فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

لأنه وعد فأوفى

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 4 جمادى الأول 1430 – 30 أبريل 2009

لأنه وعد فأوفى – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_6037.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/864729.html

 

أغلب الظن أنها مصادفة، أن تتحدث صحف الأحد «26/4» عما حققه الرئيس أوباما من وعود وما لم يحققه خلال المائة يوم الأولى لولايته، في حين ينشر في القاهرة في اليوم ذاته إعلان احتل صفحة كاملة وجه الشكر للرئيس مبارك «لأنه وعد فأوفى». صحيح أنه لا وجه للمقارنة بين الاثنين من الناحية الزمنية، لأن أوباما لم يمكث في مكتبه أكثر من مائة يوم.

 

أما الرئيس مبارك فقد أمضى في منصبه أكثر من عشرة آلاف يوم. احتفلت بها صحيفة «الدستور» على طريقتها قبل عدة أسابيع. مع ذلك فلا بأس من المقارنة بين مضمون الإعلانين الأميركي والمصري. إذ طبقا لما ذكره موقع مقياس أوباما، الذي أقامته صحيفة «سانت بيترسبورج» فإن أوباما أطلق خلال حملته الانتخابية 500 وعد، وخلال المائة يوم الأولى حقق منها 27 وعدا ولم يف بستة.

 

من الوعود التي حققها الرئيس الأميركي أنه أصدر قرارا بالانسحاب من العراق، وأرسل لواءين إلى أفغانستان. ووجه خطاب مصالحة مع العالم الإسلامي، ورفع القيود عن زيارة كوبا، وأنشأ صندوقا لمنع مصادرات المنازل. كما قام بتعيين جمهوريين في إدارته، وصولا إلى إهداء كلب لابنتيه ماليا وساشا.

 

من الوعود التي لم يف بها أوباما أنه لم يعترف بإبادة الأرمن خلال زيارته لتركيا. كما أنه لم يستصدر قانونا لتخفيض الضريبة بقيمة ثلاثة آلاف دولار على الشركات التي تستحدث الوظائف ولم يمنع أعضاء مجموعات الضغط من العمل لحساب الإدارة في مجال عملهم خلال السنتين الأخيرتين.. إلخ.

 

الإعلان الذي نشرته صحيفة «الأهرام» واحتل صفحة كاملة في ذلك اليوم (قيمتها أكثر من 200 ألف جنيه) تصدره عنوان يقول: سيادة الرئيس شكرا، وعدت وأوفيت، وإلى جانب العنوان ظهرت ثلاث صور. واحدة كبيرة نسبيا للرئيس مبارك، والثانية أصغر لرئيس الوزراء، والثالثة أصغر لوزير الإسكان، (كل واحد ومقامه). ثم وضعت في قلب الصفحة صورة ملونة كبيرة على ثمانية أعمدة لمجموعة من البنايات، وتحتها صورة أخرى بالحجم نفسه لحجرة استقبال واسعة، تناثرت فيها مجموعة من المقاعد والأرائك المريحة، بين الصورتين ظهر مربع كتبت فيه الكلمات التالية: نظرا للإقبال الشديد ونفاد جميع وحدات المرحلة الأولى، تعلن مجموعة «كذا» للاستثمار عن فتح باب الحجز للمرحلة الثانية «2200 وحدة سكنية»، وذلك بأسبقية الحجز بدءا من يوم كذا.

 

 لا يحتاج المرء الى أن يبذل جهدا لكي يدرك أمرين،

 أولهما أن مخاطبة الرئيس في العنوان أريد بها الترويج لمشروع إسكان أقامته إحدى شركات الاستثمار التي عرضت في الإعلان كيف أن مشروعها ييسر الأقساط على المشترين ويوفر مختلف أسباب الراحة والمتعة للساعين إليها.

الأمر الثاني أنه ليس في الإعلان ما يوحي بأن له علاقة بوعود الرئيس مبارك، إلا أن يكون الوعد المقصود الذي لم يعلن أن يزداد رجال الأعمال ثراء وأن يوفروا للقادرين أسباب الرفاهية التي ينشدونها، من بحيرات صناعية وحمامات سباحة إلى الملاعب والمطاعم والمقاهي.. إلخ.

 

لن أختلف مع من يقول إن المقارنة ظالمة بين ما أعلن في أميركا والإعلان الذي نشر في مصر، باعتبار أن الجرد الذي تم هناك أجرته مؤسسة محترمة تأخذ الأمور على محمل الجد،

في حين أن الإعلان المنشور في «الأهرام» استخدم اسم الرئيس وامتدح وفاءه بما وعد، لكي يروج لمشروع استثماري خاص به.

 

هذا كلام صحيح لا ريب، لكني أردت بالمقابلة أن ألفت الانتباه إلى الجد هناك والهزل هنا، وإلى أنهم هناك يحاسبون رئيسهم على ما فعل خلال مائة يوم، بينما ليست لدينا جهة تستطيع أن تحاسب الرئيس على عشرة آلاف يوم.

 

في الوقت ذاته فلدي شك كبير في أن الحزب الوطني إذا أراد تقييم ما حققه الرئيس خلال عشرة آلاف يوم، فإنه سيقول أكثر مما قاله الإعلان الذي نشره المستثمر المتذاكي، الذي يبدو أنه يعرف جيدا من أين تؤكل الكتف.

.....................................

سوء إدارة لا سوء حظ

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 3 جمادى الأول 1430 – 29 أبريل 2009

سوء إدارة لا سوء حظ – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_29.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/864204.html

 

في أسبوع واحد احتلت مصر المركز الأول في الإصابة بإنفلونزا الطيور وخرجت تماما من تصنيف أفضل خمسمائة جامعة في العالم، ليس ذلك سوء حظ بطبيعة الحال، ولكنه سوء إدارة وترتيب.

 

لن نفصل في مسألة الإصابة بإنفلونزا الطيور التي أفاضت الصحف المصرية في الحديث عنها طيلة الأيام الماضية، لكن ما يحتاج إلى بعض التفصيل هو الشق الخاص بالفشل الأكاديمي الذريع الذي شهد به تصنيف الجامعات الأفضل في العالم، وهو ما صدمنا به زميلنا الأستاذ لبيب السباعي حين نعى إلينا الخبر في الأهرام «عدد 4/27»، وأرفقه ببعض البيانات التي تملؤنا شعورا بالحسرة والغضب.

 

قال زميلنا في تقريره المفجع إنه قبل ثلاث سنوات جاءت جامعة القاهرة في مركز متأخر في الترتيب العالمي للجامعات، لكن الموقف أصبح أسوأ الآن. حيث غابت الجامعات ومراكز البحوث العلمية المصرية والعربية جميعها من التصنيف، في حين انضمت إلى قائمة الجامعات الأفضل ست جامعات ومراكز بحثية إسرائيلية (كانت ثلاثا في التصنيف السابق) وثلاث جامعات من جنوب أفريقيا.

 

كنت قد كتبت قبل أيام عن بعض مظاهر تخريب التعليم في مصر، وجاء التقرير الدولي الذي نحن بصدده لكي يعلن إحدى النتائج التي حققها ذلك التخريب. وقد عبرت فيما أشرت وقتذاك عن الدهشة إزاء سكوت المسؤولين عما يحدث في ذلك القطاع، الذي هو في تماس مباشر مع الأمن القومي للبلد، باعتبار أن ضحايا آثاره المدمرة هم الأجيال الجديدة، ها نحن نجد أن المأساة ذاتها تتكرر مع التعليم الجامعي، إذ حين أعلن قبل ثلاث سنوات أن جامعة واحدة في مصر هي جامعة القاهرة قد أصبحت في مركز متأخر ضمن الجامعات المحترمة، وهي التي ظلت منارة للمعرفة في العالم العربي على الأقل، فإن ذلك الفقر العلمي لم يحرك شيئا في بر مصر. بالتالي ظل مؤشر التدهور يستمر في الهبوط حتى خرج التعليم الجامعي تماما من المنافسة، في الوقت الذي وجدنا فيه أن الآخرين لا يتوقفون عن الصعود ويصرون عليه.

 

لا أعرف صدى الصدمة الأخيرة، لكنني أتصور أن أي إدارة رشيدة تتحلى بالوعي والمسؤولية لابد أن تتحرك بسرعة للإجابة عن سؤالين هما:

 لماذا تراجعت أوضاع الجامعات ومراكز الأبحاث؟ ومن بالضبط المسؤول عن ذلك التراجع؟

 وكيف يمكن إنقاذ الموقف والنهوض بالجامعات ومراكز البحث العلمي؟.

 

حين نجح الاتحاد السوفييتي في إرسال رائد فضاء إلى القمر محققا بذلك سبقا علميا كبيرا على الولايات المتحدة، فإن الدنيا قامت ولم تقعد في واشنطن، وأصدر وزير التعليم هناك في عام 1961 قرارا بتشكيل لجنة ضمت 18 شخصا من أكبر العقول الأميركية لتقييم حالة التعليم في البلد، وإصدار التوصيات التي تمكن أميركا من اللحاق بالاتحاد السوفييتي ومنافسته.

وأصدرت اللجنة بعد سنتين من العمل الجاد تقريرا ذاع صيته آنذاك، تضمن توصيات متعددة للنهوض بالتعليم، كان عنوانه «أمة في خطر».

 

وهذا الذي حدث للجامعات المصرية يستحق استنفارا مماثلا من جانب الغيورين على التعليم والمستقبل والأمن القومي للبلد. ولكن يبدو أن ثمة مشكلة في العثور على هذا الصنف من الناس، أو أنهم موجودون فعلا ولكنهم مشغولون بأمور أخرى.

هذه البلادة التي نتعامل بها مع ملف التعليم ليست حكرا عليه فقط، لأننا نرى تجسيدا لها في التعامل مع إنفلونزا الطيور، التي كانت شبحا يلوح في الأفق منذ سنتين، وتحولت مع اللامبالاة والتراخي المشهودين إلى خطر داهم يهدد البلاد والعباد.

 

وهو ما يعني أن المشكلة أكبر من الجامعات أو من إنفلونزا الطيور، وأنها تكمن في أسلوب إدارة المجتمع وترتيب أولويات مشكلاته، التي أصبح الأمن السياسي على رأسها، وكل ما عداه أقل أهمية أو عديم الأهمية.

.............................

 

عمر البشير في حوار صريح - المقال الاسبوعي

صحيفة الخليج الاماراتيه الثلاثاء 2 جمادي الأول 1430 -  28 أبريل 2009

عمر البشير في حوار صريح – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_28.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/863506.html

 

لقاء الرئيس عمر البشير يفتح الشهية لطرح كم من الأسئلة بعدد المشكلات والتحديات التي يواجهها السودان، وبحجم اللغط المثار حول سياساته في الداخل والخارج.

 

(1)

 

فالسودان ليس بلداً كبيراً فحسب ولكنه مشكلة كبيرة أيضاً، ذلك أننا نتحدث عن بلد هو الأكبر من حيث المساحة من أي دولة عربية وإفريقية أخرى (مساحته أكثر من مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع في حين أن مساحة مصر مثلا لا تزيد كثيراً على مليون كيلومتر مربع)، وسكانه البالغ عددهم 40 مليون نسمة هم نصف سكان مصر. أما مشكلته فهي متعددة الأوجه، فمن ناحية، له حدود مشتركة مع تسع دول عربية وإفريقية، الأمر الذي يجعل سيطرته على حدوده من المستحيلات، ومن ناحية ثانية، فإن أهله يتوزعون على 600 قبيلة، يتكلمون 115 لغة ولهجة محلية، تتفرع منها لهجات أخرى، وهذه القبائل يتحكم فيها زعماء محليون من شيوخ وسلاطين وأمراء، ولكل منهم عالمه الخاص، الذي لا علاقة له بالضرورة بالسلطة المركزية في الدولة. وطوال السنوات الماضية كنا نسمع عن الشمال والجنوب في السودان، لكننا لم نلاحظ أن هناك كيانات أخرى في كردفان ودارفور وبلاد النوبة. ثم إنه بلد غني، بمياهه ونفطه وغازه وغاباته ومعادنه التي تتراوح بين اليورانيوم والذهب والنحاس والفوسفور والمنجنيز والكروم.. إلخ. وإلى جانب ذلك فثروته الزراعية والحيوانية لا حدود لها، فالحديث عن 200 مليون فدان صالحة للزراعة و50 مليون رأس من الغنم والماعز، إضافة إلى 23 مليوناً من الأبقار و35 مليوناً من الإبل. وإلى جانب أهميته الاستراتيجية في المحيط الإفريقي، فإن إطلاله على البحر الأحمر بساحل طوله 644 كيلومتراً، ضاعف من تلك الأهمية. وتلك كلها عوامل جعلت السودان مطمعا للدول الكبرى وساحة لصراعاتها، ونقطة جذب للمتآمرين والمغامرين والمبشرين. بسبب كل ذلك لم تتوقف المشكلات في السودان منذ استقلاله في عام ،1956 ولأن الأقدار وضعته في موقع باب العالم العربي إلى إفريقيا، فإن ذلك كان سبباً آخر لمحاولة تفكيكه وإدامة إشعال نار الفتنة فيه، حتى لا يستقوي بموارده، على نحو يمكنه من أن يصبح صاحب دور في القارة، وهو ما يستكثره عليه الطامعون والمتربصون والمتآمرون.

