أغلب الظن أنها مصادفة، أن تتحدث
صحف الأحد «26/4»
عما حققه
الرئيس أوباما من وعود وما لم يحققه خلال المائة يوم الأولىلولايته، في حين ينشر في القاهرة
في اليوم ذاته إعلان احتل صفحة كاملة وجهالشكر للرئيس مبارك «لأنه وعد فأوفى». صحيح
أنه لا وجه للمقارنة بينالاثنين من الناحية الزمنية، لأن أوباما لم يمكث في مكتبه أكثر من
مائةيوم.
أما الرئيس مبارك فقد أمضى في
منصبه أكثر من عشرة آلاف يوم. احتفلتبها صحيفة «الدستور» على طريقتها قبل عدة
أسابيع. مع ذلك فلا بأس منالمقارنة بين مضمون الإعلانين الأميركي والمصري. إذ طبقا لما ذكره
موقعمقياس
أوباما، الذي أقامته صحيفة «سانت بيترسبورج» فإن أوباما أطلق خلالحملته الانتخابية 500 وعد، وخلال
المائة يوم الأولى حقق منها 27 وعدا ولميف بستة.
من الوعود التي حققها الرئيس
الأميركي أنه أصدر قرارا بالانسحابمن العراق، وأرسل لواءين إلى أفغانستان. ووجه خطاب مصالحة مع العالمالإسلامي، ورفع القيود عن زيارة
كوبا، وأنشأ صندوقا لمنع مصادرات المنازل. كما قام بتعيين جمهوريين في إدارته، وصولا
إلى إهداء كلب لابنتيه مالياوساشا.
من الوعود التي لم يف بها أوباما
أنه لم يعترف بإبادة الأرمن خلالزيارته لتركيا. كما أنه لم يستصدر قانونا لتخفيض الضريبة بقيمة ثلاثة
آلافدولار على
الشركات التي تستحدث الوظائف ولم يمنع أعضاء مجموعات الضغط منالعمل لحساب الإدارة في مجال
عملهم خلال السنتين الأخيرتين.. إلخ.
الإعلان الذي نشرته صحيفة «الأهرام»
واحتل صفحة كاملة في ذلك اليوم
(قيمتها أكثر
من 200 ألف جنيه) تصدره عنوان يقول: سيادة الرئيس شكرا، وعدتوأوفيت، وإلى جانب العنوان ظهرت
ثلاث صور. واحدة كبيرة نسبيا للرئيسمبارك، والثانية أصغر لرئيس الوزراء،
والثالثة أصغر لوزير الإسكان، (كلواحد ومقامه). ثم وضعت في قلب الصفحة صورة ملونة كبيرة على ثمانية
أعمدةلمجموعة من
البنايات، وتحتها صورة أخرى بالحجم نفسه لحجرة استقبال واسعة،تناثرت فيها مجموعة من المقاعد
والأرائك المريحة، بين الصورتين ظهر مربعكتبت فيه الكلمات التالية: نظرا للإقبال
الشديد ونفاد جميع وحدات المرحلةالأولى، تعلن مجموعة «كذا» للاستثمار عن فتح باب الحجز للمرحلة
الثانية
«2200 وحدة
سكنية»، وذلك بأسبقية الحجز بدءا من يوم كذا.
لا يحتاج المرءالى أن يبذل جهدا لكي يدرك أمرين،
أولهما أن مخاطبة الرئيس في العنوانأريد بها الترويج لمشروع إسكان
أقامته إحدى شركات الاستثمار التي عرضت فيالإعلان كيف أن مشروعها ييسر الأقساط على
المشترين ويوفر مختلف أسبابالراحة والمتعة للساعين إليها.
الأمر الثاني أنه ليس في الإعلان
ما يوحيبأن له علاقة بوعود الرئيس مبارك، إلا أن يكون الوعد المقصود الذي لم
يعلنأن يزداد
رجال الأعمال ثراء وأن يوفروا للقادرين أسباب الرفاهية التيينشدونها، من بحيرات صناعية
وحمامات سباحة إلى الملاعب والمطاعموالمقاهي.. إلخ.
لن أختلف مع من يقول إن المقارنة
ظالمة بين ما أعلن في أميركا والإعلانالذي نشر في مصر، باعتبار أن الجرد الذي تم
هناك أجرته مؤسسة محترمة تأخذالأمور على محمل الجد،
في حين أن الإعلان المنشور في «الأهرام»
استخدم اسمالرئيس وامتدح وفاءه بما وعد، لكي يروج لمشروع استثماري خاص به.
هذا كلامصحيح لا ريب، لكني أردت بالمقابلة
أن ألفت الانتباه إلى الجد هناك والهزلهنا، وإلى أنهم هناك يحاسبون رئيسهم على ما
فعل خلال مائة يوم، بينما ليستلدينا جهة تستطيع أن تحاسب الرئيس على عشرة آلاف يوم.
في الوقت ذاته فلديشك كبير في أن الحزب الوطني إذا
أراد تقييم ما حققه الرئيس خلال عشرة آلافيوم، فإنه سيقول أكثر مما قاله الإعلان الذي
نشره المستثمر المتذاكي، الذييبدو أنه يعرف جيدا من أين تؤكل الكتف.
في أسبوع واحد احتلت مصر المركز
الأول في الإصابةبإنفلونزا الطيور وخرجت تماما من تصنيف أفضل خمسمائة جامعة في العالم،
ليسذلك سوء حظ
بطبيعة الحال، ولكنه سوء إدارة وترتيب.
لن نفصل في مسألة الإصابة
بإنفلونزا الطيور التي أفاضت الصحف المصريةفي الحديث عنها طيلة الأيام الماضية، لكن ما
يحتاج إلى بعض التفصيل هوالشق الخاص بالفشل الأكاديمي الذريع الذي شهد به تصنيف الجامعات
الأفضل فيالعالم، وهو ما صدمنا به زميلنا الأستاذ لبيب السباعي حين نعى إلينا
الخبرفي الأهرام «عدد
4/27»، وأرفقه ببعض البيانات التي تملؤنا شعورا بالحسرةوالغضب.
قال زميلنا في تقريره المفجع إنه
قبل ثلاث سنوات جاءت جامعة القاهرة فيمركز متأخر في الترتيب العالمي للجامعات، لكن
الموقف أصبح أسوأ الآن. حيثغابت الجامعات ومراكز البحوث العلمية المصرية والعربية جميعها من
التصنيف،في حين انضمت إلى قائمة الجامعات الأفضل ست جامعات ومراكز بحثية
إسرائيلية
(كانت ثلاثا
في التصنيف السابق) وثلاث جامعات من جنوب أفريقيا.
كنت قد كتبتقبل أيام عن بعض مظاهر تخريب
التعليم في مصر، وجاء التقرير الدولي الذينحن بصدده لكي يعلن إحدى النتائج التي حققها
ذلك التخريب. وقد عبرت فيماأشرت وقتذاك عن الدهشة إزاء سكوت المسؤولين عما يحدث في ذلك القطاع،
الذيهو في تماس
مباشر مع الأمن القومي للبلد، باعتبار أن ضحايا آثاره المدمرةهم الأجيال الجديدة، ها نحن نجد
أن المأساة ذاتها تتكرر مع التعليمالجامعي، إذ حين أعلن قبل ثلاث سنوات أن جامعة واحدة في مصر هي جامعةالقاهرة قد أصبحت في مركز متأخر
ضمن الجامعات المحترمة، وهي التي ظلتمنارة للمعرفة في العالم العربي على الأقل،
فإن ذلك الفقر العلمي لم يحركشيئا في بر مصر. بالتالي ظل مؤشر التدهور يستمر في الهبوط حتى خرج
التعليمالجامعي تماما من المنافسة، في الوقت الذي وجدنا فيه أن الآخرين لايتوقفون عن الصعود ويصرون عليه.
لا أعرف صدى الصدمة الأخيرة،
لكنني أتصورأن أي إدارة رشيدة تتحلى بالوعي والمسؤولية لابد أن تتحرك بسرعة
للإجابةعن سؤالين هما:
لماذا تراجعت أوضاع الجامعات ومراكز الأبحاث؟
ومن بالضبطالمسؤول عن ذلك التراجع؟
وكيف يمكن إنقاذ الموقف والنهوض بالجامعات
ومراكزالبحث
العلمي؟.
حين نجح الاتحاد السوفييتي في
إرسال رائد فضاء إلى القمر محققا بذلكسبقا علميا كبيرا على الولايات المتحدة، فإن
الدنيا قامت ولم تقعد فيواشنطن، وأصدر وزير التعليم هناك في عام 1961 قرارا بتشكيل لجنة ضمت 18شخصا من أكبر العقول الأميركية
لتقييم حالة التعليم في البلد، وإصدارالتوصيات التي تمكن أميركا من اللحاق
بالاتحاد السوفييتي ومنافسته.
وأصدرتاللجنة بعد سنتين من العمل الجاد تقريرا ذاع
صيته آنذاك، تضمن توصياتمتعددة للنهوض بالتعليم، كان عنوانه «أمة في خطر».
وهذا الذي حدث للجامعاتالمصرية يستحق استنفارا مماثلا من
جانب الغيورين على التعليم والمستقبلوالأمن القومي للبلد. ولكن يبدو أن ثمة مشكلة
في العثور على هذا الصنف منالناس، أو أنهم موجودون فعلا ولكنهم مشغولون بأمور أخرى.
هذه البلادة التينتعامل بها مع ملف التعليم ليست
حكرا عليه فقط، لأننا نرى تجسيدا لها فيالتعامل مع إنفلونزا الطيور، التي كانت شبحا
يلوح في الأفق منذ سنتين،وتحولت مع اللامبالاة والتراخي المشهودين إلى خطر داهم يهدد البلادوالعباد.
وهو ما يعني أن المشكلة أكبر من الجامعات
أو من إنفلونزا الطيور،وأنها تكمن في أسلوب إدارة المجتمع وترتيب أولويات مشكلاته، التي أصبحالأمن السياسي على رأسها، وكل ما
عداه أقل أهمية أو عديم الأهمية.
لقاء الرئيس عمر البشير يفتح
الشهية لطرح كم من الأسئلة بعدد المشكلات والتحديات التي يواجهها السودان، وبحجم
اللغط المثار حول سياساته في الداخل والخارج.
(1)
فالسودان ليس بلداً كبيراً فحسب
ولكنه مشكلة كبيرة أيضاً، ذلك أننا نتحدث عن بلد هو الأكبر من حيث المساحة من أي
دولة عربية وإفريقية أخرى (مساحته أكثر من مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع في
حين أن مساحة مصر مثلا لا تزيد كثيراً على مليون كيلومتر مربع)، وسكانه البالغ
عددهم 40 مليون نسمة هم نصف سكان مصر. أما مشكلته فهي متعددة الأوجه، فمن ناحية،
له حدود مشتركة مع تسع دول عربية وإفريقية، الأمر الذي يجعل سيطرته على حدوده من
المستحيلات، ومن ناحية ثانية، فإن أهله يتوزعون على 600 قبيلة، يتكلمون 115 لغة
ولهجة محلية، تتفرع منها لهجات أخرى، وهذه القبائل يتحكم فيها زعماء محليون من
شيوخ وسلاطين وأمراء، ولكل منهم عالمه الخاص، الذي لا علاقة له بالضرورة بالسلطة
المركزية في الدولة. وطوال السنوات الماضية كنا نسمع عن الشمال والجنوب في السودان،
لكننا لم نلاحظ أن هناك كيانات أخرى في كردفان ودارفور وبلاد النوبة. ثم إنه بلد
غني، بمياهه ونفطه وغازه وغاباته ومعادنه التي تتراوح بين اليورانيوم والذهب
والنحاس والفوسفور والمنجنيز والكروم.. إلخ. وإلى جانب ذلك فثروته الزراعية
والحيوانية لا حدود لها، فالحديث عن 200 مليون فدان صالحة للزراعة و50 مليون رأس
من الغنم والماعز، إضافة إلى 23 مليوناً من الأبقار و35 مليوناً من الإبل. وإلى
جانب أهميته الاستراتيجية في المحيط الإفريقي، فإن إطلاله على البحر الأحمر بساحل
طوله 644 كيلومتراً، ضاعف من تلك الأهمية. وتلك كلها عوامل جعلت السودان مطمعا
للدول الكبرى وساحة لصراعاتها، ونقطة جذب للمتآمرين والمغامرين والمبشرين. بسبب كل
ذلك لم تتوقف المشكلات في السودان منذ استقلاله في عام ،1956 ولأن الأقدار وضعته
في موقع باب العالم العربي إلى إفريقيا، فإن ذلك كان سبباً آخر لمحاولة تفكيكه
وإدامة إشعال نار الفتنة فيه، حتى لا يستقوي بموارده، على نحو يمكنه من أن يصبح
صاحب دور في القارة، وهو ما يستكثره عليه الطامعون والمتربصون والمتآمرون.
