فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

أجراس الغارة على السودان – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 4 ربيع الثاني 1430 – 31 مارس 2009

أجراس الغارة على السودان – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_31.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/841129.html

 

الغارة التي ضربت أهدافا في السودان تنبهنا إلى أهمية وخطورة النشاط العسكري المريب، الذي يدور في الحديقة الخلفية لمصر، في تماس مكشوف مع أمنها القومى.

(1)
صحيح إن بعض التفاصيل لم تتضح بشكل نهائي، إلا أن ثمة جوانب في العملية باتت محسومة على نحو لا يقبل الجدل. فاللغط لا يزال مثارا حول أهداف قافلة السيارات التي استهدفتها الغارة. بين قائل إنها كانت تهرب سلاحا للتجارة فيه، وقائل إنه سلاح إيراني أريد توصيله إلى قطاع غزة.


وليس مؤكدا ما إذا كانت الطائرات أمريكية أم إسرائيلية، رغم أن واشنطن نفت صلتها بالموضوع، بعكس تل أبيب التي لم تنف، وإنما أعطت انطباعا على لسان رئيس الوزراء إيهود أولمرت بأنها قد تكون الفاعل في العملية. وهناك روايات متعددة للغارة، بعضها يتحدث عن ثلاث غارات تمت خلال الشهرين الأخيرين، والبعض الآن تحدث أيضا عن إغراق قاربين محملين بالسلاح في البحر الأحمر. ثم هناك تساؤل عن الجهة التي خرجت منها الطائرات المغيرة، وهل هي أريتريا أم جيبوتي أم إحدى حاملات الطائرات الموجودة في البحر الأحمر؟. مع ذلك لم يعد أحد يجادل في عدة أمور، منها أن الخبر الذي انفردت صحيفة «الشروق» بنشره ونقلته عنها الصحف العالمية كان صحيحا. منها أيضا أنها المرة الأولى التي تغير فيها طائرات خارجة من مكان ما في شرق إفريقيا على قافلة تحمل سلاحا يظن أنها متجهة إلى سيناء. وذلك بعد توقيع الاتفاق الأمريكي-الإسرائيلي الذي رتب التعاون بين البلدين في وقف تهريب السلاح إلى غزة. وهذه الطائرات اخترقت الأجواء السودانية، في عدوان صريح على سيادتها.

 

من تلك الأمور المؤكدة أيضا أن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي هما الوحيدان اللذان يقفان وراء العملية، حيث لا يهم كثيرا في السياق الذي نحن بصدده من الذي قدم المعلومات ومن قام بمباشرة القصف. بذات القدر فلا يغير من الأمر كثيرا أن تكون الطائرات قد خرجت من جيبوتي أو أريتريا أو مكان ما في البحر الأحمر، لكن الذي يهمنا هو أن هناك أعينا متربصة في جنوب مصر وفي البحر الأحمر، تراقب المنطقة وجاهزة لضرب أي تحركات فيها تعتبرها متعارضة مع مصالحها، وأن تلك الأعين ليست مفتوحة على السودان فقط وإنما على مصر أيضا.

(2)
عملية التربص الحاصلة في جنوب مصر والبحر الأحمر ليست جديدة، ولكن الجديد فيها فقط أن الأضواء سلطت عليها بعد الغارة الأخيرة، التي تحولت إلى جرس إنذار ما زالت أصداء رنينه تتردد في العالم العربي، علها توقظه وتنبهه إلى ما يدبر ويرتب من حوله منذ زمن ليس قصيرا. ذلك أنه من الأمور المدهشة أن تقف مصر بالذات موقف المتفرج إزاء التدابير والترتيبات التي تنسجها إسرائيل منذ نصف قرن تقريبا حول عمقها الإستراتيجي، ولا تصدر عنها مخططات واضحة وحازمة تستهدف التعامل مع تلك التدابير، بما يحول دون تأثيرها السلبي على الأمن القومي للبلاد. هذه التدابير الإسرائيلية وثقها بحث سبق أن أشرت إليه، صدر في عام 2003 عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا التابع لجامعة تل أبيب. عنوانه «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان»، وقد أعده ضابط الموساد المتقاعد موشي فرجي.


في البحث كلام صريح عن الإستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل بعد تأسيس الدولة العبرية، ووضع خطوطها الرئيسية ديفيد بن جوريون رئيس الوزراء آنذاك، الذي دعا إلى ثلاثة أمور،

 

أولها العمل على إضعاف الدول العربية عن طريق محاولة اختراقها من الداخل للتعاون مع الطوائف والجماعات غير العربية التي تعيش في ظلها وعلى تخومها، خصوصا في شمال العراق (الأكراد) وجبال لبنان (الموارنة) وجنوب السودان (ذوو الأصول الزنجية

).
الأمر الثاني تمثل فيما أطلق عليه الإسرائيليون محاولة «شد الأطراف» عبر سياسة حلف الجوار، أو حلف محيط الدائرة. بمعنى مد الجسور مع الدول المحيطة بالعالم العربي والتعاون معها لإضعافه والضغط عليه من خارجه، وهذه الدول هي: إثيوبيا وتركيا وإيران.


الأمر الثالث تعلق بالبحر الأحمر، الذي اعتبرته إسرائيل منفذا حيويا لها يمكنها من كسر الحصار العربي المضروب حولها. وفي هذا الصدد نقل الباحث عن بن جوريون قوله: إن سيطرة إسرائيل على نقاط في البحر الأحمر ستكون ذات أهمية قصوى، لأن هذه النقاط ستساعد إسرائيل على التخلص من أي محاولة لحصارها وتطويقها، كما ستشكل في ذات الوقت قاعدة انطلاق عسكرية لمهاجمة أعدائنا في عقر دارهم، قبل أن يبادروا إلى مواجهتنا. وهو ذات المعنى الذي كرره بن جوريون في مقام آخر حين قال: لو تمكنا من السيطرة على مواقع حيوية في البحر الأحمر، فإننا سنتمكن من اختراق سور الحصار العربي، بل والانقضاض عليه وهدمه من الخلف.


في مطلع الخمسينيات، شكل بن جوريون فريق عمل ضم خمسة من الخبراء لوضع الإستراتيجية التي تحقق هذه الأهداف هم: إسرائيل جاليلي خبير الشؤون الإستراتيجية ــ إيجنال ياوين خبير الشؤون العسكرية ــ موشيه ساسون خبير الشؤون العربية ــ وؤبين شيلوح خبير العلاقات السرية مع الأقليات ــ جولدا مائير خبيرة في الشؤون السياسية والاتصالات.

(3)
ما يهمنا الآن في الإستراتيجية التي وضعت وبدأت إسرائيل في تنفيذها منذ أواخر الخمسينيات هو موقع السودان والبحر الأحمر فيها. ذلك أن السودان ــ والكلام للباحث ــ اعتبرت حالة نموذجية لتحقيق هدفين من وجهة النظر الإسرائيلية، أولهما إضعاف مصر عن طريق تهديد عمقها الاستراتيجي في مواجهة الدولة العبرية. وثانيهما إثارة القلاقل في السودان عبر استمالة التمرد في الجنوب ودعمه، وضمان تقاسمه للمزايا الإستراتيجية الكاملة في المنطقة.
ضاعف من أهمية السودان في الاستهداف الإسرائيلي أنه يطل بدوره على البحر الأحمر، الذي اعتبرته إسرائيل رئة ثانية، وممرا يوصلها بالدول الآسيوية ودول شرق أفريقيا. وهو ما عبر عنه أوري لوبير مستشار بن جوريون للشؤون العربية بقوله: لابد من رصد وملاحظة كل ما يجرى في السودان. ذلك القطر الذي يشكل عمقا إستراتيجيا لمصر، بالإضافة إلى سواحله المترامية على البحر الأحمر، مما يشكل له موقعا إستراتيجيا متميزا. وهذا يتطلب منا إيجاد ركائز لنا إما حول السودان أو في داخله. وهو السياق الذي يفرض على السودان تقديم الدعم إلى حركات التمرد والانفصاليين في الجنوب.


اختراق السودان لإضعافه وتهديد عمق مصر الإستراتيجي، اقتضى توفير عدة نقاط للارتكاز تيسر عملية الوصول إلى متمردي الجنوب. وهو ما دفع إسرائيل إلى البحث عن مواقع لها في ثلاث دول محيطة بالسودان هي: إثيوبيا وأوغندا وكينيا. وهو ما تحقق في عام 1958، حيث باشرت جولدا مائير العملية بنفسها مبتدئة بإثيوبيا. وكان أهم إنجاز حققته هناك أن القيادة الإسرائيلية انتزعت من إمبراطورها الراحل هيلاسلاسي الموافقة على تولي مهمة الإشراف المباشر على أجهزة الأمن الإثيوبي وتدريبها بواسطة عناصر إسرائيلية نشطة، وهو ما شمل جهاز الأمن الداخلي والشرطة والاستخبارات ووزارة الداخلية. وذكر الباحث في هذا الصدد أن «سيطرة إسرائيل على الأجهزة الأمنية الإثيوبية بمعزل عن مخططها لإقامة مواقع الوثوب والانطلاق إلى السودان وبقية الدول العربية المجاورة».


تلك السيطرة أتاحت للاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) وجناح المخابرات العسكرية أن يوجها اهتماماتهما إلى السودان والدول العربية الأخرى. ولهذا الغرض أنشأ جهاز الموساد شركة «أينكودا» لتكون واجهة له، وقاعدة لإطلاق الجواسيس والعملاء إلى كل من السودان واليمن وعدن، للاتصال بالعناصر المقاومة في الداخل. وقد تمت الاستعانة بتلك العناصر في مهمة إيصال الدعم إلى حركة التمرد في جنوب السودان.


كان التعاون العسكري هو أبرز أوجه النشاط الذي مارسته إسرائيل مع الدول الثلاث خلال تلك الفترة. ومن المعلومات التي ذكرت في هذا الصدد أن عدد المستشارين، الذين قدموا إلى إثيوبيا، وتولوا في عام 1960التدريب والتدريس في المعاهد العسكرية الإسرائيلية حوالي 600 شخص.
وهؤلاء حملوا معهم السلاح الإسرائيلي بدءا من الرشاش «عوزي» إلى الصواريخ «جبرائيل» مرورا بالطائرات المقاتلة.


ما حدث في إثيوبيا تكرر مع أوغندا ــ المتاخمة للسودان ــ حيث أوفدت إسرائيل عددا كبيرا من المستشارين العسكريين (قدر عددهم بنحو 500) بقيادة الكولونيل باروخ بارسيفر. وهؤلاء قاموا باختراق القوات المسلحة هناك وتوجيه قيادة الجيش، إضافة إلى تدريب رجال سلاح الطيران ووحدات المظليين، الذين كان يتم إيفاد أعداد منهم للتدريب في إسرائيل.


منذ ذلك الوقت المبكر ـ أضاف الباحث ـ عمدت إسرائيل إلى تعزيز وجودها العسكري من خلال إقامة القواعد العسكرية الموجهة ضد الدول العربية. فأقامت قاعدة بحرية لها في ميناء «مصوع» عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، إضافة إلى القواعد الجوية في كل من إثيوبيا وكينيا، والوجود الجوي في غينيا. وكانت إسرائيل قد أقامت عدة قواعد جوية في تشاد، وعلى الأخص في المناطق المجاورة لحدود السودان، ومنها مطار بحيرة «إيرو» ومطار «الزاكومة» ومطار «مفور». وحين قطعت العلاقات بين تشاد وإسرائيل، تبين أن مهمة القواعد كانت مراقبة الحدود الليبية والسودانية، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها ضد مصر، لضرب أهداف منتخبة في مؤخرة الجبهة المصرية.

(4)
في الدراسة تفاصيل كثيرة عن الدعم الإسرائيلي للتمرد في جنوب السودان، الذي وصل إلى حد الاشتراك في القتال إلى جانب الانفصاليين ضد الجيش السوداني في بعض الحالات. وهو دعم تجاوز الشأن العسكري إلى ما هو سياسي واقتصادي. تضمنت التفاصيل أيضا معلومات أخرى عن التغلغل الإسرائيلي في إريتريا وأفريقيا الوسطى وزائير، ومن الواضح أن ذلك التمدد تم بعد توقيع مصر لمعاهدة «السلام» مع إسرائيل في عام 1979. (في عام 1997 وصل عدد المستشارين الإسرائيليين في إريتريا إلى 650 شخصا، عملوا بأجهزة الأمن والاستخبارات ومحطات للتجسس على اليمن والسودان).


ولا تقل خطورة عن كل ما سبق التفاصيل التي تحدثت في الدراسة عن الوجود الإسرائيلي الكثيف عند منابع النيل، الذي يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، من حيث إنه يمكن قوة معادية من بسط نفوذها الذي يمكنها من التأثير على أهم مورد للحياة في مصر.
ما الذي تعنيه كل تلك المعلومات؟ هي تعني بوضوح شديد أن إسرائيل سعت إلى تثبيت أقدامها في شرق أفريقيا بوجه أخص منذ نصف قرن لكي تنصب نفسها شرطيا في البحر الأحمر، ولكي تضغط على مصر من خلال إضعاف السودان والهيمنة على منابع النيل. وتأثير الاتفاقية التي وقعتها مع الولايات المتحدة بشأن منع تهريب السلاح إلى غزة لا يضيف الكثير إلى تعزيزاتها التي أقامتها في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، لأنها موجودة ومتمكنة من المنطقة، ولكنه ربما أحكم ضبط العملية من جهات أخرى مثل المحيط الهندي وجبل طارق.


