صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 29
ربيع الثاني 1430 – 25 أبريل 2009
استقالة رجل محترم - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_24.html
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/860835.html
هذا خبر أتمسك بصدقيته، حتى لو
ثبت بعد ذلك أنه ليس صحيحا. فقد نشرت صحيفة «الوفد» في 20 أبريل الجاري أنه أثناء إجراء «البروفة» النهائية لحفل المايسترو
الإسرائيلي دانيال بارينبوم. اعترض د.رضا الوكيل رئيس البيت الفني بدار الأوبرا المصرية على وجود كاميرا التلفزيون الألماني المصاحبة
للعازف الشهير فوق خشبة المسرح لتصوير البروفة. باعتبار ذلك مخالفا لتقاليد
الأوبرا، التي تمنع الكاميرات من الصعود فوق خشبة المسرح. وهو ما تلزم به وتخضع له كل قنوات التلفزيون المصرية، التي أعطي كل منها عشر
دقائق للتصوير من مكان محدد خلف مقاعد المشاهدين، طبقا للبروتوكول الموقع بين
الأوبرا واتحاد الإذاعة والتلفزيون.
المايسترو الإسرائيلي لم يعجبه
هذا الموقف، وأصر على وجود التلفزيون الألماني فوق خشبة المسرح مع تصوير البروفة
كاملة. حاول رضا الوكيل أن يشرح له أن ذلك أمر مرفوض، لأنه يخالف تقاليد الأوبرا. لكن صاحبنا
تمسك
برأيه وقال
إن وجود الكاميرا على المسرح ضروري لتصوير وجهه. الوكيل من جانبه رفض أن يتراجع، وأصر على
الالتزام بالتقليد المتفق عليه. إزاء ذلك لجأ السيد دانيال إلى المدير الفني والإداري
للأوركسترا، د.إيناس عبدالدايم، التي طلبت من الوكيل استثناءه من القاعدة المتبعة، خصوصا
أن
الرجل هدد
بالانسحاب إذا لم تتم الاستجابة إلى طلبه.
الغريب أن الوكيل كان قد استشار د.إيناس
قبل أن يلجأ إليها المايسترو الإسرائيلي، فأيدته في موقفه، لكنها تراجعت بعد ذلك، وآثرت تفويت
الأزمة
عن طريق
الاستجابة لطلبات الضيف، وهو ما وضع رئيس البيت الفني للأوبرا في موقف حرج. إذ بعدما تخلى الآخرون
عن موقف الالتزام بالتقاليد المتبعة في الأوبرا، فإنه بدا وكأنه الوحيد المعارض
لطلبات السيد دانيال.
ما همني في تلك التفاصيل أن د.رضا
الوكيل رفض أن يقبل بتصرف المايسترو الإسرائيلي، فقرر أن يستقيل من منصبه احتراما
لنفسه واحتجاجا على إهدار تقاليد الأوبرا. ورغم أنه لم يمض على تعيينه في المنصب سوى شهر تقريبا، فإنه رفض أن يتراجع عن موقفه، حتى
يوم نشر الخبر على الأقل.
قد يقول قائل إن الذي يجرح مشاعر
الأمة بدعوة الموسيقار الإسرائيلي للعزف في القاهرة، بعد عدة أسابيع من مذبحة غزة، لا يستكثر عليه أن
يخرق
قواعد العمل
في الأوبرا ويستثنيها من تقاليده، وهذا كلام لا يخلو من منطق أؤيده، ولدي استعداد للدفاع عنه،
إذ رغم أن الرجل مؤيد لحقوق الفلسطينيين ومستنكر للجرائم الإسرائيلية، فإننا ونحن
نقدر موقفه يجب أن نقنعه بأنه منبوذ ومقاطع في العالم العربي، بسبب جرائم البلد الذي ينتمي إليه
ويحمل
جنسيته.
في الوقت ذاته فإن دعوة المايسترو
الإسرائيلي مسؤولية وزير الثقافة الذي له حساباته الخاصة المعروفة وليست مسؤولية د.رضا الوكيل. مع ذلك
فإن
الأخير وهو
يؤدي وظيفته اختار أن يدافع عن تقاليد المكان الذي يعمل فيه، وقرر أن يدفع ثمن اختياره
بالاستقالة.
ورغم أن دعوة المايسترو
الإسرائيلي تظل خطأ جسيما لا يغتفر، فإن نزاهة د.الوكيل ينبغي أن تذكر له. ذلك أننا في زمن
يعاني من محنة انهيار تقاليد العديد من المهن، بقدر ما يعاني من محنة تخاذل الكثيرين من الذين
يفترض
أنهم حراس
تلك التقاليد والقائمون على صيانتها.
إنني أتمنى أن يظل د.الوكيل ثابتا
على موقفه، على الأقل لكي يبقى في أذهاننا نموذجا للمسؤول الذي لم يتخل عن تقاليد مهنته، ودفع راضيا ثمن اختياره وإذا فعلها فإنه سيرفع من
معنوياتنا، وسيقنعنا بأن البلد مازال فيه أمل، وأن صنف الشرفاء الذين لم تفسدهم
الغوايات والمناصب لم ينقرض بعد.
..............................








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية