وهو ما أجج المشاعر الفلسطينية ودفع القوى الوطنية في 15 أبريل عام 1936 الى اعلان اضراب مفتوح تطور الى اشتباك بالسلاح بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود.

 

وشكلت القوى الوطنية قيادة عليا برئاسة الحاج أمين الحسيني أعلنت استمرار الاضراب حتى تغير الحكومة البريطانية موقفها من مسألتي هجرة اليهود وبيع الأراضي. ورغم الاجراءات القمعية التي لجأت اليها سلطة الانتداب، فان المقاومة الفلسطينية اتسع نطاقها، حتى استقطبت أعدادا من المجاهدين انضموا اليها من سورية والعراق. وبعد ثلاثة أشهر من الشلل الذي أصاب الحياة في فلسطين، والاشتباكات التي أدت الى سقوط عشرات القتلى على الجانبين، أعلنت الحكومة البريطانية عن عزمها تأليف لجنة ملكية للتحقيق في أسباب الثورة والنظر في مطالب العرب وظلاماتهم. لكن الفلسطينيين الذين خبروا أمثال تلك اللجان رفضوا انهاء الاضراب قبل أن تستجيب سلطة الانتداب لمطالبهم.

حينذاك لجأت بريطانيا الى باب آخر لفض الاضراب، وكان الضغط العربي سبيلها الى ذلك. وأوكلت الأمر الى الأمير «الملك» عبدالله الذي قدم من شرق الأردن والى نوري السعيد رئيس وزراء العراق، اللذين تتابع وصولهما الى فلسطين لهذا الغرض، واجتمعا مع القيادات الوطنية التي كان بعضها رهن الاعتقال. ولكن مهمتهما لم تنجح بسبب تمسك الفلسطينيين بموقفهم.

لم ييأس البريطانيون وواصلوا ضغوطهم على دول الجوار العربية كي تستخدم نفوذها لاجهاض الثورة التي كانت تزداد اشتعالا يوما بعد يوم. ومن ثم تجددت المساعي التي انضمت فيها الرياض الى بغداد وعمان، وأشيع وقتذاك أن بريطانيا قدمت وعودا قاطعة للاستجابة التدريجية للمطالب الفلسطينية، وأن الهدوء مطلوب لكي تقوم اللجنة الملكية الموعودة بمهمتها. وهو ما ضعفت أمامه اللجنة العربية العليا، التي أصدرت بيانا في 11 أكتوبر من ذلك العام دعا الى انهاء الاضراب استجابة لرسالة وجهت الى رئيسها الحاج أمين الحسيني من أربعة من القادة العرب هم: الملك عبدالعزيز «السعودية» والملك غازي «العراق» والامام يحيى «اليمن» والأمير عبدالله «الأردن». وذكر البيان أن أولئك القادة دعوا الى اتخاذ تلك الخطوة حقنا للدماء «واعتمادا على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل».

في اليوم التالي مباشرة «12 أكتوبر» توقف اعصار الغضب، وبدأ المجاهدون العرب في العودة الى بلادهم. ومن ثم نجحت سلطة الانتداب في اجهاض الثورة. ورحب خطاب العرش البريطاني في وقت لاحق بهذا التطور. وأعلن أن اللجنة الملكية ستتوجه الى فلسطين خلال أيام كي تبحث عن «تسوية عادلة ودائمة» لمختلف المشكلات الصعبة التي تعتمل في فلسطين. كان ذلك في عام 1936، ومازلنا حتى هذه اللحظة ننتظر تلك «التسوية العادلة والدائمة»، التي لم يخل منها بيان سياسي صدر بخصوص الأزمة طوال السبعين عاما الماضية.



(2)

اذا شئنا أن نكون أكثر دقة فربما جاز لنا أن نقول ان الدور العربي لم يكن سلبيا دائما في مراحل تطور القضية الفلسطينية، لكنه ظل مؤثرا وحاسما في حالات المد والجزر التي مرت بها القضية. اذ ظلت تلك الحالات دائما صدى وانعكاسا للموقف العربي في نهوضه وتراجعه. وهذا السياق العربي يتعين الانتباه اليه في تقييم محطات الصراع، لأن كثيرين منا أصبحوا يقيِّمون المشهد الفلسطيني بمعزل عن السياق المشار اليه، فنحن لا نستطيع مثلا أن نفصل بين مرحلة المد القومي التي شهدتها مصر والأمة العربية في العهد الناصري وبين الصعود المشهود للمقاومة الفلسطينية في تلك الفترة. حيث لا يجادل أحد في أن ذلك المد كان بمثابة الرافعة السياسية الأساسية للمقاومة. كذلك فاننا لا نستطيع أن نفصل بين منعطف ــ الهلكة ــ الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو في عام 1993 وبين الأجواء السلبية التي خيمت على العالم العربي في أعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد في عام 1979.

 

ذلك أنه لولا الشرخ العميق الذي أحدثته الاتفاقية الأخيرة ما كان للانكسار الذي أوقعه اتفاق أوسلو أن يحدث. وللعلم فلست صاحب مصطلح «الهلكة» ولكنه منسوب الى الدكتور على الجرباوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، الذي يتحدث في كتاباته عن ثلاثة مفارق مفصلية في مسار الصراع العربي ــ الاسرائيلي خلال القرن الأخير.

 

 الأول هو «النكبة» عام 1948، التي خسر فيها العرب أربعة أخماس فلسطين لتتحول الى اسرائيل، وتم خلالها طرد ثلثي الفلسطينيين من بلادهم.

الثاني هو النكسة عام 1967، التي خسر فيها العرب الخمس الأخير من فلسطين لصالح الاحتلال الاسرائيلي، وأصبح بعدها الفلسطينيون جميعا اما مشردين في شتات الأرض، أو خاضعين للاحتلال الاسرائيلي.

الثالث هو «الهلكة» عام 1993 التي تمت بعد انطلاق احتفالية مدريد عام 1991، وبمقتضاها تم التوقيع على اتفاق مبادئ أوسلو الذي أعطى لاسرائيل الموافقة الفلسطينية الرسمية على شرعية الوجود والتمتع بالأمن دون مقابل، سوى اعترافها بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني ومفاوضا رسميا عنه. ودون اعتراف منها بأنها تحتل أرضهم بعد حرب عام 1967.



(3)

في ذكرى النكبة التي حلت قبل أيام «5/15» صرح بنيامين نتنياهو للتليفزيون الاسرائيلي بأنه بعد المحادثات التي أجراها مع الرئيس مبارك في القاهرة ومع العاهل الأردني الملك عبدالله أدرك أنه لأول مرة في تاريخ الصهيونية حدث اتفاق واسع مع العرب حول الخطر الاستراتيجي الذي يهدد الجميع. [في اشارة الى ايران التي سبق للرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز أن صرح بأنها تمثل خطرا مشتركا يهدد اسرائيل والعرب].

في اليوم ذاته نشرت الصحف العربية أن السفير جيفر فيلتمان القائم بأعمال مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية قال كلاما مشابها في جلسة استماع عقدتها لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. اذ ذكر أن المسؤولين الأمريكيين لاحظوا في لقاءاتهم مع زعماء المنطقة العربية أن تركيزهم الأساسي أصبح منصبا على التعبير عن القلق ازاء سياسة ايران في المنطقة، خلافا لما كان عليه الوضع في السنوات السابقة.

في هذا الاتجاه كتب المعلق الاسرائيلي آري شافيت مقالا بصحيفة هاآرتس «عدد 7 - 5» تحدث فيه عن «الأنباء الجيدة» في العالم السياسي المحيط باسرائيل. وكان الخبر الجيد الأول من وجهة نظره أن التحالف الاستراتيجي بين مصر واسرائيل «لم يكن قويا أبدا كما هو عليه اليوم». وأن النظام المصري أصبح يدرك جيدا أنه اذا تضررت اسرائيل فان مصر ستتعرض للاصابة. واذا تعرضت اسرائيل للاصابة فان ذلك سيؤثر على وضع النظام المصري. في هذا الصدد قال انه لذلك تحركت مصر واسرائيل بشكل متناسق في عملية «الرصاص المصهور» (يقصد العدوان على غزة)، ولذلك ستتحرك مصر واسرائيل بصورة متناسقة أيضا في المعركة السياسية الساعية لكبح ايران والتصدي لها.

الخبر الجيد الثاني في رأي الكاتب تعلق بالأردن والسعودية وأغلبية دول الخليج. اذ ادعى أن تلك الممالك «موجودة على حافة الهاوية»، وقادتها يعرفون أنهم يعيشون فوق بركان، لذلك فان اسرائيل اذا نجحت في أن تلقي لهم جسر الحبال الصحيح، فسوف يغتبطون لأن ذلك سيمكنهم من اجتياز النهر، حيث لا توجد حدود للتعاون الممكن بين عصرنة دبي وأبوظبي وبين عصرية تل أبيب.

في ختام مقاله دعا الكاتب الى تعزيز وتوسيع الأفق المشترك بين العرب المعتدلين وبين اسرائيل، وقال ان على طاولة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «خططا مثيرة للاهتمام في هذا الصدد، تسعى لتغيير وجه الشرق الأوسط».