(2)
كانت هذه الخلفية حاضرة في ذهني
حين ذهبت للقاء الرئيس عمر البشير في بيته، ولم يغب عن بالي أن الرجل الذي يمسك
بزمام السلطة منذ عشرين عاما، مطلوب أيضا للمحكمة الجنائية الدولية بسبب مشكلة هي
جزء من مسلسل التآمر على السودان، وحين حسدته على ثباته وقوة أعصابه، استشهد في
تعليقه بالآية الكريمة: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” وبالحديث النبوي الذي
يقول ما معناه إن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوا أو يضروا مخلوقا بشيء، فلن
يلحقوا به إلا ما كتب الله له أو عليه.
لم أستغرب الرد، فقد كنت أعلم أنه
حافظ للقرآن وله خلفيته الدينية التي حصلها منذ صغره حين كان حفظ القرآن أول ما
يتعلمه أبناء جيله (من مواليد عام 1944). ولما صار رئيسا، فإنه ظل يواظب على أداء
الفرائض الخمس من الفجر إلى العشاء في مسجد صغير مقام إلى جوار بيته الرئاسي،
والذين يعرفونه يقولون إنه لا يزال متأثرا ببيئته الصوفية، رغم أنه تخرج في الكلية
الحربية في عام النكسة (1967) وقدر له أن يشترك بعد ذلك في حرب العبور عام ،1973
وفي رحلته أعطى الدراسات العسكرية جزءا كبيرا من وقته، خصوصا أنه كان متخففا من
الأعباء العائلية، حيث لم ينجب من زوجتيه (الثانية كانت زوجة شهيد من رفاقه) وعوض
الإنجاب عن طريق تبني طفلين من أبناء الجنوب. في الوقت ذاته، فإنه انكب على دراسة
الماجستير في العلوم العسكرية بكلية القادة والأركان في الخرطوم، وبعدها حصل على
ماجستير العلوم العسكرية من ماليزيا، ثم حصل على زمالة أكاديمية السودان للعلوم
الإدارية.
حين التقيته كان وفد سوداني قد
غادر الخرطوم إلى “لاهاي” لحضور جلسة إحدى المحاكم الدولية التي تنظر نزاعا مع
الجنوبيين حول حدود منطقة “أبيي” الغنية بالنفط خاصة.
وكان اثنان من المبعوثين
الأمريكيين قد أنهيا زيارتهما للسودان. سألته عن المهمتين فقال إن القضية المرفوعة
في “لاهاي” أريد بها رفع الظلم عن الإقليم الشمالي الذي اقتطعت مساحة واسعة من
أرضه بغير حق وأدخلت ضمن حدود “أبيي”، كان سوء النية واضحا في هذه العملية. ولم
يكن أمامنا سوى أن نلجأ إلى التحكيم الدولي لحل ذلك الإشكال. أما فيما يخص
المبعوثين الأمريكيين فإن مهمتهما اقتصرت على أمرين، العلاقات الثنائية بين واشنطن
والخرطوم، المجمدة والمسكونة بالتوتر، وموضوع المنظمات الإغاثية التي قررنا طردها
من السودان بسبب أنشطتها المريبة والمعادية في دارفور (عددها 13 منظمة).
* ألم يتطرقا إلى القرار الذي
أصدرته المحكمة الجنائية الدولية؟
- لم يتحدثا في هذا الموضوع،
لكننا فهمنا أن التعامل “الإيجابي” مع النقطتين اللتين جاءا لبحثهما من شأنه أن
يوفر أجواء أفضل لتهدئة الضجة التي أثارها.
سألته عن نتائج الزيارتين فقال إن
النتائج لم تظهر بعد، ولكن المقدمات تعطي انطباعاً مريحاً نسبياً، ففيما يخص
المنظمات فإننا تمسكنا بقرارنا بإبعادها، لأن لدينا أدلة قوية تثبت تآمرها ضدنا
وانتسابها إلى قوى الضغط الصهيونية. ولكننا كحل وسط لم نمانع في استقبال بدائل عن
المنظمات الأمريكية التي طردت (عددها أربع والباقي منظمات أوروبية). أما فيما يخص
العلاقات الثنائية، فإن إعادتها إلى مسارها الطبيعي تتطلب وقتا لم تتضح معالمه
بعد.
استطرد الرئيس البشير قائلاً إن
السودان لديه خبرة طويلة مع المبعوثين الأمريكيين، أكثرها غير مشجع، لأن المشكلة
لا تكون في المبعوث القادم من واشنطن، ولكنها في القوى الضاغطة على القرار السياسي
هناك. وفي السابق استقبلنا زوارا أمريكيين، قالوا لنا كلاما طيبا هنا وحين عادوا
إلى بلادهم اضطروا إلى تغييره للحفاظ على مستقبلهم السياسي. وقد قلت لأحدهم مرة
(اسمه السناتور دانتورس) إن من المبعوثين من يأتي إلى السودان في حين يكون تقرير
الزيارة مكتوبا سلفا، وجاءنا مبعوث آخر كان معادياً لنا، لكنه حين حاورنا اقتنع
بكلامنا. وحين تحسن موقفه أعفي من منصبه.
* سألته: هل هذا الشك ينسحب على
المبعوثين الأخيرين؟
- قال: ينبغي أن ننتظر حتى نقيم
النتائج. لكن ما نستطيع أن نقوله إنهما تحدثا بروح إيجابية، وجدناها تعبيرا عن
الخطاب المتصالح والمنفتح الذي تقدمه الإدارة الجديدة في البيت الأبيض.
(3)
* هل هناك علاقة بين تأجيل الانتخابات
العامة إلى شهر فبراير/شباط المقبل، وبين التخوف من انفصال الجنوب في استفتاء عام
2011؟
- لا علاقة بين الأمرين. فالتأجيل
سببه أن ترتيبات إجراء الانتخابات الخاصة بالدوائر لم تتم، إضافة إلى أن نتائج
التعداد السكاني لم ترض عنها حكومة الجنوب، التي تصر على أن تكون نسبة الجنوبيين
33%، في حين أن المسح الذي أشرفت عليه الولايات الجنوبية بين أن نسبتهم 21% فقط.
ثم إننا لسنا قلقين من نتائج الاستفتاء الذي ارتضينا أن نحتكم إليه في الاتفاق
الموقع معهم. وحتى الآن فهناك 40% من الجنوبيين يريدون البقاء في إطار الدولة الواحدة.
وهذه النسبة تتزايد، خصوصاً في ظل الصراعات الحاصلة بين القبائل الجنوبية التي
يرفض بعضها الخضوع لسلطان الحركة الشعبية. وهذه الصراعات لم تتوقف طيلة السنوات
الأخيرة، وأحدثها ما وقع في جونجلي قبل أيام وأدى إلى مقتل 300 شخص على الأقل.
* من أين تأتي الجماعات المتمردة
في دارفور بالسلاح؟
- هم يحصلون على سلاحهم من تشاد
بحكم الصلات القبلية. وتشاد تحصل على السلاح من ليبيا. وقد تحدثنا مع الليبيين
بهذا الخصوص، فكان ردهم أنهم يقدمون السلاح إلى الحكومة التشادية وليس إلى
المتمردين.
* لماذا لم تعلنوا عن الغارات التي
شنت ضد قوافل تهريب السلاح حين وقعت في شهر فبراير/شباط الماضي؟
- السبب أن أجهزتنا كانت تريد أن
تتحقق من مصدر الغارتين ولم تتوصل إلى شيء، إلى أن أعلنت “إسرائيل” عن دورها في
ذلك.
* هل كانت الحكومة السودانية على
علم بعمليات التهريب؟
- السودان مفتوح على تسع دول
ويتعذر ضبط حدوده تماما. وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن ضبط حدودها مع
المكسيك، فنحن نعذر إذا لم ننجح في إحكام الرقابة على الحدود، ونحن نعلم أن قبيلة
الرشايدة المنتشرة في إريتريا والسودان ومصر تقوم بتهريب كل شيء عبر الحدود من
الطعام إلى البشر والجمال مروراً بالسلاح. وقد علمنا من إخواننا في مصر أن ثمة
سلاحاً يتم تهريبه عبر الصحراء لكننا لم نستطع أن نوقفه.
* إلى أي مدى تأثر السودان
بالأزمة الاقتصادية العالمية؟
- تأثرنا ليس كبيراً ومقصور على
عوائد النفط الذي انخفضت أسعاره ويشكل 40% من موارد الميزانية. ولكن ذلك لم يعطل
شيئا من مشروعاتنا للتنمية. فقد ساعدتنا ظروف كثيرة على إنجاز الكثير من مشروعات
البنية الأساسية، خاصة سد مروي وشبكة الطرق والجسور التي ربطت بين ضفتي النيل،
وأصبح لدينا وفرة في الطاقة مكنتنا من توصيل الكهرباء إلى أنحاء السودان وكانت النتيجة
أن السودان أصبح ترتيبه السادس بين الدول العشر الأسرع نمواً في العالم.
* ما مدى ما يقال من أن السودان
أصبح منطقة جذب للاستثمارات الخارجية، بعد أن كان طارداً لها؟
- هذا الكلام صحيح، ولابد أن
نعترف بالفضل في ذلك لجهتين: الصناديق العربية التي مولت العديد من المشروعات
الكبيرة في السودان، والصين والدول الآسيوية الأخرى التي قدمت لنا خبرات ومعونات
ساعدتنا على النهوض بالواقع السوداني. ذلك أننا بعدما حاربتنا الدول الغربية،
فإننا فتحنا أبوابنا للصينيين ودعونا الماليزيين وجاءنا الهنود والباكستانيون
والكوريون، حتى أصبحنا الدولة العربية الوحيدة التي انفتحت على الشرق.
* ما مدى صحة ما قاله وزير
الزراعة في الحكومة الزبير بشير من أن الأمريكيين طلبوا من السودان عدم التوسع في
زراعة القمح ليظلوا وحدهم الممسكين بهذا الملف؟
- ليست لدينا أوراق رسمية تثبت
ذلك، لكنني لا أستبعده. لأنهم فعلوا نفس الشيء أثناء حكم الرئيس عبود، حيث أعطونا
القمح والدقيق مجانا، وطلبوا منا ألا نزرع القمح في الولاية الشمالية.
(4)
سألته عن رأيه فيما يقال عن فتور
العلاقات مع مصر بسبب حضوره قمة الدوحة التي سعت مصر لمنع عقدها ولأن القاهرة دعت
إلى عقد مؤتمر دولي لأجل دارفور من دون علم الخرطوم أو استشارتها.
فقال إن العلاقات مع مصر ليست
فاترة وليست حميمة، لكنها إيجابية مع ذلك، والتفاهم والفهم المتبادل قائم بين
البلدين، وذلك هو الأهم. وبالمناسبة فإن السودان كان أول من دعا إلى عقد القمة بعد
بدء العدوان على غزة، وقد اتصلت هاتفياً بالرئيس بشار الأسد لهذا الهدف، ولذلك فإن
قطر حين عرضت استضافة القمة، فإننا كنا في مقدمة الملبين.
تطرق الحديث إلى مبادرة السلام
العربية، فقال الرئيس البشير إنه من أنصار سحبها، لأنها لم ولن تؤدي إلى شيء، وأنه
أبلغ الرؤساء العرب بذلك في أحد الاجتماعات المغلقة، ولولا حرص الخرطوم على عدم شق
الصف العربي لكان لها موقف آخر.
قلت هل تعتبر السودان من دول
الممانعة أم دول الاعتدال؟ فكان رده لا تنس أن السودان هي دولة “اللاءات” التي
أعلنت في قمة الخرطوم بعد هزيمة 67 (لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف)، وهي مازالت على
ذلك العهد إلى الآن. ولذلك فهي تقف مع المقاومة على طول الخط.
* قلت ما رأيك في الأزمة الحاصلة
الآن بين مصر وحزب الله؟
- قال: نحن نثق في حزب الله
وقيادته ونعتبره مقاومة شريفة جديرة بالحفاوة والتقدير. نعرف أنه لم يمارس أي
أنشطة ضد أي دولة عربية أو غير عربية. ونأمل في احتواء الأزمة بأسرع ما يمكن، حتى
لا ينصرف الاهتمام عن “إسرائيل” التي تمثل العدو الأساسي والأول للدول العربية.
سألته وأنا أهم بالمغادرة: هل في
السودان معتقلون سياسيون؟ فقال: إن الدكتور حسن الترابي كان آخر المعتقلين وقد
أطلق سراحه. قلت ما رأيك في موقفه المؤيد لقرار المحكمة الدولية؟ قال: إن الترابي
عزل نفسه عن الإجماع الوطني، منذ استسلم لأحقاده الشخصية وتراجعت لديه أولوية
المصالح العليا للوطن.