 

(2)

 

كانت هذه الخلفية حاضرة في ذهني حين ذهبت للقاء الرئيس عمر البشير في بيته، ولم يغب عن بالي أن الرجل الذي يمسك بزمام السلطة منذ عشرين عاما، مطلوب أيضا للمحكمة الجنائية الدولية بسبب مشكلة هي جزء من مسلسل التآمر على السودان، وحين حسدته على ثباته وقوة أعصابه، استشهد في تعليقه بالآية الكريمة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” وبالحديث النبوي الذي يقول ما معناه إن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوا أو يضروا مخلوقا بشيء، فلن يلحقوا به إلا ما كتب الله له أو عليه.

 

لم أستغرب الرد، فقد كنت أعلم أنه حافظ للقرآن وله خلفيته الدينية التي حصلها منذ صغره حين كان حفظ القرآن أول ما يتعلمه أبناء جيله (من مواليد عام 1944). ولما صار رئيسا، فإنه ظل يواظب على أداء الفرائض الخمس من الفجر إلى العشاء في مسجد صغير مقام إلى جوار بيته الرئاسي، والذين يعرفونه يقولون إنه لا يزال متأثرا ببيئته الصوفية، رغم أنه تخرج في الكلية الحربية في عام النكسة (1967) وقدر له أن يشترك بعد ذلك في حرب العبور عام ،1973 وفي رحلته أعطى الدراسات العسكرية جزءا كبيرا من وقته، خصوصا أنه كان متخففا من الأعباء العائلية، حيث لم ينجب من زوجتيه (الثانية كانت زوجة شهيد من رفاقه) وعوض الإنجاب عن طريق تبني طفلين من أبناء الجنوب. في الوقت ذاته، فإنه انكب على دراسة الماجستير في العلوم العسكرية بكلية القادة والأركان في الخرطوم، وبعدها حصل على ماجستير العلوم العسكرية من ماليزيا، ثم حصل على زمالة أكاديمية السودان للعلوم الإدارية.

 

حين التقيته كان وفد سوداني قد غادر الخرطوم إلى “لاهاي” لحضور جلسة إحدى المحاكم الدولية التي تنظر نزاعا مع الجنوبيين حول حدود منطقة “أبيي” الغنية بالنفط خاصة.

 

وكان اثنان من المبعوثين الأمريكيين قد أنهيا زيارتهما للسودان. سألته عن المهمتين فقال إن القضية المرفوعة في “لاهاي” أريد بها رفع الظلم عن الإقليم الشمالي الذي اقتطعت مساحة واسعة من أرضه بغير حق وأدخلت ضمن حدود “أبيي”، كان سوء النية واضحا في هذه العملية. ولم يكن أمامنا سوى أن نلجأ إلى التحكيم الدولي لحل ذلك الإشكال. أما فيما يخص المبعوثين الأمريكيين فإن مهمتهما اقتصرت على أمرين، العلاقات الثنائية بين واشنطن والخرطوم، المجمدة والمسكونة بالتوتر، وموضوع المنظمات الإغاثية التي قررنا طردها من السودان بسبب أنشطتها المريبة والمعادية في دارفور (عددها 13 منظمة).

 

* ألم يتطرقا إلى القرار الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية؟

 

- لم يتحدثا في هذا الموضوع، لكننا فهمنا أن التعامل “الإيجابي” مع النقطتين اللتين جاءا لبحثهما من شأنه أن يوفر أجواء أفضل لتهدئة الضجة التي أثارها.

 

سألته عن نتائج الزيارتين فقال إن النتائج لم تظهر بعد، ولكن المقدمات تعطي انطباعاً مريحاً نسبياً، ففيما يخص المنظمات فإننا تمسكنا بقرارنا بإبعادها، لأن لدينا أدلة قوية تثبت تآمرها ضدنا وانتسابها إلى قوى الضغط الصهيونية. ولكننا كحل وسط لم نمانع في استقبال بدائل عن المنظمات الأمريكية التي طردت (عددها أربع والباقي منظمات أوروبية). أما فيما يخص العلاقات الثنائية، فإن إعادتها إلى مسارها الطبيعي تتطلب وقتا لم تتضح معالمه بعد.

 

استطرد الرئيس البشير قائلاً إن السودان لديه خبرة طويلة مع المبعوثين الأمريكيين، أكثرها غير مشجع، لأن المشكلة لا تكون في المبعوث القادم من واشنطن، ولكنها في القوى الضاغطة على القرار السياسي هناك. وفي السابق استقبلنا زوارا أمريكيين، قالوا لنا كلاما طيبا هنا وحين عادوا إلى بلادهم اضطروا إلى تغييره للحفاظ على مستقبلهم السياسي. وقد قلت لأحدهم مرة (اسمه السناتور دانتورس) إن من المبعوثين من يأتي إلى السودان في حين يكون تقرير الزيارة مكتوبا سلفا، وجاءنا مبعوث آخر كان معادياً لنا، لكنه حين حاورنا اقتنع بكلامنا. وحين تحسن موقفه أعفي من منصبه.

 

* سألته: هل هذا الشك ينسحب على المبعوثين الأخيرين؟

 

- قال: ينبغي أن ننتظر حتى نقيم النتائج. لكن ما نستطيع أن نقوله إنهما تحدثا بروح إيجابية، وجدناها تعبيرا عن الخطاب المتصالح والمنفتح الذي تقدمه الإدارة الجديدة في البيت الأبيض.

 

(3)

 

* هل هناك علاقة بين تأجيل الانتخابات العامة إلى شهر فبراير/شباط المقبل، وبين التخوف من انفصال الجنوب في استفتاء عام 2011؟

 

- لا علاقة بين الأمرين. فالتأجيل سببه أن ترتيبات إجراء الانتخابات الخاصة بالدوائر لم تتم، إضافة إلى أن نتائج التعداد السكاني لم ترض عنها حكومة الجنوب، التي تصر على أن تكون نسبة الجنوبيين 33%، في حين أن المسح الذي أشرفت عليه الولايات الجنوبية بين أن نسبتهم 21% فقط. ثم إننا لسنا قلقين من نتائج الاستفتاء الذي ارتضينا أن نحتكم إليه في الاتفاق الموقع معهم. وحتى الآن فهناك 40% من الجنوبيين يريدون البقاء في إطار الدولة الواحدة. وهذه النسبة تتزايد، خصوصاً في ظل الصراعات الحاصلة بين القبائل الجنوبية التي يرفض بعضها الخضوع لسلطان الحركة الشعبية. وهذه الصراعات لم تتوقف طيلة السنوات الأخيرة، وأحدثها ما وقع في جونجلي قبل أيام وأدى إلى مقتل 300 شخص على الأقل.

 

* من أين تأتي الجماعات المتمردة في دارفور بالسلاح؟

 

- هم يحصلون على سلاحهم من تشاد بحكم الصلات القبلية. وتشاد تحصل على السلاح من ليبيا. وقد تحدثنا مع الليبيين بهذا الخصوص، فكان ردهم أنهم يقدمون السلاح إلى الحكومة التشادية وليس إلى المتمردين.

 

* لماذا لم تعلنوا عن الغارات التي شنت ضد قوافل تهريب السلاح حين وقعت في شهر فبراير/شباط الماضي؟

 

- السبب أن أجهزتنا كانت تريد أن تتحقق من مصدر الغارتين ولم تتوصل إلى شيء، إلى أن أعلنت “إسرائيل” عن دورها في ذلك.

 

* هل كانت الحكومة السودانية على علم بعمليات التهريب؟

 

- السودان مفتوح على تسع دول ويتعذر ضبط حدوده تماما. وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن ضبط حدودها مع المكسيك، فنحن نعذر إذا لم ننجح في إحكام الرقابة على الحدود، ونحن نعلم أن قبيلة الرشايدة المنتشرة في إريتريا والسودان ومصر تقوم بتهريب كل شيء عبر الحدود من الطعام إلى البشر والجمال مروراً بالسلاح. وقد علمنا من إخواننا في مصر أن ثمة سلاحاً يتم تهريبه عبر الصحراء لكننا لم نستطع أن نوقفه.

 

* إلى أي مدى تأثر السودان بالأزمة الاقتصادية العالمية؟

 

- تأثرنا ليس كبيراً ومقصور على عوائد النفط الذي انخفضت أسعاره ويشكل 40% من موارد الميزانية. ولكن ذلك لم يعطل شيئا من مشروعاتنا للتنمية. فقد ساعدتنا ظروف كثيرة على إنجاز الكثير من مشروعات البنية الأساسية، خاصة سد مروي وشبكة الطرق والجسور التي ربطت بين ضفتي النيل، وأصبح لدينا وفرة في الطاقة مكنتنا من توصيل الكهرباء إلى أنحاء السودان وكانت النتيجة أن السودان أصبح ترتيبه السادس بين الدول العشر الأسرع نمواً في العالم.

 

* ما مدى ما يقال من أن السودان أصبح منطقة جذب للاستثمارات الخارجية، بعد أن كان طارداً لها؟

 

- هذا الكلام صحيح، ولابد أن نعترف بالفضل في ذلك لجهتين: الصناديق العربية التي مولت العديد من المشروعات الكبيرة في السودان، والصين والدول الآسيوية الأخرى التي قدمت لنا خبرات ومعونات ساعدتنا على النهوض بالواقع السوداني. ذلك أننا بعدما حاربتنا الدول الغربية، فإننا فتحنا أبوابنا للصينيين ودعونا الماليزيين وجاءنا الهنود والباكستانيون والكوريون، حتى أصبحنا الدولة العربية الوحيدة التي انفتحت على الشرق.

 

* ما مدى صحة ما قاله وزير الزراعة في الحكومة الزبير بشير من أن الأمريكيين طلبوا من السودان عدم التوسع في زراعة القمح ليظلوا وحدهم الممسكين بهذا الملف؟

 

- ليست لدينا أوراق رسمية تثبت ذلك، لكنني لا أستبعده. لأنهم فعلوا نفس الشيء أثناء حكم الرئيس عبود، حيث أعطونا القمح والدقيق مجانا، وطلبوا منا ألا نزرع القمح في الولاية الشمالية.

 

(4)

 

سألته عن رأيه فيما يقال عن فتور العلاقات مع مصر بسبب حضوره قمة الدوحة التي سعت مصر لمنع عقدها ولأن القاهرة دعت إلى عقد مؤتمر دولي لأجل دارفور من دون علم الخرطوم أو استشارتها.

 

فقال إن العلاقات مع مصر ليست فاترة وليست حميمة، لكنها إيجابية مع ذلك، والتفاهم والفهم المتبادل قائم بين البلدين، وذلك هو الأهم. وبالمناسبة فإن السودان كان أول من دعا إلى عقد القمة بعد بدء العدوان على غزة، وقد اتصلت هاتفياً بالرئيس بشار الأسد لهذا الهدف، ولذلك فإن قطر حين عرضت استضافة القمة، فإننا كنا في مقدمة الملبين.

 

تطرق الحديث إلى مبادرة السلام العربية، فقال الرئيس البشير إنه من أنصار سحبها، لأنها لم ولن تؤدي إلى شيء، وأنه أبلغ الرؤساء العرب بذلك في أحد الاجتماعات المغلقة، ولولا حرص الخرطوم على عدم شق الصف العربي لكان لها موقف آخر.

 

قلت هل تعتبر السودان من دول الممانعة أم دول الاعتدال؟ فكان رده لا تنس أن السودان هي دولة “اللاءات” التي أعلنت في قمة الخرطوم بعد هزيمة 67 (لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف)، وهي مازالت على ذلك العهد إلى الآن. ولذلك فهي تقف مع المقاومة على طول الخط.

 

* قلت ما رأيك في الأزمة الحاصلة الآن بين مصر وحزب الله؟

 

- قال: نحن نثق في حزب الله وقيادته ونعتبره مقاومة شريفة جديرة بالحفاوة والتقدير. نعرف أنه لم يمارس أي أنشطة ضد أي دولة عربية أو غير عربية. ونأمل في احتواء الأزمة بأسرع ما يمكن، حتى لا ينصرف الاهتمام عن “إسرائيل” التي تمثل العدو الأساسي والأول للدول العربية.

 

سألته وأنا أهم بالمغادرة: هل في السودان معتقلون سياسيون؟ فقال: إن الدكتور حسن الترابي كان آخر المعتقلين وقد أطلق سراحه. قلت ما رأيك في موقفه المؤيد لقرار المحكمة الدولية؟ قال: إن الترابي عزل نفسه عن الإجماع الوطني، منذ استسلم لأحقاده الشخصية وتراجعت لديه أولوية المصالح العليا للوطن.

..........................

المقاطعة هي الأصل

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 1 جمادى الأولى 1430 – 27 أبريل 2009

المقاطعة هي الأصل – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_6488.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/862454.html

 

تركتُ مناقشة في الخرطوم حول التطبيع مع إسرائيل، ووجدتُ أن المناقشة مستمرة في القاهرة حول الموضوع ذاته. جرى حوار الخرطوم في إحدى جلسات المؤتمر القومي، التي نوقش فيها ملف الإعلام والمقاومة. وقدم فيها زميلنا غسان بن جدو، أحد نجوم قناة «الجزيرة»، ورقة شرح فيها موقف القناة من ظهور بعض الإسرائيليين على شاشاتها. معتبرا أن ذلك يشكل استثناء ضروريا، وضريبة تدفعها الجزيرة نظير السماح لها بتغطية الأراضي الفلسطينية.

 

أما في القاهرة فالجدل أثير بمناسبة أول زيارة يقوم بها لدار الأوبرا المصرية المايسترو الإسرائيلي دانيال بارينبوم. الموضوع كان واحدا، في حين أن الاتجاهات بدت مختلفة. فالرأي القوي في مناقشات مؤتمر الخرطوم كان مع مقاطعة إسرائيل ومنع صحافييها وسياسييها من الظهور على شاشات التليفزيون. أما الرأي الأعلى صوتا في الإعلام المصري وليس الأقوى بالضرورة فكان مع الترحيب بالمثقفين والفنانين الإسرائيليين الذين يدعون إلى السلام ويعارضون الاحتلال.

 

حين تتبعتُ المناقشات الدائرة على الجانبين وجدتُ أن هناك التباسا واشتباكا بحاجة الى أن تتضح فيه الخطوط والمعايير. بطبيعة الحال ليس لدي كلام مع دعاة التطبيع في كل الأحوال، الذين مازلت أجد حرجا في مصافحة الواحد منهم، لشكي في طهارة أي يد تصافح إسرائيليا. ولكنني أناقش آراء الوطنيين الغيورين الذين تحركهم النوايا الحسنة ولهم تقديرهم واجتهادهم في رؤية المصالح العليا.

ذلك أنني أعتقد أن مقاطعة المثقف للإسرائيليين ينبغي أن تكون الأصل في كل الأحوال، مادامت إسرائيل على موقفها الاحتلالي وسياساتها الاستيطانية، وأعتبر أن تلك المقاطعة هي الموقف الشريف الذي يمكن أن يتسق به المثقف الحر مع ضميره الوطني. لا فرق في ذلك بين مثقف في دولة اختار نظامها أن يتصالح مع إسرائيل، أو دولة ظلت على موقفها من رفض الصلح مادام العدوان الإسرائيلي مستمرا.

 

هذا الأصل يمكن أن ترد عليه استثناءات تفرضها الضرورات التي تبيح المحظورات، من هذه الاستثناءات مثلا ما يلي:

* أن يكون المثقف فلسطينيا ومضطرا إلى العيش إلى جوار الإسرائيليين.

* أن يكون الإسرائيلي معارضا للصهيونية وليس فقط معارضا للاحتلال.

* أن تضيق الخيارات بحيث تكون المصلحة مرجحة على الضرر والمفسدة الناشئتين عن التواصل مع الإسرائيليين.

 

في غير هذه الحالات، حين تتسع الخيارات وتنتفي الضرورات، فإن الالتزام بأصل المقاطعة هو ما ينبغي أن ينحاز إليه كل مثقف شريف. وأي مساومة أو تفريط في هذا الموقف تصب في مجرى موالاة العدو ومكافأته وتشجيعه على التمدد والتمكين من الأرض المحتلة. ذلك أنه إذا كانت المقاومة المسلحة أعلى درجات التعبير عن رفض الاحتلال، فإن المقاطعة هي أدنى تلك الدرجات. إذ هي وحدها التي تذكره بجريمته طوال الوقت.

 

إذا قمنا بتنزيل المعايير التي أشرت إليها على أرض الواقع، فذلك سوف يمكن الفلسطينيين من الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم مباشرة مع الإسرائيليين، وسوف يسمح بمد الجسور مع العناصر الرافضة للصهيونية داخل إسرائيل وخارجها، كما سيقنعنا بأن دعوة الموسيقار الإسرائيلي كانت تطبيعا لأن الأمر لم تكن له أي ضرورة، وسيجعلنا نحتمل ظهور الإسرائيليين بصفة استثنائية في بعض البرامج التليفزيونية. مادام ذلك شرطا لتغطية الأحداث في إسرائيل والأراضي التي احتلتها. إذ سيكون المردود في العالم العربي متجاوزا كثيرا للثمن الذي دفع. وربما كانت هذه هي المرة الأولى التي تدفع فيها إسرائيل أكثر مما تقبض، لأنها اعتادت منا أن تقبض دون أن تدفع. بحيث تبتلع هي الأرض ونأكل نحن الهواء.

...........................

يخربون المستقبل أيضاً

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 30 ربيع التاني 1430 – 26 أبريل 2009

يخربون المستقبل أيضاً – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_26.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/861931.html

 

نحن لا نكف عن تخريب التعليم وتدمير الأجيال الجديدة. هذه كارثة لا ريب، تتضاعف عدة مرات حين نرى بأعيننا شواهد التخريب، ثم لا نلقي لها بالا، وبمضي الوقت نعتاد عليها ونتعايش معها، بحيث نظل نتردى من هاوية إلى أخرى ونحن مغيبون وذاهلون.

 

ليس في هذا الذي ذكرته خبر جديد، على الأقل بالنسبة للمهتمين بشأن التعليم في بلادنا. وهذه كارثة أخرى. لكنني لا أريد أن أصدق أن يستمر عرض مسلسل الجرائم التي ترتكب بحق التعليم دون أن يحرك ذلك ساكنا أو يستفز أحدا من المهتمين بأمر هذا البلد.

 

لقد باتت وقائع تلك الجرائم تصدمنا بين الحين والآخر، وأحدثها ما نشرته صحيفة «الأهرام» أخيرا بخصوص بدعة «المراكز التعليمية» التي تجسد مرحلة ما بعد الدروس الخصوصية. وإذا كانت البدعتان تشتركان في أنهما من نماذج التعليم الموازي، الذي نشأ في ظل فشل التعليم الحكومي وسوء سمعته، إلا أنهما تختلفان في الهدف. إذ حتى الآن، على الأقل، فالدروس الخصوصية تستهدف تقوية التلاميذ، وتمكنهم من تحصيل الدروس بطريقة أفضل، لكي يفوزوا في نهاية العام بدرجات أعلى ومجاميع مرتفعة.

 

أما المراكز التعليمية فشأنها مختلف. إذ حسـب التقريـر المنشـور في 13 أبريل، الذي أعده زميلنا وجيه الصقار فإنها أصبحت ساحة لغواية التلاميذ وإفسادهم، وتدميرهم ليس علميا فقط، وإنما خلقيا أيضا. إذ حسب التقرير المنشور، الذي اعتمد على شهادات لبعض أولياء الأمور ومديري المدارس الحكومية، فإن تلك المراكز تجمع المراهقين والمراهقات في فصول بدعوى إعطائهم دروسا خصوصية، ولكن هذه اللقاءات تتيح لهم فرص التعارف وإقامة علاقات غرامية تقود إلى انحرافات متعددة. خصوصا أن بعض تلك المراكز «التعليمية» تعرض على المراهقين والمراهقات أفلاما فاضحة وكليبات إباحية في أوقات تمتد أحيانا إلى منتصف الليل. في حين يظن الأهل أن أبناءهم وبناتهم يسهرون على تحصيل الدروس، التي يدفعون للمدرسين دم قلبهم لتغطية مصاريفها. فإن أولئك المراهقين يكونون محلقين في عوالم أخرى لا علاقة لها بالعلم أو التعليم، ولا تسأل عن التربية.

 

في التقرير معلومات أخرى مثيرة ومدهشة تفضح تلك المراكز التي تحصل على تراخيص باعتبارها كتاتيب لتحفيظ القرآن أو مكاتب لتعليم الكمبيوتر أو غير ذلك من الأنشطة العلمية، وكما يحدث في الأراضي التي تباع للاستصلاح والاستزراع، ثم تتحول إلى منتجعات وفيللات للأكابر في غفلة من الحكومة، فإن التراخيص التي تصدر تحول الكتاتيب إلى صالات للهو وعرض الأفلام الهابطة.

 

لا أعرف حجم هذه المراكز المدمرة، ولكن الذي أعرفه أن ثقة الناس أصبحت معدومة في التعليم الحكومي، إلى الحد الذي يوقعهم في شباك تلك الفئات المنسوبة إلى التعليم زورا وبهتانا. أعرف أيضا أن هذا الكلام منذ نشر يوم 13 أبريل الجاري، لم يكترث به أحد ولم يعلق عليه أحد من مسؤولي وزارة التربية والتعليم، لا تصويبا ولا تكذيبا. أعرف أيضا أن العبث بالتعليم هو تخريب المستقبل.

 

 ولست أنسى في هذا الصدد ما ذكره تقرير لإنقاذ التعليم قرع الأجراس بقوة وهو ينبه إلى خطورة هذه المهمة، حتى قال الخبراء الذين وضعوه إن التعليم أهم جبهات الدفاع عن الأمن القومي، متقدما في ذلك على الجيش والصناعة. كما قالوا إنه لو قامت قوة معادية بفرض نظام تعليمي متدني الأداء، لكان ذلك مدعاة لإعلان الحرب.

...........................

 

استقالة رجل محترم

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 29 ربيع الثاني 1430 – 25 أبريل 2009

استقالة رجل محترم - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_24.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/860835.html

 

هذا خبر أتمسك بصدقيته، حتى لو ثبت بعد ذلك أنه ليس صحيحا. فقد نشرت صحيفة «الوفد» في 20 أبريل الجاري أنه أثناء إجراء «البروفة» النهائية لحفل المايسترو الإسرائيلي دانيال بارينبوم. اعترض د.رضا الوكيل رئيس البيت الفني بدار الأوبرا المصرية على وجود كاميرا التلفزيون الألماني المصاحبة للعازف الشهير فوق خشبة المسرح لتصوير البروفة. باعتبار ذلك مخالفا لتقاليد الأوبرا، التي تمنع الكاميرات من الصعود فوق خشبة المسرح. وهو ما تلزم به وتخضع له كل قنوات التلفزيون المصرية، التي أعطي كل منها عشر دقائق للتصوير من مكان محدد خلف مقاعد المشاهدين، طبقا للبروتوكول الموقع بين الأوبرا واتحاد الإذاعة والتلفزيون.

 

المايسترو الإسرائيلي لم يعجبه هذا الموقف، وأصر على وجود التلفزيون الألماني فوق خشبة المسرح مع تصوير البروفة كاملة. حاول رضا الوكيل أن يشرح له أن ذلك أمر مرفوض، لأنه يخالف تقاليد الأوبرا. لكن صاحبنا تمسك برأيه وقال إن وجود الكاميرا على المسرح ضروري لتصوير وجهه. الوكيل من جانبه رفض أن يتراجع، وأصر على الالتزام بالتقليد المتفق عليه. إزاء ذلك لجأ السيد دانيال إلى المدير الفني والإداري للأوركسترا، د.إيناس عبدالدايم، التي طلبت من الوكيل استثناءه من القاعدة المتبعة، خصوصا أن الرجل هدد بالانسحاب إذا لم تتم الاستجابة إلى طلبه.

 

الغريب أن الوكيل كان قد استشار د.إيناس قبل أن يلجأ إليها المايسترو الإسرائيلي، فأيدته في موقفه، لكنها تراجعت بعد ذلك، وآثرت تفويت الأزمة عن طريق الاستجابة لطلبات الضيف، وهو ما وضع رئيس البيت الفني للأوبرا في موقف حرج. إذ بعدما تخلى الآخرون عن موقف الالتزام بالتقاليد المتبعة في الأوبرا، فإنه بدا وكأنه الوحيد المعارض لطلبات السيد دانيال.

 

ما همني في تلك التفاصيل أن د.رضا الوكيل رفض أن يقبل بتصرف المايسترو الإسرائيلي، فقرر أن يستقيل من منصبه احتراما لنفسه واحتجاجا على إهدار تقاليد الأوبرا. ورغم أنه لم يمض على تعيينه في المنصب سوى شهر تقريبا، فإنه رفض أن يتراجع عن موقفه، حتى يوم نشر الخبر على الأقل.