(4)

قد لا يخلو هذا الكلام من مبالغة، لكنه لا يخلو من صحة أيضا، لأن الفكرة الأساسية فيه معلنة على الملأ ومتداولة بصورة أو أخرى في الأوساط السياسية. وهي التي تنصب على التوافق النسبي الحاصل في الرؤية الاستراتيجية بين اسرائيل ودول «الاعتدال» العربي، التي أصبحت ـ حتى مع اختلاف الدوافع ـ تركز على ما سمي بالخطر الايراني، وتعتبره مقدما وأكثر الحاحا من الملف الفلسطيني. وهذا تحول غير مسبوق ضرب لأول مرة الاجماع العربي حول القضية الفلسطينية، كما أدى الى تراجع أولويتها في سياسات بعض دول المنطقة، الأمر الذي لا ينبغي الاستهانة به، لأنه يعني في حقيقة الأمر استبعاد ملف القضية من أجندة المرحلة واطلاق يد اسرائيل في تعزيز الاستيطان وتهويد القدس، ومن ثم اكمال مخطط تغيير الوقائع على الأرض، بما يقطع الطريق تماما على فكرة الدولة الفلسطينية. وهو ما يعني أيضا ـ للدهشة ـ أن ثمة اصطفافا عربيا الى جانب اسرائيل في مواجهة اسرائيل، على العكس تماما مما هو مرجو ومتوقع، وعلى النقيض تماما من موقف الشارع العربي.

لا يخلو المشهد من مفارقة مُرَّة وصادمة. فالدور العربي الذي كان رافعة سياسية للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي في الخمسينيات والستينيات، يُوظف الآن ليكون رافعة اسناد للاسرائيليين في مواجهة التحدي الايراني لها وفي تصفية القضية الفلسطينية.

هذه الفكرة أثيرت في ندوة حول مستقبل القضية الفلسطينية، عقدها مركز الخليج للدراسات بالشارقة في التاسع من مايو الحالي. ومن الملاحظات المهمة التي أبداها في صددها الباحث الفلسطيني حلمي موسى أن اسرائيل منذ الخمسينيات عملت على مد جسورها مع دول المحيط (خصوصا تركيا وايران واثيوبيا) لكي تواجه دول الطوق وتضغط عليها، وفي المقدمة منها مصر. ولكن التحول الحاصل في الرؤية الاستراتيجية قلَب الوضع تماما. ذلك أن اسرائيل أصبحت أكثر اطمئنانا الى دول الطوق التي باتت جزءا من محور الاعتدال، وأكثر قلقا على دول المحيط. ذلك أن ايران وضعها معروف، وتركيا لم تعد مضمونة كما كانت في الماضي، واثيوبيا هي الوحيدة الباقية، ولا تستطيع وحدها أن تخدم المخطط المرسوم.

ذلك كله لم يكن يخطر على بال أحد، لكنه صار حاصلا الآن على نحو يوحي بأن دخول المنطقة الى المرحلة الاسرائيلية ان لم يكن قد تحقق بالفعل، فهو على الأقل قد بدأ، وأن كلام الصحافي الاسرائيلي عن خطط نتنياهو المثيرة للاهتمام التي تسعى لتغيير وجه الشرق الأوسط ليس محض ادعاء.

ليس ذلك قدرا بطبيعة الحال، لكنه خطر بات يمشي على الأرض. ولأن النظام العربي لم يعد ممكنا التعويل عليه لدرئه، كما رأيت، فلم يعد أمامنا سوى أن نراهن على مقاومة الجماهير العربية والاسلامية، التي باتت تمثل خط الدفاع الأخير عن كرامة الأمة ومستقبلها. وذلك موضوع يحتاج الى بحث مستقل.

***

*
كوتيشن: الدور العربي الذي كان رافعة سياسية للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي في الخمسينيات والستينيات، يُوظف الآن ليكون رافعة اسناد للاسرائيليين في مواجهة التحدي الايراني لها وفي تصفية القضية الفلسطينية.

.............................

«سيد قراره» الوحيد

صحيفة الرؤيه الكويتيه الاثنين 23 جمادى الأول 1430 – 18 مايو 2009

«سيد قراره» الوحيد – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_17.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/876799.html

 

حين يجد المرء أن جهاز المخابرات العامة في مصر هو الذي يرعى الحوار مع الفصائل الفلسطينية بصبر لا يكل، في حين أن مباحث أمن الدولة تخوض معركتها «المقدسة» ضد الإخوان المسلمين بشراسة لا حدود لها، فمن حقه أن يتساءل: أين السياسة إذن؟ ذلك أنه رغم أن في البلد حزبا حاكما، ولجنة عليا للسياسات، و23 حزبا شرعيا، ومجلسا للشؤون الخارجية، وجيشا من الديبلوماسيين المحترفين ومجلسا تشريعيا له لجانه المختصة بالشؤون العربية والأمن القومي، وعددا لا يحصى من مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية.

 

رغم ذلك كله، فنحن لا نكاد نجد مشاركة لتلك العقول جميعها في رسم سياسات الداخل أو الخارج. بل إن دور هذه الجهات جميعا لا يتجاوز حدود الصدى للقرارات، التي تتخذها الأجهزة الأمنية في مختلف الملفات، حتى تبدو كأنها «جوقة» ما إن تتلقى الإشارة حتى تطلق المعزوفة في الاتجاه المطلوب، تأييدا أو تنديدا أو تهدئة، الأمر الذي يعني أن في مصر مؤسسة واحدة هي المؤسسة الأمنية، وكل تلك الكيانات الأخرى لا تؤدي أبعد من دور «الكومبارس»، الذي يظهر على المسرح ليملأ «الكادر» ويحسن الصورة.

 

عبّر لي أحد قادة الفصائل الفلسطينية، التي تشارك في حوارات القاهرة عن دهشته ذات مرة لعقد جولات الحوار في داخل مبنى المخابرات العامة، وفي حضور ضباط الجهاز الذين يتولون سكرتارية لجان الحوار وتسجيل ما يدور فيها، وقال لي إنهم في جولاتهم الخارجية، التي يزورون فيها مختلف العواصم، يصادفون سياسيين ويتحاورون معهم ولا يظهر الأمن في الصورة، باستثناء مصر التي لا يخاطبون فيها سوى ضباط الجهاز الأمني، ومما ذكره أن دهشته تبددت حين التقى في جلسة غير رسمية مسؤولا أمنيا كبيرا ارتبط معه بعلاقة مصارحة وتفاهم، وأراد صاحبنا أن يبوح ببعض ما في صدره من أسباب للحيرة، فسأله عن الجهة التي تعطي الإشارة لأجهزة الإعلام لكي تتحدث بهدوء وموضوعية ذات يوم عن مسار الحوار الفلسطيني، ثم تضغط على «زر» في اليوم التالي لكي تشن الأبواق ذاتها حملة عنيفة ضد بعض الفصائل فتجرِّحها، وتنهال عليها بمختلف الاتهامات والشتائم والسخائم، حينئذ قال له المسؤول الكبير إن ذلك «الزر» موجود في داخل الجهاز الأمني وليس خارجه.

 

ذلك ينطبق أيضا على الحملات المستمرة لإلقاء القبض على عناصر الإخوان وتلفيق التهم لهم، وفتح الباب واسعا للتنكيل بشبابهم، الذين يحرمون من دخول الامتحانات رغم صدور أحكام قضائية تسمح لهم بذلك، ويطردون من المدن الجامعية، و«يستضافون» في أقسام الشرطة والمعتقلات بين الحين والآخر. وهو التنكيل الذي تتعرض له أعداد غفيرة من المهنيين والأكاديميين وغيرهم من الأبرياء الذين أصبح الإعلام الأمني يصفهم بالمحظورين، وما يتعرض له الإخوان يسري بالقدر ذاته على غيرهم من الناشطين سواء كانوا مدونين أو ناقدين أو معارضين.

 

خطورة هذه الممارسات أنها مفتوحة وبلا أفق مستقبلي، ثم إنها غير قابلة للمراجعة أو الترشيد، فالجهاز الأمني في مصر هو الوحيد «سيد قراره»، الذي يستعلي فوق الحساب، وقراراته لا تقبل النقض أو الإبرام. ورغم أن أحدا لا يستطيع أن يدعو إلى إلغاء دور الأجهزة الأمنية، إلا أنه من المفيد أن يخضع أداؤها للمراجعة، بحيث تُسأل عن الأهداف التي حققتها في ظل استمرار احتكارها لبعض الملفات المهمة في البلد، والتعامل مع تلك الملفات بالأساليب المعروفة.

 

لا أستبعد أن يكون التمدد الأمني تم استجابة لحاجة اقتضتها حالة الفراغ السياسي القائمة في البلد، الأمر الذي يدفع الأجهزة الأمنية للقيام بما يتعين على غيرها القيام به، ولكنهم إما عجزوا عن ذلك أو غابوا من الأساس، وهو وضع لا يخلو من خطر، لأن من شأن استمرار هذه الحالة أن تتحول المهام الإضافية، التي تلقى على عاتق الأمن بمضي الوقت إلى واجبات أساسية يتعين على الأجهزة الأمنية القيام بها لأنه طالما ماتت السياسة، فينبغي أن تظل أعين أجهزة الأمن مفتوحة على آخرها.

 

ليس صحيحا أن ممارسات الأجهزة الأمنية تحمي الاستقرار في البلد، لأنني أزعم أن ما تشيعه تلك الممارسات من توتر وغضب يهدد الاستقرار ولا يحميه.

..................................

 

عاجزون حتى عن الغضب

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 22 جمادى الأول 1430 – 17 مايو 2009

عاجزون حتى عن الغضب – فهمي هويدي

 

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_16.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/876590.html

 

واضح أن وزراء الخارجية العرب أصابهم الملل من التعامل مع الملف الفلسطينى، وأنهم يتحرَّجون من الإفصاح عن ذلك الشعور، من التطرق إلى هذه المسألة صراحة، لذلك فإنهم أصبحوا يفضلون الهروب من الموضوع بمختلف الوسائل، وفي اجتماعهم الأخير الذي عقد بالقاهرة في «7 مايو الجاري» بعثوا إلى الجماهير العربية برسالتين، الأولى معلنة صراحة تقول إنهم قرروا اللجوء إلى مجلس الأمن لمواجهة مخططات إسرائيل لتهويد القدس، والثانية معلنة ضمنا تقول إنهم ضاقوا ذرعا ببحث الموضوع، ولم يعد لديهم شيء بوسعهم أن يفعلوه، وبالتالي فإن على الأمة العربية أن تبحث لها عن جهة أخرى تتعامل مع الموضوع.

 

اجتماع الوزراء العرب كان استثنائيا، ولم يستمر لأكثر من يوم واحد، إذ دعوا إلى النظر في أمر الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة لتهويد القدس، خصوصا قرارها ترحيل ستين ألف فلسطيني منها، وهدم بيوتهم، والتوسّع في المستوطنات المحيطة بها، وتحويلها في النهاية إلى «مملكة توراتية» يطمس فيها وجود المسلمين والمسيحيين، وهو الجهد الذي يتواصل بشكل حثيث طوال السنوات الثلاث الأخيرة، ويلقى دعما وتعزيزا قويين، في ظل حكومة نتنياهو التي شُكِّلت أخيرا، وتتوازى معه بطبيعة الحال عمليات الحفر والتنقيب تحت المسجد الأقصى، التي أصبحت تهدد أساساته.

 

موضوع تهويد القدس بند واحد في الملف الفلسطيني المتخم بعناوين تتراوح بين استمرار حصار غزة واستمرار الاحتلال الذي هو جوهر الموضوع وأصل المشكلة، ماذا فعل وزراء الخارجية العرب في موضوع القدس؟

 

حسب الكلام المنشور، فإنهم عقدوا اجتماعا «هادئا» في مقر جامعة الدول العربية، تصوّرت أنهم ذهبوا إليه وهم يجرُّون أقدامهم ويتثاءبون، في حين اعتذر عن عدم حضوره وزراء خارجية سورية وقطر ولبنان،

 أما جدول الأعمال، فقد كان مقصورا على ثلاث نقاط هي: تهويد القدس، وبحث تقرير التحقيق في جرائم إسرائيل في غزة، وبلورة موقف عربي إزاء السلوك الإسرائيلي في ظل التطورات السياسية الراهنة،

في النقطتين الأولى والثانية قرر الوزراء اللجوء إلى مجلس الأمن لاتخاذ اللازم، وفي الثالثة فإنهم قرروا أمرين أولهما انتظار الطرح الدولي للموضوع، والثاني التمسك بالمبادرة العربية وعدم الاستجابة لضغوط تعديلها.

 

حين يتأمل المرء هذه الخلاصة، فإنه لا يكاد يجد منها خبرا يستحق الذكر، سوى أن الوزراء اجتمعوا وانفضوا، ولا تفوته ملاحظة أن الوزراء تصرَّفوا كما لو أن دولهم لا تملك سوى الشكوى إلى مجلس الأمن والتعلق بأهداب المبادرة العربية، التي أطلقت نحو سبع سنوات، وتحوّلت في نهاية المطاف إلى ورقة توت تخفي عورة النظام العربي.

 

إذا أردنا أن نتكلم بصراحة أكثر فسنجد أن ما صدر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب هو في حقيقته من تجليات إشهار لإفلاس النظام العربي وعجزه لا عن الفعل فحسب، وإنما عن الغضب أيضا.

 

إن الدول العربية تملك ورقة العلاقات مع إسرائيل، السياسية مع البعض والاقتصادية مع البعض الآخر. فسحب السفراء ممكن وتجميد العلاقات الأخرى والمعاهدات ممكن أيضا، وإعلان وقف المفاوضات خيار ثالث. حتى المبادرة العربية التي أعلن في قمة الكويت أنها لن تظل مطروحة على الطاولة إلى الأبد، فإن أحدا لم يهدد بسحبها أو بطلب تجميدها، ولم يفكر أحد في أن يحدد أجلا لقبولها. أعني أن كل ما بوسع الدول العربية أن تفعله لم يشر إليه بكلمة، واقتصر موقف الوزراء العرب على مجرد إلقاء تبعة القرار والفعل على كاهل مجلس الأمن.

 

إذا سألتني لماذا ألقوا بالكرة في ملعب مجلس الأمن والمجتمع الدولي؟، فردِّي المباشر أن ذلك حدث لأن الإرادة المستقلة غير موجودة أصلا، الأمر الذى يردنا إلى بديهية تغيب عنا كثيرا، خلاصتها أن تحرير الإرادة العربية هو المدخل الوحيد لتحرير فلسطين، وطالما غابت الأولى فعلى فلسطين السلام.

........................

«مؤامرة» في كفر الدوار!

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 21 جمادى الأول 1430 – 16 مايو 2009

«مؤامرة» في كفر الدوار!  فهمي هويدي

 

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_15.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/875710.html

 

كانت غاية طموح الرجل أن ينهض بمهنته والمحيط الذي يعمل فيه. وتصور أنه كأستاذ للغة العربية يستطيع أن يبشر بدعوته بين تلاميذه. صحيح أنه كان يتعامل مع دائرة محدودة وضيقة لا تتجاوز إحدى المدارس الثانوية الصناعية في كفر الدوار بمحافظة البحيرة، إلا أنه لم ييأس، وقرر أن يستحث طلاب الصف الأول بالمدرسة، فوضع سؤالا في امتحان مادته هذا نصه:

«يجب على جميع الموجودين في ساحة التعليم الفني أن يقوموا بثورة تصحيح الأوضاع القائمة في هذه الساحة مترامية الأطراف، حيث ينال الطالب حقه في تعليم جاد يحقق طموحه، ويحصل المعلم على أجر مناسب، يحيا به حياة كريمة».

 

لم يكن واضحا في الخبر الذي نشرته صحيفة «الشروق» أمس 15/5 ما إذا كان السؤال في منهج التعبير أم النحو، لكن الشاهد أن القيادات التعليمية فوجئت به، واعتبرت أن الكلام عن ثورة تصحيح في مجال التعليم الفني أمر مثير للقلق. فقررت إيقاف المدرس عن التدريس وتحويله إلى عمل إداري بديوان الإدارة التعليمية، ليس ذلك فقط، وإنما إحالته إلى التحقيق الذي أحيط بتكتم شديد.

 

هذا الخبر إذا صح فإنه يذكرنا بقصة طالبة الإعدادية في الدقهلية «آلاء» التي انتقدت الأوضاع الاجتماعية السائدة وكيفية تعامل الحكومة معها، فألغي امتحانها وأحيلت إلى التحقيق، وقامت الدنيا ولم تقعد، ولم ينقذها من تدمير مستقبلها الدراسي إلا تدخل الرئيس مبارك، بعدما انكشف أمر الفضيحة ونشرت تفاصيلها في مختلف وسائل الإعلام.

 

العقلية البيروقراطية في الحالتين واحدة. ذلك أن لدينا جيلا من القيادات الإدارية، أصبح شديد الحساسية إزاء أي نقد للسلطة أو اختلاف مع سياسات الحكومة. ليس ذلك فحسب، وإنما تحول قطاع عريض من تلك القيادات في حقيقة الأمر إلى مرشدين أمنيين، يؤمنون بأن استرضاء الحكومة والحدب عليها إلى حد المزايدة على الأجهزة الأمنية، هو السبيل الأمثل للتمكين من مواقع القيادة والترقي في مدارجها. وذلك ليس مقصورا على قطاع التعليم، لأنه حاصل في مختلف مجالات العمل العام، التي صار الولاء فيها وليس الكفاءة هو المعيار الذي على أساسه يجري تقييم الأفراد وترفيعهم.

 

ولا ننسى هنا أن انقلابا حدث خلال السنوات الأخيرة في سلك الوظائف القيادية المدنية وغير المدنية بمقتضاه أصبح بقاء الموظف القيادي في منصبه أو ترقيته إلى مرتبة أعلى يتم باختيار وقرار المسؤول الأول في قطاعه، وليس بناء على نظام وقاعدة مستقرة يسريان على الجميع. وهذا المسؤول الأول يصدر قراره في ضوء تقارير الأجهزة الأمنية. وهو ما يعني أن مصير جميع الموظفين الذين يشغلون المواقع القيادية في كل مرافق الدولة أصبح معلقا على رضاء تلك الأجهزة.