إننا لا نستطيع أن نتوجه باللوم للإسرائيليين لأنهم خططوا ووصلوا إلى شرق أفريقيا خلال نصف القرن المنصرم، ولكننا ينبغي أن نسائل أنفسنا عن الذي فعلناه نحن في ترتيب أولويات أمننا القومي، تحسبا ليوم نجد فيه إسرائيل تهيمن على البحر الأحمر، وتطل علينا من الجنوب وتخرج لنا لسانها من فوق الهضاب المحيطة بمنابع النيل عند بحيرة فيكتوريا!

........................

في انتظار جان مونيه العربي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 3 ربيع الثاني 1430 – 30 مارس 2009

في انتظار جان مونيه العربي – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_30.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/840525.html

 

إحدى مشكلات العمل العربى المشترك أنه يفتقد رجلا مثل جان مونيه، وفى غياب نموذج هذا الرجل، فإن كل عمل عربى ــ حتى إذا كان على مستوى القمة، التى تعقد اليوم فى الدوحة ــ سيظل يدور فى حلقة مفرغة لن يغادر نقطة الصفر، هذا الكلام ليس رأىى وحدى، لكن سبقنى إليه وزير الخارجية الألمانى اسابق يوشكا فيشر، الذى كتب مقالا فى العام الماضى تحت عنوان «الحاجة إلى جان مونيه عربى».

وقال فيه إن ظهور مثل هذا الرجل فى العالم العربى أصبح ضرورة لأنهم لا يزالون بحاجة إلى رمز يتفانى فى الدفاع عن توحدهم ولا ينشغل إلا بتحقيق ذلك الحلم، الذى لم يعد مستحيلا بعد نجاح تجربة الاتحاد الأوروبى، وهو ما اعتبر الوزير الألمانى السابق أن ظروف تحقيقه أفضل منها فى القارة الأوروبية، بحكم التجانس اللغوى والثقافى فى العالم العربى، الذى افتقرت إليه أوروبا.

صاحب الفضل فى تعريفى بجان مونيه هو الباحث اللبنانى الأستاذ رغيد الصلح، الذى كتب عنه مقالا فى صحيفة «الحياة» اللندنية نشر فى 30/10 من العام الماضى (2008) بمناسبة احتفال أوروبا بعيد الميلاد المائة والعشرين للرجل، الذى يوصف بأنه «أب الاتحاد الأوروبى» و«مواطن الشرف الأوروبى الأوحد»، ولأننى أحد الذين يتعلقون بحلم الوحدة العربية فقد احتفيت بالمقال واحتفظت به فى أوراقى، لسبب لم أحدده فى حينه، ربما لأننا أصبحنا بحاجة إلى شهادات تؤيد حقنا فى أن نقيم اتحادا عربيا يجمع شتات هذه الأمة، التى يزداد تمزقها حينا بعد حين.

لقد استولى «الحلم الأوروبى» على عقل وقلب جان مونيه منذ التحق بالحياة العامة وحتى يوم وفاته، ولأنه ظل يدافع عن ذلك الحلم طوال الوقت، ولأنه تجاوز فى أنشطته ونظرته حدود بلده الأصلى فرنسا، فقد أسند إليه عقب الحرب العالمية الأولى منصب نائب الأمين العام لعصبة الأمم وعمره لم يزد على 31 عاما، وخلال الحرب العالمية الثانية انضم إلى الجنرال ديجول وتحول إلى شخص رئىسى فى مقاومة الاحتلال النازى، ونقل عنه فى عام 1943 قوله: «إن أوروبا لن تعرف السلام ولن تذق طعم الرخاء إذا لم تسلك طريق الاتحاد فيما بينها»، وهذا الرأى لم يكن مجرد شعار أطلقه واحتفظ به، ولكنه أصبح برنامج العمل اليومى لجان مونيه ومحور حياته، حتى قال عنه أحد رؤساء الحكومة الهولندية، جيل زيتلسترا «لم أعرف رجلا مثل مونيه فى إصراره على التركيز فى حياته على هدف واحد، أما هو فقد قال عن نفسه: كل ما أنجزته فى كل مفصل من مفاصل العمر، كان نتيجة خيار واحد وواحد فقط، وهذا التركيز حمانى من بعثرة جهودى وإضاعتها».

هذا التركيز حين اقترن بإرادة قوية وقدرة استثنائية على الإقناع، فإن ذلك مكنه من إخراج السوق الأوروبية المشتركة إلى النور، رغم المعارضة القوية من بعض الدول، وفى مقدمتها بريطانيا، التى انسحب مندوبها من اجتماعات التحضير لها ذات مرة، وقال ساخرا: «سوف أعود بعد سنوات إلى مثل هذه الاجتماعات، وسأجدكم تواصلون إثارة ذات القضايا التى تتحدثون فيها الآن».

لقد نجح مونيه فى صنع الأساس لبناء الاتحاد الأوروبى، وتغلب على العقبات الجمة، التى وضعت فى طريقه، وكان منها اتهامه بالتعاون مع النازيين، وكان يردد دائما أن «الشعوب لا تقبل على التغيير إلا عندما يتحول إلى حاجة، وهى لا تعرف إلى تلك إلا عندما ترزح تحت وطأة الأزمات»، المدهش أن هذه العبارة نقلها عن حاكم عربى قال إنه التقاه ذات مرة وحدثه عن تجربته فى الحكم، لا نعرف من هو ذلك الحاكم، لكننا نعرف جيدا أننا غارقون فى الأزمة، وأننا أشد ما نكون حاجة إلى جان مونيه عربى ينذر حياته للعمل من أجل تحقيق الحلم العربى المؤجل والمجهض، وللأسف فيبدو أن انتظارنا سيطول إلى أجل لا يعلمه إلا الله.

......................

عتب المغاربة فى محله

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 2 ربيع الثانى 1430 – 29 مارس 2009

عتب المغاربة فى محله – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_29.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/839249.html

 

معهم حق عرب المغرب إذا شعروا بأن أهل المشرق يتجاهلونهم، ويتعاملون معهم بحسبانهم عربا من الدرجة الثانية، لذلك فإنني أتفهم الأسباب التي دفعت صحيفة «الشمس» الليبية إلى الاحتجاج على هذا الوضع والدعوة إلى إعادة النظر في انضمام الدول المغاربية إلى الجامعة العربية التي تحولت إلى منظومة يسيطر عليها المشارقة، قلت إنني أتفهم أسباب الغضب والعتب، لكنني لا أوافق على الصيغة الانفعالية التي طرحت بها الفكرة وانتهت بتبني الخيار الأسوأ، المتمثل في الانسحاب من الجامعة والبحث عن مظلة أخرى غيرها.

 

وحتى نضبط الفكرة ونضعها في إطارها الصحيح فلعل الأدق والأصوب أن يوجه العتب إلى الأنظمة، والحكومات المشرقية، لأن التلاحم بين الشعوب قائم والتفاعل حاصل بين النخب الثقافية، فالشعوب المغاربية حاضرة دائما في معظم منتدياتنا الثقافية، والمثقفون والمهنيون المغاربة أصبحوا يحتلون موقعا متميزا في الأنشطة العربية المختلفة، فالأمين العام لاتحاد المحامين العرب مغربي، وكذلك الأمين العام للمؤتمر القومي العربي، والأمناء العامون لاتحادات الصيادلة والمعلمين والفلاحين، والشباب العرب ليبيون، والأمين العام للمنظمة العربية للثقافة والعلوم تونسي، والأمين العام لاتحاد العمال العرب جزائري ونائبه ليبي، وهكذا. وقد شهدنا أثناء العدوان على غزة حضورا قويا لشعوب المغرب العربي سواء في مظاهرات الاحتجاج العارمة التي خرجت إلى الشوارع، أو في المعونات التي أرسلت للمحاصرين أو وفود الأطباء الذين تطوعوا لعلاج الجرحى والمصابين في القطاع.

 

مع ذلك، فلا مفر من الاعتراف بأن النشاط الحكومي في المشرق لا يولي نفس القدر من الاهتمام بدول المغرب العربي، الاستثناء الوحيد على ذلك هو تونس التي اتخذت مقرا لاجتماعات وزراء الداخلية العرب وهو أمر مفهوم، باعتبار أن ذلك هو المجال الوحيد للعمل العربي المشترك الذي يمكن أن ترحب به تونس.

 

من حق المغاربة أن يستاءوا حين يجدون أن جهود تنقية الأجواء العربية تركز على ما يحدث في المشرق، ولكنها لا تقترب من المغرب، وكأنه خارج الأجواء العربية. وكانت النتيجة أن ظلت الحدود مغلقة منذ عام 1994، أي طيلة 15 عاما بين المغرب والجزائر مثلا، دون أن يبذل أي جهد عربي لإصلاح ما بين البلدين، ومن حقهم أيضا أن يعتبوا علينا لأن كل اجتماع عربي يتحدث عن احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، في حين لا يأتي أحد على ذكر احتلال إسبانيا لسبتة ومليلية المغربيتين. ومن حقهم كذلك أن يستغربوا وقوف العالم العربي متفرجا على مشكلة الصحراء والبوليساريو، التي تؤرق المملكة المغربية ولم تحل إلى الآن.

 

إن أهل المغرب أبدوا تبرما من إصرار مصر على احتكار منصب الأمين العام للجامعة العربية. وكلنا يذكر تعليقات الاحتجاج التي صدرت عن أكثر من عاصمة حين رشحت مصر السيد عمرو موسى لهذا المنصب قبل عدة سنوات. كما ترددت تلك الاحتجاجات حين رشحت مصر وزير الثقافة السيد فاروق حسني لمنصب مدير اليونسكو، في حين رشحت المغرب د.عزيزة بناني وهي أستاذة جامعية مرموقة، كانت عميدة لكلية الآداب وهي الآن مندوبة المغرب لدى اليونسكو. وقد اضطرت الحكومة المغربية إلى سحب ترشيحها مجاملة لمصر واستجابة لضغوطها.

 

هذه الأجواء جعلت حكومات المغرب العربي تستشعر عزلة عن المشرق، الأمر الذي دفعها لأن تقترب أكثر من أوروبا والاتحاد الأوروبي، في حين أن حكومات المشرق بدا تعويلها أكبر على الولايات المتحدة الأميركية. لكن المشكلة أبعد من ذلك وأعمق لأنها لا تكمن في عدم اكتراث المشرق بالمغرب بقدر ما تكمن في أن الحكومات القائمة لا تعبر عن نبض شعوبها، كما تكمن في غياب مشروع عربي يظلل الجميع ويستنهض همتهم.

 

لذلك فإن الشرخ لم يعد قائما فقط بين المشرق والمغرب، ولكنه أصاب الصف المشرقي أيضا، حتى تصالحت بعض دوله مع إسرائيل في حين تخاصمت مع أشقائها.

......................................

كوميديا التفويض

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 1 ربيع الثانى 1430- 28 مارس 2009

كوميديا التفويض – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_27.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/838222.html

 

عجز الكاتب الأميركي مارك توين عن استخدام سلاح السخرية الهائل الذي يجيده، حين صدمته الممارسات التي تورطت فيها القوات الأميركية عند اجتياح الفلبين عام 1901م. إذ وجد أن تلك الممارسات الفظيعة تمت تغطيتها بعبارات بليغة عن التحرير والهدف النبيل والمهمة الرسالية. وبرر موقفه بقوله إن قائد القوات الأميركية في تلك الحملة، الجنرال فردريك فانستن هو المسؤول عن العجز الذي أصابه، لأنه ما من سخرية باتت قادرة على أن تعطي ذلك الرجل حقه، بعدما تجسدت فيه حتى أصبح يحتل قمتها.

 

هذه الخلفية خطرت لي حين تابعت جلسة مجلس الشعب يوم الاثنين الماضي 23-3، التي ناقشت موضوع تفويض رئيس الجمهورية في عقد صفقات شراء السلاح، إعمالا للنص الدستوري (المادة 108) الذي يقضي بأنه عند الضرورة وفي الأحوال الاستثنائية وبناء على تفويض من مجلس الشعب لرئيس الجمهورية أن يصدر قرارات لها قوة القانون، على أن يكون التفويض لمدة محددة.