تركتُ مناقشة في الخرطوم حول
التطبيع مع إسرائيل،ووجدتُ أن المناقشة مستمرة في القاهرة حول الموضوع ذاته. جرى حوار
الخرطومفي إحدى جلسات المؤتمر القومي، التي نوقش فيها ملف الإعلام والمقاومة. وقدم فيها زميلنا غسان بن جدو،
أحد نجوم قناة «الجزيرة»، ورقة شرح فيهاموقف القناة من ظهور بعض الإسرائيليين على
شاشاتها. معتبرا أن ذلك يشكلاستثناء ضروريا، وضريبة تدفعها الجزيرة نظير السماح لها بتغطية
الأراضيالفلسطينية.
أما في القاهرة فالجدل أثير
بمناسبة أول زيارة يقوم بها لدارالأوبرا المصرية المايسترو الإسرائيلي دانيال بارينبوم. الموضوع كانواحدا، في حين أن الاتجاهات بدت
مختلفة. فالرأي القوي في مناقشات مؤتمرالخرطوم كان مع مقاطعة إسرائيل ومنع صحافييها
وسياسييها من الظهور علىشاشات التليفزيون. أما الرأي الأعلى صوتا في الإعلام المصري وليس
الأقوىبالضرورة
فكان مع الترحيب بالمثقفين والفنانين الإسرائيليين الذين يدعونإلى السلام ويعارضون الاحتلال.
حين تتبعتُ المناقشات الدائرة على
الجانبين وجدتُ أن هناك التباساواشتباكا بحاجة الى أن تتضح فيه الخطوط والمعايير. بطبيعة الحال ليس
لديكلام مع دعاة
التطبيع في كل الأحوال، الذين مازلت أجد حرجا في مصافحةالواحد منهم، لشكي في طهارة أي يد تصافح
إسرائيليا. ولكنني أناقش آراءالوطنيين الغيورين الذين تحركهم النوايا الحسنة ولهم تقديرهم
واجتهادهم فيرؤية المصالح العليا.
ذلك أنني أعتقد أن مقاطعة المثقف
للإسرائيليين ينبغي أن تكون الأصل فيكل الأحوال، مادامت إسرائيل على موقفها
الاحتلالي وسياساتها الاستيطانية،وأعتبر أن تلك المقاطعة هي الموقف الشريف الذي يمكن أن يتسق به المثقفالحر مع ضميره الوطني. لا فرق في
ذلك بين مثقف في دولة اختار نظامها أنيتصالح مع إسرائيل، أو دولة ظلت على موقفها
من رفض الصلح مادام العدوانالإسرائيلي مستمرا.
هذا الأصل يمكن أن ترد عليه
استثناءات تفرضها الضرورات التي تبيح المحظورات، من هذه الاستثناءات مثلا ما يلي:
* أن يكون المثقف فلسطينيا ومضطرا إلى العيش
إلى جوار الإسرائيليين.
* أن يكون الإسرائيلي معارضا للصهيونية وليس
فقط معارضا للاحتلال.
* أن تضيق الخيارات بحيث تكون المصلحة مرجحة
على الضرر والمفسدة الناشئتين عن التواصل مع الإسرائيليين.
في غير هذه الحالات، حين تتسع
الخيارات وتنتفي الضرورات، فإن الالتزامبأصل المقاطعة هو ما ينبغي أن ينحاز إليه كل
مثقف شريف. وأي مساومة أوتفريط في هذا الموقف تصب في مجرى موالاة العدو ومكافأته وتشجيعه علىالتمدد والتمكين من الأرض المحتلة.
ذلك أنه إذا كانت المقاومة المسلحةأعلى درجات التعبير عن رفض الاحتلال، فإن المقاطعة هي أدنى تلك
الدرجات.
إذ هي وحدها
التي تذكره بجريمته طوال الوقت.
إذا قمنا بتنزيل المعايير التي
أشرت إليها على أرض الواقع، فذلك سوفيمكن الفلسطينيين من الدفاع عن مصالحهم
وحقوقهم مباشرة مع الإسرائيليين،وسوف يسمح بمد الجسور مع العناصر الرافضة للصهيونية داخل إسرائيل
وخارجها،كما سيقنعنا بأن دعوة الموسيقار الإسرائيلي كانت تطبيعا لأن الأمر لم
تكنله أي ضرورة،
وسيجعلنا نحتمل ظهور الإسرائيليين بصفة استثنائية في بعضالبرامج التليفزيونية. مادام ذلك شرطا لتغطية
الأحداث في إسرائيل والأراضيالتي احتلتها. إذ سيكون المردود في العالم العربي متجاوزا كثيرا للثمنالذي دفع. وربما كانت هذه هي
المرة الأولى التي تدفع فيها إسرائيل أكثرمما تقبض، لأنها اعتادت منا أن تقبض دون أن
تدفع. بحيث تبتلع هي الأرضونأكل نحن الهواء.
نحن لا نكف عن تخريب التعليم
وتدمير الأجيالالجديدة. هذه كارثة لا ريب، تتضاعف عدة مرات حين نرى بأعيننا شواهدالتخريب، ثم لا نلقي لها بالا،
وبمضي الوقت نعتاد عليها ونتعايش معها،بحيث نظل نتردى من هاوية إلى أخرى ونحن
مغيبون وذاهلون.
ليس في هذا الذي ذكرته خبر جديد،
على الأقل بالنسبة للمهتمين بشأنالتعليم في بلادنا. وهذه كارثة أخرى. لكنني لا أريد أن أصدق أن يستمر
عرضمسلسل
الجرائم التي ترتكب بحق التعليم دون أن يحرك ذلك ساكنا أو يستفزأحدا من المهتمين بأمر هذا البلد.
لقد باتت وقائع تلك الجرائم
تصدمنا بين الحين والآخر، وأحدثها ما نشرتهصحيفة «الأهرام» أخيرا بخصوص بدعة «المراكز
التعليمية» التي تجسد مرحلة مابعد الدروس الخصوصية. وإذا كانت البدعتان تشتركان في أنهما من نماذجالتعليم الموازي، الذي نشأ في ظل
فشل التعليم الحكومي وسوء سمعته، إلاأنهما تختلفان في الهدف. إذ حتى الآن، على
الأقل، فالدروس الخصوصية تستهدفتقوية التلاميذ، وتمكنهم من تحصيل الدروس بطريقة أفضل، لكي يفوزوا فينهاية العام بدرجات أعلى ومجاميع
مرتفعة.
أما المراكز التعليمية فشأنهامختلف. إذ حسـب التقريـر المنشـور
في 13 أبريل، الذي أعده زميلنا وجيهالصقار فإنها أصبحت ساحة لغواية التلاميذ
وإفسادهم، وتدميرهم ليس علميافقط، وإنما خلقيا أيضا. إذ حسب التقرير المنشور، الذي اعتمد على
شهاداتلبعض أولياء
الأمور ومديري المدارس الحكومية، فإن تلك المراكز تجمعالمراهقين والمراهقات في فصول بدعوى إعطائهم
دروسا خصوصية، ولكن هذهاللقاءات تتيح لهم فرص التعارف وإقامة علاقات غرامية تقود إلى
انحرافاتمتعددة. خصوصا أن بعض تلك المراكز «التعليمية» تعرض على المراهقينوالمراهقات أفلاما فاضحة وكليبات
إباحية في أوقات تمتد أحيانا إلى منتصفالليل. في حين يظن الأهل أن أبناءهم وبناتهم
يسهرون على تحصيل الدروس،التي يدفعون للمدرسين دم قلبهم لتغطية مصاريفها. فإن أولئك المراهقينيكونون محلقين في عوالم أخرى لا
علاقة لها بالعلم أو التعليم، ولا تسأل عنالتربية.
في التقرير معلومات أخرى مثيرة
ومدهشة تفضح تلك المراكز التي تحصل علىتراخيص باعتبارها كتاتيب لتحفيظ القرآن أو
مكاتب لتعليم الكمبيوتر أو غيرذلك من الأنشطة العلمية، وكما يحدث في الأراضي التي تباع للاستصلاحوالاستزراع، ثم تتحول إلى منتجعات
وفيللات للأكابر في غفلة من الحكومة،فإن التراخيص التي تصدر تحول الكتاتيب إلى
صالات للهو وعرض الأفلامالهابطة.
لا أعرف حجم هذه المراكز المدمرة،
ولكن الذي أعرفه أن ثقة الناس أصبحتمعدومة في التعليم الحكومي، إلى الحد الذي
يوقعهم في شباك تلك الفئاتالمنسوبة إلى التعليم زورا وبهتانا. أعرف أيضا أن هذا الكلام منذ نشر
يوم
13 أبريل
الجاري، لم يكترث به أحد ولم يعلق عليه أحد من مسؤولي وزارةالتربية والتعليم، لا تصويبا ولا
تكذيبا. أعرف أيضا أن العبث بالتعليم هوتخريب المستقبل.
ولست أنسى في هذا الصدد ما ذكره تقرير لإنقاذ
التعليم قرعالأجراس بقوة وهو ينبه إلى خطورة هذه المهمة، حتى قال الخبراء الذين وضعوهإن التعليم أهم جبهات الدفاع عن
الأمن القومي، متقدما في ذلك على الجيشوالصناعة. كما قالوا إنه لو قامت قوة معادية
بفرض نظام تعليمي متدنيالأداء، لكان ذلك مدعاة لإعلان الحرب.
هذا خبر أتمسك بصدقيته، حتى لو
ثبت بعد ذلك أنه ليسصحيحا. فقد نشرت صحيفة «الوفد» في 20 أبريل الجاري أنه أثناء إجراء «البروفة» النهائية لحفل المايسترو
الإسرائيلي دانيال بارينبوم. اعترضد.رضا الوكيل رئيس البيت الفني بدار الأوبرا المصرية على وجود كاميراالتلفزيون الألماني المصاحبة
للعازف الشهير فوق خشبة المسرح لتصويرالبروفة. باعتبار ذلك مخالفا لتقاليد
الأوبرا، التي تمنع الكاميرات منالصعود فوق خشبة المسرح. وهو ما تلزم به وتخضع له كل قنوات التلفزيونالمصرية، التي أعطي كل منها عشر
دقائق للتصوير من مكان محدد خلف مقاعدالمشاهدين، طبقا للبروتوكول الموقع بين
الأوبرا واتحاد الإذاعة والتلفزيون.
المايسترو الإسرائيلي لم يعجبه
هذا الموقف، وأصر على وجود التلفزيونالألماني فوق خشبة المسرح مع تصوير البروفة
كاملة. حاول رضا الوكيل أنيشرح له أن ذلك أمر مرفوض، لأنه يخالف تقاليد الأوبرا. لكن صاحبنا
تمسكبرأيه وقال
إن وجود الكاميرا على المسرح ضروري لتصوير وجهه. الوكيل منجانبه رفض أن يتراجع، وأصر على
الالتزام بالتقليد المتفق عليه. إزاء ذلكلجأ السيد دانيال إلى المدير الفني والإداري
للأوركسترا، د.إيناسعبدالدايم، التي طلبت من الوكيل استثناءه من القاعدة المتبعة، خصوصا
أنالرجل هدد
بالانسحاب إذا لم تتم الاستجابة إلى طلبه.
الغريب أن الوكيل كان قد استشار د.إيناس
قبل أن يلجأ إليها المايستروالإسرائيلي، فأيدته في موقفه، لكنها تراجعت بعد ذلك، وآثرت تفويت
الأزمةعن طريق
الاستجابة لطلبات الضيف، وهو ما وضع رئيس البيت الفني للأوبرا فيموقف حرج. إذ بعدما تخلى الآخرون
عن موقف الالتزام بالتقاليد المتبعة فيالأوبرا، فإنه بدا وكأنه الوحيد المعارض
لطلبات السيد دانيال.
ما همني في تلك التفاصيل أن د.رضا
الوكيل رفض أن يقبل بتصرف المايستروالإسرائيلي، فقرر أن يستقيل من منصبه احتراما
لنفسه واحتجاجا على إهدارتقاليد الأوبرا. ورغم أنه لم يمض على تعيينه في المنصب سوى شهر تقريبا،فإنه رفض أن يتراجع عن موقفه، حتى
يوم نشر الخبر على الأقل.
قد يقول قائل إن الذي يجرح مشاعر
الأمة بدعوة الموسيقار الإسرائيليللعزف في القاهرة، بعد عدة أسابيع من مذبحة غزة، لا يستكثر عليه أن
يخرققواعد العمل
في الأوبرا ويستثنيها من تقاليده، وهذا كلام لا يخلو من منطقأؤيده، ولدي استعداد للدفاع عنه،
إذ رغم أن الرجل مؤيد لحقوق الفلسطينيينومستنكر للجرائم الإسرائيلية، فإننا ونحن
نقدر موقفه يجب أن نقنعه بأنهمنبوذ ومقاطع في العالم العربي، بسبب جرائم البلد الذي ينتمي إليه
ويحملجنسيته.