 

حين سادت هذه العقلية بدا مفهوما لماذا يستهول المسؤولون في مديرية التعليم أن تنتقد تلميذة لا حول لها ولا طول سياسة الحكومة، ولماذا يصدم أقرانهم في البحيرة حين يجدون مدرسا نبه تلاميذه إلى حاجة التعليم الفني إلى ثورة تصحيح ترفع مستوى الطالب وتنهض بالمدرس.

 

لا أعرف ماذا قال المدرس في التحقيق حين تم استجوابه، وكيف كانت أسئلة من حقق معه، لكني أتمنى ألا يحال الملف في النهاية إلى مباحث أمن الدولة، ذلك أن لديها من الهواجس ما يدفعها إلى الشك في أن المدرس يقصد إثارة الفتنة في المجتمع، بحيث يدعو اليوم إلى ثورة تصحيح في التعليم الفني، ليدعو بعد ذلك إلى ثورة تصحيح في مصر كلها. كما أن لديها من الوسائل ما يمكنها من دفع الرجل إلى الاعتراف بأنه كان حقا بصدد تشكيل خلية تابعة لحزب الله للقيام بثورة تصحيح في البلد.

 

أما إعلامنا الأمني فهو جاهز لشن حملة تنديد «بالمؤامرة الإجرامية» التي استهدفت قلب نظام الحكم انطلاقا من مدرسة كفر الدوار الصناعية.

...............................

رسائل أوجاع الناس

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 19 جمادى الأول 1430 – 14 مايو 2009

رسائل أوجاع الناس – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_14.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/874797.html

 

وقعت على تقرير شائق يروي كيف يتواصل الرئيس باراك أوباما يوميا وبشكل مباشر مع نبض الناس وهمومهم، عرفت منه أن ثمة مكتبا خاصا للمراسلات في البيت الأبيض يمثل جسرا للتواصل مع الناس، هذا المكتب يتلقى آلاف الرسائل البريدية والإلكترونية كل صباح، وهي تُقرأ جميعا بحيث يتم اختيار أهم مئة رسالة منها، توضع على طاولة مستديرة في مكتب مدير المراسلات مايك كليهر، الذي يبلغ من العمر 47 عاما، من جانبه يتولى صاحبنا اختيار عشر رسائل، تكون الأكثر وجعا وإزعاجا بحيث إذا قرأها الرئيس فإنه يصدم ويشعر بالقشعريرة.

 

والجملة الأخيرة منسوبة إلى كليهر، الذي قال إن أوباما يريد أن يطلع دائما على الرسائل غير المريحة، والمنغصة التي تعبر عن معاناة الناس والانطباعات المزعجة التي يرددونها خاصة به أو بسياسة الحكومة، وفي بعض الأحيان فإنه يحتفظ بهذه الرسائل ويقرأ بعضها في الاجتماعات التي يعقدها، لكي يضع رجال إدارته في صورة ما يحدث على أرض الواقع، بعيدا عن الانطباعات والصور التي تنقلها الأجهزة الرسمية.

 

نقل التقرير عن أحد مساعدي الرئيس الأميركي قوله انه وجده ذات مرة ساهما يفكر بهدوء فسأله عما يشغله، فما كان منه إلا أن أشار إلى ملف الرسائل الموضوع أمامه وقال هذه الرسائل تحطمك، لقد تلقيت توا خطابا مؤثرا من أسرة تعاني وعليّ أن أفعل شيئا لأجلها.

 

إحدى الأمهات من ولاية بنسلفانيا اسمها سينثيا أرنولد بعثت إليه برسالة قالت فيها إن ابنها الجندي أخبرها هاتفيا بأن وحدته ستسافر إلى الشرق الأوسط وأنه أخذ يستشيرها في بعض الترتيبات التي يتعين تسجيلها قبل السفر، المتعلقة بالمسؤول عن جنازته إذا مات والمكان الذي يفضل أن يقضي فيه فترة النقاهة إذا ما أصيب. وختمت رسالتها قائلة للرئيس: أرجوك اجعل جنودنا ضمن أولوياتك،

 

وبعد بضعة أسابيع تلقت السيدة سينثيا رسالة خطية من أوباما قال فيها: سأفعل كل ما في استطاعتي لجعل جنود مثل ماثيو الابن في أولوياتي، قولي له شكرا على خدمتك من القائد الأعلى للقوات المسلحة.

 

حين فرغت من قراءة التقرير قلت إن خلفاء المسلمين الأوائل كانوا يفعلون مع الناس مثل ذلك وأكثر،

 

فسيدنا أبوبكر الصديق هو من طلب الناس أن يراقبوا أفعاله ويقوّموا أي اعوجاج يصدر عنه، فوعده أحد سامعيه بأن يقوّمه بسيفه،

وخليفته عمر بن الخطاب لم يكتف بتحسس أوجاع الناس في زمانه، ولكنه قال إنه لو عثرت بغلة في شط الفرات لخشيت أن أسأل عنها يوم القيامة لِمَ لم تعبّد لها الطريق،

 

وفي ذلك الوقت المبكر تعامل المسلمون مع حكامهم باعتبارهم حراسا على رعايتهم وخدمتهم، حتى دخل أحدهم على الخليفة معاوية بن أبي سفيان وحيّاه قائلا: السلام عليك أيها الأجير.

 

ذلك كله صار ماضيا يكاد يُنتسب إلى عالم الأسطورة، لأن حكام زماننا يرسلون ولا يستقبلون.

 

ولذلك يلجأ كثيرون من الناس إلى مخاطبتهم من خلال النداءات والاستغاثات التي تنشرها الصحف، ومنهم من يرفض الاستماع إلى ما يكدر خاطره، حتى بات الداخلون عليه من أعوانه ينصحون من قبل الحاشية بألا يحدثوه إلا فيما يسره،

 

أما من يقامر بإرسال خطاب أو شكوى إلى أغلبهم، فإنه يتلقى الرد دائما من أجهزة الأمن، كل بما يستحقه،

 

وقيل لي والعهدة على الراوي إن أحد الرؤساء عنّ له أن يؤدي العُمرة في إحدى زياراته للمملكة العربية السعودية، وفي الطواف لمحه واحد من رعيته، فقال له على مسمع ممن حوله: اتق الله في شعبك، ثم أكمل الرجل طوافه وهو مطمئن إلى أنه أوصل رسالته وقام بواجب النصيحة، لكنه حين عاد إلى بلده اختفى ولم يظهر له أثر منذ خمسة عشر عاما.

...........................

تسريب لامتحان قادم

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 18 جمادى الأول 1430 – 13 مايو 2009

تسريب لامتحان قادم – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_5391.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/873744.html

 

تلجأ الصحف في نهاية العام الدراسي إلى محاولة زيادة توزيعها، من خلال إعادة نشر أسئلة الامتحانات التي وردت خلال السنوات السابقة لتذكير الطلاب بالموضوعات التي يركز عليها الممتحنون، والتي يفترض ألا تذهب أسئلة الامتحانات القادمة بعيدا عنها.

 

وإسهاما مني في ذلك فإنني أعيد نشر أسئلة امتحان نهاية الفصل الدراسي الثاني 2004/ 2005، وهو العام الذي تمت فيه انتخابات التجديد للرئيس حسني مبارك للمرة الخامسة. صحيح أن الامتحان أجري لطلاب الصف الأول الثانوي، وفي مادة التربية الفنية، ولكن ذلك لا يقلل من أهميته، خصوصا أن ثمة لغطا مثارا الآن حول الانتخابات الرئاسية التي يفترض أن تجري في سنة 2011، واحتمال ترشيح الرئيس مبارك نفسه فيها للمرة السادسة.

 

ولأن الحدث كبير وغير عادي، فقد قدرت أنه يتطلب استعدادات خاصة (دروس خصوصية مثلا)، ربما كان من المفيد أن ننبه إليه أبناءنا الطلاب من الآن، إذ ربما عنّ لأحد الممتحنين أن يستبق ويحاول تسجيل نقطة لمصلحة سجل خدمته لكي يفوز بأي جائزة، فيلجأ إلى وضع أسئلة تتعلق بذلك الموضوع في امتحانات هذا العام. وبطبيعة الحال، فإنه لا يقلل من أهمية الامتحان الذي بين أيدنا أن يكون قد وُضع لطلاب مدرسة العريش الثانوية للبنين، لأن الأهم هو موضوعه «القومي» الذي لا يستبعد أن يفرض نفسه على طلاب أي منطقة تعليمية أخرى في بر مصر.

 

ورقة الامتحان من ثلاثة أجزاء، أولها التعبير الفني، وثانيها التصميم الابتكاري، وثالثها التذوق الفني وتاريخ الفن.

وما يهمنا فيه هو الجزءان الأول والثاني، لأن الثالث تضمّن سؤالين عن التاريخ الفرعوني (لاحظ أن المدرسة في العريش وتلاميذها من طلاب قبائل سيناء).

 

سؤال التعبير الفني نصّه كما يلي: تشهد الأيام القليلة المقبلة منعطفا خطيرا في مصر للرؤية المستقبلية للشعب المصري (المقصود انتخابات الرئاسة) لتحديد الأهداف والأولويات لتحسين حياة الفرد، والرئيس حسني مبارك قائد له تاريخ مستمر، واستطاع أن ينقل مصر نقلات حضارية في الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والاستقرار والأمان، وحرص على عدم المساس بأصحاب الدخل المحدود، وسعى إلى تحسين أحوال المعيشة، ووضع خططا خمسية متتالية لازدهار التنمية، وحرص على إقامة مدن جديدة ومشروعات ضخمة مثل «توشكى، وشرق العوينات، وترعة السلام» لرفع معيشة أبناء الوطن، فلا يحتاج الرئيس إلى دعاية انتخابية، والكل سيقول (نعم) يوم الانتخابات للرئيس مبارك.

 

المطلوب: عبر بقلمك وألوانك عن أحد المشاهد التالية:

1 ـ مشهد من مشاهد التأييد الانتخابي للرئيس مبارك في الشوارع أو داخل اللجنة الانتخابية.

2 ـ مشهد من مشاهد الإصلاح والخدمات في مصر على يد الرئيس مبارك.

 

في الجزء الخاص بالتصميم الابتكاري كان المطلوب كالتالي: داخل مستطيل مساحته 30 سنتيمترا × 15 سنتيمترا ـ صمّم شعار تأييد للرئيس مبارك في الانتخابات المقبلة مستخدما الرموز المناسبة ـ على أن تكتب «نعم لمبارك» داخل التصميم ـ استخدم الألوان المناسبة.

 

لست أبالي إذا ما عد ذلك تسريبا لبعض أسئلة امتحانات العام الحالي أو الذي يليه.

 

ليس فقط لأن التسريب يتم في مواد أخرى عادية، ولا غضاضة في أن نتحمّله في أمر بهذه الأهمية، ولكن أيضا لأن الموضوع إذا كان قد فرض نفسه على مادة التربية الفنية، فالاحتمال كبير أن يثار في الرياضيات والفيزياء والجغرافيا، فضلا عن التعبير والتاريخ والتربية الوطنية (إن وجدت).

 

ولذلك يصبح من المهم للغاية أن ينتبه إليه الطلاب في وقت مبكر، ألا قد بلغت، اللهم فاشهد.

..........................

 

 

 

في الجاهلية السياسيه – المقال الأسبوعي

صحيفة الخليج الإماراتيه الثلاثاء 17 جمادى الأول 1430 – 12 مايو 2009

في الجاهلية السياسيه – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_12.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/873498.html

 

لا أعرف مرحلة في التاريخ العربي المعاصر اختلطت فيها الأوراق وانقلبت المعايير مثل ما هو حاصل الآن، الأمر الذي يسوغ لي أن أصف أيامنا هذه بأنها زمن الجاهلية السياسية.

 

(1)

 

الجاهلية في القاموس المحيط هي عدم إدراك ما لا بد من معرفته. وعدم الإدراك هذا له أسباب عدة أزعم أنها تتراوح بين العبط والاستعباط. فعندما يصرح الرئيس “الإسرائيلي” شمعون بيريز أمام مؤتمر مجلس العلاقات الأمريكية- “الإسرائيلية” (إيباك) مثلاً بأن إيران هي الخطر المشترك الذي يهدد “إسرائيل” والعرب، فذلك هو الاستعباط حقاً. أما إذا صدقه أحد من العرب فذلك هو العبط بعينه.

 

من الجاهلية السياسية أن نفقد البوصلة التي تحدد الوجهة والترتيب الذي يحدد لها “واجب الوقت”، بما يؤدي إليه من خلل في ترتيب الأولويات. فقد كان من الطبيعي والمنطقي بعد العدوان “الإسرائيلي” على غزة أن ينشغل العالم العربي عند الحد الأدنى برفع الحصار وإعمار القطاع بعد تدميره. ولأن “إسرائيل” تذرعت في عدوانها بإطلاق الصواريخ الفلسطينية بعد انتهاء فترة “التهدئة” المتفق عليها، فإن فصائل المقاومة ربطت قرار التهدئة بمصير الحصار، وأعلنت أنه لا تهدئة مع استمراره. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فلا رفُع الحصار ولا بدأ الإعمار، واستجابت المقاومة للضغوط العربية التي مورست لوقف إطلاق الصواريخ، وتم فرض التهدئة من جانب واحد. ومن ثم فازت بها “إسرائيل” من دون أن تدفع مقابلها شيئاً يذكر.

 

كان بوسع أي جهد عربي واع أن يستخدم ورقة العدوان الوحشي الذي انفضح أمره في العالم بأسره للانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ومن ثم كسب عدة نقاط للموقف الفلسطيني، وكانت هناك أكثر من فرصة لتحقيق تلك المكاسب النسبية، خصوصاً أن الإدانات الدولية كانت معلنة، والأجواء الإعلامية كانت مواتية، وبعض المحاكم الأوروبية كانت مستعدة للنظر في دعاوى جرائم الحرب التي تقدم ضد القادة “الإسرائيليين”، وهو ما تحسبت له “إسرائيل” حين تكتمت على أسماء أولئك القادة الذين ارتكبوا الجرائم، وحذرتهم من السفر إلى الخارج.

 

لم يحدث شيء من ذلك أيضاً، حتى تقصي حقائق ما جرى أثناء العدوان لم يتم. واستطاعت “إسرائيل” أن تشغل الدول الغربية والعربية المعنية آنذاك بملف الأنفاق وتهريب السلاح إلى غزة، حتى أصبحت تلك هي المشكلة التي استدعت عقد اتفاق خاص مع الولايات المتحدة واستصدار قرار من مجلس الأمن. ومورس العبط والاستعباط في هذه المسألة، لأن أحداً لم يقل إن الاحتلال هو المشكلة الحقيقية، التي فرضت الأنفاق وتهريب السلاح.

 

(2)

 

بعد العدوان على غزة، حدث تطوران مهمان،

أحدهما أن إدارة أمريكية جديدة جاءت إلى البيت الأبيض وتبنت خطاباً تصالحياً حاول أن يمتص أسباب الغضب والكراهية والسقوط الأخلاقي الذي لاحق سمعة الولايات المتحدة خصوصاً في العالمين العربي والإسلامي.

التطور الثاني أن حكومة أكثر تطرفاً وشراسة تولت السلطة في “إسرائيل”. وكان وجود بنيامين نتنياهو على رأس الحكومة وتعيين افيغدور ليبرمان نائباً له ووزيراً للخارجية، كافيين للتدليل على أننا بصدد حكومة جاءت للتصعيد واللا حل.

 

الحكومة “الإسرائيلية” الجديدة جاءت متبنية مواقف وأطروحات أكثر فجاجة من مواقف حكومة أولمرت التي سبقتها. وهي لم تسبب حرجاً للطرف الفلسطيني المفاوض ولدول “الاعتدال” فحسب، التي راهنت على التسوية السلمية وتعلقت بالمبادرة العربية، وإنما سببت حرجاً أيضاً للولايات المتحدة ذاتها، التي رعت مؤتمر أنابوليس وتبنت حل الدولتين الذي كان “الجزرة” التي لوحت بها إدارة بوش للعرب.

 

في الفترة التي تولى فيها نتنياهو رئاسة الحكومة للمرة الأولى (ما بين عامي 1996 - و1999) تحدث عن ثلاث لاءات: لا انسحاب من الجولان- لا حديث عن القدس- لا محادثات في ظل أي شروط مسبقة. وحين تولى السلطة هذه المرة فإنه أضاف “لا” رابعة رفض فيها حل الدولتين. وأبدى استعداداً “للتنازل” النسبي حين اشترط موافقة الفلسطينيين على الاعتراف ب “إسرائيل” دولة يهودية (وهو ما يعني طرد فلسطينيي عام 48) إذا ما أرادوا فتح ملف الدولة الفلسطينية، وإلا فليس أمامهم سوى السلام الاقتصادي مع “إسرائيل”، علماً بأن إحداث طفرة في الاستيطان يشكل نصاً صريحاً في برنامج حكومته.

 

أما ليبرمان فهو الذي دعا إلى تدمير السد العالي إذا ما نشبت حرب بين مصر و”إسرائيل”. وأهان الرئيس حسني مبارك في جلسة علنية للكنيست. وتحدث بعد تسلمه الوزارة عن تقليص عدد الجيش المصري. كما دعا إلى طرد فلسطينيي 48 وإلقاء المعتقلين الفلسطينيين (11 ألفاً) في البحر الميت للخلاص منهم بإغراقهم فيه. وهو من الرافضين لفكرة الدولة الفلسطينية. وفي حديث أدلى به إلى صحيفة “جيروزاليم بوست” (28/4) قال إن القضية الفلسطينية يمكن أن تنتظر، مشيراً إلى أن الصراع في ايرلندا الشمالية استمر 800 سنة قبل أن يحل!

 

(3)

 

هذه الخلفيات بدت كفيلة بأن تضع “إسرائيل” في موقف سياسي دفاعي، كان يمكن استثماره لو أن في العالم العربي من يملك الإرادة والعزم ويجيد الجمع والطرح، من ثم يدرك ما ينبغي عمله. ولكن الذي حدث أن “إسرائيل” قلبت الطاولة وتحولت من الدفاع إلى الهجوم واستخدمت تحالفاتها العربية في ذلك. وكانت الورقة الإيرانية هي سبيلها لإحداث الانقلاب في المشهد.