 

قد يقول قائل إن الذي يجرح مشاعر الأمة بدعوة الموسيقار الإسرائيلي للعزف في القاهرة، بعد عدة أسابيع من مذبحة غزة، لا يستكثر عليه أن يخرق قواعد العمل في الأوبرا ويستثنيها من تقاليده، وهذا كلام لا يخلو من منطق أؤيده، ولدي استعداد للدفاع عنه، إذ رغم أن الرجل مؤيد لحقوق الفلسطينيين ومستنكر للجرائم الإسرائيلية، فإننا ونحن نقدر موقفه يجب أن نقنعه بأنه منبوذ ومقاطع في العالم العربي، بسبب جرائم البلد الذي ينتمي إليه ويحمل جنسيته.

 

في الوقت ذاته فإن دعوة المايسترو الإسرائيلي مسؤولية وزير الثقافة الذي له حساباته الخاصة المعروفة وليست مسؤولية د.رضا الوكيل. مع ذلك فإن الأخير وهو يؤدي وظيفته اختار أن يدافع عن تقاليد المكان الذي يعمل فيه، وقرر أن يدفع ثمن اختياره بالاستقالة.

 

ورغم أن دعوة المايسترو الإسرائيلي تظل خطأ جسيما لا يغتفر، فإن نزاهة د.الوكيل ينبغي أن تذكر له. ذلك أننا في زمن يعاني من محنة انهيار تقاليد العديد من المهن، بقدر ما يعاني من محنة تخاذل الكثيرين من الذين يفترض أنهم حراس تلك التقاليد والقائمون على صيانتها.

 

إنني أتمنى أن يظل د.الوكيل ثابتا على موقفه، على الأقل لكي يبقى في أذهاننا نموذجا للمسؤول الذي لم يتخل عن تقاليد مهنته، ودفع راضيا ثمن اختياره وإذا فعلها فإنه سيرفع من معنوياتنا، وسيقنعنا بأن البلد مازال فيه أمل، وأن صنف الشرفاء الذين لم تفسدهم الغوايات والمناصب لم ينقرض بعد.

..............................

 

البعض يفضلونه «بمبي»!

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 27 ربيع الثاني 1430 – 23 أبريل 2009

البعض يفضلونه «بمبي»! – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_22.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/859114.html

 

تحفل الصحف المصرية هذه الأيام بسيل من المواعظ التي ما برحت تعطينا دروسا في مسؤوليات الأمن القومي والمقدسات الوطنية والخطوط الحمراء التي ينبغي ألا يتجاوزها أحد. وهو أمر لا بأس من التذكير به، إذا وضع في موضعه الصحيح، ولم يخضع للعبث أو التلاعب الذي يستهدف التحريض والإثارة بأكثر مما يُراد به تحقيق المصالح العليا للوطن.

 

وأخشى ما أخشاه أن تبتذل أمثال تلك المعاني الكبيرة وسط الهرج الذي يسود الساحة الإعلامية والثقافية، بعدما أصبح الموضوع محل مزايدة من جانب المهللين والمنافقين والكائدين، وأضرابهم من الذين ينخرطون في كل جنازة، ليشبعوا فيها عويلا ولطما.

أتحدث عن واقعتين محددتين برزتا في الفضاء المصري خلال الأيام الأخيرة:

 

الأولى تمثلت في قضية خلية حزب الله، التي بدأت «حبة» وحوّلتها المكايدة السياسية إلى «قبة» كما يُقال، شغلت بها مختلف المنابر الإعلامية،

 

 أما الثانية فقد شغلت دوائر المثقفين، الذين ثار بينهم لغط كبير بمناسبة صدور حكم بإلغاء رخصة مجلة «إبداع»، بسبب نشرها قصيدة قيل إنها ماسة بالذات الإلهية.

 

 صحيح أن الموضوعين مختلفان، لكن ذلك لم يمنع وجود بعض القواسم المشتركة بينهما، في المقدمة منها أن الواقعتين وثيقتا الصلة بالأمن القومي للبلد، إذ من الناحية النظرية، فإن الاعتداء على السيادة والحدود يمسّ الأمن القومي في الصميم،

وفي الوقت ذاته، فإن المساس بالذات الإلهية يُعد بدوره تهديدا للأمن القومي، من حيث إنه بمنزلة إخلال بالتماسك العقيدي المرتجى وعدوان على المقومات الأساسية للمجتمع.

 

لقد لاحظت في بعض الكتابات انفعالا شديدا ومبالغة مفرطة في التنديد بخلية حزب الله، رغم أن المعلومات الأساسية في الموضوع لم تتوافر بعد، وكل ما لدينا لا يتجاوز بلاغات مباحث أمن الدولة، وتسريبات معينة عن التحقيقات طعن المحامون في صحتها. لكن المعلقين تعاملوا مع التقارير والتسريبات باعتبارها حقائق، لأسباب مفهومة.

 

لكن ما أثار انتباهي أن الذين بالغوا في هجومهم على حزب الله وخليته باسم الدفاع عن الأمن القومي والخطوط الحمراء، هوّنوا كثيرا من مسألة المساس بالذات الإلهية، واعتبروا ما جرى بحقها نوعا من حرية التعبير التي ينبغي ألا يحدها قيد ولا شرط، وهو موقف وضعنا إزاء معادلة خلاصتها أن لافتة الأمن القومي استخدمت للطعن في حزب الله، في حين وظف شعار حرية التعبير لحماية المساس بذات الله.

 

قبل أن أسترسل في مناقشة هذه النقطة ألفت النظر إلى أنني حين سئلت عن موضوع إلغاء ترخيص مجلة «إبداع» بسبب نشرها للقصيدة، قلت إنني ضد الاثنين، ضد إلغاء رخصة المجلة، وضد المساس بالذات الإلهية.

وكان رأيي ـ ولايزال ـ أنه لابد أن تكون هناك أساليب أخرى للفت انتباه صاحب القصيدة إلى ما فيها من تجاوز، كما لم تكن هناك ضرورة للتعامل مع المسألة بمنطق البتر والإلغاء، من ثم، فإن تحفظي الأساسي لا ينصبّ على استبعاد موضوع الاعتداء على سيادة البلد وحدوده ـ في حال ثبوتهما ـ من منظومة الأمن القومي والخطوط الحمراء، وإنما ما أدعو إليه أن يعد المساس بالعقائد والمقدسات ضمن عناصر تلك المنظومة.

 

يوما ما كان غلاة العلمانيين الأتراك يعتبرون أن المساس بأتاتورك بمنزلة خط أحمر، في حين أن المساس بالذات الإلهية هو «وجهة نظر» يتعين احترامها. لأنها تتعلق بممارسة حرية التعبير، والذين يهونون من شأن المساس بالذات الإلهية يقفون في ذات الخندق، من حيث إنهم ينضمون إلى أولئك الذين وصفهم القرآن بأنهم «لا يرجون لله وقارا».

 

إن المعارك تفتعل، لأن واحدا من حزب الله جاء لمساعدة الفلسطينيين، وترتفع الأصوات مستهجنة التصرّف، ومعتبرة أنه بمنزلة عدوان على «الخط الأحمر».

وهذه الأصوات ذاتها حين تهوّن من شأن المساس بالذات الإلهية ولا ترى فيه غضاضة، فإنها لا ترى فيه سوى أنه خط «بمبي» ـ هل هذا معقول؟!

...........................

سكت العرب ونطق العجم

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 26 ربيع الثاني 1430 – 22 أبريل 2009

سكت العرب ونطق العجم – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_5973.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/858293.html

 

حين اقترب أحمدي نجاد من عش الدبابير (أو الزنابير) انهالت عليه اللسعات والقرصات من كل صوب. كان أجرأ من الجميع حين قال أمام مؤتمر مكافحة العنصرية في جنيف: إن إسرائيل هي الدولة الأكثر قسوة وعنصرية، ودعا إلى وضع حد لتجاوزات الصهاينة.. الذين هاجروا من أوروبا والولايات المتحدة لكي يقيموا دولتهم العنصرية فوق أرض فلسطين، التي تم اغتصابها بالقوة المسلحة. إلى غير ذلك من الكلام الذي نعرفه جميعا. لكن بعضنا لا يملك شجاعة الإفصاح عنه. والبعض الآخر يسكت عنه عمدا، إيثارا للسلامة وتجاوبا مع رياح التطبيع والتسوية.

 

قام الرئيس الإيراني بدور فتى القصة الشهيرة الذي انبرى وسط جموع الكذابين والمنافقين ليفضح قبح منظر الملك، ويعلن على الملأ أنه «عار»، مع فارق أساسي هو أن الكذابين والمنافقين انقلبوا على من جهر بالحقيقة وفضحها، بدلا من أن يقفوا إلى جواره في انتقاد قبح وبشاعة منظر «الملك».

 

ذلك أن الرجل ما إن قال كلامه هذا حتى انتفضت ضده أغلب الدول الغربية. فانسحبت بعض الوفود احتجاجا، وزايدت تشنجيا على الجميع فألغت عضويتها للمؤتمر من الأساس، غضبا لإسرائيل وغيرة على سمعتها، وكانت الولايات المتحدة قد قاطعته من البداية. وأعلن متحدث رسمي أميركي أن تصريحات أحمدي نجاد معيبة ومشينة وحاقدة، في حين أصدرت فرنسا بيانا دان خطاب «الحقد» الذي عبر عنه الرجل، ودعا إلى رد فعل حازم حياله. وقال متحدث باسم الفاتيكان إن كلام صاحبنا اتسم بالتطرف، واستنكره الأمين العام للأمم المتحدة، قائلا إنه حذر أحمدي نجاد من الخلط بين الصهيونية والعنصرية، معربا عن أسفه لأن كلامه تسبب في الانقسام والاستفزاز.

 

أما إسرائيل فقد هاجت وماجت ونددت باستقبال الرئيس السويسري لنظيره الإيراني، كما احتجت على اجتماع الأمين العام للأمم المتحدة معه. وأعلنت استدعاء سفيرها لدى الأمم المتحدة في جنيف احتجاجا على استقبال أحمدي نجاد في مقر المنظمة.جميعهم أرادوا أن يقولوا إن «الملك» ليس عاريا. وأن من ينبغي إدانته هو من أشار إلى القبح وفضحه وليس الذي جسّده وسار مختالا به، ليس ذلك فحسب، وإنما وصلت الوقاحة بنفر من الكذابين والمنافقين حدا جعلهم يتهمون الرئيس الإيراني بأنه معادٍ للسامية.

 

هناك مفارقتان في هذا المشهد،

 الأولى أن وصف الصهيونية بالعنصرية ليس اختراعا جديدا ولا هو تطرف من جانب أحمدي نجاد، لأن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت في دورتها الثلاثين، بتاريخ 10 نوفمبر 1975 قرارها الرقم 3379 الذي أعلن أن «الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز». وقبل ذلك في 11 ديسمبر 73 أصدرت قرارها الرقم 3151، الذي دانت فيه «التحالف الأثيم بين العنصرية في جنوب أفريقيا والصهيونية العالمية». وهو ما يعني أن عنصرية إسرائيل كان مسلَّما بها من قبل أغلبية الأعضاء في الأمم المتحدة، حين كان الموقف العربي أكثر حزما ووضوحا وأقل تخاذلا.

 

وللأسف فإن هذا الموقف تغير بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1994، التي تمت في أجواء التراجع العربي الذي خيم عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، وترتب على ذلك أن ألغت الجمعية العامة قرار عنصرية إسرائيل في نفس العام، وكان المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة آنذاك من بين الذين أيدوا إلغاء القرار بتعليمات من الرئيس عرفات.

 

المفارقة الثانية، أننا لم نسمع صوتا عربيا أيد أحمدي نجاد في موقفه المندد بعنصرية إسرائيل وجريمتها في فلسطين، الأمر الذي ذكرنا بما فعله رئيس الوزراء التركي طيب أردوجان في دافوس، حين كان هو من غضب لفلسطين في رده على شمعون بيريز، ثم غادر المنصة محتجا، في الوقت الذي ارتبك فيه الأمين العام لجامعة الدول العربية، وجلس متفرجا.ألا ينبغي أن يستوقفنا أنه في الحالتين، كان من يمثل غير العرب هو الذي غضب لفلسطين وحمل عبء الدفاع عنها، في حين لم نلمح غيرة مماثلة من قادة العرب؟

 

حتى «الظاهرة الصوتية» التي وبِّخنا بها يوما ما لم نعد نمثلها.. يا ويلاه!

....................

أزمة حزب الله بين الإعلام والسياسة – المقال الاسبوعي

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 25 ربيع الثاني 1430 – 21 أبريل 2009

أزمة حزب الله بين الإعلام والسياسة – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_21.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/857623.html

 

لا اعرف متى يمكن ان يتوقف الانفعال في الاعلام المصري بسبب موضوع خلية حزب الله، لكن اعرف ان التصعيد الذي تؤجج ناره التعليقات المنفلتة والمتجاوزة للحدود، يقلب الموازين ويسيء الى مصر باكثر مما يسيء الى غيرها.