 

الموضوع كان في ظاهره بسيطا وسهلا للغاية، فالقانون الذي أدخل صفقات السلاح في نطاق التفويض الممنوح للرئيس صدر في عام 1972، في أجواء العمل على إزالة آثار عدوان 67، وحرب الاستنزاف التي أعقبته. إذ منذ ذلك الحين وحتى الآن، نحو 40 عاما، والرئيس ينفرد بعقد صفقات السلاح، في غياب أي رقابة برلمانية. وحين طرح موضوع تجديد هذا التفويض كان السؤالان اللذان خيما على المناقشة هما: هل مازالت الضرورة والأحوال الاستثنائية قائمة حتى الآن؟ ثم، ألا يعد استمرار التفويض طوال هذه المدة انتقاصا من حق البرلمان في الرقابة وعدوانا على سلطاته الدستورية؟

إلى هنا والكلام جاد ومعقول، لكن الكوميديا بلغت ذروتها في الرد على السؤالين. في البداية قدمت لجنة الدفاع والأمن القومى، التي يفترض أن تكون الأكثر اعتناء بالموضوع، تقريرها الذي أعلنت فيه استقالتها من المهمة. إذ قالت ما خلاصته إن الدنيا تغلي من حول مصر وأمنها مهدد، الأمر الذي يتطلب اتخاذ قرارات سريعة وفي سرية تامة، ويقتضي استمرار العمل بتفويض الرئيس في شراء السلاح لثلاث سنوات قادمة (تنتهي عام 2012).

 

تحدث كثيرون من أعضاء الحزب الوطني في هذا الاتجاه، مؤكدين أنه ما لم يتم التفويض المذكور فإن كارثة ما ستحل بالبلد، حيث سينكشف أمنها القومي وسنصبح جميعا في حيص بيص. وزاد أحد الأعضاء من جرعة التنبيه إلى الخطر، حين قال إن حكومة متطرفة يجرى تشكيلها الآن في إسرائيل. وسيشغل ليبرمان منصب وزير الخارجية، وهو الذي هدد بضرب السد العالي وإعادة احتلال سيناء لتهجير الفلسطينيين إليها. الأمر الذي يعزز أهمية منح التفويض للرئيس للتعامل مع تداعيات هذا الموقف (زكريا عزمى).

 

قال آخرون إن التفويض ضرورة، وإن المسألة ليست سهلة، فالرئيس مبارك مسؤول عن أمن مصر وأمن المنطقة وأمن أفريقيا وهو حريص على السلم والأمن العالمي (كمال الشاذلى)،

وإننا بصدد الاستفتاء على حب مصر، ومن يعارض التفويض يكن مشكوكا في ولائه للبلد (محمود خميس)،

 وقال ثالث إن التفويض يعد تعبيرا عن الثقة في حكمة الرئيس مبارك (مفيد شهاب)

ويبعث برسالة تحية إلى قائد ديموقراطية مصر الحديثة (أحمد عز).

أضاف خامس أننا نسلم للرئيس أرواحنا، فلماذا نعترض على تسلمه لكمية من الحديد؟ (العمدة أبوالحسن).

 

لم يتطرق أحد إلى موضوع عمولات السلاح ربما اطمئنانا إلى مصيرها، لكن أصوات المعترضين ضاعت وسط الهرج السائد، خصوصا قول أحدهم إننا نشتري السلاح من نفس البلد الذي يبيع لإسرائيل والادعاء بالحاجة إلى السرية باطل من أساسه (محمد شردي)،

وقال آخر إننا لم نعرف بالضبط ما إذا كنا في حالة حرب أم سلم، أيام غزة قالت الحكومة إن مصر في حالة سلم، والآن تقولون إننا في خطر وفي حالة حرب (سعد عبود).

 

انتهت الجلسة بموافقة الأغلبية على التفويض، الأمر الذي أعاد إلى ذهني كلام مارك توين، فتساءلت هل هناك سخرية يمكن أن تعطي ذلك المشهد حقه؟

...................

الموقف تحت السيطرة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 29 ربيع الأول 1430 – 26 مارس 2009

الموقف تحت السيطرة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_26.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/836642.html

 

لايزال الوقت مبكرا للتعرف على الآثار الاجتماعية للانهيارات التي حدثت في عالم الاقتصاد. مع ذلك فالأمر لم يخل من أصداء ومؤشرات لاحت هنا وهناك، ترسم صورة مصغرة لتعدد تلك الآثار وكيفية تفاعل المجتمعات المختلفة معها، فارتفاع معدل البطالة وانخفاض ساعات العمل في الكثير من الوحدات الإنتاجية، ترتب عليهما ازدياد إقبال الناس على الكنائس. وعلى القراءة. إذ تشير مختلف التقارير الصحافية إلى أن الكنائس في الولايات المتحدة وأوروبا أصبحت أكثر أهمية في حياة الناس، ليس فقط لأن بعضها أصبح مأوى لأعداد كبيرة من المشردين والمطرودين من بيوتهم، ولكن أيضا لأن زيادة أعداد العاطلين عن العمل دفعت كثيرين للانخراط في مختلف الأنشطة التي تقوم بها.

 

ارتفاع نسبة الإقبال على القراءة كان واضحا في أوروبا عنه في الولايات المتحدة، فقد ذكر تقرير بثته «نيويورك تايمز» أن مبيعات الكتب في فرنسا زادت في ديسمبر الماضي بنسبة 2 ٪ على ما كانت عليه في العام الذي سبقه. أما في شهر يناير فإنها زادت بنسبة 2.4 ٪ على ما كانت عليه في الشهر ذاته من العام السابق، إلا أن أسواق الكتب كانت أقل انتعاشا في إنجلترا والولايات المتحدة، حيث انخفضت مبيعاتها لأقل من واحد في المئة عما كانت عليه في العام السابق، وكان الركود أوضح ما يكون في كتب السفر والموضات وكتب الرفاهية الغذائية.

 

في النمسا، انتعشت الشركات التي تنتج لوازم السلع التي يتم تجميعها منزليا، ونشرت الصحف تصريحا لمدير شركة «هورنباخ» كبرى شركات مواد البناء والأدوات المنزلية، قال فيه: «كلما ازداد الحديث عن الكساد والانكماش الاقتصادي وضرورة ترشيد الإنفاق ازدادت أرباحنا وتضاعفت». وكان الرجل - اسمه شتيفان جولد شفايندت - قد صرح لوسائل الإعلام بأن شركته بحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة المدربة لمواجهة زيادة الطلب على منتجاتها، بعدما أصبح الناس بسبب الأزمة أكثر اعتمادا على أنفسهم في عمليات البناء والصيانة المنزلية، بالإضافة إلى تفضيلهم للأثاث الذي يتم تركيبه وتجميعه منزليا، عبر الاستعانة بالكتيبات الإرشادية.

 

إسرائيل تعاملت مع الأزمة بصورة مغايرة، إذ اعتبرتها الوكالة اليهودية فرصة لاستجلاب أكبر عدد ممكن من اليهود في روسيا التي ضربتها الأزمة من عدة أوجه، فانخفضت قيمة الروبل بنسبة 50 ٪ وتراجعت كثيرا موارد الحكومة مما أدى إلى هروب رءوس الأموال للخارج. وهي أوضاع زادت من معاناة الناس، واليهود من بينهم بطبيعة الحال. وقد ذكر تقرير قدم إلى الحكومة الإسرائيلية حول الموضوع، أعدته الوكالة اليهودية بالمشاركة مع جهاز «انتيف» الاستخباري الذي اختص باستقدام اليهود في الاتحاد السوفييتي سابقا، أن في روسيا والدول المجاورة لها 900 ألف يهودي أكثر من نصفهم يمكن جذبهم إلى إسرائىل في الظروف الراهنة، خصوصا بعدما انخفضت نسبة المهاجرين إلى الدولة العبرية خلال السنوات الأربع الأخيرة.

 

في لندن نشرت صحيفة «إندبندنت» نتيجة دراسة ذهبت إلى أن عام 2009 سيكون عام الطلاق. حيث يتوقع أن يقدم مليون متزوج على الانفصال بسبب الأزمة المالية، وأشارت إلى أن زوجات رجال الأعمال الأثرياء المتضررات سيقدن موجة الزوجات المطالبات بالطلاق، كما تحدثت عن أن مكاتب المحامين المتخصصين بالطلاق، شهدت خلال الشهر الأول من العام الحالي زيادة بمعدل ثلاث مرات في استفسارات الطلاق بالمقارنة بمثيله في العام الماضي، ونقلت عن محامية متخصصة بالطلاق ـ اسمها ماريا تيلور ـ أن «الفقاعة انفجرت»، لأن الذين أجلوا طلاقهم أملا في انقشاع الأزمة أدركوا أنها ستطول فأصبحوا يتعجلون إيقاعه. وهذه الظاهرة تحدثت عنها صحيفة «تشاينا ديلى» الصينية، التي نقلت عن مستشاري الزواج قولهم إن الركود الاقتصادي أصبح سببا مباشرا لزيادة حالات الطلاق في المدن الصناعية بوجه أخص.

 

قد يعنُّ لك أن تسأل عن صدى الأزمة عندنا، وردي أننا اعتدنا في مثل هذه الحالات على أمرين:

 أولهما الإعلان الرسمي عن أن الموقف تحت السيطرة و«كله تمام»،

وثانيهما أن الجهات الأمنية لديها الخبر اليقين، وأنها لن تقصر في القيام «بالواجب» في كل الظروف. وليس مطلوبا منا أكثر من أن «نتفرج» على ما يحدث.

....................

ما لم يقله صفوت الشريف

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 28 ربيع الأول 1430 – 25 مارس 2009

ما لم يقله صفوت الشريف -  فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_25.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/835789.html

 

لابد أن نعترف للسيد صفوت الشريف (76 سنة) بعبقريته في ضمان الاستمرار، وقدرته الفائقة على الانحناء لكل العواصف، وكفاءته في إثبات الحضور. وهي الصفات التي ثبتت مكانه في «الصورة» منذ أكثر من ثلاثين عاما. وسمحت له بأن يتحول من ضابط بالمخابرات العامة إلى وكيل لمصلحة الاستعلامات. وهو الموقع الذي قفز منه إلى منصب رئيس الهيئة في ملابسات تعددت بشأنها الروايات، إلى أن صار بعد ذلك أمينا للجنة الإعلام بالحزب الوطني، ثم وزيرا للإعلام لأكثر من عشرين عاما. وهو الطموح الذي توقف حين أصبح رئيسا لمجلس الشورى وأمينا عاما للحزب الوطني ورئيسا للجنة الأحزاب ورئيسا للمجلس الأعلى للصحافة. وهي رحلة ليس بوسع كل أحد أن يقطعها، ووظائف ليس بوسع أى أحد أن يؤديها. لأنها تتطلب مواهب خاصة، وقدرة عالية على التكيف والمرونة.

 

صحيح أننا لا نعرف بالضبط ما الذي يفعله مجلس الشورى، كما نعرف حجم الدور الذي يؤديه في الحزب الوطني، في وجود جمال مبارك الأمين العام المساعد للحزب، كما أننا نعرف أن قرارات لجنة الأحزاب والمجلس الأعلى للصحافة تحسم في أروقة الأجهزة الأمنية. لكن ذلك لم يمنع السيد صفوت الشريف من أن يتمدد فوق تلك المساحة الشاسعة، وأن يوهمنا بأنه يؤدي عملا حقيقيا.

 

ما دعانى إلى هذا الاستطراد أننى وقفت عند خطبة عصماء للرجل في اجتماع مشترك لأمانتي الشباب والإعلام في الحزب الوطني، أبرزتها «الأهرام» على صفحتها الأولى يوم الاثنين 23/3 الجاري ركز فيها على أمرين، الأول أن شمائل الرئيس مبارك لا نظير لها، والثاني أن الحزب الوطني كامل الأوصاف. وإذا انتبهت إلى هذين العنصرين في كلمته فسوف يفسر لك ذلك لماذا ظل الرجل طافيا فوق سطح الحياة السياسية في مصر طول الوقت؟!

 

في النقطة الأولى قال إن الرئيس مبارك لم يتغير منذ كان أمينا عاما للحزب ونائبا لرئيس الجمهورية، إذ ظل على تواضعه ومكانته السياسية وحكمته ورؤيته الثاقبة للمواقف ورحابة صدره التي جعلته يستمع لكل الآراء. وهو كلام ليس لي إلا اعتراض واحد عليه، وهو أنه ربط بين تلك الشمائل وبين شغل الرئيس مبارك لمنصب أمين عام الحزب ونائب رئيس الجمهورية. الأمر الذي يفتح الباب للالتباس واللغط، لأن بعض المتصيدين والدساسين قد يتساءلون: هل هذه خصال نشأت بعد توليه هذين المنصبين أم أنها كانت ملازمة له قبل ذلك؟!

ولأنه رجل لمّاح، فإنه بعد أن امتدح الرئيس مبارك تذكر أن الاجتماع الذي يتحدث فيه عقد في اليوم التالي مباشرة لعيد الأم، وأراد أن يستثمر المناسبة في موعظة وطنية، فقال إن الولاء الأكبر لمصر والانتماء الأعظم لها. ونحن في احتفالنا بعيد الأم نعلن أن مصر سوف تستمر الأم إلى الأبد والرائدة في المنطقة كلها.

 

فيما يخص الحزب قال السيد الشريف في النص الذي نشرته «الأهرام» ما يلى: إن الحزب يؤمن بالديموقراطية والتعددية. ويحقق إصلاحا مستمرا، ويستهدف ذاكرة الأمة بماضيها، ويثبت اقدامها لحاضرها، ويبني روحها لمستقبلها، ويواجه التحديات بقوة وتواصل أجيالها. وبعد أن قدم هذه اللوحة البلاغية الجميلة قال ما يلي: إنه ليس حزب رجال الأعمال، ولكنه حزب مصر كلها، ولا يوجد صراع في داخله أو مراكز قوى، ثم إنه لا يوجد فيه يمين أو يسار.

 

ورغم أن كلامه استقبل بالتصفيق أثناء الاجتماع، فإن أحد الحاضرين قال لي بعدما انفض السامر إن الحقيقة التي تجاهلها السيد الشريف وهو يستعرض «لاءاته» هي أنه لا وجود للحزب أصلا بين الناس.

.......................

أوان الافاقة والمراجعة - المقال الاسبوعى

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 27 ربيع الأول 1430 – 24 مارس 2009
أوان الافاقة والمراجعة - فهمى هويدى - المقال الاسبوعى
من مفارقات القدر وسخرياته أنه في حين يتردد خطاب التصالح بين الخصوم بقوة في الساحة الدولية، فان الاستقطاب والتقاطع بين الأشقاء أصبحا يخيمان على المشهد السياسي العربي.

(1)
حينما دعا الرئيس الأمريكي باراك أوباما الى فتح صفحة جديدة مع ايران في خطابه الذي وجهه بمناسبة عيد النوروز يوم الجمعة الماضي (3/20) فانه كان يتقدم خطوة الى الأمام على الدرب الذي اختار السير فيه، بعيدا عن نهج سلفه الرئيس بوش، وهو ما بدا واضحا في الحوار الذي أجرته معه صحيفة نيويورك تايمز «في 3/8 الحالي»، وجاء خاليا من لغة الاستقواء والغطرسة التي دأب بوش على التحدث بها، ذلك أن الرجل لم يشر الى الارهاب أو محوري الشر والخير أو الفوضى الخلاقة أو نشر الديموقراطية، أو غير ذلك من المفردات التي ظل الرئيس الأمريكي السابق يلوح بها طوال سنوات حكمه الثماني، وانما حرص أوباما على أن يطل على الجميع وقد مد يده الى الآخرين، مبديا رغبته في أن يتعاون معهم في تحقيق التعايش الآمن والأهداف المشتركة، حتى انه في حديثه عن العراق، ذكر أن من بين أسباب النجاح في تحقيق «الاستقرار» هناك، أن قيادة القوات الأمريكية مدت يدها الى «أشخاص تعتبرهم اسلاميين أصوليين أبدوا استعدادا للعمل معنا».

الرسالة في الاشارة الأخيرة يمكن أن نفهمها على نحو أوضح حين نطالع العدد قبل الأخير من مجلة نيوزويك «الصادر في 3/10» الذي كان عنوان غلافه كالتالي الاسلام الراديكالي حقيقة من حقائق الحياة، كيف نتعامل معه؟، وفي الداخل، المقال الذي كتبه في الموضوع رئيس تحرير المجلة فريد زكريا، وكان عنوانه «تعلم العيش مع الاسلام الراديكالي». وفي سياق المقال، قال اننا لسنا مضطرين الى الموافقة على رجم المجرمين بالحجارة، ولكن حان الوقت للتوقف عن معاملة كل الاسلاميين وكأنهم مشاريع ارهابيين.

هذا الفرز للآخر بما يؤدي الى التمييز بين المعتدلين والمتطرفين في الساحة الاسلامية، أمر جديد على الخطاب السياسي الأمريكي، وأغلب الظن أن ذلك التمييز يقف وراء دعوة أوباما في حديثه الى نقل تجربة العراق لأفغانستان، والشروع في محاورة «العناصر المعتدلة» في حركة طالبان.

(2)
صحيح أن الرئيس الأمريكي الجديد منحاز منذ وقت مبكر الى فكرة الحوار مع الجميع دون تمييز، كما قال لي أحد الذين كانوا ضمن فريقه في حملته الانتخابية، الا أننا ينبغي أن نلاحظ في خطابه أمرين، أولهما أنه يريده تغييرا في الوسائل وليس في الأهداف، ذلك أن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية كما هي لم تتغير، ولكن التطور الحاصل هو في سبل تنفيذها، حيث يريد أوباما ان يستخدم «القوة الناعمة» في حين أن سلفه كان يلجأ دائما الى القوة الخشنة والباطشة.

الأمر الثاني أنه في تعامله مع ملف الصراع العربي الاسرائيلي، ينطلق من انحيازه الى الرؤية الاسرائيلية التي تتبناها وتساندها مراكز قوة لا يستهان بها في الولايات المتحدة. وحتى اذا اختلف مع تل أبيب في أمر ما «توسيع المستوطنات مثلا» فان خلافه سيظل من قبيل تعدد الاجتهاد في تحقيق مصلحة اسرائيل.

لابد أن نلاحظ أن حديث أوباما عن التفاهم مع من أسماهم «معتدلي طالبان» جاء متزامنا مع قرار الحكومة البريطانية التعامل مع حزب الله في لبنان، الذي كان مدرجا ضمن «الجماعات الارهابية»، ومع قيام وفد يمثل البرلمان الأوروبي بزيارة دمشق والتقاء رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل والأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي رمضان عبدالله وآخرين من قادة فصائل المقاومة، كما جاء ذلك الكلام في أعقاب وصول أكثر من رسالة من واشنطن الى دمشق عبر أعضاء الكونجرس الذين توافدوا على العاصمة السورية في الأسبوع الذي سبقه.

لا تفوتنا أيضا ملاحظة أن الادارة الجديدة في واشنطن تحدثت عن فتح صفحة جديدة للعلاقات مع روسيا، كما أبدت رغبتها في اجراء «حوار صريح» مع كوريا الشمالية وفي ذات الوقت، أصدر الكونجرس قانونا يرفع جزئيا حظر السفر الى كوبا وتصدير الأدوية اليها في بادرة تخفف من الحصار المفروض عليها وتمهد لتطبيع العلاقات معها.

ما أريد أن أقوله ان الاتجاه الى مد جسور الحوار والتفاهم بين الخصوم، بمن فيهم عناصر حزب البعث في العراق الذي عملت حكومة بغداد على «اجتثاثه»، هو سمة هذه المرحلة، وثمة عوامل عدة اسهمت في توفير تلك الأجواء. فالأزمة الاقتصادية صارت هم الجميع الذي ينبغي أن تتضافر جهودهم لمواجهته. ثم ان الادارة الأمريكية دخلت حربين فاشلتين في العراق وأفغانستان وتضغط اسرائيل لتوريطها في عمل عسكري ضد ايران، ذلك كله من شأنه أن يرفع من درجة التوتر وعدم الاستقرار الذي ينبغي أن يوضع له حد. من ناحية ثالثة، فان الصمود المشرف الذي وقفته غزة في مواجهة الانقضاض الاسرائيلي الشرس على المدنيين في القطاع أقنع كثيرين في الغرب بأن قوة السلاح فشلت في تركيع الفلسطينيين، وأنه لم يعد هناك مفر من التفاهم مع حركة حماس التي تسيطر على القطاع.

(3)
هذه التطورات المهمة أصبحت محل لغط وجدل في الأوساط السياسية والاعلامية الغربية، بحيث لم يعد السؤال: هل تتحدث حكومات القرار في أوروبا وأمريكا مع ايران وحماس وحزب الله أم لا؟، وانما أصبح السؤال: كيف يمكن أن يتحقق ذلك، وما النتائج المرجوة من ذلك الحوار؟

فقد نشرت صحيفة التايمز البريطانية في 2/26 الماضي رسالة بعنوان «التوصل الى السلام لا يتحقق الا بالتحاور مع حماس»، وقعها 11 من السياسيين البارزين في بريطانيا والعالم الخارجي. منهم اللورد كريس باتن، المفوض السابق لدى الاتحاد الأوروبي، واللورد بادي أشداون، الممثل السابق للمجتمع الدولي في البوسنة، وشلومو بن عامي، وزير الخارجية الاسرائيلية السابق، وجاريث ايفانز، وزير خارجية استراليا السابق، وخلال يومي 4و5 مارس الحالي، عقد في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي في روما حوار حول سياسة الرئيس أوباما الجديدة في الشرق الأوسط، وحضر ذلك المؤتمر الدولي مشاركون من الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا، وفي 3 مارس الحالينشرت صحيفة «هاآرتس» أن مسؤولي وزارتي الخارجية والدفاع أعدوا وثيقة سجلوا فيها تحفظاتهم على الحوار بين واشنطن وطهران، وأنهم سوف يقدمون تلك الوثيقة الى وزيرة الخارجية الأمريكية لوضع الموقف الاسرائيلي في الاعتبار، وقرأت في 3/11 «وصفة» لكيفية انجاح الحوار مع ايران، في مقالة لديفيد أغناثيوس، أحد كتاب صحيفة واشنطن بوست، قدم فيها خلاصة لحوار مع لي هاملتون، عضو الكونجرس السابق عن ولاية أنديانا، الذي ترأس مجموعة لدراسة الوضع في العراق عام 2006، وقد وصفه بأنه «نصير الصبر تجاه ايران».

أضيف الى ما سبق المعلومات التالية التي خرجت بها من لقاءاتي مع عدد من كبار الصحافيين الذين قدموا من مختلف أنحاء العالم، للمشاركة في مؤتمر «الاعلام والسلطة»، الذي دعا اليه مركز الجزيرة للدراسات، وعقد بالدوحة يومي 8 و9 مارس الحالي:

- ان الرئيس أوباما الغارق حتى أذنيه في مشكلتي الأزمة الاقتصادية وتداعيات الانسحاب من العراق، والذي فوجئ بأن الوضع في أفغانستان أسوأ مما توقع، لم يلق بثقله بعد في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، ورغم أن لديه صورة وافية عن الوضع في المنطقة، خصوصا القضية الفلسطينية التي كان الرئيس الأسبق جيمي كارتر أحد الذين حدثوه باستفاضة في شأنها، الا أنه ترك هذه الملفات مؤقتا لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومساعديها.

- ان الفريق الجديد في وزارة الخارجية ليس منسجما تماما مع توجهات الرئيس أوباما، فالسيدة كلينتون لها موقفها المتشدد ازاء حركة حماس، كما أن دينيس روس، المبعوث الأمريكي، الذي يتعامل مع الملف الايراني له موقفه المعارض لطهران، لذلك فان ذلك الفريق مرشح للتغيير في المستقبل، ومن رأي سيمور هيرش محرر «نيويوركر» الشهير، أن السيدة كلينتون قد لا تستمر طويلا في منصبها.

- ان تركيا مرشحة لأن تلعب دورا مهما في مرحلة المصالحة الراهنة، وكانت تلك هي الرسالة التي نقلتها الى القادة الأتراك وزيرة الخارجية الأمريكية أثناء زيارتها لأنقره قبل أسبوعين، ومما له دلالته في هذا الصدد أن الرئيس أوباما سوف يخاطب العالم الاسلامي من العاصمة التركية، التي سيزورها خلال شهر أبريل القادم، والدور التركي المرتقب ليس جديدا تماما، فقد كان لأنقره دورها في المحادثات بين سورية واسرائيل، كما أنها سعت للقيام بدور في المصالحة الفلسطينية، لم تتحمس له القاهرة في حينه، وهناك الآن اتصالات تركية ايرانية سورية عراقية، للتفاهم حول وضع العراق بعد الانسحاب الأمريكي، والزيارات التي قام بها خلال الأسابيع الأخيرة الشيخ هاشمي رفسنجاني للعراق، وكل من الرئيس التركي عبدالله جول والمالكي لطهران تمت في هذا السياق.

- ان التفاهمات بين ايران والولايات المتحدة بدأت بالفعل عبر قنوات متعددة، أحدها اجتماعات تواصلت خلال الأسابيع الأخيرة في جنيف، ومثل ايران فيها دبلوماسي مخضرم، رفض في البداية فكرة تحديد سقف زمني للمحادثات، وقال لنظيره الأمريكي انه لا يمانع في ذلك اذا تحدد سقف زمني للمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية.

(4)
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل العالم العربي مهيأ للتعامل مع هذه الرياح الجديدة؟

أجد صعوبة في الرد على السؤال بالايجاب، فأنظمتنا العربية غير مستعدة للانفتاح على قواها السياسية الفاعلة في الداخل ناهيك بالتصالح معها، لأن ذلك يتطلب اصلاحا سياسيا لم يعد مدرجا ضمن أولوياتها. كما أنها غير مستعدة لتغيير سياساتها الخارجية.

أدري أن ثمة حديثا رطبا يتردد في الفضاء العربي عن المصالحة وتنقية الأجواء بين الأشقاء، وهو حديث انطلق أثناء قمة الكويت الاقتصادية، وعبر عنه خطاب العاهل السعودي الملك عبدالله، كما أننا تابعنا تحركات لبعض القادة قيل انها تسعى لتحقيق ذلك الهدف، لكن من الواضح أن تلك الجهود رطبت الأجواء وفضت الاشتباك مؤقتا، لكنها لم تغير شيئا في المواقف والسياسات وهو ما يسوغ لنا أن نقول: ان ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز حدود «التهدئة» بين معسكري «الاعتدال» الذي تقوده مصر والسعودية، والممانعة الذي تقوده سورية، والخلاف بين الطرفين استراتيجي وعميق، فالأولون يتحدثون عن التحدي الايراني ويتمسكون بالتسوية السياسية، والآخرون يتحدثون عن التحدي الاسرائيلي وينحازون الى المقاومة، الأمر الذي يجعل التناقض بينهما شديدا واللقاء متعذرا. ولذلك فان الرئيس السوري بشار الأسد كان دقيقا حين صرح بعد قمة الرياض الأخيرة «التي دعا اليها العاهل السعودي الملك عبدالله وحضرها غير الرئيس السوري الرئيس المصري وأمير الكويت»، بأن الاتفاق تم على «ادارة الخلاف» وليس انهائه.

لا يعني ذلك أن طريق الاتفاق مسدود، لكنه وعر بكل المقاييس وتذليل صعوباته يتطلب ارادة مستقلة وشجاعة في المراجعة ونقد الذات، توازن بين خبرة التعامل مع كل من النهجين من زاوية المصالح العربية العليا، ولعل الرياح التي تهب الآن في الأفق والرسالة التي وجهها الرئيس أوباما الى ايران تشجع الطرفين على الافاقة والنظر بتجرد في صواب الاستراتيجيات التي أصابت أقطارنا بالوهن، ومزقت الصف العربي حتى كادت تخرجه من مجرى التاريخ.

خبرة ليست للتصدير

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 26 ربيع الأول 1430 – 23 مارس 2009

خبرة ليست للتصدير – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_5425.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/834018.html

 

هل صحيح أن الخبرة المصرية في التعليم قابلة للتصدير إلى الخارج؟ هذا السؤال خطر لي حين قرأت في ذلك الصباح خبرا عن اجتماع وزير التعليم المصري د.يسري الجمل، مع نظيره الأفغاني فاروق وارداك. حيث بحثا أوجه التعاون المشترك، وتبادل الخبرات في مجال التعليم، وطبقا للكلام المنشور فإن د.الجمل عرض على ضيفه الأفغاني التجربة المصرية الموضوعة لتخريج طلاب مزودين بالمهارات الحياتية. ويبدو أن الوزير نجح في إبهار الضيف حتى خرج الرجل من الاجتماع لكي يقول للصحافيين إن التجربة المصرية «تعد نموذجا رائعا يمكن الاستفادة منه». (أهرام الجمعة 3/20 الجاري)، الأمر الذي أثار فضولي، لأنني لم أتصور أن الخبرة المصرية في مجال التعليم بالذات يمكن أن تنفع أي بلد آخر، وآخر ما خطر لي على بال أن يقول قائل إنها تعد نموذجا رائعا يمكن الإفادة منه.

 

 ما أزعجني في الموضوع ليس أن يقول الوزير الأفغاني هذا الكلام، ولكن أن يصدقه ويأخذه على محمل الجد، بحيث يبدأ في اقتباس الخبرة المصرية في مجال التعليم. حتى تمنيت أن يكون الكلام الذي صدر عنه من قبيل المجاملات المجانية، التي يمتدح بمقتضاها الضيف مضيفيه بكلام يريحهم ويرد لهم مقابل استضافته خلال الزيارة، مثلما يحدث مع زوار آخرين كثيرين.كما أنني خشيت أن نصدق بدورنا الكلام، بحيث نعتبره شهادة نرد بها على تحفظات الناقدين.

 

 ذلك أنك لو سألت أي مواطن مصري عادي عن خبرته مع التعليم الحكومي. فإنك ستفتح على نفسك بابا للشكوى المرة يتعذر إغلاقه. إذ الانطباع العام أن المدارس الحكومية في مصر لم تعد تعلّم أحدا، وأن التعليم الحقيقي إما أن يتم في المدارس الخاصة أو من خلال الدروس الخصوصية، حتى ان بعض المعلمين أصبحوا يستأجرون شققا وطوابق في بعض البنايات لإعطاء الدروس للطلاب خارج المدرسة. وبات معروفا أن التلاميذ ينقطعون عن الذهاب إلى مدارسهم الحكومية في النصف الثاني من العام الدراسي، لكي يتفرغوا للمذاكرة، بعدما اقتنعوا بأن ذهابهم إلى المدارس بمنزلة مضيعة للوقت، خصوصا في سنوات الشهـادات التي تتطلـب مجاميـع عاليـة.

 

لا تسأل عن أحوال المباني المدرسية ولا عن أحوال المدرسين البائسة، لكنك لن تستطيع أن تنكر أن تسريب الامتحانات والغش أثناءها والعبث بالنتائج النهائية، أصبح من سمات الخبرة المصرية التي ينبغي أن نسترها لا أن نصدرها. ليست هذه هي كل الصورة بطبيعة الحال، ولكنها بعض ملامحها الكارثية. وهي التي لا ينفرد بها التعليم، لكنها شملت قطاع الخدمات خصوصا الصحية منها. ذلك أن الدولة المصرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة لم تتخل عن مشروعها السياسي فقط، وإنما تخلت أيضا وبصورة تدريجية عن مسؤولياتها تجاه المجتمع.

 

 بالتالي، فكما أن دورها تراجع في العالم العربي، فإن ذلك التراجع تحقق بذات القدر على الصعيد الداخلي، فانهارت الخدمات تباعا، وكان أهم تقدم حدث خلال تلك المرحلة من نصيب الأجهزة الأمنية التي تعززت قدراتها بقدر تعاظم دورها في المجتمع.

 

لا أستبعد أن يكون الوزير الأفغاني قد رتبت له زيارات لبعض المدارس المعدة لاستقبال الضيوف، التي يستعار لها تلاميذ ومدرسون مستحمون ومهندمون من جهات أخرى (كما حدث أثناء زيارة قرينة الرئيس الأميركي السابق لمدينة الإسكندرية قبل عامين). ولذلك أقلقني ما ورد في الخبر المنشور من أن بعض رجال التعليم في أفغانستان سيدعون إلى مصر للتعرف على التجربة التعليمية على الطبيعة، لأن ذلك لو حدث فربما أفسد الفيلم كله. لأنهم سوف يكتشفون أن الوضع في مصر يختلف عنه في أفغانستان في الدرجة فقط وليس في النوع.

 

وسأكون مسـرورا لا ريب إذا علمت أن الأمر كله مجرد «كلام جرايد»، وأنه لا الوزير الأفغاني قال ما نسب إليه، ولا زيارة رجال التعليم الأفغان لها أصل من الحقيقة، وأن الخبر ليس أكثر من موضوع للإنشاء دبجه موظف في العلاقات العامة يريد أن يستجلب رضى الوزير وليس لتخطي دوره في الترقية.

................

فرقعة لا لزوم لها

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 25 ربيع الأول 1430 – 22 مارس 2009
فرقعة لا لزوم لها - فهمى هويدى
هذه مجموعة من «الاكتشافات» وقعت عليها في الأسبوع الماضي في ثنايا خبر بشَّرَنا بصدور قرار لجامعة الدول العربية باعتبار اليوم السادس عشر من شهر مارس من كل عام يوما عربيا لحقوق الإنسان. أما لماذا ذلك اليوم بالذات، فلأنه التاريخ الذي دخل فيه الميثاق العربي لحقوق الإنسان حيز التنفيذ، كما ذكرت جريدة «الدستور» في عدد 19 - 3. وهي الإجابة التي كانت بداية الأسرار التي تكشفت تباعا. من ناحية لأننا لم نكن نعلم أن هناك ميثاقا عربيا لحقوق الإنسان، أما المفاجأة الحقة فتكمن في أن ذلك الميثاق دخل حيز التنفيذ دون أن نعلم جميعا. من الأسرار الأخرى التي فاجأنا بها الخبر المنشور، أن لدينا لجنة عربية دائمة لحقوق الإنسان تابعة لجامعة الدول العربية، بل ولدينا أيضا لجنة «خبراء» متخصصين في حقوق الإنسان متفرعة عن اللجنة الدائمة. وهو ما يوفر للمواطن العربي عدة هياكل مشغولة كلها بالدفاع عن حقوق الإنسان. الأمر الذي يطيل من رقبته ويملؤه بالثقة والاطمئنان، على الأقل حتى ينتهي من قراءة الخبر. وهو ما يعني أن الموضوع تمت تغطيته تماما في العالم العربي، ولم يبق فيه غير حلقة واحدة «بسيطة للغاية» تتمثل في ضمانات حماية حقوق الإنسان على أرض الواقع. ذلك أن المهم فيما بدا هو الهياكل والإجراءات، الأمر الذي يذكرنا بالرجل الذي ذهب ليبحث عن سلعة في متجر كبير متعدد الطوابق، وكلما قصد طابقا دلوه بمنتهى الذوق على الطابق الذي يليه عساه يجد فيه ضالته. وبعدما وصل إلى الطابق الأخير وفشل في بلوغ مراده، عاد أدراجه ليغادر المتجر، وعلى بابه صادف مديره وروى له قصته، فما كان من صاحبنا إلا أن سأله: لكن بذمتك ما رأيك في «السيستم» (النظام)؟
هكذا، فإننا في صدد حقوق الإنسان في الوطن العربي شغلنا بـ «السيستم» ولم نتقدم خطوة واحدة في الدفاع عن حقوق الإنسان. وللإنصاف، فإن هذا النهج لم تبتدعه الجامعة العربية، وإنما سبقتها فيه تونس، التي تعد بحق دولة «رائدة» في هذا المجال. ذلك أن كل وزارة وكل إدارة وكل قسم للشرطة، أنشئ فيه مكتب لحقوق الإنسان. أما الحديث عن ثقافة حقوق الإنسان في المحاضرات العامة والنشرات وبرامج الإذاعة والتلفزيون والمناهج الدراسية، فالإسهاب فيه بلا حدود. بما يعني أن «السيستم» محكم بدرجة لا تخر منه الماء. وظل الشيء الوحيد المفقود في المشهد هو احترام حقوق الإنسان. وهو ما تشهد به كل التقارير العربية والدولية المعنية بالموضوع، التي تسجل لتونس أعلى درجة في انتهاكات حقوق الإنسان، في بلد هو الأكثر احتفاء بالكلام عن تلك الحقوق. ولا تنافسها في تلك المرتبة سوى مصر.
الطريف في الكلام المنشور الذي زفّ إلينا خبر تخصيص يوم عربي لحقوق الإنسان، وكشف لنا عن الأسرار سابقة الذكر أن الجامعة العربية لن تتطرق في تلك المناسبة إلى انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف الأقطار، ولكن غاية ما ستفعله أنها ستعمم على العالم العربي مجموعة من النصائح والتوصيات في هذا الصدد. لماذا ؟ لأن الجامعة العربية تمثل الحكومات ولا تمثل الشعوب، وهي إذا كشفت عن الحقيقة في الانتهاكات التي ترتكبها الحكومات، فمعنى هذا أنها تنتقد من تمثلهم وتتحدث باسمهم وهو ما لا تحتمله العلاقات «الأخوية» بين الحكام العرب. هذا التبرير الذي ورد في الخبر لا يخلو من منطق، لكنه يطرح السؤال التالي: إذا كان الاحتفال باليوم العربي لحقوق الإنسان وكل «السيستم» المحيط به لن يقدم أو يؤخر في الموضوع، فما جدواه إذن، ولماذا نضيع الوقت والجهد والمال في لعبة سقيمة من هذا القبيل؟

بوابة الإسلام العقابي

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 24 ربيع الأول 1430 – 21 مارس 2009

بوابة الإسلام العقابي – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_20.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/832501.html

 

بعدما اتفق شيوخ القبائل في «سوات» على تطبيق الشريعة الإسلامية في مقاطعتهم، فإن أول ما فعلوه أنهم شرعوا في إقامة المحاكم لردع المذنبين وتأديب المنفلتين. و«سوات» هذه مقاطعة في شمال غرب باكستان، في المنطقة الحدودية الموازية لأفغانستان، وسكانها من «البشتون» الذين خرجت طالبان الأفغانية من صفوفهم، وهذه الخطوة ليست شاذة في مجتمعات مسلمي أطراف العالم الإسلامي، الذين يعتبرون تطبيق الحدود هو الخطوة الأولى اللازمة لتطبيق الشريعة. وهو ما حدث في نيجيريا والصومال (حركة المحاكم الإسلامية).

 

ومن المفارقات أن هذا الذي اعتبروه مدخلا لتطبيق الشريعة، هو من الناحية الزمنية من آخر ما نزل من تعاليم الإسلام، من تلك المفارقات أيضا أن تلك الدعوات انطلقت في مجتمعات بائسة عانت من الدمار والفقر والتخلف، لكن الذين أطلقوها أداروا ظهورهم لكل عناصر ذلك الواقع المؤلم، ولم ينشغلوا إلا بالتعامل مع المنحرفين في المجتمع، وهو ما يدعونا إلى تأمل المفارقة الثالثة التي تتمثل في تجاهل أشواق الأسوياء، الذين يشكلون الأغلبية الساحقة، وتوجيه الاهتمام صوب المنحرفين ومن لف لفهم، من ثم فإن مسلكهم جاء معبرا عن فهم منقوص للدين ولسنن الإصلاح، وفهم معدوم للدنيا ولفقه عمارة الأرض.

 

كون ذلك حاصلا في مجتمعات الأطراف يفسر لنا لماذا تعاني من الفقر الشديد في المعارف الإسلامية، الأمر الذي تختل في ظله الأولويات والموازين، بحيث تغيب المقاصد عن الإدراك العام.

 

وتحتل بعض الوسائل صدارة الاهتمام. وهو ما يحول الرسالة السماوية في نهاية المطاف إلى قانون للعقوبات، وليس سبيلا إلى هداية الناس واستقامتهم، ودعوة إلى عمارة الأرض، وإشاعة الخير والنماء في المجتمع.

هؤلاء الذين يريدون اختزال الإسلام في الحدود يهينونه من حيث إنهم يبتذلونه ويقزمونه. كما أنهم يلطخون وجه الحضارة الإسلامية، التي أنجزت ما أنجزته، لا لأنها لاحقت العصاة والمنحرفين، ولكن لأنها فجرت طاقات النهوض والإبداع لدى النابهين من أبناء الأمة، فتنافسوا في العطاء ووظفوا إيمانهم لمصلحة التقدم والبناء.

 

في زياراتي لباكستان وأفغانستان صادفت نماذج من هؤلاء. وحين كنت أحدثهم عن أن من يريد أن يطبق الشريعة حقا يجب أن يدخل إليها من باب تعزيز الحرية والديموقراطية، ولا ينبغي أن يفتح باب الحديث عن الحدود قبل توفير الكفايات للناس، حتى يتسنى لهم الحلال الذي يغنيهم عن اللجوء إلى الحرام. وقد علت الدهشة وجوههم، حين قلت إن سيدنا عمر بن الخطاب أوقف حد السرقة في عام المجاعة، لأن الناس يجب أن يشبعوا ويعيشوا مستورين حتى لا يمد أحدهم يده ليسرق شيئا من مال غيره. وكانت خلاصة ما خرجت به أن هؤلاء مسلمون مخلصون لكنهم لا يعرفون من أمر دينهم إلا النزر اليسير. وهو ما حاولت لفت الانتباه إليه في كتابي عن جماعة طالبان، الذين وصفتهم بأنهم «جند الله في المعركة الغلط».

 

هذه العقلية تجلت في سلوك «الخوارج» الذين كانوا أشد فرق المسلمين تدينا وأكثرهم اندفاعا وتهورا. فهم الذين رفعوا شعار «لا حكم إلا لله» وكفروا علي بن أبي طالب لأنه قبل التحكيم بينه وبين معاوية، حتى لم يترددوا في قتل من لم يؤيدهم في تكفيره. وهؤلاء لم يختلفوا كثيرا عن «اليعقوبيين» في الثورة الفرنسية، الذين باسم الحرية والإخاء والمساواة ارتكبوا الفظائع، فقتلوا المئات، وأسالوا الدماء غزيرة في البلاد.

 

لقد ندد الشيخ محمد الغزالي في كتاباته كثيرا بالمسلم «الغبي» الذي اعتبره كارثة بكل المعايير. ولا أعرف ما الذي كان يمكن أن يقوله إذا ما قرأ خبر الذي جرى في «سوات»، لكنني واثق من أنه لن يصنفه بعيدا عن ذلك «الغبي» الذي استفزه وأثار غضبه ولم يتوقف عن مطاردته في كتبه خلال السنوات الأخيرة في عمره.

.......................

 

الاستمرار مقدم على الاستقرار

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 22 ربيع الأول 1430 – 19 مارس 2009

الاستمرار مقدم على الاستقرار - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_8496.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/830933.html

 

ماذا يكون شعور المواطن المصري حين يفتح عينيه في الصباح على عنوان يقول إن مصر بين الدول الأكثر بؤسا في العالم، وإنها احتلت المركز السابع والخمسين بين ستين دولة حسب مؤشر وكالة بلومبرج للأنباء، التي أجرت دراستها اعتمادا على معدلات التضخم والاستهلاك والبطالة. وإلى جوار التقرير المنشور على الصفحة الأولى من جريدة «الشروق» أمس (18 /3). صورة لصبي يجسد حالة البؤس المذكورة، وخبر نصه كالتالي: أشعل طفل في المرحلة الإعدادية في منطقة عين شمس النيران في نفسه، ما أدى إلى وفاته، وأخبرت أمه آمال إبراهيم المباحث الجنائية بأن ابنها محمد علي كان يعاني من الاكتئاب بسبب الحالة الاقتصادية للأسرة، وشعوره بـ «النقص» أمام أقرانه.

 

حين قرأت الخبر رجعت إلى قصاصة احتفظت بها من عدد «الشروق» الصادر قبل يومــين (16 /3)، تضمنت خلاصة لتقرير ذكر أن 12 ألف شاب مصري انتحروا بسبب البطالة خلال 4 سنوات، وكان مصدر الخبر مذكرة قدمها إلى مجلس الشورى أحد أعضائه ـ النائب أحمد الزهري ـ تساءل فيها عن سياسة الحكومة بشأن مشكلة البطالة، التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، وتضاربت بصددها التقديرات، (وزارة القوى العاملة قالت إنها لا تتجاوز 7 ٪، في حين أكد تقرير البنك الدولي أنها تخطت ٪22 وقالت منظمة العمل العربية إنها لا تقل عن ٪23). ونسب النائب رقم الـ 12 ألف منتحر إلى إحصائيات المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، منبها إلى أن هؤلاء بخلاف الذين أصبحوا يموتون بالعشرات أثناء محاولات الهجرة غير الشرعية، تعلقا بأمل الحصول على فرصة عمل خارج البلاد. ونقلت الصحيفة في التقرير ذاته خبرا من محافظة المنيا ذكر أن أحدث ضحايا حوادث الانتحار شاب في العشرين من عمره حاصل على دبلوم الصنايع، ضاقت به الأرض بسبب البطالة، فاقترض ثمن الكيروسين الذي اشتعل في جسده، فأصيب بحروق من الدرجة السادسة أدت إلى وفاته.

 

حين قلبت الصحف الأخرى التي صدرت أمس الأربعاء وجدت أن صحيفة «الدستور» تحدثت عن ظاهرة انتحار المساجين في زنازين الداخلية، وأن «المصري اليوم» أبرزت على صفحتها الأولى خبر دعوة القوى الوطنية لتحويل 6 أبريل إلى يوم «للغضب». أما «البديل» فإنها أبرزت خبر استمرار الإضرابات العمالية في أربع محافظات، في حين أن «الوفد» تحدثت في عنوان على الصفحة الأولى عن «قهوجي» ذبح زوجته وابنتيه، وأشعل فيهن النار ثم هرب، وإن لم يشر الخبر إلى سبب ارتكاب الجريمة.

 

عن الحد الأدنى، فإن المرء يشعر بالاكتئاب حين يقرأ أن مصر بين أكثر الدول بؤساً في العالم. كما أنني لست واثقاً من دقة الرقم الذي تحدث عن انتحار 12ألف شاب خلال السنوات الأربع الأخيرة، بمعدل 3 آلاف شاب كل عام أو أكثر من ثمانية شبان يوميا، مع ذلك فإن مختلف الشواهد تدل على أن المشكلة الاجتماعية في مصر تتفاقم حينا بعد حين، نتيجة استمرار التركيز المبالغ فيه طوال ربع القرن الأخير على الأقل على الأمن السياسي وإهمال الأمن الاجتماعى.

 

وإذا كانت تلك مسألة تدعو إلى القلق، فإن هذا القلق ينبغي أن يتضاعف الآن، لأن الوضع الاقتصادي مرشح للتدهور في مصر، وفي كل الدول المحيطة، للأسباب المعروفة. الأمر الذي يستدعي استنفارا وإعلانا للطوارئ القصوى في مختلف أجهزة الدولة للتعامل مع احتمالات المستقبل، التي إذا كانت هذه مقدماتها، فإننا ينبغي ألا نتفاءل كثيرا بالمآلات، حيث تشير مختلف التقارير إلى أن الأزمة الاقتصادية ستبلغ ذروتها مع نهاية العام. وللأسف فإننا نشاهد في مصر درجة من الاسترخاء الغريبة، التي تعطي الانطباع بأن الأمر ليس مأخوذا على محمل الجد، وأن الاهتمام بالاستمرار مقدم على مقتضيات الاستقرار.

...........................

مواطنون بلا أرض

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 21 ربيع الأول 1430 – 18 مارس 2009

مواطنون بلا أرض – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_18.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/830630.html

 

الحوار الجاري على بعض مواقع الإنترنت حول العشوائيات وبيوت الغلابة في مصر ظاهرة صحية تستحق الانتباه والمتابعة من أكثر من وجه. فهو أمر مثير حقا ان نجد مجموعات من الشباب مشغولة بالموضوع، الذي لا تتعامل معه الحكومة الا في اعقاب الكوارث. كما انني لاحظت ان بعضا من هؤلاء الشبان أطلقوا فكرة تخيلوا فيها ان الصورة يمكن ان تختلف تماما لو ان عشرين مليون مصري قرروا بناء مساكن بديلة للعشوائيات. وحسب التقرير الذي نشرته صحيفة «الشروق» في 9 مارس فإن هؤلاء حلموا بأن يجمعوا ميزانية تقدر بعشرين مليون جنيه شهريا، تشكل رصيدا جيدا لإخراج الحلم الى حيز التنفيذ.

 

الفكرة ليست حلما خالصا، لأنها طبقت بالفعل بصورة اخرى في التجربة البرازيلية، التي تشكلت فيها خلال ثمانينيات القرن الماضي حركة باسم «مواطنون بلا ارض»، كان هدفها هو توفير مساكن انسانية للفقراء والمعدمين. هذه التجربة نبهني اليها احد القراء ـ د.محمد سعد ـ الذي تلقيت منه رسالة شرحت ما جرى هناك، وتمنى فيها ان يستفيد المصريون من خبرتهم، خصوصا ان ثمة تشابها بين ظروف البلدين في هذا المجال. ذلك ان المساحة المزروعة في مصر، التي يتركز فيها السكان لا تتجاوز 4% فقط من اجمالي مساحة البلد (مليون كيلو متر مربع).

 

وفي البرازيل فإن 3% من السكان يملكون ثلثي الارض المزروعة. وفي البلدين نسبة فقر عالية يعاني منها ملايين السكان. لكن الأمر اختلف في البرازيل منذ عام 1985، ذلك ان الفقراء هناك سئموا الحياة في ظل اوضاعهم المزرية، فقرر نفر منهم تنظيم انفسهم من خلال حركة عرفت باسم «عمال بلا ارض»، قامت فكرتها الاساسية على الزحف بشكل جماعي الى الاراضي المهجورة، ثم تحويلها بالجهود الذاتية الى تجمعات عمرانية، اقرب الى المستوطنات بالمفهوم الشائع.

 

وهذا ما حدث، حين قام اعضاء الحركة بوضع ايديهم على قطعتي ارض مهجورتين في ولايتين مختلفتين، مما ادى الى ذيوع صيتها وزيادة الالتفاف من حولها. وهو ما شكل ضغطا على الحكومة التي اضطرت الى تعديل القوانين في عام 1988، لتسمح باستغلال الاراضي المهجورة وفق مجموعة من الشروط. وهو ما ساعد على اطلاق الحركة وإقبال شرائح واسعة من الفقراء على المشاركة في انشطتها، حتى انضم اليها اكثر من مليون ونصف مليون عضو وقرابة 350 ألف اسرة، اقامت 2000 مستعمرة لاستغلال الاراضي، في 23 ولاية من ولايات البرازيل الـ 27. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن نجحت الحركة في اقامة 63 مجمعا تعاونيا تحقق دخلا سنويا يتجاوز 60 مليون دولار. اضافة الى 3 بنوك شعبية للإقراض و96 مصنعا للاغذية تستفيد من المحاصيل التي تنتجها المستعمرات. ليس ذلك فحسب، وإنما أقامت الحركة ألف مدرسة ابتدائية و100 مدرسة للمرحلة الثانوية يدرس فيها اكثر من 25 ألف طالب.

 

طريق الحركة لم يكن مفروشا بالورد، ذلك ان أعضاءها اصطدموا في مرات كثيرة برجال الامن الذين كانوا يرفضون وجودهم في بعض المناطق. وهو ما ادى الى سقوط ألف قتيل من عناصرها. ولهذا السبب فإن الحركة لجأت الى السرية في انشطتها، بحيث أصبحت تضع الحكومة أمام الأمر الواقع في بعض الحالات.

 

إن نجاح التجربة يتطلب ثلاثة عناصر: مجتمع قوي وسلطة مستعدة للتفاهم وطليعة مستعدة لدفع الثمن. لذلك أخشى أن تكون هناك صعوبات جمة في نقل التجربة الى مصر.

.......................

حرب لا صمدنا فيها ولا تصدَّينا (المقال الاسبوعي)

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 20 ربيع الأول 1430 – 17 مارس 2009

حرب لا صمدنا فيها ولا تصدَّينا – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_16.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/830625.html

 

في حرب الأفكار نحن لا صمدنا ولا تصدينا، وانما استسلمنا بسرعة غريبة، جعلت أغلب الصحف العربية تحمل إلينا كل صباح أنباء انكسارنا وهزيمتنا.

(1)

في الرابع من شهر يناير الماضي نشرت «الأوبزرفر» البريطانية تقريرا لم ننتبه اليه في حينه، ذكر انه مع بداية الحرب على غزة بادرت الحكومة الإسرائيلية الى إنشاء إدارة خاصة للتاثير في وسائل الإعلام المختلفة، رأسها دان جيلرمان السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة، وعاونه في مهمته ممثلون عن وزارتي الخارجية والدفاع ومكتب رئيس الوزراء إضافة الى الأجهزة الأمنية التابعة للجيش والشرطة. اضافت الصحيفة انه ما ان بدأت الحرب حتى بادر فيض من الدبلوماسيين ومجموعات الضغط والمدونات الالكترونية ومختلف العناصر المؤيدة لإسرائيل باغراق وسائل الإعلام المختلفة بسلسلة من -الرسائل- التي تمت بلورتها بدقة مسبقا. وكان هدف الجميع هو تبرير الموقف الإسرائيلي والدفاع عنه.

هذا الجهاز كانت مهمته الحقيقية هي الكذب والتدليس ومحاولة التستر على الوجه القبيح للحرب الإجرامية، بالادعاء تارة بان ما اقدمت عليه إسرائيل كان دفاعا عن النفس(و هو الموقف الذي انحاز اليه الكونجرس ودول الاتحاد الاوروبي) وتارة اخرى باتهام حماس بانها التي خرقت الهدنة، وان صواريخها هي التي تسببت في إغلاق المعابر وحرمان سكان القطاع من احتياجاتهم المعيشية. ومن أشهر الادعاءات التي روج لها الجهاز أيضا ان إسرائيل لا تستهدف الفلسطينيين وانما تريد وقف -الإرهاب- الذي تمارسه حماس، وانها في الوقت ذاته تريد ضرب -النفوذ الإيراني- الذي وصل الى غزة في وجودها.

هذه الأكاذيب استفَّزت اثنين من الباحثين الغربيين المحترمين، فتصديا لتفنيدها، وكشف الغش والخداع فيها. كان أولهما اليهودي الامريكي هنري سيجمان الذي نشر مقالا تحت عنوان «الأكاذيب الإسرائيلية» في مجلة «لندن ريفيو اوف بوكس»(1/29). اما الثاني فهو الفرنسي دومينيك فيدال، الذي نشرت له مجلة «لومند دبلوماتيك» (عدد اول فبراير) مقالا تحت عنوان «كلما كانت الكذبة كبيرة». موقف المقالين واضح في عنوانيهما، اما مضمونهما فقد كان كاشفا ومفحما، ومن ثم فاضحا للكذب والاجرام الإسرائيليين.

(2)

هذه الخلفية تستدعي ملاحظتين، امر بهما بسرعة قبل ان اصل الى مقصود الكلام ومراده. الملاحظة الأولى تفاجئنا وتفجعنا في ذات الوقت. وهي ان الإعلام المصري الرسمي والسعودي بوجه خاص ومعهما عدد من المثقفين العرب وقعوا في الفخ، وكانوا في مقدمة الذين تأثروا بحملة الجهاز الإعلامي الإسرائيلي بدرجة كبيرة، حتى انني أتمنى ان يفرغ اي باحث بعض الوقت لرصد عناوين واخبار وتعليقات الصحف الصادرة في فترة الحرب على غزة ليكتشف مدى تأثرها بتلك الحملة. وللتذكير فقط فان إعلامنا وبعض مسؤلينا هم الذين لم يكفوا طول الوقت عن ترديد الادعاء الذي اثبت المقالان اللذان اشرت اليهما كذبه، والقاضي بان حماس هي التي خرقت التهدئة- وهم من شدد من الحملة على حماس باكثر مما تضامنوا معها في مواجهة العدو الإسرائيلي. وهم من ظلوا يوحون بان حماس أداة في يد إيران وجزء من المشروع «الفارسي»، حتى ان مسؤلا مصريا ذهب في تصديقه لهذه الدسيسة الى حد ادعائه بان إيران بوجودها المزعوم في غزة اصبحت ترابط على الحدود المصرية!

الملاحظة الثانية ان ما اقدمت عليه إسرائيل اثناء الحرب على غزة ليس اختراعا جديدا، ولكنه اسلوب متعارف عليه في الصراعات الدولية، التي أصبحت الحرب النفسية احدى جبهاتها الأساسية. وهو ما يوثقه باقتدار كبير كتاب «الحرب الباردة الثقافية» لمؤلفته فرانسيس ستونز سوندرس (ترجمه الى العربية طلعت الشايب)، الذي كان موضوعه الأساسي تتبع الدور الذي لعبته المخابرات المركزية الامريكية في التصدي للاتحاد السوفييتي والشيوعية، في مجالي الفنون والآداب، وكيف انها نشطت في تلك الساحة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومنذ إنشاء المخابرات في عام 1947كانت الصحف والكتب والاذاعات والحفلات الموسيقية والعروض الفنية المختلفة هي وسيلتها الى ذلك. ومن بين الواجهات التي اقامتها المخابرات المركزية «كونجرس الحرية الثقافية» (عام 1950) الذي تحول لاحقا الى «الاتحاد الدولي للحرية الثقافية»، وانشأ فروعا في 35 دولة، كما أصدر اكثر من عشرين مجلة ثقافية محترمة في مختلف انحاء العالم، كانت كلها تروج للنموذج الامريكي وتنفر من الشيوعية. كما كانت المخابرات الامريكية وراء إنشاء «نادي القلم الدولي» في منتصف الستينات، الذي مد اذرعه الى 55 دولة، وأسس فيها 76 فرعا، كانت كلها ذات أنشطة «ثقافية» استهدفت كسب معركة واشنطن ضد موسكو.

(3)

في أول شهر فبراير الماضي نشرت صحيفة «الشروق» مقالا للدكتور محمد السيد سليم استاذ العلوم السياسية كان عنوانه: «الحرب على غزة، أو العدوان بالمصطلحات»، عرض فيه للفكرة التي نحاول إبرازها هنا، حيث دعا الجميع الى ضرورة التدقيق في المصطلحات التي يسربها الغربيون والصهاينة الي خطابنا الإعلامي والسياسي، سواء للتغطية على الاحتلال او لإضفاء شرعية عليه. واشار في مقاله الى ان الحرب بالمصطلحات في الوطن العربي بدأت مع زيارة هنري كسنجر للمنطقة في عام 1973، حيث استخدم لاول مرة مصطلح «عملية السلام» في الشرق الأوسط، الذي لم يكن يعني إقامة السلام بقدر ما يعني عقد سلسلة من الاجراءات المتتالية تنتهي باقرار السلام يوما ما. قد يجيء او لا يجيء (بدليل انها مستمرة الى الآن ولم يتحقق من السلام شيء). وكانت النتيجة ان «العملية» بمعنى المفاوضات والمشاورات والجولات الأمريكية استمرت، لكن السلام لم يتحقق. قس على ذلك مصطلحات اخرى عديدة ظاهرها يوحي بشيء في حين انه يضمر شيئا آخر. فإسرائيل لا تنسحب مما تزعمه ارضا لها في سيناء، ولكن ذلك يعتبر من جانبها مجرد «إعادة انتشار» او فض اشتباك. كما ان «المستوطنات» وصف خداع اريد به تجميل وجه المستعمرات. والتطبيع مصطلح خبيث وملتبس، لأن العلاقات الطبيعية بين الدول تحتمل معنيين احدهما يقوم على التعاون السلمي والثاني قد يكون صراعيا، لكنه في المناخ الراهن اصبح ينطبق على حالة واحدة هي التعاون السلمي، الامر الذي يعتبر المقاومة سلوكا «غير طبيعي»... وهكذا.

الملاحظة المهمة التي خلص إليها الدكتور سليم من استعراضه لنماذج اللعب بالمصطلحات في الصراع العربي الإسرائيلي بوجه أخص، هي ان اللغة تستخدم كاداة للتضليل والابهام، وليس كأداة للتوصيل. بمعنى ان المصطلحات المستخدمة عادة ما تخفي في طياتها اهدافا شريرة، في حين يبدو ظاهرها بريئا وناعما. وهو ما ينطبق على قائمة طويلة من المصطلحات التي اصبحت تتردد على ألسنة مسؤولينا وتتناقلها وسائل إعلامنا كل يوم.

(4)

خذ مثلا مصطلح «التهدئة» الذي أشرت اليه في مقال سابق. اذ استخدم في مطالبة المقاومة بتجميد حقها في الدفاع عن نفسها في مواجهة الاحتلال، ومن ثم وقف اطلاق الصواريخ ضد العدو، مقابل فك الحصار عن قطاع غزة، ولان المصطلح لا اصل له في القانون ولا في الاعراف الدبلوماسية، فقد عملت إسرائيل على «تفصيله» في ضوء موازين القوة الراهنة، بحيث تصبح التهدئة واجبا يلزم المقاومة الفلسطينية وحدها، ولا يلزمها هي في شي، باعتبارها الطرف الاقوى عسكريا. وكانت النتيجة ان صورايخ المقاومة سكتت في حين استمر الحصار وتواصلت عمليات التصفية التي قامت بها إسرائيل في القطاع.

المدهش في الامر ان فصائل المقاومة حين قالت انها لا تقبل بالالتزام بالتهدئة في ظل استمرار الحصار والعدوان، فان بعض العواصم والابواق العربية توجهت اليها باللوم والاتهام.

خذ كذلك تلك الدعوة الغريبة الى الوقف الدائم لاطلاق النار، التي تبدو في ظاهرها إعلانا عن الرغبة في احلال السلام والوئام في فلسطين، قد تلقى ترحيبا وأذنا صاغية في الاوساط الغربية، الا انها تعبر في جوهرها عن درجة عالية من الصفاقة، ذلك انها تطالب المقاومة بالقاء سلاحها، والاستقالة من دورها، و«نبذ» فكرة تحرير البلد من الاحتلال.

خذ ايضا مصطلح «وقف تهريب السلاح» الى غزة، وهي الدعوة التي اطلقتها إسرائيل أخيراً، وحركت لاجلها الدول الغربية التي استنفرت لهذه الغاية، وتنافست في ارسال سفنها وبوارجها لمراقبة مختلف المنافذ التي يمكن ان يصل منها السلاح الى القطاع، وهي دعوة خبيثة لا نفهم كيف مررتها العواصم العربية وسكتت عليها. ووجه الخبث فيها واضح. ذلك انها تعني حرمان المقاومة الفلسطينية من حقها في الدفاع عن نفسها لتحرير الارض المحتلة، الذي كفلته لها كافة المواثيق والاتفاقات الدولية. ثم انها تخدع الجميع موحية لهم بان المشكلة في فلسطين هي تهريب السلاح وليس الاحتلال الذي اضطر الناس الى الحصول على السلاح بكل السبل لمقاومته.

خذ ايضا مسألة «المجتمع الدولي»، الذي دعا أبو مازن الى ضرورة استجلاب موافقته على أي حكومة وطنية تتشكل في فلسطين. ويلحق به مصطلح «الشرعية الدولية». وكل منهما لا يخلو من رنين جذاب، لكنه عند تفكيكه لا يعدو ان يكون ارادة أمريكية تحركها المصالح والحسابات الإسرائيلية. (للعلم فان حق مقاومة الاحتلال بكل السبل يستند الى الشرعية الدولية وكذلك قرار محكمة العدل الدولية ببطلان اقامة الجدار والمستوطنات في الارض المحتلة- وقد اورد عدد اول فبراير من مجلة «لومند دبلوماتيك» قائمة بـ35 قرارا لمجلس الامن، والجمعية العامة انتهكتها إسرائيل او رفضتها). هذان المصطلحان يفقدان حجتيهما وهيبتهما حينما نكتشف انهما يشكلان غطاء للمطالب الإسرائيلية في الاعتراف بها وبمنع المقاومة والاقرار بالتنازلات التي سبق تقديمها لإسرائيل. ومن حقنا في هذه الحالة ان نطالب بتنفيد كل قرارات الشرعية الدولية الاخرى، بغير انتقاء او استعباط.

خذ اخيرا مصطلح «الدول المعتدلة»، التي ما برح الإسرائيليون يتحدثون عن التعاون معها والحفاوة بها في العالم العربي، حتى دعت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني الى مساندتها في لقائها في 2/26 مع المبعوث الامريكي جورج ميتشل. ذلك ان مصطلح الاعتدال يفقد براءته ونزاهته حين يصبح شهادة إسرائيلية لبعض الانظمة العربية، الامر الذي يسوغ لنا ان نقول انه اذا كان مقتضى الاعتدال موالاة الإسرائيليين ومن لف لفهم من الأمريكيين ومن ثم التنكر للحقوق الاساسية للشعب الفلسطيني، فان الوطنيين والشرفاء يجب ان يترفعوا عنه، وان ينخرطوا في صف «التطرف» الذي يريدون به وصم المقاومة والممانعة.

لقد هزمت نظمنا في الفعل، وحظها في القول كما رأيت، الامر الذي يحولها من ظاهرة صوتية الى ظاهرة جغرافية لا أكثر.

................

عن الانتماء وسنينه

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 19 ربيع الأول 1430 – 16 مارس 2009

عن الانتماء وسنينه – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_15.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/828609.html

 

هذه قصة أهديها الى اثرياء زماننا في مصر والعالم العربي. فقد قام المصرفي الاميركي المعروف ليونارد ابيس ببيع نصيبه في مصرف «سيتي ناشيونال» بولاية ميامي. و كانت حصيلة البيع 60 مليون دولار، لكن الرجل لم يسعده ان يستحوذ وحده على هذا المبلغ الكبير، ولم يسترح الا حين وزعه كله على 399 شخصا يعملون معه في البنك و 71 آخرين كانوا حوله. لم يحدث احدا بما فعله، و لكنه وزع هذه الثروة و عاد الى بيته مستريح الضمير. الا ان احدى الصحف المحلية علمت بالنبأ فنشرته، وحينئذ تلقى سيلا من الاتصالات التي يبدو انها سببت له ازعاجا، فقال في اتصال هاتفي لصحيفة ميامي هيرلد، ان ما اقدم عليه لا يستحق الاصداء التى احاطت به ولاحقته، حيث ما كان لوسائل الاعلام ان تبالغ في اهتمامها بالموضوع.

 

المبلغ ليس استثنائيا لكن الحالة استثنائية- فقبل ثلاث سنوات (فى عام 2006) اعلن رجل الاعمال الاميركى وارن بافيت صاحب مؤسسة بيركشاير للاستثمارات تبرعه بمبلغ 37 مليار دولار لخمس مؤسسات خيرية، منها 31 مليارا لمؤسسة «بيل و مليندا جيتس» (صاحب شركة ميكروسوفت) المعنية بابحاث الايدز و الملاريا والسل وتحسين جودة التعليم. وكان بيل جيتس قد تبرع بنحو 28 مليار دولار لهذه المؤسسة، قبل ان يترك رئاسة شركاته فى عام 2008، ليتفرغ تماما للاشراف على انشطتها الخيرية. كذلك اعلن السيد ريتشارد برانسون صاحب مجموعة شركات النقل الدولية فيرجن، التى تملك شركة للطيران واخرى للقطارات عن تبرعه بكل ارباح شركاته (حوالى 3 مليارات دولار) لمكافحة التغيير المناخي وحماية البيئة من التلوث.

 

وتضم قائمة المتبرعين الكبار للاعمال الخيرية في الولايات المتحدة خلال القرن الماضى اسماء رجال اعمال مثل اندرو كارنجي الذى وجه 350 مليون دولار لتلك الانشطة وجون روكفلر الذي تبرع بمبلغ 475 مليون دولار، وهي مبالغ تعادل عدة مليارات باسعار هذا الزمان. صحيح ان هناك اثرياء في الولايات المتحدة قدموا للمجتمع مبالغ اكبر مما قدمه ليونارد ابيس الا انه تميز عنهم بأمرين، اولهما انه تبرع بالستين مليون دولار في صمت ودون اي اعلان، و ثانيهما انه اراد بها ان يسعد من حوله وان يرد الجميل الى الذين عملوا معه، معتبرا ان لهم حقا في تلك الثروة التي حققها.

 

بُهرنا بالصورة التي ذكرتنا بنبل الاثرياء المصريين قبل قرن من الزمان، الذين تسابقوا في وقف العقارات والاراضي لأوجه البر والخير. وهو ما رصده الدكتور ابراهيم البيومي غانم في كتابه المهم عن «الاوقاف و السياسة في مصر». وذكر فيه ان من بين اثرياء تلك الفترة الذين وقفوا اراضي تراوحت بين الف و 4500 فدان، على باشا مهنى و احمد باشا المنشاوي و محمد باشا البدراوي عاشور وعلى باشا شعراوي و محمد بك حسن الشندويلي و لملوم بك السعدي... و آخرين كثيرين.

 

من الملاحظات المهمة التي اوردها المؤلف في بحثه ان جميع اهل الحكم في مصر، منذ ايام محمد على باشا حتى الملك فاروق اوقفوا اطيانا لا حصر لها على اوجه الخير في المجتمع، وهي الظاهرة التي اختفت وانقطع حبلها منذ قامت ثورة عام 1952 حتى الآن.

 

من تلك الملاحظات ايضا ان إسهام متوسطي الحال في العطاء للمجتمع والتعبير عن الانتماء اليه كان حاضرا بقوة، الامر الذي يعني ان دائرة الشعور بالانتماء كانت شديدة الاتساع، فشملت المنشاوي باشا الذي اوقف 4600 فدان من الارض في محافظة الغربية كما شملت سيدة مجهولة اوقفت نصف قيراط تقام عليه طلمبة مياه تروى العطاشى في المنوفية. وهي الصورة التي انقلبت رأسا على عقب الآن، حيث شح عطاء الجميع سواء كانوا من اهل القمة او اهل السفح، الامر الذي يستدعي بقوة السؤال التالي: اين ذهبت روح التعبير عن الانتماء للمجتمع، و الى اي مدى اسهم غياب المشاركة السياسية في بلوغ هذه النتيجة؟!

 

...........................

يحجون والناس راجعه

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 18 ربيع الأول 1430 – 15 مارس 2009

يحجون والناس راجعه – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_14.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/827741.html

 

كنت أظن أن مهرجان الاحتفال بالسلام قد انفض وتم تجاوزه، خصوصا أننا في العام الثلاثين لتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائىل شهدنا مذبحة غزة. ووجدنا أن مليونا ونصف مليون فلسطيني في القطاع أصبحوا يعيشون تحت الحصار، ويمنع عنهم الغذاء والدواء والتيار الكهربائي ليس ذلك فحسب، وإنما في ظل «السلام» واصلت إسرائىل توسيع مستوطناتها وأقامت جدارها الوحشي، وذهبت بعيدا في تهويد القدس. باختصار فإننا بعد ثلاثين عاما من عقد اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، و15 عاما من توقيع اتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين واتفاقية وادي «عربة» بين الأردنيين والإسرائىليين، أدركنا أن مصطلح «السلام» قد تحول إلى مخدر للعرب، يتبادلونه فيما بينهم ويتعاطونه بين الحين والآخر، لكي يدغدغ مشاعرهم ويغيبهم عن الوعي، في حين تتسارع خطى الإسرائىليين في محاولة التمدد والتمكين وتغيير الحقائق على الأرض.

 

ما دعاني إلى استدعاء هذه الخلفية أنني قرأت في صحيفة «الأهرام» (عدد 10مارس) خبرا عن إنشاء «مركز سيناء لاستراتيجية السلام»، تم تقديمه بعبارة غامضة، ذكرت أن الهدف منه هو العمل «من أجل نظرة مستقبلية، تعتمد على التنمية والأمن القومى». وهو ما ذكرني بالتشبيه المتداول في لبنان عن أناس ذهبوا لأداء فريضة الحج، في وقت الرجوع منه، أعني أننا حين اكتشفنا أن إسرائيل استغفلتنا بعقد اتفاقات السلام، وجدنا نفرا من بني جلدتنا آثروا الاستعباط والاستمرار في تسويق البضاعة المغشوشة، وهو أمر يثير أكثر من سؤال حول جدية هذه الخطوة والأهداف الحقيقية لها، ومدى البراءة في تلك الأهداف، وتكتسب تلك الأسئلة أهمية أكبر حين نلاحظ أن في الإسكندرية معهدا أو مركزا لدراسات «السلام» من مخلفات المهرجان سابق الذكر، يقال إنه مختص بالترويج لشيء مطاط اسمه ثقافة السلام، ولم أفهم الفرق بينه وبين المركز الجديد الذي ذكر الخبر المنشور أنه معني باستراتيجية السلام. كما لم أفهم كيف يمكن أن تنهض بهذه المهمة مجموعة من كبار الموظفين لا علاقة لأي واحد منهم بالاستراتيجية، وربما أجادوا إلقاء «السلام» على الآخرين.

 

لا أستبعد أن تكون المسألة مجرد فرقعة جديدة تحاول إحياء المهرجان القديم. ولن أستغرب إذا ما احتفت بالمركز الجديد المقام في العريش بعض الجهات الغربية، التي تغدق التمويل لأي نشاط يرفع راية السلام، ليس فقط لإلهاء العرب بتلك الأنشطة بعدما انفصلت عن جوهر السلام، الذي أصبح الآن أبعد منه في أي وقت مضى، لكن أيضا لاستخدامها في تغطية عملية التطبيع مع إسرائيل وامتصاص حساسيات العرب ونفورهم من الجرائم والمظالم التاريخية التي أنزلوها بحق الفلسطينيين، وتوجسهم من التهديدات الإسرائىلية لأمن ومستقبل العالم العربى. الأمر الذي يعني أن العملية كلها تصب في المصلحة الإسرائىلية بالدرجة الأولى.

 

إن ما نحتاج اليه الآن حقا في الشأن الخارجي ليس كيانات جديدة تنخرط في لعبة سلام موهوم، وإنما نحن أحوج ما نكون إلى أوعية جادة تعمل من أجل تعزيز الصمود والتضامن مع الشعب الفلسطينى، وتعزيز وحدة الصف العربي وتوثيق الروابط مع العالم الإسلامي، ومع أصدقائنا في العالم الخارجي. إذ تلك كلها حلقات تعزز رصيدنا ومواقعنا في أي مفاوضات جديدة حول السلام المشرف والعادل. لكن بعض الناشطين لايزالون يراهنون على السلام المغشوش، رغم أن التجسيد الوحيد له على الأرض انكشف وانتهى بكارثة. ألم تكن العبَّارة المشؤومة التي غرقت بألف وثلاثمئة مواطن مصري تحمل اسم «السلام 98»؟!

..........................

أكبر من إقالة وزير

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 17 ربيع الأول 1430 – 14 مارس 2009

أكبر من إقالة وزير – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/03/blog-post_13.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/3/826790.html

 

لأن السياسة في مصر تنتمي إلى عالم الأحاجي والألغاز، فإننا لم نستطع أن نفهم أو نفسر خلفيات مفاجآت التعديل الوزاري الأخير، الذي بمقتضاه أقصي وزير الري من منصبه، وتم إحياء وزارة السكان من العدم.

والإقصاء هو الخبر الذي يهم الرأي العام، أما الإحياء فهو شأن خاص جدا، يهم العائلة في الأغلب إلى جانب المجالس النسائية بطبيعة الحال.

 

وإذا فهمنا أن العلاقة الخاصة التي تربط وزيرة السكان د.مشيرة خطاب بقرينة الرئيس هي التي فتحت أمامها أبواب الوزارة، إلا أننا لم نفهم لماذا خرج د.أبوزيد من الحكومة.

 

لكن الشيء الوحيد الذي تأكدنا منه أن الأسباب التي أعلنت رسميا لتبرير إخراجه لم تكن صحيحة.

فلا الرجل طلب إعفاءه من منصبه، وهو الذي كان يرتب أوراقه للمشاركة في مؤتمر دولي للمياه في تركيا. كما أنه ليست هناك أسباب صحية اقتضت ذلك، لأن الرجل لايزال منتظما في ممارسة رياضة «التنس» في نادي الجزيرة. ولم يعد سرا أنه حين أبلغ مساء يوم الثلاثاء بخبر الإقالة ودعي للقاء د.أحمد نظيف في صباح اليوم التالى. فإن رئيس الوزراء لم يحدثه لا عن استقالته أو صحته.

 

وإنما برر له عملية إخراجه بأنها محاولة لضخ دماء جديدة في التشكيلة الوزارية (هل تذكر النكتة المصرية التي تحدثت عن أن التغيير سنّة بالنسبة للبعض، في حين أن البقاء والاستمرار «فريضة» بالنسبة لآخرين؟).

وإذ عرفنا ما ليس صحيحا في مبررات إقالة وزير الري، فإن اللغط لم يتوقف في الأوساط السياسية والإعلامية بشأن السبب أو الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك. لم يستطع أحد أن يسجل عليه شيئا في أدائه ونجاحاته التي كان في مقدمتها اتفاقية مياه حوض النيل التي تم التوصل إليها مع أثيوبيا.

ولم يكن بوسع أحد أن يقلل من مكانته العلمية الرفيعة التي أهلته للحصول على ثلاث جوائز عالمية في مجاله. إحداها تفوق جائزة نوبل، ولا كان في مقدور إنسان أن يشكك في نزاهته ونصاعة صفحته وذمته.

 

باختصار فإنه لم يكن هناك سبب موضوعي يبرر الإقالة، الأمر الذي دفع<