 

ذلك أن إيران الثورة الإسلامية خرجت من رحم العداء للشاه وللولايات المتحدة و”إسرائيل”. وإيران النووية - لمجرد أنها تملك المعرفة حتى إذا كانت للأغراض السلمية- تعني تحدياً إضافياً ل “إسرائيل” ينازعها في التفرد بصدارة القوة في منطقة الشرق الأوسط. وهي من هذه الزاوية يفترض أن تكون إضافة مرحباً بها للإرادة العربية الساعية إلى إنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق المسلوبة. أما إيران الداعمة للقوى التي انحازت إلى المقاومة الفلسطينية، فإنها تعني إيغالاً في التحدي ورفعاً لسقفه، الأمر الذي اعتبرته “إسرائيل” تهديداً لنفوذها في المنطقة ولكل مشروعها. وهي التي تصورت أن الساحة قد خلت لها، ولم يعد هناك من ينازعها نفوذها أو يتحداها منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1979 وأوسلو مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993. وحين اختبر التحدي أثناء المواجهة التي تمت في عام 2006 بين القوات “الإسرائيلية” وبين عناصر حزب الله، ولقيت فيها تلك القوات أول هزيمة عربية في تاريخ الدولة العبرية، فإن هذه التجربة الفضيحة غدت مفصلاً مهماً في علاقات العداء بين الطرفين. ذلك ان “إسرائيل” اعتبرت أن الدور الإيراني بات يشكل خطراً وجودياً لمشروعها، وكان طبيعياً أن يضاعف من قلقها مدى وحجم هذا الدور إذا ما تحولت إيران إلى قوة نووية، الأمر الذي يفسر لنا لماذا اعتبرت أن إيران تمثل الخطر الاستراتيجي الأول الذي يهددها؟ ولماذا استنفر اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والمحافظون الجدد في البيت الأبيض للتضامن مع تل أبيب في الاحتشاد ضد إيران إلى حد الدخول في تفاصيل توجيه ضربة عسكرية تقوّض نظامها؟ وظل السؤال الذي يشغل هذه الأطراف وهو توقيت تلك الضربة وتهيئة الجو المناسب سياسياً وإقليمياً لتوجيهها؟

 

إذا جاز لنا أن نلخص فإننا نفهم أن تعتبر “إسرائيل” إيران خطراً يهدد استراتيجيتها، ونفهم أيضاً أن تتضامن معها الولايات المتحدة الخاضعة لنفوذ اللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد، في الوقت ذاته فإنه التناقض الرئيسي بين “إسرائيل” وإيران يفترض أن يكون في صالح الموقف العربي الذي يعتبر أنه في تناقض رئيسي مع “إسرائيل”. وهي النتيجة المنطقية التي تعبّر عنها المقولة الشهيرة “عدو عدوي صديقي”. والصداقة لا تلغي الاختلاف، ولكنها في هذه الحالة تقوم على معيار رشيد يفرق بين التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي، أو بين ما هو أصلي وفرعي، ذلك أننا نفهم في فقه الاختلاف ومذاهبه أن الاتفاق في الأصول حد كاف، ولا غضاضة بعد ذلك في أي اختلاف في الفروع. وهو الحاصل في الدين فما بالك به في السياسة.

 

(4)

 

لا بد أن نعطل العقل ونلغي المنطق لنستوعب الذي جرى في الآونة الأخيرة. إذ في حين استمرت “إسرائيل” في استعلائها وحصارها للفلسطينيين وتهويدها للقدس وتوسعاتها الاستيطانية ورفضها للمبادرة العربية، حدث انقلاب في البوصلة العربية بحيث توارى الخطر “الإسرائيلي” المدجج بمائتي رأس نووي، وظهر في الفضاء العربي عنوان “الخطر الإيراني” والمخاوف من تطلعاته النووية المستقبلية. لم يحدث ذلك فجأة بطبيعة الحال، ولكنه بدأ بالتصعيد في مسألة الجزر الثلاث، وبإثارة موضوع التشييع في البلاد العربية، وتذرع بالتمدد الإيراني في العراق، الأمر الذي استصحب حديثاً مبكراً عن الهلال الشيعي، ثم امتد إلى التنديد بحزب الله في لبنان ومحاولة تأجيج الفتنة الطائفية هناك. وانتهى الأمر بإثارة مسألة خلية حزب الله، وقدمت إلى الرأي العام المصري والعربي بحسبانها تهديداً للأمن القومي المصري، مرشحاً للتكرار في أقطار عربية أخرى. وجاءت هذه الإشارات التي استقبلت بفرح غامر في “إسرائيل” دالة على أن التناقضات الثانوية هيمنت وتحولت إلى رئيسية، الأمر الذي شجع شمعون بيريز على أن يسوق المشهد في واشنطن ويتحدث عن إيران باعتبارها خطراً مشتركاً يهدد العرب “وإسرائيل” معاً.

 

لا يستطيع المرء أن يخفي شعوره بالخزي والعار وهو يقول إن ما قاله بيريز لم يكن ادعاء “إسرائيلياً” صرفاً، ولكنه كان يستند أيضاً إلى عدد من الشهادات المزورة التي ظهرت في بعض وسائل الإعلام العربية، حيث لا يستطيع أي متابع أن ينكر أن هناك تعبئة واسعة النطاق للاستنفار والتحريض ضد ما يسمى الخطر الإيراني. ولا بد أن يثير انتباهنا في هذا السياق أن ندوتين عقدتا في الأسبوع الماضي أسهمتا بصورة أو أخرى في دق أجراس التخويف من ذلك “الخطر”.

 

ليست هذه هي المفاجأة الوحيدة، لأن المفاجأة الأكثر إدهاشاً ان الإدارة الأمريكية الجديدة دخلت مؤخراً في حوار مع إيران في إطار مسعاها التصالحي والتفاوضي لتحقيق مصالحها بالطرق الدبلوماسية. وهو ما بدا أنه أثار حفيظة بعض العواصم العربية التي ذهبت بعيداً في التصعيد والاشتباك مع إيران، حتى اعتبرتها “الشيطان الأكبر” الجديد، الأمر الذي دفع واشنطن إلى إيفاد وزير دفاعها روبرت جيتس إلى القاهرة والرياض لتهدئة خواطر المسؤولين فيهما، وإقناعهم بأن الانفتاح الأمريكي على طهران لن يكون على حسابهم.

 

لقد اعتبرت إيران يوماً ما أن الولايات المتحدة هي الشيطان الأكبر، ولكن هذا الشيطان غيّر من سياسته بعد ثلاثين عاماً، ووجد أن من مصلحته أن ينفتح على إيران- وفي تلك اللحظة كان بعض العرب قد حوّلوا إيران إلى شيطان أكبر ودخلوا في معركة سياسية مفتوحة معها، من دون أن يكون هناك أفق واضح لأي مصلحة لهم في ذلك، ومن دون أن يدركوا أن “إسرائيل” المتربصة هي الفائز الأوحد في تلك المعركة - أخشى ألا يفي مصطلح “الجاهلية السياسية” بحق وصف هذا المشهد.

....................

 

أهوتك أيه؟!

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 16 جمادى الأول 1430 – 11 مايو 2009

أهوتك أيه؟! – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_10.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/872535.html

 

أهوتك أيه؟ ـ استوقفني السؤال حين وجدته مكتوبا بحروف كبيرة على شاحنة لنقل البضائع. لأول وهلة ظننت أنه يستفسر عن شيء يتعلق بالهوى، لكنني تبينت من الرسوم المصاحبة أن الأمر أبعد من ذلك، وأن السؤال يراد به لفت نظر الناس إلى نوع معين من القهوة، وأنه في العامية العادية «قهوتك أيه»، ولكن صياغته تأبّت على تلك العامية العادية، بحيث باتت تعبر عن مرحلة متقدمة في ابتذالها والازدراء بها.

 

ليست هذه حالة خاصة، لأن العبث باللغة الفصحى واستخدام العامية المبتذلة أصبح الأصل في الإعلانات التجارية، حتى التي تصدر عن بعض المؤسسات الحكومية، خصوصا تلك التي تتعامل مع الجماهير بشكل مباشر، حيث يتصور العباقرة الذين يديرونها أنهم لكي يصلوا إلى الناس ينبغي أن يهبطوا باللغة التي يخاطبونهم بها،

 

أما الإعلانات التي تصدر عن أهم مؤسسات القطاع الخاص فهي تتسابق في احتقار العربية الفصحي، وفي بعض الأحيان فإن احتقارها يمتد إلى الحروف العربية، بحيث أصبحت بعض تلك الجهات تنشر في الصحف إعلانات تخاطب القارئ العربي باللغة الإنجليزية. وإذا كان التلفزيون المصري يتخير مفردات ومصطلحات إنجليزية في تسمية بعض البرامج (كونكت وزوم وريبورتاج وبانوراما وغيرها) فلم يكن مستغربا أن تطلق كلمات إنجليزية على بعض القنوات الخاصة، وأن تنشأ قناة مخاصمة للغة العربية بالكامل، ويقتصر بثها على استخدام العامية العادية والسوقية والمبتذلة.