(1)

من المفارقات ان التهمة التي وجهت الى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح الى غزة سبق ان »اقترفتها« مصر في الستينات. ذلك ان النظام الناصري حين اختار ان ينحاز الى موقف التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، فانه وجد نفسه مدفوعا الى مناصرة حركات المقاومة خصوصا في انحاء القارة الافريقية، وهذه النصرة شملت تهريب السلاح بمختلف الوسائل، ولا يزال يعيش بيننا الى الان عدد من الضباط الذين اشرفوا على تلك العمليات، وقد تحدثت الى بعضهم، واحترمت رغبتهم في عدم نشر اسمائهم. وسمعت منهم قصصاً عن الكيفية الى كانت مصر تهرب بها السلاح الى الجزائر الخاضعة للاحتلال الفرنسي آنذاك، وكان ذلك يتم عبر البحر والبر، العمليات البرية كانت تمر بالاراضي الليبية والمغربية دون علم سلطاتها في كثير من الاحيان، ولكي تصل الى هدفها فانها كانت تخترق الاسوار المكهربة التي اقامها التونسيون على الحدود لوقف التهريب،

 

اما العمليات البحرية فكانت تراوغ لانزال حمولتها على الشاطئ الجزائري. وقد غرقت واحدة من تلك السفن، في حين نجا قائدها اللواء حسن عاصم رحمه الله. تحدث بعضهم ايضا عن تهريب السلاح الى اليمن الجنوبي، الذي كان خاضعاً للاحتلال الانجليزي، حيث كانت الاجهزة المصرية تزود القوى الوطنية بالسلاح والعتاد من تعز في اليمن الشمالي. وتكررت عمليات التهريب الى العديد من الدول الافريقية، التي منها تنزانيا وغانا وغينيا. وكانت شركة النصر للاستيراد والتصدير غطاء لعمليات الدعم والمساندة التي قدمتها مصر لحركات التحرر الوطني في تلك الدول. لذلك افتتحت الشركة مكتبا دائماً لها في باريس، لانه لم تكن هناك خطوط مباشرة مع الدول الافريقية، لكن الوصول اليها كان يمر في الغالب بالعاصمة الفرنسية، وسمعت من الاستاذ محمد فايق الذي كان مسؤلا عن الملف الافريقي في مكتب الرئيس عبد الناصر ان السلاح كان يهرب من روديسيا الجنوبية الى روديسيا الشمالية، وحين لفت نظر الرئيس كينيث كاوندا الى ذلك، كان رده انه لا يقبل ان يقوم بدور الشرطي لحماية النظام العنصري في روديسيا الشمالية (زامبيا الان).



اكثر من ذلك فان المخابرات المصرية قامت في تلك الفترة بعمليتين عسكريتين ناجحتين ضد اسرائيل انطلقتا من دولة ثالثة، ودون علمها. فقد تم قصف ميناء ايلات من الاردن في عام 1969 دون علم سلطاتها. وتم في 1970 اغراق الحفار الاسرائيلي الذي كان متجها الى خليج السويس في مياه المحيط امام ابيدجان عاصمة غينيا التي لم تكن سلطاتها بدورها على علم بالموضوع.

(2)

صحيح ان ذلك كله حدث في زمن آخر. وفي ظل قيادة من طراز مختلف، الا ان تلك الممارسات سوغتها السياسة رغم انها مخالفة للقانون. ذلك انه من الناحية القانونية البحتة، فانه لا ينبغي استخدام اقليم دولة لاي غرض بغير علم او رغبة منها والا اعتبر ذلك اعتداء على سيادتها. وهو ما يدعونا الى القول بان الرغبة في »النصرة« هي التي دفعت النظام السياسي في المرحلة الناصرية الى غض الطرف عن مقتضى القانون والمغامرة بانتهاك السيادة، باعتبار ان حلم التخلص من الاستعمار شكل احد الضرورات التي تبيح »المحظورات«، كما تقول القاعدة الشرعية الشهيرة.

الذي حدث في حالتنا ان السياسة لم تكن راغبة في غض الطرف عن مقتضى القانون، ولذلك جرى ما جرى، الامر الذي يدعونا الى القول بانه من الناحية القانونية فان سعي حزب الله الى استخدام القاهرة لاطلاق اي انشطة ضد اسرائيل دون علم الدولة المصرية او رغبة منها هو خطأ تورط فيه ولا سبيل للدفاع عنه. (لاحظ انني لم اتحدث عن اقدام الحزب على ممارسة اية انشطة تستهدف الاستقرار في مصر كما ذكر بيان النائب العام المصري، لان المجال الاول لم يعد محل منازعة بعد اعتراف السيد حسن نصر الله به.)

لا مشكلة اذن في التعامل القانوني مع القضية. وسواء تخلت السياسة عن »النصرة«، او رأت ان تمارسها بشكل اخر، فتلك ايضا حساباتها التي قد يختلف الرأي حولها. لكن المشكلة برزت حين صعدت الابواق الاعلامية المصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأ قانوني ارتكبه حزب الله الى حملة شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأ قانوني ارتكبه حزب الله الى حملة شرسة وظالمة ضد الحزب، مستخدمة في ذلك اساليب غير كريمة حطت من شأنه وجرحت تاريخه وقيادته. وقد استندت في ذلك الى ما ذكره بيان النائب العام بخصوص بلاغ لمباحث امن الدولة تحدث عن مخطط لزعزعة الاستقرار في مصر من شأنه ان يهدد امنها القومي، وكانت النتيجة انه خلال ايام قليلة تحول حزب الله الى عدو لمصر، وتمت »شيطنته«، وهو الذي اسهمه قد ارتفعت الى عنان السماء بعد انتصاره على اسرائيل في عام 2006.

(3)

لا تفوتنا هنا ملاحظتان، احداهما تتعلق بما وراء حملة الشيطنة، والثانية يثيرها توقيت اطلاق الحملة فيما يخص المسألة الاولى. فينبغي ان ندرك ان ثمة اطرافا في المنطقة تمنت لحزب الله ان يختفي من الوجود. وان لم يتحقق ذلك فعلى الاقل تسود صفحته وتشوه صورته. لا لان اعضاءه من اتباع المذهب الشيعي، وليس لان لديهم تحالفا مع ايران، او لانهم يشكلون قوة سياسية مسلحة في لبنان تكاد تقارع سلطة الدولة، ولكن لسبب واحد هو انه فصيل مقاوم لاسرائيل بالدرجة الاولى، استطاع ان يثبت في مواجهتها وان يتحداها بنجاح، لاول مرة في تاريخ الدولة العبرية. ولو انه تخلى عن المقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وابقى على كل صفاته وارتباطاته الاخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا لجهده في دفع »عملية« السلام. واذا جاز لنا ان نتصارح في هذا الصدد، فاننا نقرر ان الاطراف التي اعنيها ليست اسرائيلية وامريكية فقط، ولكنها لبنانية وعربية ايضاً. ومن يقرأ عناوين وتعليقات بعض الصحف والفضائيات العربية، يستطيع ان يحدد تلك الاطراف، بالاسم والعنوان.

اما توقيت اطلاق الحملة فانه يثير اسئلة عديدة. ذلك ان عضو حزب الله الذي اتهم بقيادة الخلية القي القبض عليه في 19 نوفمبر الماضي، وظل محتجزا هو ورفاقه من ذلك الحين. بحيث لم يعلن رسمياً عن القضية الا في 9 ابريل الحالي، اي بعد حوالي خمسة اشهر. وتزامن ذلك الاعلان مع سخونة حملة الانتخابات النيابية اللبنانية، التي تجرى في 7 يونيو، ويتصارع فيها تيارا 14 و8 آذار (مارس). والاول ضد المقاومة ومع لبنان »المعتدل« جدا، والثاني مع المقاومة ومع لبنان المستقل والرافض للهيمنة الامريكية، لا اعرف ان كان ذلك التزامن مجرد مصادفة ام لا، لكن الذي حدث ان الحملة المصرية ضد حزب الله وظفت لصالح تيار 14 آذار في المعركة الانتخابية الدائرة في لبنان، حتى قيل ان 15 الف نسخة من الصحف القومية المصرية التي تسب حزب الله وتخوف منه وتجرح زعيمه، تنقل يوميا من القاهرة الى بيروت، لتسهم في اضعاف موقف الحزب في الانتخابات.

(4)

في حملة شيطنة حزب الله، ارتكب الاعلام المصري عدة خطايا لا تغتفر، على الاصعدة المهنية والاخلاقية والسياسية. فمن الناحية المهنية فان ابواقنا الاعلامية اجرت المحاكمة وفصلت في القضية حيث اعلنت ادانة حزب الله، وتنفيذ حكم الاعدام السياسي والادبي بحقه. كل ذلك والتحقيقات لم تتم، والقضية لم تنظر امام القضاء، ولم تسمع للقاضي فيها كلمة. وفي هذا الجانب فان ما نشرته الصحف المصرية كان في حقيقته اعلانا عن حجم النفوذ الكبير الذي تمارسه الاجهزة الامنية في المحيط الاعلامي.

من الناحية الاخلاقية كان السقوط مدويا، فقد كان الصوت العالي في الصحافة القومية والبث التلفزيوني الخاضع للتوجه الامني، للسباب والشتائم والاهانات التي عبرت عن افلاس في الحجة وهبوط في مستوى التعبير، وايثار لغة »الردح« على اسلوب الحوار والمناقشة الموضوعية.

من الناحية السياسية، كانت ابرز الخطايا ما يلي:

*
ان الاعلام المصري بالغ في التجريح والاهانة حتى وجد نفسه يقف في مربع واحد مع المربع الاسرائيلي. ولذلك كانت الحفاوة بالغة والترحيب شديدا من جانب اسرائيل بكل ما صدر عن القاهرة ضد حزب الله. ولم يفوت الاسرائيليون الفرصة، فاصبحوا يتحدثون عن الحزب بانه »العدو المشترك« للقاهرة وتل ابيب.

*
ان اعلامنا وهو يندد بمحاولة تهريب السلاح الى غزة لم يذكر مرة واحدة ان المشكلة الحقيقة في الاحتلال وان التهريب نتيجة لذلك الاحتلال، وضرورة اضطر الناس للجوء اليها لمواجهة ذلك الاحتلال.

*
لم يفرق اعلامنا بين التناقض الرئيسي والثانوي. والاول هو ما بين مصر والعرب اجمعين وبين اسرائيل، والثانوي هو كل ما يقع بين العرب والعرب. وبسبب الخلط بين الاثنين، بالغ اعلامنا في هجومه على حزب الله بشكل ضار وكانه اصبح يمثل تناقضا رئيسيا مع مصر، في الوقت الذي يفترض ان يكون الحزب مع مصر في مربع واحد ضد اسرائيل.

*
الغريب والمدهش ان اعلامنا لم يعتبر اسرائيل النووية المصرة على التوسع ونهب الارض تهديدا للامن القومي المصري، وصدق ان شابا ومعه آخرين مهما كان عددهم يمكن ان يشكلوا ذلك التهديد.

*
لم نجد وعيا بحقيقة ان عدو عدوي صديقي، ووجدنا في المتابعة الاعلامية المصرية خطابا مدهشا يتصرف وكأن عدو عدوي، عدوي ايضا، وكأن معاهدة السلام بين مصر واسرائيل جعلت اعداء اسرائيل اعداء لنا ايضا.

لان حزب الله المقاوم يمثل رصيدا يجب الحفاظ عليه فضلا عن الاعتزاز به، فاننا يجب ان نتعامل معه بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه، ونصوبه ولا نجرمه، لكي نكسبه في النهاية ولا نخسره. وللاسف فان اعلامنا اهدر هذه المعاني والضوابط، الامر الذي يطرح بقوة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الاعلام والسياسة في هذه الحالة.

......................

خسرنا أصدقاءنا وأنفسنا

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 24 ربيع الثاني 1430 – 20 أبريل 2009

خسرنا أصدقاءنا وأنفسنا – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_19.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/856527.html

 

أعلنت روسيا رسمياً أنها أبرمت عقداً لشراء طائرات من دون طيار من إسرائيل، في خطوة تهدف إلى تحديث قدراتها في مجال الاستطلاع الجوي، بعد أن كشفت حربها القصيرة ضد جورجيا عن قصور إمكاناتها في هذا الصدد. لم تعلق تل أبيب رسمياً على الخبر، لكن وسائل الإعلام الإسرائيلية ذكرت أنه في المرحلة الأولى سيتم شراء ثلاث طائرات مع منظومات للضبط والمراقبة من الأرض، بقيمة 50 مليون دولار، وإذا ما أثبتت الطائرات نجاعتها في تلبية الاحتياجات الروسية، فسوف يتم شراء طائرات أخرى. وذكرت تلك الصحف أن الصفقة لم تتم إلا بعدما ألمحت موسكو إلى أنها لن تبيع إيران منظومات صواريخ أرض / جو المتطورة، من نوع «إس 300»، التي أثارت احتجاجاً إسرائيلياً أدى إلى توتير العلاقات الأمنية بين موسكو وتل أبيب في العام الماضي.