في الوقت ذاته فإن دعوة المايسترو
الإسرائيلي مسؤولية وزير الثقافةالذي له حساباته الخاصة المعروفة وليست مسؤولية د.رضا الوكيل. مع ذلك
فإنالأخير وهو
يؤدي وظيفته اختار أن يدافع عن تقاليد المكان الذي يعمل فيه،وقرر أن يدفع ثمن اختياره
بالاستقالة.
ورغم أن دعوة المايسترو
الإسرائيلي تظل خطأ جسيما لا يغتفر، فإن نزاهةد.الوكيل ينبغي أن تذكر له. ذلك أننا في زمن
يعاني من محنة انهيار تقاليدالعديد من المهن، بقدر ما يعاني من محنة تخاذل الكثيرين من الذين
يفترضأنهم حراس
تلك التقاليد والقائمون على صيانتها.
إنني أتمنى أن يظل د.الوكيل ثابتا
على موقفه، على الأقل لكي يبقى فيأذهاننا نموذجا للمسؤول الذي لم يتخل عن تقاليد مهنته، ودفع راضيا ثمناختياره وإذا فعلها فإنه سيرفع من
معنوياتنا، وسيقنعنا بأن البلد مازالفيه أمل، وأن صنف الشرفاء الذين لم تفسدهم
الغوايات والمناصب لم ينقرض بعد.
تحفل الصحف المصرية هذه الأيام
بسيل من المواعظ التيما برحت تعطينا دروسا في مسؤوليات الأمن القومي والمقدسات الوطنية
والخطوطالحمراء التي ينبغي ألا يتجاوزها أحد. وهو أمر لا بأس من التذكير به،
إذاوضع في موضعه
الصحيح، ولم يخضع للعبث أو التلاعب الذي يستهدف التحريضوالإثارة بأكثر مما يُراد به تحقيق المصالح
العليا للوطن.
وأخشى ما أخشاه أن تبتذل أمثال
تلك المعاني الكبيرة وسط الهرج الذييسود الساحة الإعلامية والثقافية، بعدما أصبح
الموضوع محل مزايدة من جانبالمهللين والمنافقين والكائدين، وأضرابهم من الذين ينخرطون في كل
جنازة،ليشبعوا فيها
عويلا ولطما.
أتحدث عن واقعتين محددتين برزتا
في الفضاء المصري خلال الأيام الأخيرة:
الأولى تمثلت في قضية خلية حزب
الله، التي بدأت «حبة» وحوّلتها المكايدةالسياسية إلى «قبة» كما يُقال، شغلت بها
مختلف المنابر الإعلامية،
أماالثانية فقد شغلت دوائر المثقفين، الذين ثار
بينهم لغط كبير بمناسبة صدورحكم بإلغاء رخصة مجلة «إبداع»، بسبب نشرها قصيدة قيل إنها ماسة بالذاتالإلهية.
صحيح أن الموضوعين مختلفان، لكن ذلك لم يمنع
وجود بعض القواسمالمشتركة بينهما، في المقدمة منها أن الواقعتين وثيقتا الصلة بالأمنالقومي للبلد، إذ من الناحية
النظرية، فإن الاعتداء على السيادة والحدوديمسّ الأمن القومي في الصميم،
وفي الوقت ذاته، فإن المساس
بالذات الإلهيةيُعد بدوره تهديدا للأمن القومي، من حيث إنه بمنزلة إخلال بالتماسكالعقيدي المرتجى وعدوان على المقومات
الأساسية للمجتمع.
لقد لاحظت في بعض الكتابات
انفعالا شديدا ومبالغة مفرطة في التنديدبخلية حزب الله، رغم أن المعلومات الأساسية
في الموضوع لم تتوافر بعد، وكلما لدينا لا يتجاوز بلاغات مباحث أمن الدولة، وتسريبات معينة عن
التحقيقاتطعن المحامون في صحتها. لكن المعلقين تعاملوا مع التقارير والتسريباتباعتبارها حقائق، لأسباب مفهومة.
لكن ما أثار انتباهي أن الذين
بالغوا فيهجومهم على حزب الله وخليته باسم الدفاع عن الأمن القومي والخطوط
الحمراء،هوّنوا كثيرا من مسألة المساس بالذات الإلهية، واعتبروا ما جرى بحقها
نوعامن حرية
التعبير التي ينبغي ألا يحدها قيد ولا شرط، وهو موقف وضعنا إزاءمعادلة خلاصتها أن لافتة الأمن
القومي استخدمت للطعن في حزب الله، في حينوظف شعار حرية التعبير لحماية المساس بذات
الله.
قبل أن أسترسل في مناقشة هذه
النقطة ألفت النظر إلى أنني حين سئلت عنموضوع إلغاء ترخيص مجلة «إبداع» بسبب نشرها
للقصيدة، قلت إنني ضد الاثنين،ضد إلغاء رخصة المجلة، وضد المساس بالذات الإلهية.
وكان رأيي ـ ولايزال ـأنه لابد أن تكون هناك أساليب
أخرى للفت انتباه صاحب القصيدة إلى ما فيهامن تجاوز، كما لم تكن هناك ضرورة للتعامل مع
المسألة بمنطق البتروالإلغاء، من ثم، فإن تحفظي الأساسي لا ينصبّ على استبعاد موضوع
الاعتداءعلى سيادة البلد وحدوده ـ في حال ثبوتهما ـ من منظومة الأمن القوميوالخطوط الحمراء، وإنما ما أدعو
إليه أن يعد المساس بالعقائد والمقدساتضمن عناصر تلك المنظومة.
يوما ما كان غلاة العلمانيين
الأتراك يعتبرون أن المساس بأتاتوركبمنزلة خط أحمر، في حين أن المساس بالذات
الإلهية هو «وجهة نظر» يتعيناحترامها. لأنها تتعلق بممارسة حرية التعبير، والذين يهونون من شأن
المساسبالذات
الإلهية يقفون في ذات الخندق، من حيث إنهم ينضمون إلى أولئك الذينوصفهم القرآن بأنهم «لا يرجون لله
وقارا».
إن المعارك تفتعل، لأن واحدا من
حزب الله جاء لمساعدة الفلسطينيين،وترتفع الأصوات مستهجنة التصرّف، ومعتبرة أنه بمنزلة عدوان على «الخطالأحمر».
وهذه الأصوات ذاتها حين تهوّن من
شأن المساس بالذات الإلهية ولاترى فيه غضاضة، فإنها لا ترى فيه سوى أنه خط «بمبي» ـ هل هذا معقول؟!
حين اقترب أحمدي نجاد من عش
الدبابير (أو الزنابير)
انهالت عليه
اللسعات والقرصات من كل صوب. كان أجرأ من الجميع حين قال أماممؤتمر مكافحة العنصرية في جنيف: إن
إسرائيل هي الدولة الأكثر قسوةوعنصرية، ودعا إلى وضع حد لتجاوزات الصهاينة.. الذين هاجروا من أوروباوالولايات المتحدة لكي يقيموا
دولتهم العنصرية فوق أرض فلسطين، التي تماغتصابها بالقوة المسلحة. إلى غير ذلك من
الكلام الذي نعرفه جميعا. لكنبعضنا لا يملك شجاعة الإفصاح عنه. والبعض الآخر يسكت عنه عمدا، إيثاراللسلامة وتجاوبا مع رياح التطبيع
والتسوية.
قام الرئيس الإيراني بدور فتى
القصة الشهيرة الذي انبرى وسط جموعالكذابين والمنافقين ليفضح قبح منظر الملك، ويعلن على الملأ أنه «عار»،
معفارق أساسي
هو أن الكذابين والمنافقين انقلبوا على من جهر بالحقيقةوفضحها، بدلا من أن يقفوا إلى جواره في
انتقاد قبح وبشاعة منظر
«الملك».
ذلك أن الرجل ما إن قال كلامه هذا
حتى انتفضت ضده أغلب الدولالغربية. فانسحبت بعض الوفود احتجاجا، وزايدت تشنجيا على الجميع فألغتعضويتها للمؤتمر من الأساس، غضبا
لإسرائيل وغيرة على سمعتها، وكانتالولايات المتحدة قد قاطعته من البداية. وأعلن متحدث رسمي أميركي أنتصريحات أحمدي نجاد معيبة ومشينة
وحاقدة، في حين أصدرت فرنسا بيانا دانخطاب «الحقد» الذي عبر عنه الرجل، ودعا إلى
رد فعل حازم حياله. وقال متحدثباسم الفاتيكان إن كلام صاحبنا اتسم بالتطرف، واستنكره الأمين العام
للأممالمتحدة،
قائلا إنه حذر أحمدي نجاد من الخلط بين الصهيونية والعنصرية،معربا عن أسفه لأن كلامه تسبب في
الانقسام والاستفزاز.
أما إسرائيل فقدهاجت وماجت ونددت باستقبال الرئيس
السويسري لنظيره الإيراني، كما احتجتعلى اجتماع الأمين العام للأمم المتحدة معه. وأعلنت
استدعاء سفيرها لدىالأمم المتحدة في جنيف احتجاجا على استقبال أحمدي نجاد في مقرالمنظمة.جميعهم أرادوا أن يقولوا
إن «الملك» ليس عاريا. وأن من ينبغيإدانته هو من أشار إلى القبح وفضحه وليس الذي
جسّده وسار مختالا به، ليسذلك فحسب، وإنما وصلت الوقاحة بنفر من الكذابين والمنافقين حدا جعلهميتهمون الرئيس الإيراني بأنه
معادٍ للسامية.
هناك مفارقتان في هذا المشهد،
الأولى أن وصف الصهيونية بالعنصرية ليس
اختراعا جديدا ولا هو تطرف من جانبأحمدي نجاد، لأن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت في دورتها
الثلاثين،بتاريخ 10 نوفمبر 1975 قرارها الرقم 3379 الذي أعلن أن «الصهيونية هي
شكلمن أشكال
العنصرية والتمييز». وقبل ذلك في 11 ديسمبر 73 أصدرت قرارهاالرقم 3151، الذي دانت فيه «التحالف
الأثيم بين العنصرية في جنوب أفريقياوالصهيونية العالمية». وهو ما يعني أن عنصرية
إسرائيل كان مسلَّما بها منقبل أغلبية الأعضاء في الأمم المتحدة، حين كان الموقف العربي أكثر
حزماووضوحا وأقل
تخاذلا.
وللأسف فإن هذا الموقف تغير بعد
توقيع اتفاقية أوسلوعام 1994، التي تمت في أجواء التراجع العربي الذي خيم عقب توقيع
اتفاقيةكامب ديفيد عام 1979، وترتب على ذلك أن ألغت الجمعية العامة قرار
عنصريةإسرائيل في
نفس العام، وكان المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة آنذاك منبين الذين أيدوا إلغاء القرار
بتعليمات من الرئيس عرفات.
المفارقة الثانية،أننا لم نسمع صوتا عربيا أيد
أحمدي نجاد في موقفه المندد بعنصرية إسرائيلوجريمتها في فلسطين، الأمر الذي ذكرنا بما
فعله رئيس الوزراء التركي طيبأردوجان في دافوس، حين كان هو من غضب لفلسطين في رده على شمعون بيريز،
ثمغادر المنصة
محتجا، في الوقت الذي ارتبك فيه الأمين العام لجامعة الدولالعربية، وجلس متفرجا.ألا ينبغي
أن يستوقفنا أنه في الحالتين، كان من يمثلغير العرب هو الذي غضب لفلسطين وحمل عبء
الدفاع عنها، في حين لم نلمح غيرةمماثلة من قادة العرب؟
حتى «الظاهرة الصوتية» التي
وبِّخنا بها يوما ما لم نعد نمثلها.. يا ويلاه!
لااعرف متى يمكن ان يتوقف الانفعال في الاعلام
المصري بسبب موضوع خلية حزبالله، لكن اعرف ان التصعيد الذي تؤجج ناره التعليقات المنفلتة
والمتجاوزةللحدود، يقلب الموازين ويسيء الى مصر باكثر مما يسيء الى غيرها.
(1) منالمفارقات ان التهمة التي وجهت
الى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح الى غزةسبق ان »اقترفتها« مصر في الستينات. ذلك ان
النظام الناصري حين اختار انينحاز الى موقف التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، فانه وجد نفسه
مدفوعاالى مناصرة
حركات المقاومة خصوصا في انحاء القارة الافريقية، وهذه النصرةشملت تهريب السلاح بمختلف
الوسائل، ولا يزال يعيش بيننا الى الان عدد منالضباط الذين اشرفوا على تلك العمليات، وقد
تحدثت الى بعضهم، واحترمترغبتهم في عدم نشر اسمائهم. وسمعت منهم قصصاً عن الكيفية الى كانت مصرتهرب بها السلاح الى الجزائر
الخاضعة للاحتلال الفرنسي آنذاك، وكان ذلكيتم عبر البحر والبر، العمليات البرية كانت
تمر بالاراضي الليبيةوالمغربية دون علم سلطاتها في كثير من الاحيان، ولكي تصل الى هدفها
فانهاكانت تخترق
الاسوار المكهربة التي اقامها التونسيون على الحدود لوقفالتهريب،
اما العمليات البحرية فكانت تراوغ
لانزال حمولتها على الشاطئالجزائري. وقد غرقت واحدة من تلك السفن، في حين نجا قائدها اللواء حسنعاصم رحمه الله. تحدث بعضهم ايضا
عن تهريب السلاح الى اليمن الجنوبي، الذيكان خاضعاً للاحتلال الانجليزي، حيث كانت
الاجهزة المصرية تزود القوىالوطنية بالسلاح والعتاد من تعز في اليمن الشمالي. وتكررت عمليات
التهريبالى العديد من الدول الافريقية، التي منها تنزانيا وغانا وغينيا. وكانتشركة النصر للاستيراد والتصدير
غطاء لعمليات الدعم والمساندة التي قدمتهامصر لحركات التحرر الوطني في تلك الدول. لذلك
افتتحت الشركة مكتبا دائماًلها في باريس، لانه لم تكن هناك خطوط مباشرة مع الدول الافريقية، لكنالوصول اليها كان يمر في الغالب
بالعاصمة الفرنسية، وسمعت من الاستاذ محمدفايق الذي كان مسؤلا عن الملف الافريقي في
مكتب الرئيس عبد الناصر انالسلاح كان يهرب من روديسيا الجنوبية الى روديسيا الشمالية، وحين لفت
نظرالرئيس كينيث
كاوندا الى ذلك، كان رده انه لا يقبل ان يقوم بدور الشرطيلحماية النظام العنصري في روديسيا
الشمالية (زامبيا الان).
اكثرمن ذلك فان المخابرات المصرية
قامت في تلك الفترة بعمليتين عسكريتينناجحتين ضد اسرائيل انطلقتا من دولة ثالثة،
ودون علمها. فقد تم قصف ميناءايلات من الاردن في عام 1969 دون علم سلطاتها. وتم في 1970 اغراق
الحفارالاسرائيلي
الذي كان متجها الى خليج السويس في مياه المحيط امام ابيدجانعاصمة غينيا التي لم تكن سلطاتها
بدورها على علم بالموضوع.
(2) صحيحان ذلك كله حدث في زمن آخر. وفي
ظل قيادة من طراز مختلف، الا ان تلكالممارسات سوغتها السياسة رغم انها مخالفة
للقانون. ذلك انه من الناحيةالقانونية البحتة، فانه لا ينبغي استخدام اقليم دولة لاي غرض بغير علم
اورغبة منها
والا اعتبر ذلك اعتداء على سيادتها. وهو ما يدعونا الى القولبان الرغبة في »النصرة« هي التي
دفعت النظام السياسي في المرحلة الناصريةالى غض الطرف عن مقتضى القانون والمغامرة
بانتهاك السيادة، باعتبار ان حلمالتخلص من الاستعمار شكل احد الضرورات التي تبيح »المحظورات«، كما
تقولالقاعدة
الشرعية الشهيرة.
الذي حدث في
حالتنا ان السياسة لم تكنراغبة في غض الطرف عن مقتضى القانون، ولذلك جرى ما جرى، الامر الذي
يدعوناالى القول
بانه من الناحية القانونية فان سعي حزب الله الى استخدامالقاهرة لاطلاق اي انشطة ضد اسرائيل دون علم
الدولة المصرية او رغبة منهاهو خطأ تورط فيه ولا سبيل للدفاع عنه. (لاحظ انني لم اتحدث عن اقدام
الحزبعلى ممارسة
اية انشطة تستهدف الاستقرار في مصر كما ذكر بيان النائب العامالمصري، لان المجال الاول لم يعد
محل منازعة بعد اعتراف السيد حسن نصرالله به.)
لا مشكلة اذن
في التعامل القانوني مع القضية. وسواء تخلتالسياسة عن »النصرة«، او رأت ان تمارسها بشكل
اخر، فتلك ايضا حساباتهاالتي قد يختلف الرأي حولها. لكن المشكلة برزت حين صعدت الابواق
الاعلاميةالمصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأقانوني ارتكبه حزب الله الى حملة
شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه، بحيث حولتهمن خطأ قانوني ارتكبه حزب الله الى حملة شرسة
وظالمة ضد الحزب، مستخدمة فيذلك اساليب غير كريمة حطت من شأنه وجرحت تاريخه وقيادته. وقد استندت
فيذلك الى ما
ذكره بيان النائب العام بخصوص بلاغ لمباحث امن الدولة تحدث عنمخطط لزعزعة الاستقرار في مصر من
شأنه ان يهدد امنها القومي، وكانتالنتيجة انه خلال ايام قليلة تحول حزب الله الى عدو لمصر، وتمت »شيطنته«،وهو الذي اسهمه قد ارتفعت الى
عنان السماء بعد انتصاره على اسرائيل في عام 2006.
(3) لا تفوتنا
هنا ملاحظتان، احداهما تتعلق بما وراءحملة الشيطنة، والثانية يثيرها توقيت اطلاق
الحملة فيما يخص المسألةالاولى. فينبغي ان ندرك ان ثمة اطرافا في المنطقة تمنت لحزب الله ان
يختفيمن الوجود. وان
لم يتحقق ذلك فعلى الاقل تسود صفحته وتشوه صورته. لا لاناعضاءه من اتباع المذهب الشيعي، وليس لان
لديهم تحالفا مع ايران، او لانهميشكلون قوة سياسية مسلحة في لبنان تكاد تقارع سلطة الدولة، ولكن لسبب
واحدهو انه فصيل
مقاوم لاسرائيل بالدرجة الاولى، استطاع ان يثبت في مواجهتهاوان يتحداها بنجاح، لاول مرة في
تاريخ الدولة العبرية. ولو انه تخلى عنالمقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وابقى
على كل صفاته وارتباطاتهالاخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا
لجهدهفي دفع »عملية«
السلام. واذا جاز لنا ان نتصارح في هذا الصدد، فاننا نقرران الاطراف التي اعنيها ليست
اسرائيلية وامريكية فقط، ولكنها لبنانيةوعربية ايضاً. ومن يقرأ عناوين وتعليقات بعض
الصحف والفضائيات العربية،يستطيع ان يحدد تلك الاطراف، بالاسم والعنوان.
اما توقيت
اطلاقالحملة فانه
يثير اسئلة عديدة. ذلك ان عضو حزب الله الذي اتهم بقيادةالخلية القي القبض عليه في 19 نوفمبر الماضي،
وظل محتجزا هو ورفاقه من ذلكالحين. بحيث لم يعلن رسمياً عن القضية الا في 9 ابريل الحالي، اي بعدحوالي خمسة اشهر. وتزامن ذلك
الاعلان مع سخونة حملة الانتخابات النيابيةاللبنانية، التي تجرى في 7 يونيو، ويتصارع
فيها تيارا 14 و8 آذار (مارس).
والاول ضد
المقاومة ومع لبنان »المعتدل« جدا، والثاني مع المقاومة ومعلبنان المستقل والرافض للهيمنة
الامريكية، لا اعرف ان كان ذلك التزامنمجرد مصادفة ام لا، لكن الذي حدث ان الحملة
المصرية ضد حزب الله وظفتلصالح تيار 14 آذار في المعركة الانتخابية الدائرة في لبنان، حتى قيل
ان
15 الف نسخة
من الصحف القومية المصرية التي تسب حزب الله وتخوف منه وتجرحزعيمه، تنقل يوميا من القاهرة الى
بيروت، لتسهم في اضعاف موقف الحزب فيالانتخابات.
(4) في حملة
شيطنة حزب الله، ارتكب الاعلامالمصري عدة خطايا لا تغتفر، على الاصعدة المهنية والاخلاقية والسياسية. فمن الناحية المهنية فان ابواقنا
الاعلامية اجرت المحاكمة وفصلت في القضيةحيث اعلنت ادانة حزب الله، وتنفيذ حكم
الاعدام السياسي والادبي بحقه. كلذلك والتحقيقات لم تتم، والقضية لم تنظر امام القضاء، ولم تسمع للقاضيفيها كلمة. وفي هذا الجانب فان ما
نشرته الصحف المصرية كان في حقيقتهاعلانا عن حجم النفوذ الكبير الذي تمارسه الاجهزة الامنية في المحيطالاعلامي.
من الناحية
الاخلاقية كان السقوط مدويا، فقد كان الصوتالعالي في الصحافة القومية والبث التلفزيوني
الخاضع للتوجه الامني، للسبابوالشتائم والاهانات التي عبرت عن افلاس في الحجة وهبوط في مستوى
التعبير،وايثار لغة »الردح« على اسلوب الحوار والمناقشة الموضوعية.
من الناحية
السياسية، كانت ابرز الخطايا ما يلي:
* ان الاعلام
المصري بالغ في التجريح والاهانة حتى وجد نفسه يقف في مربعواحد مع المربع الاسرائيلي. ولذلك
كانت الحفاوة بالغة والترحيب شديدا منجانب اسرائيل بكل ما صدر عن القاهرة ضد حزب
الله. ولم يفوت الاسرائيليونالفرصة، فاصبحوا يتحدثون عن الحزب بانه »العدو المشترك« للقاهرة وتل
ابيب.
* ان اعلامنا
وهو يندد بمحاولة تهريب السلاح الى غزة لم يذكر مرة واحدة انالمشكلة الحقيقة في الاحتلال وان
التهريب نتيجة لذلك الاحتلال، وضرورةاضطر الناس للجوء اليها لمواجهة ذلك الاحتلال.
* لم يفرق
اعلامنابين التناقض الرئيسي والثانوي. والاول هو ما بين مصر والعرب اجمعين
وبيناسرائيل،
والثانوي هو كل ما يقع بين العرب والعرب. وبسبب الخلط بينالاثنين، بالغ اعلامنا في هجومه
على حزب الله بشكل ضار وكانه اصبح يمثلتناقضا رئيسيا مع مصر، في الوقت الذي يفترض
ان يكون الحزب مع مصر في مربعواحد ضد اسرائيل.
* الغريب
والمدهش ان اعلامنا لم يعتبر اسرائيلالنووية المصرة على التوسع ونهب الارض تهديدا
للامن القومي المصري، وصدقان شابا ومعه آخرين مهما كان عددهم يمكن ان يشكلوا ذلك التهديد.
* لم نجد
وعيا بحقيقة ان عدو عدوي صديقي، ووجدنا في المتابعة الاعلاميةالمصرية خطابا مدهشا يتصرف وكأن
عدو عدوي، عدوي ايضا، وكأن معاهدة السلامبين مصر واسرائيل جعلت اعداء اسرائيل اعداء
لنا ايضا.
لان حزب اللهالمقاوم يمثل رصيدا يجب الحفاظ
عليه فضلا عن الاعتزاز به، فاننا يجب اننتعامل معه بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه،
ونصوبه ولا نجرمه، لكي نكسبهفي النهاية ولا نخسره. وللاسف فان اعلامنا اهدر هذه المعاني والضوابط،الامر الذي يطرح بقوة سؤالا عن
طبيعة العلاقة بين الاعلام والسياسة في هذهالحالة.
أعلنتروسيا رسمياً أنها أبرمت عقداً لشراء طائرات
من دون طيار من إسرائيل، فيخطوة تهدف إلى تحديث قدراتها في مجال الاستطلاع الجوي، بعد أن كشفت
حربهاالقصيرة ضد
جورجيا عن قصور إمكاناتها في هذا الصدد. لم تعلق تل أبيبرسمياً على الخبر، لكن وسائل الإعلام
الإسرائيلية ذكرت أنه في المرحلةالأولى سيتم شراء ثلاث طائرات مع منظومات للضبط والمراقبة من الأرض،
بقيمة
50 مليون
دولار، وإذا ما أثبتت الطائرات نجاعتها في تلبية الاحتياجاتالروسية، فسوف يتم شراء طائرات
أخرى. وذكرت تلك الصحف أن الصفقة لم تتمإلا بعدما ألمحت موسكو إلى أنها لن تبيع
إيران منظومات صواريخ أرض / جوالمتطورة، من نوع «إس 300»، التي أثارت احتجاجاً إسرائيلياً أدى إلى
توتيرالعلاقات
الأمنية بين موسكو وتل أبيب في العام الماضي.
هذه واحدة من صفقات بيع الأسلحة
المتقدمة، التي تنتجها إسرائيل،وتبيعها في الأسواق العالمية من دون أن تعلن عنها، ولكن أكبر تلك
الصفقاتتسربت أخبارها في شهر مارس الماضي إلى الصحف الهندية والأميركية، التيذكرت أن اتفاقاً للتسلح تم توقيعه
بين إسرائيل والهند، هو الأكبر في تاريخالصناعات العسكرية للدولة العبرية، وبمقتضاها
سيتم تزويد سلاح البحريةالهندي بصواريخ بقيمة 2 مليار دولار، خصوصاً الصاروخ «بارك 4»، وهو
أرض
/ جو مداه 70
كيلومتراً، ويعتبره الخبراء متطوراً للغاية وفريداً من نوعه فيالعالم.
في الوقت ذاته فإن الصحف
الإسرائيلية نشرت معلومات عن إنجازات مهمة،حققتها الصناعة العسكرية، خصوصاً في مجال
المنظومات الدفاعية لاعتراضالصواريخ مختلفة الأبعاد. وتحدثت في هذا السياق عن منظومة «القبة
الحديد»
لاعتراض
القذائف الصاروخية قصيرة المدى، «حتى
70 كيلومتراً»، مثل صواريخكاتيوشا، التي قد تنطلق من لبنان أو القسام، التي يمكن أن تنطلق من
غزة.
وقيل في هذا
الصدد إن منظومة «القبة الحديد» ستدخل الخدمة العملية في صيفالعام المقبل، وسيكون بمقدور شبكة
الرادار التابعة لها التمييز مسبقاً بينالصواريخ الموجهة إلى المناطق المأهولة
بالسكان، وتلك التي ستسقط في مناطقخالية، على أن يتم إطلاق الصاروخ المعترض في الحالة الأولى فقط.
هذا المشهد يهمنا من ثلاث زوايا،
الأولى أنه يعكس التطور المتسارعللصناعة العسكرية الإسرائيلية،
التي ذكرت التقارير الصحافية أنها تعيشالآن أفضل فتراتها، سواء على صعيد النجاحات،
التي تحققها تجاربها، أوالصفقات المربحة مالياً وسياسياً، التي تعقدها.
الزاوية الثانية تتعلق باتساع
الآفاق، التي تتحرك فيها إسرائيل فيالوقت الراهن. ذلك أنها أصبحت حاضرة بقوة في
الدول، التي كانت صديقة لمصروالعرب يوماً ما، وظلت محسوبة ضمن الجبهة المؤيدة للحقوق العربية،
وقضيةفلسطين في
مقدمتها. وما ذكرته تواً من دلائل ذلك الحضور، إذ لست أشك في أنكثيرين لايزالون يذكرون أن الهند
وروسيا السوفييتية، ومعهما الصين، كانوامن أقرب أصدقاء العرب، الذين أدرنا ظهورنا
لهم، منذ تحولت دفة السياسةالمصرية، وراهنت على الولايات المتحدة الأميركية، التي قيل إن في يدها
99٪
من أوراق «اللعبة»، وكانت النتيجة أننا خسرنا أصدقاءنا، وكانت إسرائيلهي الفائز الأكبر على الجانبين،
فقد ظلت مطمئنة إلى الانحياز الأميركي،وفي الوقت ذاته فإنها تقدمت لملء الفراغ،
الذي تركناه، وأقنعت أصدقاءناالتقليديين بأن مصالحهم معها وليست مع مصر أو العرب.
من ناحية ثالثة، فإن ما تحققه
الصناعات العسكرية الإسرائيلية منإنجازات يثير تساؤلات عديدة، أولها موقف الصناعات العسكرية في مصر. أعرفجيداً أنه موضوع حساس، وليس مما
ينبغي أن تخوض الصحف في تفصيلاته، ورغممشروعية تساؤلاتنا، فلسنا نتوقع إجابة عليها،
لكن ذلك لا يمنعنا منتوجيهها، من باب التنفيس على الأقل، خصوصاً حين يشيع في الأوساط
العلميةأن بعض المصانع الحربية، منذ المرحلة الساداتية، أصبحت مشغولة بإنتاجالأجهزة الكهربائية والمنزلية
وأدوات الزينة، وإذا صح ذلك فإنه يعني أننالم نخسر أصدقاءنا فقط، وإنما خسرنا أنفسنا
أيضاً.
حين نشرت بعض الصحف المصرية خبر
إقدام زوجة رئيسالوزراء البريطاني على استئجار بعض الثياب الفاخرة للظهور بها في عدد
منالمناسبات
الرسمية، فإن الخبر قوبل بدرجات متفاوتة من الاستغراب والدهشةبين كثيرين أعرفهم. ذلك أن أحدا
منهم لم يخطر على باله أن تكون زوجة أهمرجل في بريطانيا بعد الملكة عاجزة عن شراء ما
تحتاج إليه من ثياب مناسبةللحفلات التي يؤمها عِلية القوم، من رؤساء دول وحكومات.
صحيفة «ديلي تلجراف» كانت من نشر
تفاصيل الخبر، حيث ذكرت أن السيدةسارة براون من زبائن محال «ماركس آند سبنسر» التي يشتري منها عامة
الناسثيابهم. لكنها
واجهت موقفا مختلفا حين كان عليها أن تظهر مع زوجها جودونفي عشاء رسمي أثناء اجتماعات قمة
العشرين. إذ لم يكن بمقدورها أن تشتري «جاكت» أعجبها ثمنه 5 آلاف جنيه إسترليني،
فاستأجرته بعُشر ذلك الثمن ثمأعادته بعد ذلك إلى بيت الأزياء الذي صممه. وهو ما فعلته أيضا حين زاررئيس المكسيك لندن، وظهرت في حفل
استقباله مرتدية فستانا استأجرته من بيتآخر للأزياء.
الخبر يبدو عاديا في المجتمع
البريطاني. إذ بوسع المواطن أن يتفهمالموقف، لأن أي واحد يستطيع أن يفتح جهاز
الكمبيوتر ويدخل على موقع رئيسالوزراء، ليعرف أن راتبه الشهري 15 ألفا و600 جنيه إسترليني. وسيدرك
أنهلن يقدم على
دفع ثلث راتبه لشراء «جاكيت» لاستخدام زوجته في إحدىالمناسبات. وسيقتنع بأن لجوء الزوجة إلى
استئجار الثوب تصرف حكيم ورشيد.
ما استوقفني في الموضوع ليس الخبر
فقط، ولكن هذه الشفافية التي تمكنالمواطن العادي من معرفة ما يجري حتى في بيت رئيس الوزراء. بما يعني
أنهلا يتابع فقط
المجريات السياسية، ولكنه يتابع أيضا تصرفات أهل الحكمليطمئن إلى سلوكهم حتى فيما يخص إنفاقهم
ومواردهم المالية. ولا غرابة فيذلك لأن شرعية أهل الحكم مستمدة هناك من رضاء المواطن الذي صوت لهم فيالانتخابات، فضلا عن أن الراتب
الذي يتقاضاه رئيس الحكومة وزملاؤه مدفوعمن حصيلة الضرائب التي يدفعها الناس.
ذكرني الخبر بالقصة التي رويتها
من قبل نقلا عن زميلتنا الأستاذة إنجيرشدي التي عملت بالصحافة في المرحلة الملكية،
وشهدت الزمن الذي كانت فيهالأميرات يدفعن بثيابهن التي يظهرن بها إلى خياط متخصص بالقصر الملكي،
لكييدخل عليها
بعض التعديلات، بما يسمح باستخدام الثوب أكثر من مرة، وكأنهثوب جديد. ذلك أنه لم يكن بمقدور
الأميرات شراء ثياب خاصة لكل مناسبة، لأنالمخصصات الملكية كانت محددة، وكان هناك مجلس
نيابي يراقب ويحاسب علىالتجاوزات المالية.
لا أحد يستطيع أن ينسى في هذا
السياق واقعة الخليفة عمر بن الخطاب الذيظهر بثوب جديد ذات مرة، فاستوقفه نفر من
المسلمين وسألوه من أين أتى بهذاالثوب؟، فاضطر إلى استدعاء ابنه عبدالله لكي يوضح للسائلين الحقيقة
فيماالتبس عليهم.
حين نقارن ذلك كله بما نشهده في
واقعنا، فإنه يغدو نوعا من الأساطيروالعجائب. ذلك أننا لم نعد نحلم بأن نسأل ولي
الأمر عن أوجه إنفاقه أوموارده أو ممتلكاته ومصدر ثروته. ولم يعد أحد يجرؤ على الاستفسار عن
مظاهرالثراء
الفاحش التي تطفح بها حياة أسرته، ويلمح الناس آثارها فيما ينشر منصور يومية. لكن ذلك لا يوقف سيل
الشائعات التي تتحدث عن الحسابات المفتوحةوسفرات التسوق الباذخة غير المعلنة والفواتير
ذات الأرقام الفلكية. وغنيعن البيان أن ما خفي كان أعظم.
لا غرابة في ذلك، لأن أولي الأمر
حين يكونون فوق المساءلة والحساب فإناستباحة الوطن تغدو أمرا طبيعيا، بناسه
ومقدراته وثروته. وذلك كله لنينصلح أمره ما لم يسترد الشعب سلطته ويصبح من حقه أن يشارك ويحاسب
ويعرفأين وكيف
تنفق أمواله؟
لست واثقا من صدق نبوءة رئيس هيئة
التخطيط العمرانيالذي حدثنا عن أن القاهرة في عام 2050 ستكون مدينة عادلة ونظيفة
ومليئةبالحدائق.. و..
و.. إلخ. ليس فقط لأن ما يحدث الآن لا يطمئننا إلى أن ذلكالحلم يمكن أن يتحقق في عام 2050،
ولكن أيضا لأنه مطمئن إلى أنه لن يكونبمقدورنا أن نحاسبه على كلامه، لأن معظمنا لن
يكونوا على قيد الحياة آنذاك
(باستثناء
الرئيس مبارك أطال الله عمره)..
لكنني مع ذلك أقول: إن مصر كانتكذلك منذ ألف عام تقريبا، وشهادة
الشاعر الفارسي ناصر خسرو الذي أمضى فيرحابها ست سنوات تؤكد هذه الحقيقة. ذلك أنه
ترك بلاده خراسان في عام 1045ميلادي محتجا بأنه ذاهب إلى الحج، لكنه جاء إلى مصر ولم يؤد الفريضة
إلابعد سنتين من
وصوله إليها.. وفي نهاية السنوات الست عاد إلى بلده وأخرجكتابه «سفرنامه» أو كتاب السفر،
الذي وصف فيه ما شاهده في رحلته التي مرخلالها بأذربيجان والشام وبيت المقدس قبل أن
يستقر به المقام في
«المحروسة».
ما تحدث به الرجل عن مصر يبدو في
أعين أهل زماننا من الغرائب التي ترشحللنشر تحت عنوان «صدق أو لا تصدق». فقد
اعتبرها نموذجا للمدينة الفاضلةهكذا قال التي يرأسها حاكم عادل لا حدود لشفقته ورأفته بالناس. لا
يظلمأحدا ولا
يطمع في مال أحد. لذلك لم يكن أحد يخفي شيئا من أمواله. بل إنالأغنياء كانوا يعرضون أموالهم
على الخليفة في أيام الشدة حين يتناقصالنيل للوفاء بأرزاق الناس. لأن الخليفة لم
يكن يأخذ الخراج عند انخفاضالنيل، وذات مرة جاء أحد أغنياء النصارى بما عنده من غلة تبرعا للناس،فكفتهم الغلة زمنا طويلا.
أما الوزير في مصر فقد رآه يمتاز
عن الجميع بالزهد والورع والعقل.
ويتقاضى
القضاة رواتب عالية لكي لا يطمعوا في أموال الناس ولا يحيدوا عنالحق. أما أهل مصر فيعيشون في
بحبوبة من العيش وغنى عظيم. حتى قال إنهيخشى أن يذكر بعض الأرقام التي يملكها بعض
المصريين من مال فلا يصدقه أحدفي فارس. وقد انعكس الرغد على أخلاق الناس، فاتصفوا بالأمانة والشهامةوالمروءة الجامعة لخصال الخير
كلها.
وصف في كتابه أول مدينة للتجارة
الحرة في العالم، كانت تسمى «تنيس»
قريبة من
دمياط، حيث تفد إليها السفن محملة بالبضائع من جميع أنحاءالعالم، ولا تجبى فيها أي ضرائب. وتحدث
عن وفرة السلع في البلاد وكثرةالأسواق التي تجلب إليها البضائع من أنحاء العالم. وعن الصدق في
التجارةوعن المصانع التي تتميز بها مصر التي تنتج السكر والمنسوجات..
وعلى عكس مارآه في بلاد فارس، فقد وجد في مصر
أمانا أثار انتباهه، حتى لاحظ أن تجارالمجوهرات والصيارفة لا يغلقون أبواب
دكاكينهم بل يسدلون عليهاالستائر.تحدث صاحبنا عن النيل وقارنه بنهر جيحون في بلاده، واعتبر أنالمقارنة تظلم النيل. كما تحدث عن
المباني شاهقة الارتفاع التي تبلغ 14طابقا، وعن المساجد عظيمة الاتساع كمسجد عمرو
بن العاص الذي كان يرتاده كليوم 5 آلاف من طلاب العلم والغرباء. ووصف الحدائق التي أقيمت فوق أسطحالمنازل، والحدائق العامة الأخرى
التي انتشرت في أنحاء المدينة.
أهم ماوجده ناصر خسرو في مصر. وحرص على وصفه بكل
دقة وإعجاب هو العلم والتعليم.
فالإمام معلم
وقصره مدرسة. وقاضي القضاة معلم والوزير معلم والمسجد للصلاةوالتعليم. ودور الحكمة بها قاعات
للاطلاع وقاعات للدرس. وأبواب الأزهرمفتوحة للجميع، حيث دأب الناس على الإقبال
عليه في كل مكان، ومنهم أبناءالملوك والأمراء من المغرب واليمن والروم والصقالبة والهند وجورجياوتركستان وغيرها. كان الأزهر
وقتذاك يدرس المذهب الفاطمي. وقد درسه ناصرخسرو وتمكن منه، حتى عاد إلى بلاده إنسانا
مختلفا تماما، عالما وفيلسوفا،بارعا في المحاجة والجدل، وداعية لا يشق له غبار.
صاحب الفضل في تذكيرنا بهذه
الصفحة هو د.محمد السعيد جمال الدينالأستاذ بقسم الدراسات الشرقية في جامعة عين
شمس، الذي خصص فصلا لناصرخسرو في كتاب جميل له بعنوان «جمع ما تعرف»، قلّب فيه بعض مواجعنا
وأثارشجوننا،
وذكرنا فيه ببعض عصورنا الزاهية بحق، التي تختلف عن عصورنا «المضروبة».
فاتنا أن نشاطر الأميركيين
احتفاءهم بمناسبة مهمة لقيت تغطية إعلامية واسعة، واحتل خبرها صدارة الصفحة الأولى
من صحيفة «واشنطن بوست». وتمثلت تلك المناسبة
في حلول ضيف جديد على البيت الأبيض انتظره كثيرون، وظلت أسرة الرئيس أوباما تترقب
وصوله منذ تولي السلطة في شهر يناير الماضي. إلى أن حل يوم الثلاثاء 14 أبريل الجاري
الذي قدم فيه الضيف الجديد إلى العالم، كما ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية.
كانت صحيفة «واشنطن بوست» قد نشرت
على صفحتها الأولى صورتين كبيرتين للضيف، إحداهما أخذت من موقع إلكتروني غامض،
والثانية التقطها أحد مصوري البيت الأبيض. في وصف الضيف قالت الوكالة الفرنسية إنه
يتمتع بشعر أسود، وإنه عنيد وفخور، وميال إلى العراك. لكنه صلب يتحمل التعب، وصاحب
ذكاء خارق. وفضلا عن ذلك فهو سباح ماهر. إضافة إلى كل ذلك، فإنه طوال الأشهر الستة
الماضية خضع لتدريبات من نوع خاص، لكي يكون مؤهلا للانضمام إلى ساكني البيت
الأبيض، وأهم هذه التدريبات بطبيعة الحال كانت تلك التي تعلقت بقواعد البروتوكول.
لكي يحسن الضيف التصرف في مقر الرئاسة الأميركية.
الضيف المذكور حمل اسم «بو»، ولم
يكن سوى الكلب الذي كان الرئيس أوباما قد وعد ابنتيه به أثناء حملته الانتخابية.
وقد أهداه إليه السيناتور تيد كينيدي شقيق الرئيس الراحل جون كينيدي.
طبقا للأعراف الأميركية فإن جميع
رؤساء الولايات المتحدة، منذ كالفن كوليدج الذي انتُخب عام 1923 اقتنوا كلبا على
الأقل خلال ولايتهم الرئاسية. وهذه الأعراف ليست منفصلة عن تقاليد المجتمع
الأميركي والمجتمعات الغربية بوجه عام، التي تحتل فيها الحيوانات الأليفة وفي مقدمتها
الكلاب مكانة خاصة لدى الناس. حتى ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن أغلب الأميركيين
الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية ولم يعد لديهم أطفال ليعتنوا بهم، يكرسون
معظم أوقاتهم للعناية بكلابهم وقططهم. وقدرت نفقات هذه الرعاية بنحو ألف دولار
شهريا. وقالت جمعية أطباء البيطرة في تقرير لها إن الأميركيين أنفقوا في عام 2006
مبلغ 24.5 مليار دولار على شراء أدوية لحيواناتهم المنزلية. وفي بعض الولايات
الأميركية فإن الإساءة إلى الكلاب تعد جنحة يعاقب عليها مرتكبها. وثمة حادثة شهيرة
في هذا الصدد بمقتضاها تم إيقاف جندي في كارولينا الشمالية (اسمه تشارلز جونز) عن
عمله وبدء التحقيق معه، بعد أن أثبت فيلم فيديو أنه أساء إلى كلب تابع للشرطة، وفي
كندا الملاصقة للولايات المتحدة اشترى ثلاثة أطباء بيطريين جزيرة في مقاطعة بريتيش
كولومبيا، ودفعوا فيها 2.2 مليون دولار، لأجل تحويلها إلى منتجع للترفيه عن الكلاب
من ذوات الحاجات الخاصة!
الظاهرة حاضرة بقوة في أوروبا، ومن
أحدث تجلياتها في فرنسا أن بعض المتخصصين أنشأوا موقعا لتدبير اللقاءات بين الحيوانات
الأليفة أسوة بتلك المخصصة للتعارف بين البشر. بحيث أصبح بوسع أي شخص أن يحصل عبر
الإنترنت على قائمة الكلاب من ذوات «القلوب الوحيدة» معززة بالصورة والفصيلة والعمر.
تمكنه من التعرف على «رفيق» مناسب للكلب الذي يقتنيه. وإلى جانب محال الحلاقة
الخاصة بالكلاب في فرنسا والمخازن التي تبيع ثيابها وربطات أعناقها وسلاسلها، ظهرت
دور الحضانة والفنادق التي تستضيفها أثناء سفر أصحابها.
وفي إنجلترا عرض عطر للكلاب باسم
«يوتيت آموند»، ثمن الزجاجة منه يعادل 450 جنيها.
وفي ألمانيا بدأ تصنيع أحذية
بمقاسات مختلفة لكلاب الشرطة، تمهيدا للتوسع في إنتاجها إذا نجحت تجربتها.
شيء طيب أن يهتموا بالكلاب والقطط، لكن ليتهم
يوجهون نصف ذلك الاهتمام أو ربعه للبشر الذين يموتون من الجوع والمرض في أفريقيا
لماذا لا نخاطب مخالفينا برقي
واحترام، يليق بمقام الكبار وشمائل المتحضرين؟ كان ذلك أول سؤال خطر لي بعدما
شاهدت حوارا تلفزيونيا تم بثه مساء الأحد الماضي (12 ابريل) كان موضوعه قضية خلية
حزب الله التي تحدث عنها بيان النائب العام المصري خلال الأسبوع الماضي. لست من
متابعي برنامج «البيت بيتك» ولا أستطيع الحديث عن اللغة التي يستخدمها عادة، ولكن
الحوار الذي سمعته كان صاعقا وغير قابل للتصديق. إذ لم أتصور أن يتدنى مستوى
الخطاب إلى ذلك الحد في برنامج يبثه التلفزيون الرسمي، الذي استضاف اثنين ينتميان
إلى أهل الخبرة في مجاليّ الدفاع والإعلام.
لم تكن هناك مناقشة في حقيقة
الأمر. إنما كان الحوار كله تنافسا في السب والتجريح والسخرية الهابطة، التي
استخدمت لغة مبتذلة لم تبق على شيء من الكرامة والاحترام لأحد رموز النضال
والمقاومة الشريفة التي رفعت رأس الأمة العربية عاليا، وردت الروح (بالانتصار الذي
حققته في عام 2006) إلى جماهيرها التي كاد الإحباط يلقي بها في هوة اليأس ومشارف
الهلاك.
حتى لا يلتبس الأمر على أحد،
فإنني أحدد موقفي من الموضوع على النحو التالي:
أولا: أمامنا روايتان للواقعة،
واحدة تقول إن المجموعة جاءت لمساعدة الفلسطينيين وإيصال السلاح إلى غزة. وهو
الخبر الذي نشرته صحيفة «الدستور» المصرية في 12 فبراير الماضي وأكدته صحيفة
«المصري اليوم» في 8 ابريل الجاري.
والرواية الثانية أن المجموعة استهدفت زعزعة
الأمن في مصر والقيام بأعمال تخريبية فيها، وهو ما ذكره بيان المدعي العام الذي
نشر في 9 ابريل ـ ورغم أن الأقوال، التي أدلى بها المتهم الأول في القضية اللبناني
سامي شهاب، التي نشرتها «المصري اليوم» في 12أبريل الجاري عززت الرواية الأولى
وأكدت أن الذين أوفدوه ذكروا له أن أمن مصر خط أحمر يجب عدم المساس به، إلا أنني
مازلت عند رأيي في أننا يجب أن نكبح الانفعال ولا نستبق، وننتظر كلمة القضاء في
تحديد هدف المجموعة.
ثانيا: إنني أعتبر أن حزب الله
أخطأ في كل الأحوال حين أوفد المجموعة إلى مصر. وحتى إذا كان هدفه نبيلا وأراد أن
يسهم في مساندة المقاومة المحاصرة في غزة، فإن الخطأ يظل قائما، لأن الهدف النبيل
ينبغي أن يتحقق بوسائل مشروعة.. ولا جدال في أن ذلك الخطأ يصبح خطيئة إذا ما ثبتت
صحة الاحتمال الثاني.
ثالثا: إن الخطأ يستحق عقابا
والخطيئة تستحق حسابا. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مسوغا لهدم تاريخ الحزب وتلويث
صفحته أو لاغتيال قيادته سياسيا ومعنويا وإطلاق جوقة اللاعنين بحملة السباب
والتجريح. وفي هذا السياق فليس معقولا ولا مقبولا أن نذهب في الملاعنة، إلى حد قلب
الأولويات بالكامل والتعامل مع حزب باعتباره عدوا ينبغي القضاء عليه باستخدام
مختلف الأسلحة القذرة من القصف الإعلامي إلى الحملات العسكرية التي جرى التلويح
بها. فيما نشر يوم الاثنين الماضي (12 ابريل).
رابعا: إنه ليس من مصلحة مصر ولا
العرب عموما أن تفتعل معركة إعلامية أو سياسية (هل أقول أو عسكرية أيضا؟) مع حزب
الله. الذي لا يجادل منصف في أنه جزء من الحركة الوطنية العربية والإسلامية، التي
نحن أحوج ما نكون إلى الحفاظ عليها، وتصويب مسيرتها. ومن لديه ذرة شك في ذلك،
فليراقب حملة التهليل واسعة النطاق التي عبرت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية حين
تفجرت المشكلة بين القاهرة وحزب الله. وليس لذلك التهليل سوى دلالة واحدة هي أن
الفائز الوحيد في هذه المعركة هو العدو الصهيوني، الذي يختزن مشاعر الثأر من السيد
حسن نصر الله وحزب الله منذ هزيمة جيشهم في عام 2006.
خامسا وأخيرا، فرغم أنه لا وجه
لمقارنة، فإنني أستحيي أن أدعو إلى التعامل مع القضية بنفس الأسلوب الرصين
والمسئول الذي تعاملت به مصر مع الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، مثلا، الذي ثبت عام
1997 أنه كان يتجسس ضد مصر وحكم عليه بالسجن 15عاما. وبعد أن قضى نصف المدة شملته
الرعاية وأطلق سراحه بإفراج صحي، ثم عاد إلى بلاده معززا مكرما بعد ذلك.
لم تكن مصر الكبيرة والعفيفة هي
التي تحدثت على شاشة التليفزيون مساء الأحد، لكنها كانت بلدا آخر، غريبا في حجمه
وفي لغته.
لسنا بحاجة إلى سيناريو
«المؤامرة» لكى نتتبع تجليات الاختراق والعبثالإسرائيليين فى دول المنطقة. فالوثيقة
التى تسربت حول الشهادة
المثيرةالتى أدلى بها المسئول الأمنى الأول فى الدولة العبرية تسلط أضواء
كافيةعلى تدابيرهم
ومخططاتهم، تغنينا عن الاجتهاد والتخمين فى الموضوع.
(١) أولالكلام كان عن حظوظ مصر من تلك
التدابير، وهو ما عرضته فى الأسبوع الماضىبما تضمنه من معلومات خطيرة وإشارات صادمة
ومحيرة. ولأن الحديث كان عناستراتيجية الدولة العبرية فى المنطقة، فقد تبقى منه جزء ثان عن بقيةالدول التى تناولتها محاضرة آفى
ديختر رئيس «الشاباك» السابق «جهاز أمنالدولة الإسرائيلية» الذى صار وزيرا للأمن
الداخلى فى حكومة إيهود أولمرت.
وهو فى منصبه
الأخير أدلى بشهادته أمام الدارسين فى معهد أبحاث الأمنالقومى الإسرائيلى. كنت قد وعدت بعرض ذلك
الجزء الثانى الذى يخص الدولالأخرى هذا الأسبوع، وهذه خلاصة لكلامه، حيث اضطررت لاختصار بعض
المعلوماتالتفصيلية، لاعتبارات تتعلق بالحيز لا أكثر.
< فيما
يخص الساحةالفلسطينية قال ديختر إن إسرائيل استخدمت فيها كل الخيارات. فخيار
القوةمشهور ومعلوم
للكافة. أما الخيار الثانى الذى لجأت إليه فيتمثل فى السعىالمستمر لتعميق الصراع بين
الفصائل الفلسطينية وبين السلطة التى أفرزتهااتفاقية أوسلو 1993. وذكر فى هذا الصدد أنه
حين كان رئيسا للشاباك، شاركفى إعداد الحملات والملاحقات ضد ما أسماه «المنظمات الإرهابية»، التى
قامتبها الأجهزة
الأمنية الفلسطينية، خاصة جهاز الأمن الوقائى. وقال صراحة إنهفى تلك المهمة وجد تعاونا على
أوسع نطاق من محمد دحلان مسئول الأمن فىغزة، وجبريل الرجوب الذى كان مسئولا عن الأمن
فى الضفة!!. وحسبما ذكر فإنتلك الحملات أدت إلى إفشال مئات العمليات «التخريبية». كما أدت إلى
اعتقالالعشرات من
قيادات وكوادر تلك المنظمات، وأسهمت فى وصول اليد الإسرائيليةإلى قيادات مهمة مثل المهندس يحيى
عياش والدكتور عبدالعزيز الرنتيسىوالشيخ أحمد ياسين وأبوشنب وأبوعلى مصطفى وغيرهم.
تباهى ديختر
بأنالصراع الذى
دارت رحاه بين حركتى حماس وفتح كان نتاج سياسة إسرائيليةمحكمة. وقال إن ثمة عوامل ساعدت على إنجاح
ذلك المخطط، منها مثلا إدراكالجهات المعنية فى إسرائيل لعمق العداء لحركتى حماس والجهاد، بين قادةالمؤسسة الأمنية الفلسطينية (ذكر
محمد دحلان وتوفيق الطيراوى مسئولالمخابرات) ومعهما بعض قيادات السلطة وفتح. وهو العداء الذى ظهر جليا
بعدرحيل
أبوعمار. من تلك العوامل أيضا شعور قادة الأجهزة الأمنية بأن تنامىحركة حماس يشكل تهديدا وجوديا
لهم، واقتناعهم بضرورة حسم هذه المسألةخصوصا بعدما تولى أبومازن رئاسة السلطة..
وأضاف فى هذا الصدد أن تيارالحسم الذى يستهدف قمع حركة حماس وإقصاءها لقى تأييدا ماليا وسياسياومعلوماتيا ليس من إسرائيل وحدها،
وإنما أيضا من الولايات المتحدةوالرباعية الدولية. وخلص الرجل إلى أن استمرار الصراع فى الساحةالفلسطينية يحقق مصلحة إسرائيلية
من الدرجة الأولى، وأن القضاء على حماسوالجهاد يظل هدفا استراتيجيا ينبغى ألا تتوقف
مساعى تحقيقه بكل السبل.
(2) < فى شهادته اعتبر ديختر أن لبنان
«أكثر بيئة إقليمية تفرض التحدىالاستراتيجى على إسرائيل». وقال إن خيار القوة استخدمته إسرائيل مع
حزبالله فى عام
2006، وعدم نجاحها فى تلك الجولة لا يعنى استبعاد ذلك الخيار،الذى سيظل قائما والاستعداد له
مستمر بوتيرة عالية. فى الوقت ذاته فإنإسرائيل لم تتوقف عن السعى لإحداث الاضطراب
وتعميق الشقاق فى الساحةاللبنانية. وقد حققت فى ذلك نجاحات عدة، منها مثلا أنها استطاعت خلق
بيئةمعادية
للمنظمات الفلسطينية «توجت» باندلاع الحرب الأهلية عام 1975. فىهذا الصدد أشار إلى التنسيق الذى
قام بين إسرائيل وبين بعض القوىاللبنانية فى تلك الحرب. حيث زودت إسرائيل تلك القوى بالسلاح
والأموال،بموافقة رئيس الوزراء آنذاك إسحاق رابين ووزير الدفاع شمعون بيريز. ومنهذه النقطة استطرد قائلا إن
المجهودات الإسرائيلية الاستخباراتية داخللبنان والسياسية فى المحافل الدولية. هى التى
أجبرت السوريين على الانسحابمن لبنان.
الدور
الإسرائيلى فى إيجاد بيئة معادية للمنظماتالفلسطينية فى السبعينيات تكرر مع حزب الله،
الذى بذلت الأجهزةالإسرائيلية جهدا خاصا لتشويه صورته وحصاره ومحاولة استنزافه وتمزيققوته.. وهى فى ذلك تخوض حربا سرية
لم تتوقف ضد الحزب بالتعاون مع الولاياتالمتحدة الأمريكية. حيث تقوم بحشد المنظمات
وإقامة المعسكرات للفرق التىتلتقى مع البلدين حول هدف التخلص من «خطره». وتحدث فى هذا السياق عنمعسكرين لم يفصح عنهما تتطلع
إسرائيل إلى مساندتهما وتعظيم قوتهما فىلبنان، لكسب المواجهة الحاسمة ضد حزب الله.
بالتوازى مع
ذلك ـ أضافصاحبنا ـ ان إسرائيل تجرب مع الولايات المتحدة محاولة اختراق الساحةاللبنانية وزرع الاختلالات فيها،
لتعميق النزاعات السياسية والمذهبيةوالطائفية، وقطع الطريق أمام تحقيق التوافق
بين القوى السياسية، ومن ثماستمرار إذكاء العداء لحزب الله ولسوريا وإيران.
أما سوريا
فمن رأيهأنها غير جادة فى التوصل إلى سلام مع إسرائيل، وأن أولمرت اعتبر أنالتفاوض معها يخدم خيارات
إسرائيلية فى التعامل مع كل من إيران وحزب الله،وهو ما لم يؤيده ديختر ـ الذى ذكر أن خيار
استخدام القوة ضد سوريا يؤيدهقطاع عريض من القيادتين السياسية والعسكرية. إلى جانب ذلك
اعتبر أنثمة خيارات ثلاثة متاحة فى الوقت الراهن للضغط على سوريا، أولهااستراتيجية «شد الأطراف» التى
كانت مطبقة منذ الخمسينيات، وبمقتضاها لعبتتركيا دورا مهما فى الضغط على سوريا، ولكن
بعد التحسن الذى طرأ على علاقاتأنقرة ودمشق خلال السنوات الأخيرة، فمن الممكن أن يقوم الأكراد بهذاالدور. وهو ما سعت إليه إسرائيل
خلال السنوات الخمس الأخيرة، حين بذلتجهودا حثيثة لتشجيع الأكراد على إقامة كيان
خاص بهم فى شمال العراق، أصبحالآن دولة من الناحية العملية، معتبرة أن الدور الكردى فى الضغط على
سوريايمكن أن يعوض
الدور التركى.
الخيار
الثانى يتمثل فى استخدام الساحةاللبنانية للضغط على سوريا، وحسب كلام ديختر فإن لإسرائيل أصدقاء فى
لبنانعلى استعداد
للقيام بهذا الدور، لكنهم لا يريدون الكشف عن العلاقات التىتربطهم بتل أبيب، التى تحرص على
استثمار موقف أولئك الأصدقاء بالتعاون معالولايات المتحدة. الخيار
الثالث يكمن فى التعامل مع المعارضةالسورية، وتكرار تجربة إسرائيل مع المعارضة
العراقية، حين ساندتهم سياسياووفرت لهم الدعم المالى الأمريكى كما دربتهم عسكريا، وهو نفس الأسلوب
الذىاتبع مع بعض
القوى المعارضة فى السودان ولبنان.
فى ختام هذه
النقطةقال ديختر إن
«شد أطراف» الساحة السورية أمر ميسور، وإن هناك منافذ عدةتحقق ذلك الغرض، عبر الأردن
ولبنان وكردستان العراق.
(٣) < المعادلة الحاكمة لموقف إسرائيل
الاستراتيجى من العراق تنطلق من الحرص علىتقويض مظان القدرات العربية فى دولها
الرئيسية، من أجل تحقيق المزيد منالأمن القومى الإسرائيلى. هذه كلمات ديختر التى أضاف عليها أن العراق
لاينبغى أن
يعود إلى سابق عهده وقوته، بحيث يصبح دولة مواجهة ضد إسرائيلوصاحبة دور على الصعيدين العربى
والإقليمى، وهم يعولون كثيرا على الأكرادالذين يحتفظون معهم بعلاقات تاريخية وثيقة
منذ السبعينيات، ولكنهم لايريدون الاكتفاء بما يمثلونه من ضمانة لهم فى شمال العراق، ولكنهم
يتطلعونإلى توفير تلك الضمانة فى بغداد ذاتها، حيث تحاول الأجهزة الإسرائيلية
نسجعلاقات مع
بعض النخب السياسية والاقتصادية تستهدف إبقاء العراق خارج دائرةالدول العربية المشتبكة على
إسرائيل، فى هذا الصدد ذكر الرجل أن تحييدالعراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل
أهمية وحيوية من تكريسوإدامة تحييد مصر.
فيما يخص
مراهنتهم على الأكراد، ذكر ديختر أن ثمةالتزاما من القيادة الكردية بإعادة تشغيل خط
نقل النفط من كركوك إلى حيفاعبر الأردن، الذى نوقش مع مسئوليه. وإذا ما تراجع الأردن فهناك البديلالتركى، أى مد خط كركوك من
كردستان إلى تركيا ثم إسرائيل، وهذا المشروعتمت دراسته لتوصيل أنابيب المياه والنفط الى
تركيا ومن تركيا إلى إسرائيل.
< حين
تطرق الرجل إلى إيران، فإنه اعتبرها «أكثر الساحات تهديدالإسرائيل وتصديرا للتحديات». وقال
إن الحل الأمثل هو تقويض النظام القائمفى طهران واستبداله بنظام علمانى يستطيع أن
يتفاهم مع الولايات المتحدةوإسرائيل. لذلك فإنه انحاز إلى فكرة العمل العسكرى الذى يستطيع أن
يحققهذا الهدف،
وإلى جانب ذلك هناك خياران آخران
هما:
أولا الضغط على إيران منخلال الوجود الأمريكى فى العراق،
ودعم منظمة مجاهدى خلق، واستخدام النفوذالأمريكى فى الخليج، وتطويق إيران من خلال
الدول المحيطة بها.
أما الخيارالآخر فيتمثل فى تفكيك الدولة الإيرانية التى
تضم عربا وأكرادا وبلوشاوفرسا وأتراكا.. إلخ وهذه مهام لن تتحقق لها الفاعلية المطلوبة إلا
إذاشاركت فيها
الولايات المتحدة بشكل جاد.
فى رأيه ان
لدى إسرائيلمعلومات تشير إلى أن إيران قد تنتهى من صنع أول رأس نووى فى العام
الحالى
(2009)،
كما أنها حصلت من روسيا على منظومة متطورة جدا مضادة للجو، وهىأمور ينبغى ألا تسكت عليها إسرائيل،
التى ينبغى أن تتحرك لمواجهتها بحزموسرعة.
(4) < ختم ديختر محاضرته بحديث عن
السودان، كنت قدأشرت إلى بعض جوانبه فى مقال سابق، وقد لخص رؤيته فى أن السودان ينبغى
ألايصبح قوة
مضافة للعالم العربى. ونقل عن بن جوريون وغيره من الآباءالمؤسسين للدولة العبرية قولهم إن إضعاف
السودان يجب أن يتم من خلال تشتيتجهوده وتبديد طاقاته،وهو الموقف المبدئى الذى دفع تل أبيب إلى تكثيفأنشطتها فى الجنوب وفى دارفور
وتتطلع إلى إثارة القلاقل فى بقية أنحاءالسودان، وحسب تعبيره فإن هناك قوى دولية
تتزعمها الولايات المتحدة مصرة