 

 ويبدو أن وباء العامية تفشى في بقية وسائل الإعلام، حتى اجتاح الصحافة التي كانت تنشر على صفحاتها الأولى يوما ما مقالات العقاد وطه حسين وأشعار شوقي وحافظ إبراهيم، أصبحت تنشر الآن عناوين تتحدث عن «الأكيلة والهبيشة» ونتساءل عن تحول إحدى المطربات «للهشك بشك». وأصبح الكتاب غير الموهوبين يتسابقون على استخدام العامية السوقية والمبتذلة، فيما يتصورونه تبسطا واستظرافا. أما فضيحة اللغة التي يتحدث بها كبار المسؤولين في البلد، فحدث فيها ولا حرج. وليست بعيدة عن أذهاننا صدمة قصيدة «يا ويكا» الهابطة التي اسهم بها رئيس وزراء سابق في حفل تكريم د.فتحي سرور رئيس مجلس الشعب.

 

بلا حصر تبدو مظاهر وتجليات هجرة اللغة العربية واحتقارها في التعليم الخاص، ليس في مصر وحدها، وإنما في أغلب الدول العربية. وذلك أوضح ما يكون في منطقة الخليج التي اكتسحتها الإنجليزية حتى أصبحت لغة التخاطب في جامعاتها وفيما بين الدوائر الرسمية في بعض دولها، بحيث أصبحنا بحاجة لكي نصحح ذلك الوضع المختل إلى العودة إلى حملة «تعريب الدواويين» التي قادها عبدالملك بن مروان في العصر الأموي، ذلك واضح أيضا في أغلب دول المغرب العربي خاصة، التي فشل الاستعمار في فرنسة لسانها، ولكن الفرنسة اجتاحت تلك الأقطار في عهد الاستقلال.

 

من المفارقات أنه في حين تتعرض اللغة العربية وحرفها للإهانة والازدراء في أغلب أقطار العالم العربي، فإن بعض الدول غير العربية لاتزال تتمسك بالحرف العربي في لغتها (إيران وباكستان وأفغانستان)، ويسمونه هناك «الحرف الشريف»، لأن لغة القرآن كتبت به.

 

إن احترام اللغة من احترام الذات ومن تجليات الاعتزاز بالانتماء. وهي في بلادنا لم تُهزم، لكننا نحن الذين هُزمنا فتخلينا عنها وازدرينا بها. وليس ذلك أعجب ما في الأمر، لأن الأعجب أن السلطات وأغلب مؤسسات المجتمع تقف متفرجة ومحايدة إزاء ذلك «الانتحار» اللغوي، في حين أنها تملك أن تعبر عن غيرتها على الفصحى بوسائل شتى، أبسطها أن تحظر استخدام العامية فيما يصدر عنها من بيانات أو إعلانات حكومية، وأن تلتزم بذلك الصحف القومية على الأقل.

 

لكن ذلك يتطلب إرادة وغيرة، الأمر الذي يعني أن الحل هو المشكلة. وهو إذا استعصى فأخشى أن يحال الملف ذات يوم إلى وزارة الداخلية لكي تتولى أجهزتها حراسة الفصحى أيضا!

..............................

ملجأ المضطهدين زوجياً

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 15 جمادى الأول 1430 – 10 مايو 2009

ملجأ المضطهدين زوجياً – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_09.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/871857.html

 

في تونس شكوى من تفشي ظاهرة عنف الزوجات وبطشهن بالرجال. وهو ما تحدث عنه تقرير بثته وكالة يونايتد برس للأنباء في الأول من شهر مايو الجاري، ذكرت فيه أن الهيئات الحقوقية التونسية أعربت عن قلقها من تفشي الظاهرة، حيث باتت الزوجات تمارسن أشكالا من العنف الجسدي واللفظي على أزواجهن.

 

وقد تعددت «البؤر» التي أصابتها الظاهرة، حتى أصبحت الجمعيات والمنظمات الأهلية التونسية تستقبل حالات كثيرة لرجال باتوا يلجأون إليها شاكين عنف زوجاتهم. ونقلت الوكالة عن منيرة العكريمي رئيسة جمعية المطلقين والأرامل التونسية أن أكثر من رجل اتصل بها ليشكو زوجته التي تتعمد الاعتداء عليه جسديا ولفظيا. واعتبرت أن ظاهرة عنف الزوجات داخل الأسر أضحت مقلقة، وباتت تهدد تماسكها، الأمر الذي يستدعي ضرورة المعالجة والاحتواء.

 

من المعلومات التي أوردها التقرير أن أحد وجوه المجتمع المدني التونسي، العربي الفيتوري، اعترف بأنه خاض تجربة من هذا القبيل، دفعته إلى تأسيس «ملجأ المضطهدين زوجيا». وقال إنه يستقبل في الملجأ العديد من الأزواج الذين تضطهدهم زوجاتهم، وغالبا ما يجدون أنفسهم خارج بيت الزوجية بسبب ذلك الاضطهاد. وقد تزايدت أعداد ضحايا الظاهرة حتى ذكرت دراسة جامعية حول العنف بين الأزواج أن 10% من التونسيات المتزوجات يضربن أزواجهن، وأن 30% منهن يعتدين بالعنف اللفظي عليهم، ودعا السيد الفيتوري إلى كسر «حاجز الصمت» بعد تنامي الظاهرة التي اعتبرها جديدة ودخيلة على المجتمع التونسي.

 

ثمة معلومات في التقرير تحدثت عن قرائن تدل على وجود لظاهرة ضرب الأزواج وممارسة أشكال العنف الأخرى ضدهم في بعض الدول العربية، منها مصر التي تأسست فيها جمعية «سي السيد» (لم أسمع بها من قبل) والمغرب التي تأسست فيها شبكة للدفاع عن حقوق الرجال وحمايتهم من عنف الزوجات. كما أظهرت إحصاءات وجود بعض ضحايا الظاهرة في مملكة البحرين.

 

ليس لدي تفسير لبروز الظاهرة بشكل أوضح في تونس بوجه أخص، ولا أعرف ما إذا كانت لها صلة أم لا بقوانين الأحوال الشخصية التي أخلت بموازين الأسرة وأدت إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد المطلقات، أم أن لها صلة بما هو معروف عن رقة حال الرجال في تونس، الأمر الذي شجع النساء على الاستقواء عليهم، أم أنها من نتائج حملة التغريب الشديدة هناك، كما أنني لست واثقا من علاقة ظاهرة بطش الزوجات بالبطش الذي تمارسه السلطة بحق المجتمع، باعتبار أن الممارسات الأخيرة تلقن الناس دروسا يومية في القمع والقهر.

 

المسألة ليست جديدة تماما، فنحن نقرأ بين الحين والآخر أخبارا بعضها عن عنف الزوجات ضد الأزواج، وبعضها عن قتل الأزواج بأيدي زوجاتهم. ومازلت أذكر ما سمعته من الأستاذ أحمد بهاء الدين رحمه الله ذات مرة، حيث وجد أن بعض المثقفين غادروا البلد في عهد الرئيس السادات واستقروا في اليمن الجنوبي الذي كان خاضعا آنذاك للحكم الشيوعي. وإذا استغرب ذلك الاختيار من جانبهم، ولأنه يعرف ظروفهم جيدا، فقد قال إنهم ليسوا لاجئين سياسيين، ولكنهم هاربون من بطش زوجاتهم في حقيقة الأمر، أدركوا أن بقاءهم بعيدا في ظل الأوضاع الصعبة القائمة في عدن أهون من استمرارهم في بيوتهم تحت رحمة زوجاتهم.

 

واضح أن ما كان في السابق حوادث فردية استثنائية بصدد التحول إلى ظواهر اجتماعية لا نعرف حجمها الحقيقي بعد، بسبب غياب التفاصيل المحجوبة وراء جدار الصمت. مع ذلك فينبغي أن نعترف بأن خرائطنا الاجتماعية تغيرت، وأن الصورة النمطية للرجل الشرقي المهيب والمرهوب تجاوزها الزمن، بعدما أصبح التلفزيون هو المربي والمرشد في البيت.

 

ويظل التغير مرحبا به بطبيعة الحال، شريطة أن يكون خطوة إلى الأمام وليس إلى الوراء، حيث لا يسرنا بأي حال أن يضرب الرجل المرأة أو أن تضرب المرأة الرجل، أو أن تضرب الحكومة الاثنين.

..........................

الأمن القومي وأمن الناس

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 14 جمادى الأول 1430 – 9 مايو 2009

الأمن القومي وأمن الناس – فهمي هويدي

 

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_08.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/871331.html

 

بعدما شبعنا حديثا عن الأمن القومي طوال الأسابيع الأخيرة، ورفعنا الصوت عاليا مهددين ومنذرين كل من تسول له نفسه أن يدوس له على طرف. وبعدما حذرنا من مغبة غضب مصر وتداعيات نفاد صبرها، هل يمكن أن نخفض سقف الانفعال بعض الشيء لنتحدث في أمر بسيط يتصل بأمن المواطن العادي.

 

صحيح أن التوقيت قد لا يكون مناسبا، وسط الأجواء التي تحاول إقناعنا بأن الوطن أصبح في خطر سواء بسبب «عفريت» خلية حزب الله وليس بسبب إسرائيل النووية، إلا أننا لا ينبغي أن نتجاهل أن هناك ظروفا طارئة تضطرنا أحيانا إلى الانصراف أثناء أي فاصل بين فقرات الانفعال بالقضايا الكبرى إلى بعض الأمور قليلة الأهمية المتعلقة بالناس العاديين، رأفة بحالهم وترطيبا لجوانحهم.

يشجعنا على ان نولي بعض الاهتمام للشأن الذي يخص المواطن العادي، أن الكلام الكبير الذي تناول موضوع الأمن القومي كان في حده الأقصى أقرب إلى الفرقعة الإعلامية والسياسية التي كان من الصعب على العقلاء بلعها، في حين أن موضوع المواطن العادي بات حقيقة يلمسها بعض الناس ويتحدث بها أغلبهم إن لم يكن كلهم.

 

الموضوع باختصار أن الحوادث المتتالية التي وقعت في بر مصر خلال السنوات الأخيرة أفقدت المواطن العادي الشعور بالأمان في المدن بوجه أخص. وهذا الشعور لا يتحقق بتصريحات مسؤولي الداخلية المطمئنة ولا بتقارير الأمن العام المجاملة. لكنه كأي شعور ينبني على ما يلمسه الناس على أرض الواقع. وهذا الواقع يحفل بالشواهد التي تدل على زيادة جرائم السرقة والخطف بمختلف أنواعها. وزيادة في جرأة معتادي الإجرام، التي باتت تدفعهم إلى اقتحام المساكن المأهولة، وقتل من يعترض طريقهم. كما أن هؤلاء أصبحوا يرتكبون جرائمهم في وضح النهار وفي الشوارع الرئيسية.

 

بسبب ذلك فإن المواطن لم يعد مطمئنا في بيته، ولا أصبح مطمئنا وهو سائر في الشارع. وإذا كان يملك سيارة فإنه لم يعد واثقا من أنه سيجدها على باب بيته في الصباح. وإذا كان للأسرة طفلة أو طفل فقد باتت تخشى أن ترفع أعينها عنه في أي مكان، بعد الشائعات التي راجت عن عصابات تجارة الأعضاء التي أصبحت تخطف الأطفال.

 

أعرف أناسا أصبحوا يسعون إلى اقتناء الأسلحة وترخيصها للدفاع عن أنفسهم وبيوتهم. وأكثر منهم أضافوا أبوابا حديدية إلى شققهم ذات الأبواب الخشبية، وأمثالهم قاموا بتركيب أجهزة إنذار في بيوتهم، وأسياخ حديدية لتأمين نوافذها. أما أطقم الحراسات الخاصة التي أصبحت ترابط في مداخل البنايات فقد انتشرت وتضاعفت أجورها. حتى باتت شركات الحراسات الجديدة بمنزلة وزارة داخلية موازية.

 

بشكل عام هناك اقتناع سائد بأن وزارة الداخلية أصبحت متفرغة لحماية النظام، ومن ثم تعين على المجتمع أن يدبر أمر الدفاع عن نفسه. ذلك أن الناس يشاهدون أرتال عربات الأمن المركزي تستنفر لقمع المظاهرات وتفريقها، كما يشاهدون حشود الشرطة تؤمن الأكابر، وتصطف في المواكب الرسمية، ولكنهم لا يكادون يلمسون لها حضورا يذكر في حياة الناس العادية. إن شئت فقل إن القادرين حاولوا حل المشكلة بإمكاناتهم الذاتية، أما الأغلبية الساحقة فلم يعد لها حارس سوى الله.

 

الظاهرة تحتاج إلى تحرير، في حجمها ودوافعها. وعلم الحجم عند الله ثم عند الداخلية، أما الدوافع فهي تتراوح بين تركيز الشرطة على الأمن السياسى، وتراجع قيمة احترام القانون، واتساع الفجوة وعمقها بين الأغنياء والفقراء ، وانتشار المخدرات، وشيوع الإحساس بالغضب والنقمة بسبب الغلاء والفساد والبطالة، خصوصا في ظل غياب المشاركة المجتمعية واحتكار السلطة الذي أقنع كثيرين بأنها أصبحت مملكة الأثرياء وحدهم، وأن هؤلاء خطفوا البلد ونهبوه.

 

لقد جنحت سفينتنا حين فرغنا الديموقراطية من مضمونها، وحولناها إلى هياكل ومؤسسات منفصلة عن المشاركة والمساءلة وتداول السلطة، ولكننا حين نفصل بين الأمن القومي وأمن الناس، فإن السفينة بكل من فيها تصبح مهيأة للغرق، لذا لزم التنويه.

.........................

في الاسترقاق المعاصر

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 11 جمادى الأول 1430 – 7 مايو 2009

في الاسترقاق المعاصر – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/05/blog-post_4558.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/5/869938.html

 

قرار البحرين إلغاء نظام الكفيل خطوة متقدمة ومتحضرة تستحق الاحترام والتشجيع. وهذا النظام لمن لا يعرف مطبق منذ عقود في جميع دول الخليج، وهو صيغة مهذبة لاسترقاق العمالة الوافدة. تحول عقد العمل إلى ما يشبه عقد الشراء والملكية، ومن ثم تربط مصير الموظف أو العامل بإرادة ومزاج من استقدمه. فهو يحتفظ في خزانته بجواز سفره، ولا يسمح له بالخروج من البلاد إلا بإذنه، ولا يسمح له بأن ينتقل من عمل إلى آخر في داخل البلاد إلا بموافقته. وفي أي لحظة يستطيع صاحب العمل أن يلغي كفالته فيطرد الوافد من البلد على الفور، لأن إقامته تصبح غير شرعية.

 

ولأن مصير الموظف أو العامل يظل معلقا برضا الكفيل، فإن ذلك أدى إلى إضعاف موقف الأول واستقواء الثاني، مما يدفعه في بعض الأحيان إلى ابتزاز العاملين لديه وإذلالهم وإهدار حقوقهم. والذين عاشوا في الخليج يحتفظون في ذاكرتهم بقصص كثيرة لعالم الكفالات بما يحفل به من أحزان ومرارات.

 

حين التحقت بمجلة العربي الكويتية قبل أكثر من ربع قرن، كان الأستاذ أحمد بهاء الدين قد تولى رئاستها خلفا لمؤسسها الدكتور أحمد زكي، وعلمت منه أنه حين تولى منصبه كان أحد شروطه ألا تحتجز جوازات سفر صحافيي العربي القادمين من الخارج لدى وزارة الإعلام، لأنه اعتبر ذلك مسلكا مهينا ومرفوضا. وقد استجاب وزير الإعلام لطلبه، ومن ثم ظل كل واحد منا محتفظا بجواز سفره طوال الوقت، وبالتالي محتفظا بحريته في الحركة في الدخول والخروج. وكان ذلك وضعا استثنائيا على القاعدة المطبقة على كبار القضاة والمستشارين وأساتذة الجامعات، والمدرسين والعمال والحرفيين.

 

لا أعرف من أين جاءت فكرة «الكفيل»، لكني أرجح أن تكون من بقايا مرحلة ما قبل نشوء الدولة وغياب القانون. حيث تشير المراجع التاريخية إلى أن عرب الجاهلية ووجهاءها كانوا يقومون بحماية ضعفائهم ويأوون من استجار بهم، من باب المروءة والشهامة، فيما عرف آنذاك بأنه عقد الجوار أو الذمة،الذي كان يبرم أيضا بين القبائل القوية والضعيفة. وبدا ذلك أمرا مفهوما ومبررا، إذ لم تكن فكرة المواطنة قد تبلورت بعد، ولا كان هناك قانون يحمي مصالح الناس ويطبق على الجميع. ومن ثم اقتضت المروءة أن يتصدى الكبار والأقوياء لتأمين الضعفاء والغرباء.

 

أما في ظل الدولة الحديثة التي ترتبط بمعاهدات وأنظمة دولية، كما يفترض أن تطبق فيها القوانين واللوائح على الجميع، فإن وجود نظام الكفيل أصبح بلا معنى في حقيقة الأمر، ولكنه تحول إلى سيف أو سوط في يد صاحب العمل يمارس به إذلال العاملين وقهرهم. إذ في هذه الحالة لا يخضع الوافد لسلطة القانون فحسب، وإنما يخضع أيضا لسلطة صاحب العمل وأهوائه.

 

في الوقت ذاته فإن نظام الكفيل أصبح يمثل تراجعا حتى عن مفهوم الذمة في معناه الذي ساد في العصر الجاهلي. إذ لم نعد بصدد وضع يحمي فيه القوي الضعيف، وإنما يمكن فيه الأول من التحكم في الثاني، فضلا عن أن طبيعة العلاقة بين الطرفين لم تعد قائمة على الأمان والثقة، بقدر ما أصبحت مسكونة بمشاعر التوجس والارتياب في الوافد.

 

المدهش في الأمر أن نظام الكفيل اهتم بتكريس تقييد حركة الوافد والتحكم فيه، بأكثر مما اعتنى بالتدقيق في هويات القادمين، خصوصا بعدما تحول إلى تجارة يتربح منها البعض، مما ترتب عليه إغراق أسواق بعض الدول الخليجية بالعمالة الآسيوية التي أحدثت خللا في التركيبة السكانية، أصبح يقلق كثيرين من الغيورين على مستقبل تلك الدول.

 

لقد خطت البحرين خطوة مهمة إلى الأمام، جديرة بأن تحتذيها الدول الخليجية الأخرى، التي لاتزال مدعوة لأن تتعامل مع ملف الوافدين بما يوفق بين كرامتهم الإنسانية، واستقرار تلك الدول ومصالحها العليا.

........................