 

هذه واحدة من صفقات بيع الأسلحة المتقدمة، التي تنتجها إسرائيل، وتبيعها في الأسواق العالمية من دون أن تعلن عنها، ولكن أكبر تلك الصفقات تسربت أخبارها في شهر مارس الماضي إلى الصحف الهندية والأميركية، التي ذكرت أن اتفاقاً للتسلح تم توقيعه بين إسرائيل والهند، هو الأكبر في تاريخ الصناعات العسكرية للدولة العبرية، وبمقتضاها سيتم تزويد سلاح البحرية الهندي بصواريخ بقيمة 2 مليار دولار، خصوصاً الصاروخ «بارك 4»، وهو أرض / جو مداه 70 كيلومتراً، ويعتبره الخبراء متطوراً للغاية وفريداً من نوعه في العالم.

 

في الوقت ذاته فإن الصحف الإسرائيلية نشرت معلومات عن إنجازات مهمة، حققتها الصناعة العسكرية، خصوصاً في مجال المنظومات الدفاعية لاعتراض الصواريخ مختلفة الأبعاد. وتحدثت في هذا السياق عن منظومة «القبة الحديد» لاعتراض القذائف الصاروخية قصيرة المدى، «حتى 70 كيلومتراً»، مثل صواريخ كاتيوشا، التي قد تنطلق من لبنان أو القسام، التي يمكن أن تنطلق من غزة. وقيل في هذا الصدد إن منظومة «القبة الحديد» ستدخل الخدمة العملية في صيف العام المقبل، وسيكون بمقدور شبكة الرادار التابعة لها التمييز مسبقاً بين الصواريخ الموجهة إلى المناطق المأهولة بالسكان، وتلك التي ستسقط في مناطق خالية، على أن يتم إطلاق الصاروخ المعترض في الحالة الأولى فقط.

 

هذا المشهد يهمنا من ثلاث زوايا،

 الأولى أنه يعكس التطور المتسارع للصناعة العسكرية الإسرائيلية، التي ذكرت التقارير الصحافية أنها تعيش الآن أفضل فتراتها، سواء على صعيد النجاحات، التي تحققها تجاربها، أو الصفقات المربحة مالياً وسياسياً، التي تعقدها.

 

الزاوية الثانية تتعلق باتساع الآفاق، التي تتحرك فيها إسرائيل في الوقت الراهن. ذلك أنها أصبحت حاضرة بقوة في الدول، التي كانت صديقة لمصر والعرب يوماً ما، وظلت محسوبة ضمن الجبهة المؤيدة للحقوق العربية، وقضية فلسطين في مقدمتها. وما ذكرته تواً من دلائل ذلك الحضور، إذ لست أشك في أن كثيرين لايزالون يذكرون أن الهند وروسيا السوفييتية، ومعهما الصين، كانوا من أقرب أصدقاء العرب، الذين أدرنا ظهورنا لهم، منذ تحولت دفة السياسة المصرية، وراهنت على الولايات المتحدة الأميركية، التي قيل إن في يدها 99 ٪ من أوراق «اللعبة»، وكانت النتيجة أننا خسرنا أصدقاءنا، وكانت إسرائيل هي الفائز الأكبر على الجانبين، فقد ظلت مطمئنة إلى الانحياز الأميركي، وفي الوقت ذاته فإنها تقدمت لملء الفراغ، الذي تركناه، وأقنعت أصدقاءنا التقليديين بأن مصالحهم معها وليست مع مصر أو العرب.

 

من ناحية ثالثة، فإن ما تحققه الصناعات العسكرية الإسرائيلية من إنجازات يثير تساؤلات عديدة، أولها موقف الصناعات العسكرية في مصر. أعرف جيداً أنه موضوع حساس، وليس مما ينبغي أن تخوض الصحف في تفصيلاته، ورغم مشروعية تساؤلاتنا، فلسنا نتوقع إجابة عليها، لكن ذلك لا يمنعنا من توجيهها، من باب التنفيس على الأقل، خصوصاً حين يشيع في الأوساط العلمية أن بعض المصانع الحربية، منذ المرحلة الساداتية، أصبحت مشغولة بإنتاج الأجهزة الكهربائية والمنزلية وأدوات الزينة، وإذا صح ذلك فإنه يعني أننا لم نخسر أصدقاءنا فقط، وإنما خسرنا أنفسنا أيضاً.

.............................

من يجرؤ على السؤال؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 23 ربيع الثاني 1430 – 19 أبريل 2009

من يجرؤ على السؤال؟ - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_6502.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/855883.html

 

حين نشرت بعض الصحف المصرية خبر إقدام زوجة رئيس الوزراء البريطاني على استئجار بعض الثياب الفاخرة للظهور بها في عدد من المناسبات الرسمية، فإن الخبر قوبل بدرجات متفاوتة من الاستغراب والدهشة بين كثيرين أعرفهم. ذلك أن أحدا منهم لم يخطر على باله أن تكون زوجة أهم رجل في بريطانيا بعد الملكة عاجزة عن شراء ما تحتاج إليه من ثياب مناسبة للحفلات التي يؤمها عِلية القوم، من رؤساء دول وحكومات.

 

صحيفة «ديلي تلجراف» كانت من نشر تفاصيل الخبر، حيث ذكرت أن السيدة سارة براون من زبائن محال «ماركس آند سبنسر» التي يشتري منها عامة الناس ثيابهم. لكنها واجهت موقفا مختلفا حين كان عليها أن تظهر مع زوجها جودون في عشاء رسمي أثناء اجتماعات قمة العشرين. إذ لم يكن بمقدورها أن تشتري «جاكت» أعجبها ثمنه 5 آلاف جنيه إسترليني، فاستأجرته بعُشر ذلك الثمن ثم أعادته بعد ذلك إلى بيت الأزياء الذي صممه. وهو ما فعلته أيضا حين زار رئيس المكسيك لندن، وظهرت في حفل استقباله مرتدية فستانا استأجرته من بيت آخر للأزياء.

 

الخبر يبدو عاديا في المجتمع البريطاني. إذ بوسع المواطن أن يتفهم الموقف، لأن أي واحد يستطيع أن يفتح جهاز الكمبيوتر ويدخل على موقع رئيس الوزراء، ليعرف أن راتبه الشهري 15 ألفا و600 جنيه إسترليني. وسيدرك أنه لن يقدم على دفع ثلث راتبه لشراء «جاكيت» لاستخدام زوجته في إحدى المناسبات. وسيقتنع بأن لجوء الزوجة إلى استئجار الثوب تصرف حكيم ورشيد.

 

ما استوقفني في الموضوع ليس الخبر فقط، ولكن هذه الشفافية التي تمكن المواطن العادي من معرفة ما يجري حتى في بيت رئيس الوزراء. بما يعني أنه لا يتابع فقط المجريات السياسية، ولكنه يتابع أيضا تصرفات أهل الحكم ليطمئن إلى سلوكهم حتى فيما يخص إنفاقهم ومواردهم المالية. ولا غرابة في ذلك لأن شرعية أهل الحكم مستمدة هناك من رضاء المواطن الذي صوت لهم في الانتخابات، فضلا عن أن الراتب الذي يتقاضاه رئيس الحكومة وزملاؤه مدفوع من حصيلة الضرائب التي يدفعها الناس.

 

ذكرني الخبر بالقصة التي رويتها من قبل نقلا عن زميلتنا الأستاذة إنجي رشدي التي عملت بالصحافة في المرحلة الملكية، وشهدت الزمن الذي كانت فيه الأميرات يدفعن بثيابهن التي يظهرن بها إلى خياط متخصص بالقصر الملكي، لكي يدخل عليها بعض التعديلات، بما يسمح باستخدام الثوب أكثر من مرة، وكأنه ثوب جديد. ذلك أنه لم يكن بمقدور الأميرات شراء ثياب خاصة لكل مناسبة، لأن المخصصات الملكية كانت محددة، وكان هناك مجلس نيابي يراقب ويحاسب على التجاوزات المالية.

 

لا أحد يستطيع أن ينسى في هذا السياق واقعة الخليفة عمر بن الخطاب الذي ظهر بثوب جديد ذات مرة، فاستوقفه نفر من المسلمين وسألوه من أين أتى بهذا الثوب؟، فاضطر إلى استدعاء ابنه عبدالله لكي يوضح للسائلين الحقيقة فيما التبس عليهم.

 

حين نقارن ذلك كله بما نشهده في واقعنا، فإنه يغدو نوعا من الأساطير والعجائب. ذلك أننا لم نعد نحلم بأن نسأل ولي الأمر عن أوجه إنفاقه أو موارده أو ممتلكاته ومصدر ثروته. ولم يعد أحد يجرؤ على الاستفسار عن مظاهر الثراء الفاحش التي تطفح بها حياة أسرته، ويلمح الناس آثارها فيما ينشر من صور يومية. لكن ذلك لا يوقف سيل الشائعات التي تتحدث عن الحسابات المفتوحة وسفرات التسوق الباذخة غير المعلنة والفواتير ذات الأرقام الفلكية. وغني عن البيان أن ما خفي كان أعظم.

 

لا غرابة في ذلك، لأن أولي الأمر حين يكونون فوق المساءلة والحساب فإن استباحة الوطن تغدو أمرا طبيعيا، بناسه ومقدراته وثروته. وذلك كله لن ينصلح أمره ما لم يسترد الشعب سلطته ويصبح من حقه أن يشارك ويحاسب ويعرف أين وكيف تنفق أمواله؟

................................

«سفرنامه» في مصر

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 22 ربيع الثاني 1430 – 18 أبريل 2009

«سفرنامه» في مصر – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_18.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/855219.html

 

لست واثقا من صدق نبوءة رئيس هيئة التخطيط العمراني الذي حدثنا عن أن القاهرة في عام 2050 ستكون مدينة عادلة ونظيفة ومليئة بالحدائق.. و.. و.. إلخ. ليس فقط لأن ما يحدث الآن لا يطمئننا إلى أن ذلك الحلم يمكن أن يتحقق في عام 2050، ولكن أيضا لأنه مطمئن إلى أنه لن يكون بمقدورنا أن نحاسبه على كلامه، لأن معظمنا لن يكونوا على قيد الحياة آنذاك (باستثناء الرئيس مبارك أطال الله عمره)..

 

لكنني مع ذلك أقول: إن مصر كانت كذلك منذ ألف عام تقريبا، وشهادة الشاعر الفارسي ناصر خسرو الذي أمضى في رحابها ست سنوات تؤكد هذه الحقيقة. ذلك أنه ترك بلاده خراسان في عام 1045 ميلادي محتجا بأنه ذاهب إلى الحج، لكنه جاء إلى مصر ولم يؤد الفريضة إلا بعد سنتين من وصوله إليها.. وفي نهاية السنوات الست عاد إلى بلده وأخرج كتابه «سفرنامه» أو كتاب السفر، الذي وصف فيه ما شاهده في رحلته التي مر خلالها بأذربيجان والشام وبيت المقدس قبل أن يستقر به المقام في «المحروسة».

 

ما تحدث به الرجل عن مصر يبدو في أعين أهل زماننا من الغرائب التي ترشح للنشر تحت عنوان «صدق أو لا تصدق». فقد اعتبرها نموذجا للمدينة الفاضلة هكذا قال التي يرأسها حاكم عادل لا حدود لشفقته ورأفته بالناس. لا يظلم أحدا ولا يطمع في مال أحد. لذلك لم يكن أحد يخفي شيئا من أمواله. بل إن الأغنياء كانوا يعرضون أموالهم على الخليفة في أيام الشدة حين يتناقص النيل للوفاء بأرزاق الناس. لأن الخليفة لم يكن يأخذ الخراج عند انخفاض النيل، وذات مرة جاء أحد أغنياء النصارى بما عنده من غلة تبرعا للناس، فكفتهم الغلة زمنا طويلا.

 

أما الوزير في مصر فقد رآه يمتاز عن الجميع بالزهد والورع والعقل. ويتقاضى القضاة رواتب عالية لكي لا يطمعوا في أموال الناس ولا يحيدوا عن الحق. أما أهل مصر فيعيشون في بحبوبة من العيش وغنى عظيم. حتى قال إنه يخشى أن يذكر بعض الأرقام التي يملكها بعض المصريين من مال فلا يصدقه أحد في فارس. وقد انعكس الرغد على أخلاق الناس، فاتصفوا بالأمانة والشهامة والمروءة الجامعة لخصال الخير كلها.

 

وصف في كتابه أول مدينة للتجارة الحرة في العالم، كانت تسمى «تنيس» قريبة من دمياط، حيث تفد إليها السفن محملة بالبضائع من جميع أنحاء العالم، ولا تجبى فيها أي ضرائب. وتحدث عن وفرة السلع في البلاد وكثرة الأسواق التي تجلب إليها البضائع من أنحاء العالم. وعن الصدق في التجارة وعن المصانع التي تتميز بها مصر التي تنتج السكر والمنسوجات..

 

وعلى عكس ما رآه في بلاد فارس، فقد وجد في مصر أمانا أثار انتباهه، حتى لاحظ أن تجار المجوهرات والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر.تحدث صاحبنا عن النيل وقارنه بنهر جيحون في بلاده، واعتبر أن المقارنة تظلم النيل. كما تحدث عن المباني شاهقة الارتفاع التي تبلغ 14 طابقا، وعن المساجد عظيمة الاتساع كمسجد عمرو بن العاص الذي كان يرتاده كل يوم 5 آلاف من طلاب العلم والغرباء. ووصف الحدائق التي أقيمت فوق أسطح المنازل، والحدائق العامة الأخرى التي انتشرت في أنحاء المدينة.

 

أهم ما وجده ناصر خسرو في مصر. وحرص على وصفه بكل دقة وإعجاب هو العلم والتعليم. فالإمام معلم وقصره مدرسة. وقاضي القضاة معلم والوزير معلم والمسجد للصلاة والتعليم. ودور الحكمة بها قاعات للاطلاع وقاعات للدرس. وأبواب الأزهر مفتوحة للجميع، حيث دأب الناس على الإقبال عليه في كل مكان، ومنهم أبناء الملوك والأمراء من المغرب واليمن والروم والصقالبة والهند وجورجيا وتركستان وغيرها. كان الأزهر وقتذاك يدرس المذهب الفاطمي. وقد درسه ناصر خسرو وتمكن منه، حتى عاد إلى بلاده إنسانا مختلفا تماما، عالما وفيلسوفا، بارعا في المحاجة والجدل، وداعية لا يشق له غبار.

 

صاحب الفضل في تذكيرنا بهذه الصفحة هو د.محمد السعيد جمال الدين الأستاذ بقسم الدراسات الشرقية في جامعة عين شمس، الذي خصص فصلا لناصر خسرو في كتاب جميل له بعنوان «جمع ما تعرف»، قلّب فيه بعض مواجعنا وأثار شجوننا، وذكرنا فيه ببعض عصورنا الزاهية بحق، التي تختلف عن عصورنا «المضروبة».

..................

ضيف جديد في البيت الأبيض

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 20 ربيع الثاني 1430 – 16 أبريل 2009

ضيف جديد في البيت الأبيض – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_15.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/853597.html

فاتنا أن نشاطر الأميركيين احتفاءهم بمناسبة مهمة لقيت تغطية إعلامية واسعة، واحتل خبرها صدارة الصفحة الأولى من صحيفة «واشنطن بوست». وتمثلت تلك المناسبة في حلول ضيف جديد على البيت الأبيض انتظره كثيرون، وظلت أسرة الرئيس أوباما تترقب وصوله منذ تولي السلطة في شهر يناير الماضي. إلى أن حل يوم الثلاثاء 14 أبريل الجاري الذي قدم فيه الضيف الجديد إلى العالم، كما ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية.

 

كانت صحيفة «واشنطن بوست» قد نشرت على صفحتها الأولى صورتين كبيرتين للضيف، إحداهما أخذت من موقع إلكتروني غامض، والثانية التقطها أحد مصوري البيت الأبيض. في وصف الضيف قالت الوكالة الفرنسية إنه يتمتع بشعر أسود، وإنه عنيد وفخور، وميال إلى العراك. لكنه صلب يتحمل التعب، وصاحب ذكاء خارق. وفضلا عن ذلك فهو سباح ماهر. إضافة إلى كل ذلك، فإنه طوال الأشهر الستة الماضية خضع لتدريبات من نوع خاص، لكي يكون مؤهلا للانضمام إلى ساكني البيت الأبيض، وأهم هذه التدريبات بطبيعة الحال كانت تلك التي تعلقت بقواعد البروتوكول. لكي يحسن الضيف التصرف في مقر الرئاسة الأميركية.

الضيف المذكور حمل اسم «بو»، ولم يكن سوى الكلب الذي كان الرئيس أوباما قد وعد ابنتيه به أثناء حملته الانتخابية. وقد أهداه إليه السيناتور تيد كينيدي شقيق الرئيس الراحل جون كينيدي.

 

طبقا للأعراف الأميركية فإن جميع رؤساء الولايات المتحدة، منذ كالفن كوليدج الذي انتُخب عام 1923 اقتنوا كلبا على الأقل خلال ولايتهم الرئاسية. وهذه الأعراف ليست منفصلة عن تقاليد المجتمع الأميركي والمجتمعات الغربية بوجه عام، التي تحتل فيها الحيوانات الأليفة وفي مقدمتها الكلاب مكانة خاصة لدى الناس. حتى ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن أغلب الأميركيين الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية ولم يعد لديهم أطفال ليعتنوا بهم، يكرسون معظم أوقاتهم للعناية بكلابهم وقططهم. وقدرت نفقات هذه الرعاية بنحو ألف دولار شهريا. وقالت جمعية أطباء البيطرة في تقرير لها إن الأميركيين أنفقوا في عام 2006 مبلغ 24.5 مليار دولار على شراء أدوية لحيواناتهم المنزلية. وفي بعض الولايات الأميركية فإن الإساءة إلى الكلاب تعد جنحة يعاقب عليها مرتكبها. وثمة حادثة شهيرة في هذا الصدد بمقتضاها تم إيقاف جندي في كارولينا الشمالية (اسمه تشارلز جونز) عن عمله وبدء التحقيق معه، بعد أن أثبت فيلم فيديو أنه أساء إلى كلب تابع للشرطة، وفي كندا الملاصقة للولايات المتحدة اشترى ثلاثة أطباء بيطريين جزيرة في مقاطعة بريتيش كولومبيا، ودفعوا فيها 2.2 مليون دولار، لأجل تحويلها إلى منتجع للترفيه عن الكلاب من ذوات الحاجات الخاصة!

 

الظاهرة حاضرة بقوة في أوروبا، ومن أحدث تجلياتها في فرنسا أن بعض المتخصصين أنشأوا موقعا لتدبير اللقاءات بين الحيوانات الأليفة أسوة بتلك المخصصة للتعارف بين البشر. بحيث أصبح بوسع أي شخص أن يحصل عبر الإنترنت على قائمة الكلاب من ذوات «القلوب الوحيدة» معززة بالصورة والفصيلة والعمر. تمكنه من التعرف على «رفيق» مناسب للكلب الذي يقتنيه. وإلى جانب محال الحلاقة الخاصة بالكلاب في فرنسا والمخازن التي تبيع ثيابها وربطات أعناقها وسلاسلها، ظهرت دور الحضانة والفنادق التي تستضيفها أثناء سفر أصحابها.

وفي إنجلترا عرض عطر للكلاب باسم «يوتيت آموند»، ثمن الزجاجة منه يعادل 450 جنيها.

وفي ألمانيا بدأ تصنيع أحذية بمقاسات مختلفة لكلاب الشرطة، تمهيدا للتوسع في إنتاجها إذا نجحت تجربتها.

 

 شيء طيب أن يهتموا بالكلاب والقطط، لكن ليتهم يوجهون نصف ذلك الاهتمام أو ربعه للبشر الذين يموتون من الجوع والمرض في أفريقيا

.................

ليست هذه مصر الكبيره

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 19 ربيع الثاني 1430 – 15 أبريل 2009

ليست هذه مصر الكبيره – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_9734.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/852928.html

 

لماذا لا نخاطب مخالفينا برقي واحترام، يليق بمقام الكبار وشمائل المتحضرين؟ كان ذلك أول سؤال خطر لي بعدما شاهدت حوارا تلفزيونيا تم بثه مساء الأحد الماضي (12 ابريل) كان موضوعه قضية خلية حزب الله التي تحدث عنها بيان النائب العام المصري خلال الأسبوع الماضي. لست من متابعي برنامج «البيت بيتك» ولا أستطيع الحديث عن اللغة التي يستخدمها عادة، ولكن الحوار الذي سمعته كان صاعقا وغير قابل للتصديق. إذ لم أتصور أن يتدنى مستوى الخطاب إلى ذلك الحد في برنامج يبثه التلفزيون الرسمي، الذي استضاف اثنين ينتميان إلى أهل الخبرة في مجاليّ الدفاع والإعلام.

 

لم تكن هناك مناقشة في حقيقة الأمر. إنما كان الحوار كله تنافسا في السب والتجريح والسخرية الهابطة، التي استخدمت لغة مبتذلة لم تبق على شيء من الكرامة والاحترام لأحد رموز النضال والمقاومة الشريفة التي رفعت رأس الأمة العربية عاليا، وردت الروح (بالانتصار الذي حققته في عام 2006) إلى جماهيرها التي كاد الإحباط يلقي بها في هوة اليأس ومشارف الهلاك.

 

حتى لا يلتبس الأمر على أحد، فإنني أحدد موقفي من الموضوع على النحو التالي:

 

أولا: أمامنا روايتان للواقعة، واحدة تقول إن المجموعة جاءت لمساعدة الفلسطينيين وإيصال السلاح إلى غزة. وهو الخبر الذي نشرته صحيفة «الدستور» المصرية في 12 فبراير الماضي وأكدته صحيفة «المصري اليوم» في 8 ابريل الجاري.

 والرواية الثانية أن المجموعة استهدفت زعزعة الأمن في مصر والقيام بأعمال تخريبية فيها، وهو ما ذكره بيان المدعي العام الذي نشر في 9 ابريل ـ ورغم أن الأقوال، التي أدلى بها المتهم الأول في القضية اللبناني سامي شهاب، التي نشرتها «المصري اليوم» في 12أبريل الجاري عززت الرواية الأولى وأكدت أن الذين أوفدوه ذكروا له أن أمن مصر خط أحمر يجب عدم المساس به، إلا أنني مازلت عند رأيي في أننا يجب أن نكبح الانفعال ولا نستبق، وننتظر كلمة القضاء في تحديد هدف المجموعة.

 

ثانيا: إنني أعتبر أن حزب الله أخطأ في كل الأحوال حين أوفد المجموعة إلى مصر. وحتى إذا كان هدفه نبيلا وأراد أن يسهم في مساندة المقاومة المحاصرة في غزة، فإن الخطأ يظل قائما، لأن الهدف النبيل ينبغي أن يتحقق بوسائل مشروعة.. ولا جدال في أن ذلك الخطأ يصبح خطيئة إذا ما ثبتت صحة الاحتمال الثاني.

 

ثالثا: إن الخطأ يستحق عقابا والخطيئة تستحق حسابا. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مسوغا لهدم تاريخ الحزب وتلويث صفحته أو لاغتيال قيادته سياسيا ومعنويا وإطلاق جوقة اللاعنين بحملة السباب والتجريح. وفي هذا السياق فليس معقولا ولا مقبولا أن نذهب في الملاعنة، إلى حد قلب الأولويات بالكامل والتعامل مع حزب باعتباره عدوا ينبغي القضاء عليه باستخدام مختلف الأسلحة القذرة من القصف الإعلامي إلى الحملات العسكرية التي جرى التلويح بها. فيما نشر يوم الاثنين الماضي (12 ابريل).

 

رابعا: إنه ليس من مصلحة مصر ولا العرب عموما أن تفتعل معركة إعلامية أو سياسية (هل أقول أو عسكرية أيضا؟) مع حزب الله. الذي لا يجادل منصف في أنه جزء من الحركة الوطنية العربية والإسلامية، التي نحن أحوج ما نكون إلى الحفاظ عليها، وتصويب مسيرتها. ومن لديه ذرة شك في ذلك، فليراقب حملة التهليل واسعة النطاق التي عبرت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية حين تفجرت المشكلة بين القاهرة وحزب الله. وليس لذلك التهليل سوى دلالة واحدة هي أن الفائز الوحيد في هذه المعركة هو العدو الصهيوني، الذي يختزن مشاعر الثأر من السيد حسن نصر الله وحزب الله منذ هزيمة جيشهم في عام 2006.

 

خامسا وأخيرا، فرغم أنه لا وجه لمقارنة، فإنني أستحيي أن أدعو إلى التعامل مع القضية بنفس الأسلوب الرصين والمسئول الذي تعاملت به مصر مع الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، مثلا، الذي ثبت عام 1997 أنه كان يتجسس ضد مصر وحكم عليه بالسجن 15عاما. وبعد أن قضى نصف المدة شملته الرعاية وأطلق سراحه بإفراج صحي، ثم عاد إلى بلاده معززا مكرما بعد ذلك.

 

لم تكن مصر الكبيرة والعفيفة هي التي تحدثت على شاشة التليفزيون مساء الأحد، لكنها كانت بلدا آخر، غريبا في حجمه وفي لغته.

........................................

تجليات العبث الإسرائيلي في ديارنا– المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 18 ربيع الثاني 1430 – 14 أبريل 2009

تجليات العبث الإسرائيلي في ديارنا – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/04/blog-post_14.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/4/852545.html

 

لسنا بحاجة إلى سيناريو «المؤامرة» لكى نتتبع تجليات الاختراق والعبث الإسرائيليين فى دول المنطقة. فالوثيقة التى تسربت حول الشهادة المثيرة التى أدلى بها المسئول الأمنى الأول فى الدولة العبرية تسلط أضواء كافية على تدابيرهم ومخططاتهم، تغنينا عن الاجتهاد والتخمين فى الموضوع.

(١)
أول الكلام كان عن حظوظ مصر من تلك التدابير، وهو ما عرضته فى الأسبوع الماضى بما تضمنه من معلومات خطيرة وإشارات صادمة ومحيرة. ولأن الحديث كان عن استراتيجية الدولة العبرية فى المنطقة، فقد تبقى منه جزء ثان عن بقية الدول التى تناولتها محاضرة آفى ديختر رئيس «الشاباك» السابق «جهاز أمن الدولة الإسرائيلية» الذى صار وزيرا للأمن الداخلى فى حكومة إيهود أولمرت. وهو فى منصبه الأخير أدلى بشهادته أمام الدارسين فى معهد أبحاث الأمن القومى الإسرائيلى. كنت قد وعدت بعرض ذلك الجزء الثانى الذى يخص الدول الأخرى هذا الأسبوع، وهذه خلاصة لكلامه، حيث اضطررت لاختصار بعض المعلومات التفصيلية، لاعتبارات تتعلق بالحيز لا أكثر.


<
فيما يخص الساحة الفلسطينية قال ديختر إن إسرائيل استخدمت فيها كل الخيارات. فخيار القوة مشهور ومعلوم للكافة. أما الخيار الثانى الذى لجأت إليه فيتمثل فى السعى المستمر لتعميق الصراع بين الفصائل الفلسطينية وبين السلطة التى أفرزتها اتفاقية أوسلو 1993. وذكر فى هذا الصدد أنه حين كان رئيسا للشاباك، شارك فى إعداد الحملات والملاحقات ضد ما أسماه «المنظمات الإرهابية»، التى قامت بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية، خاصة جهاز الأمن الوقائى. وقال صراحة إنه فى تلك المهمة وجد تعاونا على أوسع نطاق من محمد دحلان مسئول الأمن فى غزة، وجبريل الرجوب الذى كان مسئولا عن الأمن فى الضفة!!. وحسبما ذكر فإن تلك الحملات أدت إلى إفشال مئات العمليات «التخريبية». كما أدت إلى اعتقال العشرات من قيادات وكوادر تلك المنظمات، وأسهمت فى وصول اليد الإسرائيلية إلى قيادات مهمة مثل المهندس يحيى عياش والدكتور عبدالعزيز الرنتيسى والشيخ أحمد ياسين وأبوشنب وأبوعلى مصطفى وغيرهم.


تباهى ديختر بأن الصراع الذى دارت رحاه بين حركتى حماس وفتح كان نتاج سياسة إسرائيلية محكمة. وقال إن ثمة عوامل ساعدت على إنجاح ذلك المخطط، منها مثلا إدراك الجهات المعنية فى إسرائيل لعمق العداء لحركتى حماس والجهاد، بين قادة المؤسسة الأمنية الفلسطينية (ذكر محمد دحلان وتوفيق الطيراوى مسئول المخابرات) ومعهما بعض قيادات السلطة وفتح. وهو العداء الذى ظهر جليا بعد رحيل أبوعمار. من تلك العوامل أيضا شعور قادة الأجهزة الأمنية بأن تنامى حركة حماس يشكل تهديدا وجوديا لهم، واقتناعهم بضرورة حسم هذه المسألة خصوصا بعدما تولى أبومازن رئاسة السلطة.. وأضاف فى هذا الصدد أن تيار الحسم الذى يستهدف قمع حركة حماس وإقصاءها لقى تأييدا ماليا وسياسيا ومعلوماتيا ليس من إسرائيل وحدها، وإنما أيضا من الولايات المتحدة والرباعية الدولية. وخلص الرجل إلى أن استمرار الصراع فى الساحة الفلسطينية يحقق مصلحة إسرائيلية من الدرجة الأولى، وأن القضاء على حماس والجهاد يظل هدفا استراتيجيا ينبغى ألا تتوقف مساعى تحقيقه بكل السبل.

(2)
< فى شهادته اعتبر ديختر أن لبنان «أكثر بيئة إقليمية تفرض التحدى الاستراتيجى على إسرائيل». وقال إن خيار القوة استخدمته إسرائيل مع حزب الله فى عام 2006، وعدم نجاحها فى تلك الجولة لا يعنى استبعاد ذلك الخيار، الذى سيظل قائما والاستعداد له مستمر بوتيرة عالية. فى الوقت ذاته فإن إسرائيل لم تتوقف عن السعى لإحداث الاضطراب وتعميق الشقاق فى الساحة اللبنانية. وقد حققت فى ذلك نجاحات عدة، منها مثلا أنها استطاعت خلق بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية «توجت» باندلاع الحرب الأهلية عام 1975. فى هذا الصدد أشار إلى التنسيق الذى قام بين إسرائيل وبين بعض القوى اللبنانية فى تلك الحرب. حيث زودت إسرائيل تلك القوى بالسلاح والأموال، بموافقة رئيس الوزراء آنذاك إسحاق رابين ووزير الدفاع شمعون بيريز.
ومن هذه النقطة استطرد قائلا إن المجهودات الإسرائيلية الاستخباراتية داخل لبنان والسياسية فى المحافل الدولية. هى التى أجبرت السوريين على الانسحاب من لبنان.


الدور الإسرائيلى فى إيجاد بيئة معادية للمنظمات الفلسطينية فى السبعينيات تكرر مع حزب الله، الذى بذلت الأجهزة الإسرائيلية جهدا خاصا لتشويه صورته وحصاره ومحاولة استنزافه وتمزيق قوته.. وهى فى ذلك تخوض حربا سرية لم تتوقف ضد الحزب بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تقوم بحشد المنظمات وإقامة المعسكرات للفرق التى تلتقى مع البلدين حول هدف التخلص من «خطره». وتحدث فى هذا السياق عن معسكرين لم يفصح عنهما تتطلع إسرائيل إلى مساندتهما وتعظيم قوتهما فى لبنان، لكسب المواجهة الحاسمة ضد حزب الله.


بالتوازى مع ذلك ـ أضاف صاحبنا ـ ان إسرائيل تجرب مع الولايات المتحدة محاولة اختراق الساحة اللبنانية وزرع الاختلالات فيها، لتعميق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية، وقطع الطريق أمام تحقيق التوافق بين القوى السياسية، ومن ثم استمرار إذكاء العداء لحزب الله ولسوريا وإيران.


أما سوريا فمن رأيه أنها غير جادة فى التوصل إلى سلام مع إسرائيل، وأن أولمرت اعتبر أن التفاوض معها يخدم خيارات إسرائيلية فى التعامل مع كل من إيران وحزب الله، وهو ما لم يؤيده ديختر ـ الذى ذكر أن خيار استخدام القوة ضد سوريا يؤيده قطاع عريض من القيادتين السياسية والعسكرية.
إلى جانب ذلك اعتبر أن ثمة خيارات ثلاثة متاحة فى الوقت الراهن للضغط على سوريا، أولها استراتيجية «شد الأطراف» التى كانت مطبقة منذ الخمسينيات، وبمقتضاها لعبت تركيا دورا مهما فى الضغط على سوريا، ولكن بعد التحسن الذى طرأ على علاقات أنقرة ودمشق خلال السنوات الأخيرة، فمن الممكن أن يقوم الأكراد بهذا الدور. وهو ما سعت إليه إسرائيل خلال السنوات الخمس الأخيرة، حين بذلت جهودا حثيثة لتشجيع الأكراد على إقامة كيان خاص بهم فى شمال العراق، أصبح الآن دولة من الناحية العملية، معتبرة أن الدور الكردى فى الضغط على سوريا يمكن أن يعوض الدور التركى.
الخيار الثانى يتمثل فى استخدام الساحة اللبنانية للضغط على سوريا، وحسب كلام ديختر فإن لإسرائيل أصدقاء فى لبنان على استعداد للقيام بهذا الدور، لكنهم لا يريدون الكشف عن العلاقات التى تربطهم بتل أبيب، التى تحرص على استثمار موقف أولئك الأصدقاء بالتعاون مع الولايات المتحدة.
الخيار الثالث يكمن فى التعامل مع المعارضة السورية، وتكرار تجربة إسرائيل مع المعارضة العراقية، حين ساندتهم سياسيا ووفرت لهم الدعم المالى الأمريكى كما دربتهم عسكريا، وهو نفس الأسلوب الذى اتبع مع بعض القوى المعارضة فى السودان ولبنان.
فى ختام هذه النقطة قال ديختر إن «شد أطراف» الساحة السورية أمر ميسور، وإن هناك منافذ عدة تحقق ذلك الغرض، عبر الأردن ولبنان وكردستان العراق.

(٣)
< المعادلة الحاكمة لموقف إسرائيل الاستراتيجى من العراق تنطلق من الحرص على تقويض مظان القدرات العربية فى دولها الرئيسية، من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومى الإسرائيلى. هذه كلمات ديختر التى أضاف عليها أن العراق لا ينبغى أن يعود إلى سابق عهده وقوته، بحيث يصبح دولة مواجهة ضد إسرائيل وصاحبة دور على الصعيدين العربى والإقليمى، وهم يعولون كثيرا على الأكراد الذين يحتفظون معهم بعلاقات تاريخية وثيقة منذ السبعينيات، ولكنهم لا يريدون الاكتفاء بما يمثلونه من ضمانة لهم فى شمال العراق، ولكنهم يتطلعون إلى توفير تلك الضمانة فى بغداد ذاتها، حيث تحاول الأجهزة الإسرائيلية نسج علاقات مع بعض النخب السياسية والاقتصادية تستهدف إبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية المشتبكة على إسرائيل، فى هذا الصدد ذكر الرجل أن تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهمية وحيوية من تكريس وإدامة تحييد مصر.
فيما يخص مراهنتهم على الأكراد، ذكر ديختر أن ثمة التزاما من القيادة الكردية بإعادة تشغيل خط نقل النفط من كركوك إلى حيفا عبر الأردن، الذى نوقش مع مسئوليه. وإذا ما تراجع الأردن فهناك البديل التركى، أى مد خط كركوك من كردستان إلى تركيا ثم إسرائيل، وهذا المشروع تمت دراسته لتوصيل أنابيب المياه والنفط الى تركيا ومن تركيا إلى إسرائيل.


<
حين تطرق الرجل إلى إيران، فإنه اعتبرها «أكثر الساحات تهديدا لإسرائيل وتصديرا للتحديات». وقال إن الحل الأمثل هو تقويض النظام القائم فى طهران واستبداله بنظام علمانى يستطيع أن يتفاهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك فإنه انحاز إلى فكرة العمل العسكرى الذى يستطيع أن يحقق هذا الهدف،

وإلى جانب ذلك هناك خياران آخران هما:

 أولا الضغط على إيران من خلال الوجود الأمريكى فى العراق، ودعم منظمة مجاهدى خلق، واستخدام النفوذ الأمريكى فى الخليج، وتطويق إيران من خلال الدول المحيطة بها.

 أما الخيار الآخر فيتمثل فى تفكيك الدولة الإيرانية التى تضم عربا وأكرادا وبلوشا وفرسا وأتراكا.. إلخ وهذه مهام لن تتحقق لها الفاعلية المطلوبة إلا إذا شاركت فيها الولايات المتحدة بشكل جاد.
فى رأيه ان لدى إسرائيل معلومات تشير إلى أن إيران قد تنتهى من صنع أول رأس نووى فى العام الحالى (2009)، كما أنها حصلت من روسيا على منظومة متطورة جدا مضادة للجو، وهى أمور ينبغى ألا تسكت عليها إسرائيل، التى ينبغى أن تتحرك لمواجهتها بحزم وسرعة.


(4)
< ختم ديختر محاضرته بحديث عن السودان، كنت قد أشرت إلى بعض جوانبه فى مقال سابق، وقد لخص رؤيته فى أن السودان ينبغى ألا يصبح قوة مضافة للعالم العربى. ونقل عن بن جوريون وغيره من الآباء المؤسسين للدولة العبرية قولهم إن إضعاف السودان يجب أن يتم من خلال تشتيت جهوده وتبديد طاقاته، وهو الموقف المبدئى الذى دفع تل أبيب إلى تكثيف أنشطتها فى الجنوب وفى دارفور وتتطلع إلى إثارة القلاقل فى بقية أنحاء السودان، وحسب تعبيره فإن هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة