فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

أين الخطأ في بر مصر؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 1 ربيع الأول 1430- 26 فبراير 2009

أين الخطأ في بر مصر؟ – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_26.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/814466.html

 

أكثر التعليقات التي صدرت في أعقاب حادث قنبلة حي الحسين ركزت على أمرين، أولهما أنه دال على استمرار وجود البؤر الإرهابية في المجتمع المصري، وثانيهما أنه يبرر إعلان الطوارئ وإصدار قانون الإرهاب. ورغم أن تلك التعقيبات كانت من قبيل الانطباعات المتعجلة، لأن التحقيقات في الحادث لم تكن قد تبلورت بعدُ بما يحدد طبيعة الفاعلين، فإنها ليست مفاجئة ولا غرابة فيها. وقد أزعم أنها انطباعات تقليدية، من قبيل ما يتردد في أعقاب أي حادث من ذلك القبيل. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن هذا الكلام يعبر عن حالة من الكسل العقلي التي تبسّط الأمر، مكتفية بوضعه في خانة الإرهاب، ثم تقنع بالإجراءات لإبراء الذمة في التعامل معه. وهي الإجراءات التي أثبتت تجربة ربع القرن الأخير أنها لم ولن توقف عجلة الإرهاب، لسبب جوهري هي أنها ظلت تتعامل مع الفعل بعد وقوعه، ولم تعتنِ بخلفياته على النحو الذي يستبق ويحول دون وقوعه. إن شئت فقل إنها تتعامل مع النتائج وليس الجذور.

 

لكي أشرح هذه الفكرة أنبه إلى أن وقوع أي عمل إرهابي يستدعي استجابات في ثلاثة اتجاهات على الأقل. فالشرطة ينبغي أن تتحرك للقبض على الجناة وتتبع الفاعلين والمحرضين، والنيابة تستجوب والقضاء يعاقب، غير أن هذه الحلقات لا تكفي في استئصال الشر إلا بجهد يبذله الخبراء والمختصون للتعرف على دوافع الفعل ومقاصده.

بكلام آخر فإن التحرك الذي يعقب الفعل يحاول الإجابة عن أسئلة كثيرة لكي تأخذ العدالة مجراها، تتعلق بمن وكيف وماذا ومتى. لكن السؤال الذي لا يأخذ حقه من التحقيق والتدقيق عادة هو لماذا؟ علما بأن علامات الاستفهام الأولى تعاقب على الذي وقع، في حين أن طرح السؤال لماذا يمكن أن يكون عنصرا مساعدا لتجنب تكرار ما وقع.

 

لا أحد يجادل في أهمية توقيع العقوبة على الفاعلين والمحرضين كلٌ بما يستحقه. لكننا إلى جانب ذلك نريد أن نفهم لماذا أقدم هؤلاء على فعلتهم، وما هي رسالتهم التي أرادوا توصيلها، وما هو العنوان الذي توخوا مخاطبته؟. وفي الجريمة الأخيرة التي وقعت بحي الحسين، نريد أن نعرف ما إذا كان الذين وضعوا المتفجرات أفرادا أم جماعات؟ وهل لهم امتدادات خارج القاهرة أو خارج مصر أم لا؟ وهل هم عاطلون ناقمون على المجتمع؟ أم متدينون اختاروا أن يحاربوا السياحة؟ أم هم مخربون أرادوا أن يضروا باقتصاد البلاد؟ أم غاضبون أرادوا الاحتجاج على موقف مصر من حصار غزة؟ أم أنهم سلفيون مهووسون من أهل السنة أرادوا تصفية الحساب مع الشيعة الذين يترددون على مقام الإمام الحسين؟

 

إن المسارعة إلى الحديث عن مد الطوارئ أو تعجل خطوات إصدار قانون الإرهاب لم يكن تعبيرا عن الكسل العقلي فقط، لكنه تسبب في إساءة الظن بالمشهد كله، حيث تصور البعض أن الأمر لا يخلو من ترتيب مسبق، بحيث تنفجر القنبلة بعد الظهر، ثم تعلو الأصوات في المساء داعية إلى مد الطوارئ وضرورة إصدار قانون الإرهاب. وهو احتمال أستبعده ليس لأن الحكومة تتعفف عن مثل هذه الأساليب، ولكن لأنها لم تعد بحاجة إليها أصلا، بحيث أصبحت تلجأ مباشرة إلى ما تريد، دونما حاجة إلى لف ودوران أو إخراج من أي نوع.

 

إن المسألة التي تحتاج منا إلى تفكير جاد ومسؤول هي أنه إذا صح أن بؤر الإرهاب مازالت تتوالد في مصر، فما هو الغلط في بيئة المجتمع الذي أصبح لا يكف عن تفريخ الخلايا الإرهابية بلا توقف طوال ربع قرن؟

.....................

هل هي مصادفات سعيدة؟

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 3 ربيع الأول 1430 – 25 فبراير 2009
هل هي مصادفات سعيدة؟ - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_25.html
 
لا أعـرف إن كانـت تلك أمـورا مرتبــة، أم أنهـا مجــرد مصادفـات سعيـدة. فمنذ أُعلن أن الرئـيس مبـارك يعتـزم زيارة واشنطن في شهر أبريل المقبل بعد غيبة استمرت ثلاث سنوات، لفتح صفحة جديدة مع إدارة الرئيس أوباما، توالت الأخبار على النحو التالي: سافر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى واشنطن للتمهيد للزيارة ـ أعلن في القاهرة أن وفدا يمثل «المجتمع المدني» (وأرجوك لا تسألني أين ذلك المجتمع) سيتوجّه إلى العاصمة الأميركية لإجراء الاتصالات اللازمـة مع أعضـاء الكونجـرس لـذات الغـرض ـ نشـرت صحيفة «واشنطن بوست» يوم الاثنين 16 فبراير الجاري مقالا كانت خلاصته أن الإدارة الأميركية الجديدة ينبغي ألا تستقبل الرئيس المصري، في حين أن ثمة أمورا مازالت عالقة بين البلدين لم تتم تسويتها، تتمحور حول سياسة القمع التي اتخذتها حكومته إزاء الناقدين والمعارضين السياسيين. وتحدّث المقال عن سجن أيمن نور والقضايا المرفوعة على د.سعد الدين إبراهيم، إلى هنا الأمر عادي، فمبرر الزيارات التمهيدية مفهوم، والمقال المنشور يعبِّر عن وجهة نظر صحافية يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها.
ما حدث بعد ذلك جعلنا نأخذ الإشارات التي جاءت من واشنطن على محمل الجد، فقد تم الإفراج فجأة عن أيمن نور. وتحدّثت جريدة «الشروق» عن رفع اسم د.سعد الدين إبراهيم من قوائم ترقب الوصول بالمطار، وعن احتمال عودته إلى القاهرة بعد إسقاط التهم عنه، كما أشارت إلى أن ثمة قائمة تُعدّ لإطلاق سراح بعض السياسيين ضمن قائمة للمفرج عنهم صحيا. تحدّثت أيضا عن الانتهاء من قانون الإرهاب والاتجاه إلى تقديمه إلى مجلس الشعب لإصداره، لإنهاء حالة الطوارئ. وقالت «الشروق» صراحة في عدد الاثنين 23 فبراير الجاري إن زيارة الرئيس مبارك إلى واشنطن قد تتأجل إلى ما بعد شهر أبريل المقبل «لتمكين الجانبين من تصفية كل القضايا العالقة»، وربطت بين ذلك التأجيل وبين الاتجاه إلى عرض مشروع مكافحة الإرهاب على مجلس الشعب قبل نهاية دورته الحالية في يونيو المقبل.
مجمل هذه الأخبار والإشارات يقول لنا بوضوح إن الرئيس مبارك لم يكن مرحَّبا به في واشنطن خلال السنوات الأربع الأخيرة من حكم الرئيس بوش، وإن استقباله في واشنطن في ظل الإدارة الجديدة أصبح مشروطا بتصحيح أوضاع معينة في مصر، وإن الخطوات التي اتُّخذت أو التي هي «قيد الترتيب»، تمت في سياق الاستجابة للطلبات الأميركية، لتذليل العقبات التي تعترض إتمام الزيارة المرتقبة.
لا يجد المرء صعوبة في التوصُّل إلى ذلك الاستنتاج، خصوصا أن أحدا لم يُكذِّب أو يصوِّب الأخبار المنشورة ومدلولاتها. ولم يذكر أي متحدث رسمي أن التزامن بين ترتيب الزيارة المفترضة والقرارات المصرية الأخيرة هو مجرد مصادفة، وليس أكثر.
لابد أن يستوقفنا في هذه الأجواء ما نشره موقع صحيفة «جيروزاليم بوست» يوم الأحد 23 فبراير الجاري من أن الرئيس الأميركي أعطى ضوءا أخضر للرئيس محمود عباس للدخول في حوار مع حركة حماس لتشكيل حكومة للوحدة الوطنية، كما أن واشنطن أبلغت القاهرة أيضا بموافقتها على استئناف جهودها لتحقيق المصالحة الفلسطينية.
ذلك كله يستحق الحفاوة ويبعث على الارتياح بدرجات متفاوتة، ولا يعيبه إلا شيء واحد هو أنه يؤيد ما قاله الرئيس السادات ذات مرة إن 99 ٪ من أوراق اللعبة بيد أميركا.
 
 

موت السياسه فى مصر (المقال الاسبوعي)

صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 29 صفر 1430 – 24 فبراير 2009

موت السياسه فى مصر – فهمي هويدي (المقال الاسبوعي)

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_6323.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/812732.html

 

الخبر السار أن العديد من الفئات في مصر أصبحت تنتفض وتلجأ الى الاضراب لكي تضغط على الحكومة دفاعاً عن مصالحها، أما الخبر المحزن فان مصالح الوطن لم تعد تجد قوة تغار عليها وتضغط بدورها للدفاع عنها.

(1)

أصبحت الاضرابات عنواناً ثابتاً على جدران مصر. حتى كدنا نسأل: من يضرب هذا الصباح؟. بالتالي فلم يعد السؤال هل يضرب الناس أم لا، ولكننا صرنا نسأل: من عليه الدور ومتى يتم ذلك؟. وهو تطور مهم جدير بالرصد والاثبات. ففي الأسبوع الماضي شهدت مصر أربعة اضرابات للصيادلة والمحامين وأصحاب وسائقي الشاحنات وعمال شركة جنوب الوادي للبترول. وحسب بيانات المرصد النقابي والعمالي في القاهرة، فان شهر يناير من هذا العام شهد 56 احتجاجاً بصور مختلفة، والى منتصف شهر فبراير سجل المرصد 32 احتجاجاً. وقبل ذلك، في عام 2007 شهدت مصر 756 احتجاجاً، تراوحت بين الاضراب والاعتصام والتظاهر وتقديم الشكايات الى الجهات المعنية في الحكومة. وهو ما لم يختلف كثيراً في العام الذي أعقبه (2008).

الظاهرة بهذا الحجم جديدة على المجتمع المصري، اذ باستثناء مظاهرات طلاب الجامعات التي عادة ما تقابل بقمع شديد أدى الى تراجعها في السنوات الأخيرة، فان التظاهر المعبر عن الاحتجاج والغضب لم يكن من معالم ثقافة المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير على الأقل لأسباب يطول شرحها. اذ خيم السكون على أرجاء مصر طيلة تلك المدة، فلم نسمع صوتاً غاضباً للمجتمع لا في الشأن الخاص لفئاته ولا في الشأن العام للبلد. وتعد مظاهرات 18و19 يناير التي خرجت في عام 1977 احتجاجاً على رفع الأسعار، وتمرد جنود الأمن المركزي في عام 1986 من التجليات الاستثنائية التي تؤيد القاعدة ولا تنفيها.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة حدث تحول مهم في حركة المجتمع المصري، اذ في حين لم نكن نسمع له صوتاً في الشأن الخاص أو العام، فاننا أصبحنا نسمع أصواتاً عدة لفئات فاض بها الكيل ولم تعد تحتمل قسوة الحياة. وهو ما أدى الى بروز الاهتمام بالشأن الخاص، مع استمرار السكون المخيم المحيط بملف الشأن العام، رغم توالي التحديات التي كانت تستوجب وقفة حازمة من جانب المجتمع. وقائمة تلك التحديات طويلة، اذ تراوحت بين تقنين تراجع الحالة الديموقراطية مع تغول المؤسسة الأمنية، وارتفاع مؤشرات الفساد في السلطة، وبيع الأصول المالية للبلد، واستشراء الهيمنة الأجنبية.. الخ.

أما لماذا خرجت الفئات المختلفة عن سكونها المعتاد، فرفعت صوتها محتجة وغاضبة في مواجهة الحكومة، فأغلب الظن أن ذلك راجع الى سببين جوهريين، أولهما وطأة الضغوط المعيشية التي أثقلت كاهل تلك الفئات، فأفقرت الطبقة الوسطى وسحقت الفقراء، مما دفع أغلب الغاضبين الى المطالبة بتحسين أحوالهم المادية. أما ثانيهما فيتمثل في سقوط حاجز الخوف من السلطة سواء لأنه »من طالت عصاه قلَّت هيبته«، كما يقول المثل العربي، أو بسبب الجرأة التي مارستها الصحف المعارضة والمستقلة في نقد السلطة وفضح ممارساتها، مما شجع آخرين على رفع أصواتهم الغاضبة والمحتجة دون وجل.

(2)

للشيخ محمد الغزالي مقولة أشرت اليها أكثر من مرة ذكر فيها أن انتهاك شرف البنت يقيم الدنيا ولا يقعدها في مجتمعنا، لكن العدوان على شرف الأمة لم يعد يحرك ساكنا فيها. وغني عن البيان أنه لم يكن يهوِّن من شأن انتهاك شرف البنت، لكنه كان يستهول السكوت على العدوان على شرف الأمة، مع ذلك فالمقولة تحتاج الى مراجعة. ذلك أن غضب الأسرة أو المجتمع الذي يحيط بها لأي عدوان على شرف بنتهم أمر طبيعي لا يحتاج الى تعبئة وتحريض أو احتشاد، فضلاً عن أن وسائل التعبير عن ذلك الغضب تلقائية ومحدودة، وهي بمقدور كل أحد.

أما الغضب لأجل العدوان على شرف الوطن فانه يحتاج الى ترتيب مختلف، فذلك أمر يتطلب تعبئة واحتشادا، فضلاً عن أنه يستوجب توفير أوعية تستقطب طاقات الغضب وتوظفها في الاتجاه الصحيح الذي يرد العدوان. وتلك مهمة القوى السياسية المختلفة التي تمثلها الأحزاب، باعتبار أن النخبة الوطنية هي المسؤولة عن تعبئة الرأي العام وقيادته. وهذه النقطة الأخيرة تجرنا الى صلب الموضوع الذي نحن بصدده.

ذلك أنه من الطبيعي أن يغضب الناس وأن يخرجوا عن أطوارهم عندما تضيق بهم سبل الحياة، ويتعلق الأمر بمتطلباتهم المعيشية. ولا ينبغي أن يتوقع أحد منهم أن يتظاهروا من تلقاء أنفسهم دفاعا عن الديموقراطية أو احتجاجا على الفساد أو تزوير الانتخابات أو غير ذلك من قضايا الشأن العام. وهم اذا فعلوها مرة تحت أي ظرف فانهم سوف يتفرقون بمجرد ظهور جنود الأمن المركزي بثيابهم السوداء وعصيهم الكهربائية، ولن يعودوا اليها مرة أخرى.

بكلام آخر فان الدفاع عن القضايا العامة المتعلقة بحاضر الوطن ومستقبله من المهام الأساسية للأحزاب السياسية باعتبارها الأوعية الشرعية الجامعة للقوى الوطنية. اذ يفترض أن تلك الأحزاب لم تكتسب شرعيتها الا بعد أن طرحت برامجها التي حددت فيها رؤيتها في حراسة الوطن والسهر على استقراره والسعي الى النهوض به. واذا جاز لنا أن نشبه المجتمع بالبشر، فان الجماهير هي الجسم بكل مكوناته، أما القوى الحية والنخبة السياسية فتشكل الرأس لذلك الجسم. ولا يستطيع الجسم أن يتحرك دون توجيه من الرأس الذي يحتوي على المخ.

أردت من كل ذلك أن أقول: اننا نظلم الناس ونحملهم أكثر مما يحتملون حين نتهمهم بالتقاعس عن القيام بواجب هو من مسؤولية الأحزاب السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. واذا ما حدث ذلك التقاعس فعلينا أن نتساءل أولا عن وضع الرأس، قبل أن نحاكم استجابات الجسم.

(3)

اذا حاولنا تنزيل هذه الفكرة على الواقع، فسنجد أن مصر تشهد حالة سياسية نادرة. اذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة. والأحزاب لا تنشأ الا بموافقة أمنية بالدرجة الأولى، ومن ثم فانها تكتسب شرعيتها من تلك الموافقة وليس من التأييد الشعبي لها، الأمر الذي وضعنا بازاء هرم مقلوب، السلطة فيه هي التي تشكل الأحزاب، وليس الأحزاب هي التي تشكل السلطة.

ورغم عملية »الاخصاء« التي تتعرض لها الأحزاب والتي أصبحت شرطا لميلادها، فانها تتعرض للتكبيل بعد ذلك، بحيث لا يجوز لها ـ بمقتضى القانون ـ أن تتواصل مع المجتمع، فتقيم مهرجانا شعبيا أو لقاء جماهيريا خارج مقرها، الا بعد موافقة الأمن.

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الأحزاب على ضعفها وقلة حيلتها تظل موضوعة تحت الرقابة طول الوقت. اذ المطلوب منها في حقيقة الأمر اما أن تظل جزءا من »الديكور« الديموقراطي. فتصبح شكلا بلا وظيفة أو مضمون. أو أن تتحول الى أجنحة للحزب الحاكم. وأي خروج عن هذا الاطار يعرض الحزب اما الى التجميد والمصادرة أو التفجير من الداخل، وما جرى لحزب العمل عبرة للآخرين. ذلك أن الحزب الذي أسسه الراحل ابراهيم شكري أراد أن يمارس دوره بشكل جاد وأن يمثل المعارضة الحقيقية، فصدر قرار تجميده في سنة 2000، وحين تم الطعن في قرار لجنة الأحزاب بالتجميد أمام مجلس الدولة، فان تقرير مفوض المجلس اعتبر القرار باطلا وغير دستوري وطالب بعودة الحزب، ولكن الحكومة لم تكترث بذلك. ورغم صدور 13 حكما من مجلس الدولة لاعادة اصدار جريدة »الشعب« الناطقة بلسان الحزب، فان الجهات الأمنية رفضت تنفيذ هذه الأحكام واحدا تلو الآخر.

واذا كان بوسع الحكومة أن تجمد أي حزب يحاول تجاوز الحدود المرسومة، فانها لا تعدم وسيلة لتفجير الأحزاب من الداخل وتغذية الانشقاقات فيها، وهو ما حدث مع أحزاب الغد والأحرار ومع حزب الوفد. اذ ثبت أن الانشقاقات التي وقعت داخل تلك الأحزاب لم تكن بعيدة عن أصابع الأجهزة الأمنية.

ما جرى مع الأحزاب تكرر مع النقابات المهنية. التي ربط القانون مستقبلها بقرار من رئيس محكمة استئناف جنوب القاهرة، الذي له حق تحديد مواعيد الترشح لمجالس تلك النقابات، بما يؤدي الى انتخاب رئيس كل نقابة ومجلس ادارتها. واذا ما امتنع ذلك القاضي عن تحديد المواعيد ـ بطلب من أجهزة الأمن ـ فان النقابة تجمد أو تستمر تحت الحراسة.

نموذج نقابة المهندسين الموضوعة تحت الحراسة منذ 18عاما فاضح في تجسيد هذه الحالة. اذ لأن ثمة قرارا أمنيا باخضاع النقابة وتأديبها، فان رئيس المحكمة المذكورة ظل يتهرب من تحديد موعد لانعقاد الجمعية العمومية للنقابة طيلة هذه المدة، والحاصل مع نقابة المهندسين تكرر مع نقابة أطباء الاسكندرية التي وُضعت بدورها تحت الحراسة، ومُنع أعضاؤها من ممارسة أي نشاط بداخلها. والى جانب ذلك فهناك 7 نقابات أخرى جُمدت فيها الانتخابات منذ16 عاما على الأقل، وهي تضم الفئات التالية: الأطباء والصيادلة والأسنان والبيطريون اضافة الى المعلمين والتجاريين والزراعيين.

الشاهد أن النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وانما عمد أيضا الى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم، من ثمَّ تطالب كل فعاليات المجتمع وقواه الحية بأن تصبح صدى لذلك الحزب ان لم تنضوِ تحت لوائه وتَذُبْ فيه.

(4)

في نهاية المطاف، وبعد57 عاما من الثورة على النظام الملكي واعلان الجمهورية أصبح المجتمع المصري جسما بلا رأس، ليس لدىّ حنين الى ذلك النظام، لكن ما جرى أن النظام الجمهوري فرغ من مضمونه.

اذ تم اختطافه واقصاء »الجمهور« منه عبر اضعاف وتصفية خلاياه الحية واحدة تلو الأخرى. في حين تحول الوطن الى »وقف«« سُلمت مقاليده ومفاتيحه الى فئة بذاتها أدارته وتوارثته جيلا بعد جيل. الاضعاف والتصفية أفضيا الى موت الحياة السياسية، مع الاعتذار للجنة السياسات. اذ تم تغييب مختلف المؤسسات المدنية الفاعلة، بحيث لم يبقَ في الساحة سوى المؤسسة الأمنية. ورغم امتلاء الفضاء المصري بالأحزاب الا أنك اذا رفعت عينيك عن الصحف ومددت بصرك في ذلك الفضاء، فلن ترى شيئا، لكنك ستلمح على البعد »خيال مآتة« تتقاذفه الرياح كتب عليه »الحزب الديموقراطي«. الأمر الذي قد يجعلك تنفجر في البكاء أو تستسلم لضحك هستيري يظل صداه يتردد في الفضاء بلا توقف.

حين يعلن موت الحياة السياسية فانه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن. اذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة الى الرأس المعطَّل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا، وبعد ذلك نتكلم في الموضوع.

.....................

ماتبقى من كرامة مصر

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 28 صفر 1430 – 23 فبراير 2009

ماتبقى من كرامة مصر – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_23.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/811785.html

 

حين اعتبر المفاوض الإسرائيلي عاموس جلعاد أن أولمرت أهان مصر حين تراجع في اللحظة الأخيرة واشترط إطلاق سراح الجندي الأسير شرطا للتهدئة وفتح المعابر، فإن مصر كان لها رد فعل آخر أخف وطأة. إذ وصفت ذلك التراجع بأنه «مجرد انتكاسة»، بما يعني أنه يمس مسار التهدئة ولا يمس كرامة مصر.

 

شيء من هذا القبيل حدث حين اعتبر طيب أردوجان أن إسرائيل وجهت إهانة إلى تركيا، حين زارها أولمرت قبل أسبوع من بدء الحرب على غزة، ولم يشر إلى ذلك أثناء محادثاته في أنقرة، رغم علمه بأن قرار الحرب قد صدر. لكن مصر لم تر في الأمر إهانة، حين استقبلت وزيرة الخارجية الإسرائيلية قبل 48 ساعة من الحرب، وأعلنت من القاهرة أن حكومتها ستقضي على حركة حماس. وكل ما فعلته مصر أنها طالبت بوقف إطلاق النار، ولم يقصر وزير خارجيتها في تحميل حماس المسؤولية عما جرى.

 

تكرر المشهد حين وقعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية مع نظيرتها الأميركية قبل آخر يوم من انتهاء ولاية الرئيس بوش، اتفاقا بخصوص ترتيبات معينة لمنع وصول السلاح إلى المقاومة في غزة، ورغم أن مصر لم تكن طرفا في الاتفاق، فإنها فوجئت بأنه يتناول أوضاعا تخص حدودها على قطاع غزة، الأمر الذي سبب لها حرجا سياسيا بالغا، استقبلته بكظم الغيظ أولا، وبالإعلان عن أن مصر لن تعترف بأي اتفاق يمس سيادتها على أراضيها، ثم سكنت بعد ذلك.

 

ما حدث بعد ذلك أثناء الحرب على غزة كان أفدح، إذ عمدت إسرائيل إلى قصف الشريط الحدودي المصري على القطاع بمختلف أنواع الأسلحة والصواريخ والقنابل، التي أحدثت أضرارا عديدة بكل صور الحياة في الجانب المصري من الحدود، فتصدعت المباني أو انهارت، كما أن البشر تعرضوا لإصابات مختلفة. وتذرعت إسرائيل في ذلك برغبتها في تدمير الأنفاق الواصلة بين القطاع ورفح المصرية، إلا أن هذه العمليات العسكرية التي استمرت طوال أسابيع الحرب تعد انتهاكا صريحا لنصوص معاهدة السلام الموقعة بين البلدين منذ ثلاثين عاما، إذ تنص تلك المعاهدة على أن الحدود مصونة لا تمس، وأن الطرفين ملزمان بعدم صدور أي فعل من أفعال الحرب أو الأعمال العدوانية أو التهديد ضد السكان، كما حددت على سبيل الحصر الأسلحة المسموح باستخدامها على الحدود، في مساحة بعرض ثلاثة كيلومترات أطلق عليها المنطقة «د». ذلك كله تجاهلته إسرائيل وأطاحت به في محاولتها تدمير الأنفاق. وكل الذي فعلته مصر إزاء تلك الانتهاكات الفجة والمتكررة، أنها سجلت الخروقات التي قامت بها إسرائيل وأبلغتها في هدوء إلى الأمم المتحدة.

 

إذا أضفنا إلى هذه الوقائع سجل الحوادث التي شهدتها الحدود بين البلدين خلال السنوات الأخيرة التي أدت إلى قتل نحو 15 مواطنا مصريا بعضهم عسكريون بالرصاص الإسرائيلي، ثم استمرار استقبال المسؤولين الإسرائيليين في القاهرة بعد ذلك مباشرة وكأن شيئا لم يكن، فإن حيرة المرء ودهشته ينبغي أن تتضاعفا. إذ فضلا عن شعوره بالمهانة والخزي، فإن أسئلة كثيرة لابد أن تلح عليه، بعضها ما خطر لجيلنا على الأقل أن يطرحه يوما ما. أحدها مثلا السؤال عن السبب في أن مصر أصبحت تدير للإسرائيليين خدها الأيسر، كلما تلقت منهم ضربة على الخد الأيمن؟

 

إن في الفم ماء كثيرا، والدهشة تعقد اللسان عن مواصلة السؤال. إلا أنني في كل الأحوال، لا أتصور أن مصر أصبحت بلا حيلة، ولا تملك وسيلة للرد على الإهانة والوقاحة الإسرائيليتين، خصوصا أننا فرطنا في أشياء كثيرة تخص البلد، ولم يبق له إلا بعض الكرامة، فحافظوا عليها أرجوكم، حتى لا نموت من الكمد، ونقتنع بأن باطن الأرض أصبح خيرا لنا من ظاهرها.

..............

الذين لا بواكي لهم

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 27 صفر 1430  – 22 فبراير 2009

الذين لا بواكي لهم – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_6261.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/810776.html

 

رغم كل الكلام الذي قيل عن الاعتزاز بالسيادة الوطنية، واستبعاد دور السياسة في إطلاق سراح أيمن نور، فإن أحدا لا يستطيع أن ينكر أنه لولا الضغوط الخارجية لما رأى صاحبنا النور. والقول بغير ذلك إما أن يكون من قبيل العبط أو الاستعباط، وبين أيدينا دليل حاسم يؤيد صحة ذلك الادعاء، وهو أنه لايزال في السجون المتناثرة في أرجاء مصر آلاف من البشر قابعون هناك منذ سنوات لا يذكرهم أحد أو يسأل عنهم أحد. لا القانون حماهم، ولا القضاء، ولا المجتمع ممثلا في مؤسساته التشريعية أو منظماته الأهلية.

 

هؤلاء المسجونون والمعتقلون السياسيون لا يعرف لهم عدد، وقد تهرب وزير الداخلية ذات يوم من سؤال بخصوصهم، قائلا: إن الرقم متغير باستمرار. وهو عذر أقبح من ذنب، يوحي بأن طوابير الداخلين والخارجين من السجون والمعتقلات لا تتوقف. مع ذلك فالمنظمات الحقوقية تتحدث عن أرقام تراوحت بين ثلاثة وخمسة آلاف شخص، بعضهم صدرت ضدهم أحكام بالسجن، والبعض الآخر اعتقلوا استنادا إلى قانون الطوارئ، الذي يخول لوزير الداخلية حق اعتقال أي شخص لأي مدة زمنية دون أن يذكر لذلك أي سبب. صحيح أن ثمة ضوابط قانونية تنظم العملية، وهناك مدة زمنية لسريان أوامر الاعتقال. لكن ذلك كله لا قيمة له في التطبيق العملي، لأن الحكم النهائي والفاصل في مصير أي شخص يظل مرهونا بالقرار الأمني.

 

دعك الآن من تجربة أولئك المسجونين والمعتقلين وراء الأسوار. خصوصا أن تلك التجربة لم تسجل بعد. كما أنني لا أظن أنها يمكن أن تكتب في ظل الأوضاع الراهنة، بالرغم من أن هناك إشارات متواضعة عنها، منها كتاب محمد الدريني (معتقل سابق ودائم) الذي صدر بعنوان «عاصمة جهنم»، وربما يتاح لنا أن نعرف أكثر إذا ما تغيرت تلك الأوضاع، وهو ما حدث في المغرب بعد رحيل الملك الحسن الثاني، وقرر خلفه محمد السادس أن يفتح صفحة جديدة يصالح بها المجتمع، ويصحح أخطاء الماضي، الأمر الذي وفر مناخاً سمح لكثيرين أن يسجلوا شهاداتهم ويبوحوا بما جرى لهم، حتى أصدر هؤلاء أكثر من 20 كتابا فضحت معالم الوجه الخفي للنظام البوليسي الذي ساد في العهد السابق.

 

ما يهمنا في اللحظة الراهنة هو مصير أولئك المحتجزين، الذين نعلم أن أغلبيتهم الساحقة من الناشطين الإسلاميين. وهؤلاء بعضهم حكم عليه بالسجن في قضايا مختلفة منذ الثمانينيات والتسعينيات، وبعضهم معتقلون لأسباب متباينة ولم يقدموا للمحاكمة بعد. وبالمناسبة فليس لدي دفاع عن أفعال الذين أدينوا في قضايا تلك المرحلة، ولكن أدافع عن إنسانيتهم، وعن حقهم في أن يستردوا حريتهم بعدما قضوا مدة العقوبة التي أنزلت بحقهم.

 

من هذه الزاوية فإن المرء لا يخفي دهشته من استمرار احتجاز واحد مثل عبود الزمر الذي أمضى في السجن 20 سنة بالتمام والكمال، واستحق أن يطلق سراحه عام 2001، لكنه لايزال معتقلا منذ ذلك الحين وإلى الآن، لأن الأجهزة الأمنية لم ترض عنه، وهناك آخرون في مثل حالته، منهم طارق الزمر، وإلى جانب السجناء، فهناك مئات المعتقلين سواء بسبب انتمائهم إلى السلفيين أو إلى جماعة الإخوان، أو بسبب اشتراكهم في مظاهرات التضامن مع غزة. وهؤلاء الذين أنهوا محكومياتهم أو اعتقلوا لآرائهم ومواقفهم السياسية، مسكوت عليهم في الداخل والخارج، ولأنهم إسلاميون فهم من تلك الفئة المنبوذة التي لا بواكي لها.

 

صحيح أن بعض تقارير المنظمات الحقوقية في مصر تشير إليهم إشارات خجولة، لكننا نعرف أن ضغوط الداخل لا طائل من ورائها، لكن ضغوط الخارج تمارس دفاعاً عن أشخاص بمواصفات معينة، وليس عن قيم ومبادئ. ولأن هؤلاء القابعين في السجون والمعتقلات من الفئة سالفة الذكر، فإنهم لم يجدوا في أهل الخارج نصيراً يدافع عن حقهم في الحرية والكرامة.

 

لذلك فأضعف الإيمان في اللحظة الراهنة أن ندق الأجراس منبهين إلى وجودهم، ومشيرين إلى أنهم مواطنون قبل أن يكونوا إسلاميين، وأن الاعتداء على حرية وكرامة أي مواطن، هو في حقيقة الأمر اعتداء على الناس جميعاً، لأن السكوت عنه يمهد الطريق للعصف بكرامة كل مواطن.

...................

ليس تسامحاً

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 27 صفر 1430 – 22 فبراير 2009

ليس تسامحاً - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_21.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/809765.html

 

ترحيبنا بالإفراج عن أيمن نور لا يمنعنا من السؤال: لماذا الآن؟ تدفعنا إلى طرح السؤال عوامل عدة، من بينها أن المبررات التي ذكرتها الصحف لا تبدو مقنعة وبعضها مضحك، فكون الرجل مريضا بالقلب ويعاني من مرض السكر، فهذا ليس جديدا، لأن ذلك معروف منذ احتجازه في عام 2005 لينفذ الحكم الصادر بسجنه مدة خمس سنوات، حين أدين في قضية تزوير جرى تلبيسها له، ثم إن التقارير الطبية التي نُشرت عن صحته ذكرت أن حالته ليست خطيرة، وأنه يمكن علاجه في السجن، أما ما ذكره نائب كبير الأطباء الشرعيين من أن قرار الإفراج الصحي عنه صدر لأنه يمكن أن يموت في أي لحظة، فذلك مما يبعث على الضحك، لأنه يصلح مبررا لإطلاق سراح جميع المسجونين والمعتقلين، حيث كل واحد منهم يمكن أن يموت في أي لحظة.

 

لم يكن هناك جديد في حالته الصحية إذن، ثم إن المناسبة التي توقَّع كثيرون أن يُطلق سراحه فيها، بعد أن قضى نصف مدة العقوبة مثلا، مرّت في العام الماضي دون أن يشمله العفو. ولا يستطيع أحد أن يدّعي أنه أفرج عنه من باب التسامح السياسي، لأن من يريد أن يتسامح مع مسجون لا يتركه يقضي أربع سنوات في السجن، ثم يطلقه قبل عامه الأخير.

 

إذا لم يكن العفو لقضائه نصف أو ثلاثة أرباع المدة، أو لأسباب صحية، ولا كان من قبيل التسامح السياسي، فبماذا نفسر إطلاق سراحه الآن؟. ردي أن القرار له دوافعه التي تتراوح بين احتمالين: أحدهما سهل والثاني مركب.

 

الاحتمال السهل يربط بين قرار الإفراج والتمهيد للزيارة التي سيقوم بها الرئيس مبارك للقاء الرئيس الأميركى الجديد في شهر أبريل المقبل، وهو التمهيد الذي بدأ بزيارة وزير الخارجية المصري لواشنطن واجتماعه مع السيدة كلينتون هناك، لاستكشاف موقف الإدارة الأميركية الجديدة (لا تنس أن الكونجرس أوقف مئة مليون دولار من المعونة الأميركية لمصر بسبب موضوع نور).

 

بعد هذه الزيارة قررت مصر أن توفد بعض أعضاء مجلسي الشعب والشورى إلى العاصمة الأميركية، في وفدين من عناصر الموالاة يفترض فيهما تمثيل «المجتمع المدني» لكي يسهما في عملية التمهيد لاستقبال الرئيس، وقبل يوم واحد من إعلان ترتيب سفر الوفدين، ظهرت «الأسباب الصحية» التي استدعت إطلاق سراح أيمن نور، وقد اطلع الرأي العام في مصر من خلال ما نشرته الصحف غير الحكومية على خلاصة المقالة التي نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» في 16 فبراير، وحذرت فيها الرئيس أوباما من استقبال الرئيس مبارك في واشنطن، الأمر الذي قد يعد مباركة لنظامه (الذي أطلقت عليه الصحيفة الأميركية أوصافا سلبية عدة) في الوقت الذي يستمر في سجن أيمن نور ومحاكمة د. سعد الدين إبراهيم.

 

الاحتمال المركب يربط بين قرار الإفراج وسيناريو فيلم التوريث الذي يجرى الإعداد لإخراجه بهمة عالية هذا العام، قبل أن ننشغل بالانتخابات البرلمانية في العام المقبل، لتتم في العام الذي يليه مباشرة (2011) الانتخابات الرئاسية. إذ بمقتضى هذا السيناريو يُطلق سراح أيمن نور هذا العام، حتى لا يقال إنه حجب في محبسه لكي لا يشترك في الانتخابات الرئاسية. ويعطى الرجل وقتا لكي يحل مشكلاته القانونية التي تحول دون استئنافه نشاطه السياسي. وهذه لن تكون مشكلة، لأن القانون عندنا في خدمة السياسة، وقد تم التمهيد لذلك بصدور قرار محكمة القضاء الإداري في 7 فبراير الجاري (صدفة!) بأحقية أيمن نور في رئاسة حزب الغد، ونقض قرار لجنة شؤون الأحزاب الاعتداد بمنافسه موسى مصطفى لتولي منصب الرئيس.

 

حين يستقر الموقف على هذا النحو، يصبح بمقدور أيمن نور أن يترشح مع «غيره» للرئاسة، وتجرى انتخابات «حرة ونزيهة»، يسقط فيها صاحبنا وينجح «غيره»!

 

لا أتبنى أحد الاحتمالين أو التفسيرين، لكني لا أستبعد تكاملهما وإسهامهما معا في إخراج «الفيلم» المذكور، الذي لن يختلف كثيرا عن أغلب الأفلام المصرية، التي تعرف نهايتها قبل أن تدخل إلى قاعة العرض ـ «سيما أونطة..»!

...............

بيت الطاعة الحكومي

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 24 صفر 1430 – 19 فبراير 2009

بيت الطاعة الحكومي – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_9369.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/808150.html

 

لم تفاجئنا الحكومة حين ألقت بكل ثقلها لإسقاط ممثلي تيار الاستقلال في انتخابات نادي قضاة مصر، لمصلحة تيار الإلحاق والموالاة. فتلك سياسة عامة وليست حالة خاصة. إذ المطلوب في ديموقراطيتنا «غير المسبوقة»، أن تتحرك كل مؤسسات المجتمع في إطار عباءة الحكومة، حيث تصبح حدود التعددية المسموح بها محصورة في فريقين، أحدهما تمثله السلطة، والثاني مهادن للسلطة أو مصفق لها.

 

صحيح أننا درسنا في كلية الحقوق أن للدولة الحديثة سلطات ثلاثا، تنفيذية وتشريعية وقضائية. لكن واقعنا علمنا درسا آخر خلاصته أن في البلد سلطة واحدة، هي التنفيذية، التي تتحكم في السلطتين الأخريين، والأولى يتحكم فيها الجهاز الأمني، ولك أن تستنتج الباقي. بالتالي فالمعادلة الحاكمة للنشاط الأهلي أصبحت كالتالي: أنت حاضر بقدر توافقك مع الأجهزة الأمنية، وغائب بقدر تنافرك أو تعارضك معها. في الأولى أنت مبارك ومحظوظ، وفي الثانية أنت منبوذ ومحظور.

 

نموذج الأحزاب السياسية التي حظيت بالمباركة يؤيد هذه المقولة. فكل من دخل في حظيرة الموالاة نال الرضا والشرعية. لذلك توافر لنا أكثر من 20 حزبا، في حين أصيبت الحياة السياسية بالموات. يكفي أن تعلم أن ممثلي المعارضة في مجلس الشعب لم يصل عددهم إلى عشرة أشخاص (بعضهم نجح بالتزوير) مع أن عدد أعضاء المجلس يتجاوز 450 نائبا. وهو ما يصور لك قيمة هذه الأحزاب ودورها في المشاركة السياسية.

 

هذا النجاح الذي حققته السلطة فيما يتعلق باحتواء الأحزاب السياسية وتطويعها، شجعها على محاولة بسط سلطانها على المؤسسات المدنية الأخرى. وقد استعصى نادي القضاة على الاحتواء حينا من الدهر، لكن الحكومة نجحت في إدخاله إلى «عصمتها» أخيرا، إلا أنها تواجه مشكلة مع النقابات المهنية الأخرى، التي ترفض الإلحاق وتصر على ألا تكون صدى للحكومة.

 

النموذج الأفدح في ذلك تجسده نقابة المهندسين المصريين، التي صدر قرار أمني بوضعها تحت الحراسة منذ 18 عاما (في فبراير 1991). ولأنه ليس لديها مجلس منتخب منذ ذلك الحين فلم يعد معترفا بها في المحافل الدولية أو حتى الإقليمية. وكانت النتيجة أن مصر بجلالة قدرها ووزن وقيمة علمائها من المهندسين لم يعد لها وجود في العالم الخارجي منذ ذلك الحين. وللعلم فإن النقابة تضم الآن 435 ألف عضو كانوا 180 ألفا فقط عام 1995.الأمر الذي يعني أن هناك ربع مليون مهندس على الأقل تخرجوا خلال تلك الفترة، لم يمارس أحد منهم حقه الانتخابي في نقابته مرة واحدة في حياته المهنية.

 

قصة صراع المهندسين للدفاع عن نقابتهم تملأ مجلدات، لأنها حافلة بصور التلاعب والاحتيال القانوني الذي يدافع عن الموقف الأمني، والرافض لمبدأ أن تكون هناك نقابة مهنية مستقلة وغير موالية للحكومة. وتفاصيل القصة لدى تجمع «مهندسون ضد الحراسة»، الذين يقفون على أبواب المحاكم منذ أكثر من خمس سنوات يحاولون استعادة نقابتهم.

الحراسة مفروضة أيضا على نقابة أطباء الإسكندرية، كما أن التعليمات الأمنية أوقفت الانتخابات وجمدت مجالس إدارات ٧ نقابات مهنية أخرى، للأطباء والصيادلة والأسنان والبيطريين، إضافة إلى المعلمين والتجاريين والزراعيين. أما النقابات التي اطمأن إليها الأمن وسمح بإجراء الانتخابات فيها فهي التي تمثل الفنانين والرياضيين والممرضين والإرشاد السياحي، غير نقابتي المحامين والصحافيين.

 

إن حالة نادي القضاة وأزمة النقابات المهنية تؤكدان، حقيقة، أنه لا أمل في قيام مجتمع مدني حقيقي، ما لم تكن هناك ديموقراطية حقيقية، من ذلك الذي نسمع عنه ولا نراه.

 

أرجو أن يكون حظ أحفادنا أفضل منا في ذلك.. قولوا إن شاء الله.

.................

كسبت الحكومة.. وخسر الوطن

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 23 صفر 1430 – 18 فبراير 2009

كسبت الحكومة.. وخسر الوطن - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_18.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/807467.html

 

حين تنجح الحكومة في إلحاق الهزيمة بتيار الاستقلال في انتخابات نادي قضاة مصر، فإن ذلك يُعد خصما من رصيدها، وليس إضافة إليه. ذلك أن الإلحاح على إسقاط رموز ذلك التيار، والحرص على إلحاق النادي بعربة السلطة التنفيذية يطفئ منارة أضاءت سماء البلد حينا من الدهر، فشرّفت الوطنيين وأرشدت الحائرين، ومنحت أملا في المستقبل للمحبَطين والمتشائمين.

 

لقد كانت مشكلة النادي، وجريمته التي لم تغفر له، أنه اختار أن يدافع عن كرامة ورسالة السلطة القضائية، ورفض طوال الوقت أن يكون ذيلا للسلطة التنفيذية. إذ التزم القائمون عليه بحدود رسالة القضاة التي حددها الدستور، وتمثلت في رعاية الحقوق والحريات في المجتمع.

 

كان العام 2005 فاصلا في مسيرة النادي، إذ وقعت فيه ثلاثة أحداث مهمة،

 

كان أولها (في الشهر الخامس) تعديل المادة 76 من الدستور، الخاصة بشروط الترشح لرئاسة الجمهورية، وهو التعديل الذي جاء معيبا، وتفوح منه رائحة عدم البراءة.

 

الحدث الثاني (في الشهر التاسع) تمثل في انتخابات رئاسة الجمهورية،

 

أما الحدث الثالث، فكان الانتخابات النيابية (في الشهر الحادي عشر)، وقتذاك أعلن على الملأ أن تلك الانتخابات التي شهدت تجاوزات عدة، كان التزوير أبرزها، تمت كلها تحت الإشراف القضائي. وهو صحيح من الناحية الشكلية، لكنه لم يكن دقيقا من الناحية العملية، لأن الأجهزة الأمنية كانت المشرف الحقيقي على الانتخابات في أغلب الدوائر. أقلق ذلك القائمين على أمر النادي، الذين خشوا أن يُتَّهموا بالتواطؤ أو العجز. فدعوا إلى وقفة احتجاجية صامتة أمام دار القضاء العالي، أرادوا بها أن يغسلوا أيديهم من التجاوزات التي وقعت، وأن يعلنوا على المجتمع أن الأوضاع القائمة لا تمكنهم من أن يمارسوا إشرافا حقيقيا على الانتخابات يضمن حياديتها ونزاهتها.

 

هذه الرسالة التي وجهها نادي القضاة أغضبت الحكومة، وتضاعف غضبها حين دعا النادي إلى إلغاء حالة الطوارئ ورفض إحالة المدنيين إلى المحاكمة العسكرية، كما تحفَّظ على تدخلات وغوايات وزارة العدل للقضاة التي تهدف إلى استمالتهم والتأثير عليهم. إلى غير ذلك من المواقف التي صبَّت في وعاء الدفاع عن كرامة الوطن وكرامة القضاة. عندئذ خاصمت الحكومة النادي وأعلنت الحرب عليه، رغم أنه يمثل إحدى سلطات الدولة الثلاث. فقطعت عنه الموارد المالية التي كانت تقدَّر بنحو 5 ملايين جنيه سنويا. وألغت وزارة العدل انتداب موظفيها الذين كانوا يعملون بالنادي، الأمر الذي أدى إلى تعجيزه ماليا وإداريا.

 

وحين عُيِّن وزير جديد للعدل في عام 2006، فإن مجلس إدارة النادي هنأه بمنصبه وطلب الاجتماع معه، لكنه رفض أن يلتقي بهم.لم تتوان الحكومة في إسقاط ممثلي تيار الاستقلال بمختلف الأساليب والحيل، واستخدمت في ذلك إمكاناتها المادية وضغوطها السياسية والتلويح بالغوايات المختلفة، التي تدور حول تحسين الأحوال المعيشية من خلال صرف البدلات والتوسع في الانتدابات والإعارات وغير ذلك. كان المطلوب باختصار أن يُعاد تشكيل النادي لكي يكفَّ عن الانشغال بكرامة الوطن والقضاة، بحيث ينحصر دوره في حدود الدفاع عن مصالح القضاة، التي تملك الحكومة مفاتيحها. الأمر الذي يعني من الناحية العملية ربط تلك المصالح بالتوافق مع الحكومة، ومن ثم ضم النادي إلى بيت الطاعة السياسية، وبالأخص فك الارتباط بينه وبين ملف الحقوق والحريات العامة.

 

حققت الحكومة نجاحا في معركة انتخابات نادي قضاة الإسكندرية، وألقت بكل ثقلها في انتخابات النادي الأكبر في القاهرة، وكان التدخل بالضغوط والغوايات أشد في الثانية، وهو ما سجَّله مرصد حالة الديموقراطية التابع لجمعية النهوض بالمشاركة المجتمعية،

 

وعندما تحقق المراد بحضور مساعدي الوزير وعناصر موالاة السلطة، هللت الأبواق الإعلامية الرسمية لـ «الانتصار الكبير» الذي كسبت فيه الحكومة نقطة، وخسر الوطن منبرا وحصنا. وهو ما يثير أسئلة عديدة، أحدها السؤال التالي: ألا يُعد تدخُّل الحكومة بهذه القوة والسفور في انتخابات القضاة، دليلا يؤيد ما يقال عن تدخُّلها في أحكام القضاة؟

 

وغدا ـ بإذن الله ـ لنا كلام آخر في هذا الموضوع.

.................

اختبار الارتفاع فوق الجراح – فهمي هويدي (المقال الاسبوعي)

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 22 صفر 1430 – 17 فبراير 2009

اختبار الارتفاع فوق الجراح – فهمي هويدي (المقال الاسبوعي)

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_17.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/806632.html

 

الاتفاق حول «التهدئة» يسمح بتجاوز ازمة التفاهمات الاسرائيلية الفلسطينية، الامر الذى يفتح الباب للتعامل مع معضلة التفاهمات الفلسطينية الفلسطينية.

(1)
كان من الضرورى أن تنفك عقدة التهدئة أولا لكى ينفتح الباب الموصل إلى الملفات الملغومة الأخرى. وهى مهمة لم تكن سهلة، أولا، لأن مصطلح التهدئة ذاته جديد، وليس له أى مدلول قانونى. إن شئت فقل إنه وصف سياسى، ليس هدنة ولا فض اشتباك ولا وقفا لإطلاق النار، ولكن فيه إشارات من ذلك كله. ورغم أن التهدئة فى مدلولها اللغوى تعنى السكون، فان ذلك لا يكفى فى ضبط المصطلح، لان الباب يظل مفتوحاً للتساؤل عن شروط ذلك السكون، والتزامات أطرافه، والأجل الذى يمكن أن يمتد إليه، يزيد من صعوبة الموقف أن طرفي التهدئة فى الموضوع الذى نحن بصدده لا يعترف كل منهما بالآخر، والطرف الأقوى عسكريا «إسرائيل» لا يجد غضاضة فى أن يواصل عملياته ضد الطرف الآخر، كلما عنّ له ذلك. وهو ما حدث فى تهدئة الأشهر الستة الأخيرة، التى انتهت فى 19 ديسمبر الماضى، التى توقفت فيها حماس عن إطلاق صواريخها ضد إسرائيل، فى حين أن الأخيرة استمرت فى عمليات قصف القطاع وتصفية المقاومين. وقد أدرك الفلسطينيون من تلك التجربة أن إسرائيل أرادتها تهدئة تكبل أيديهم، فى حين تطلق يد الإسرائيليين.

 

وكانت تلك هى الخبرة التى دفعت ممثلي حماس فى المفاوضات الأخيرة إلى التشدد فى التعرف كتابة على استحقاقات التهدئة ومحتواها وضماناتها. وهذه الرغبة هى التى أسهمت فى إطالة أمد الاتفاق حول الموضوع، خصوصا أن الإسرائيليين أرادوا لاتفاق التهدئة فى البداية أن يكون عودة إلى الوضع الذى كان سائدا قبل 19 ديسمبر، المتمثل فى وقف إطلاق الصواريخ مع استمرار الحصار. وقد أضافت إليه الحرب هدفا آخر هو إنهاء سلطة حماس على القطاع. وليس سرا أن هذا الهدف الأخير كان محل ترحيب من جانب جماعة السلطة فى رام الله، كما رحبت به بعض الأطراف العربية التى اعتبرت أن نجاح حركة حماس فى انتخابات عام 2006 أثار قلقها لأسباب معلومة، كما سبب لها صداعا أرادت الخلاص منه.

(2)
الحرب أتت بما لا يشتهون، إذ قلبت الحسابات وغيرت إلى حد كبير المعطيات الموجودة على الأرض، فصمود المقاومة فى غزة أفشل مخطط إسقاط حماس، وجعلها تخرج من الحرب أقوى مما كانت عليه. لا أقصد القوة العسكرية، لكننى أعنى أنها أدت إلى رفع أسهمها وتعزيز موقفها فى الساحة الفلسطينية. تجلى ذلك فى استطلاع أعلنت نتائجه يوم 5 - 2 الحالى أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال فى رام الله الذى يديره الوزير السابق الدكتور غسان الخطيب، إذ كشفت تلك النتائج عن مؤشرات مهمة، منها ما يلى:


*
إن نسبة الذين يختارون حماس إذا أجريت انتخابات جديدة ارتفعت من %19 إلى %28.6، فى حين انخفضت نسبة ناخبى فتح من %34 إلى 27.9 %.


*
إن شعبية حماس فى الضفة ارتفعت من %12.8 فى نوفمبر الماضى إلى26.5 % فى آخر يناير، كما ارتفعت نسبة الذين يثقون فى السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء المقال من %12.8 إلى21 % فى حين تضاعفت شعبيته فى الضفة من 9.2 % إلى 18.5 %.. وفى الوقت ذاته انخفضت نسبة ثقة الناس فى الرئيس محمود عباس من 15.5 % فى أكتوبر الماضى إلى 13.4 %أخيرا.


*
تبين أن الحرب زادت من نسبة مؤيدى العمليات العسكرية ضد إسرائيل، إذ ارتفعت نسبة المقتنعين بأن الصواريخ المحلية تنفع الأهداف الوطنية الفلسطينية من %39.3 فى أبريل الماضى إلى 50.8 % فى الوقت الراهن. أما الذين رأوا أن تلك الصواريخ تضر بالمصالح الفلسطينية فقد انخفضت نسبتهم من 35.7 % إلى 2.08 %.
ورأى46.7 % أن حماس هى الطرف المنتصر فى الحرب مقابل 9.8 % قالوا إن إسرائيل هى المنتصرة، واعتبر 37.4 % أن الجانبين لم يحققا انتصارات.


*
تبين أن أهل الضفة كانوا أكثر دعما لحركة حماس فى الحرب من أهالى القطاع الذين تكبدوا خسائر بشرية ومادية جسيمة.. فقال 53.3 % من أهل الضفة إن حماس انتصرت مقابل 35.2 % من أهل القطاع قالوا بانتصار حماس.

(3)
إذا جاز لنا أن نلخص الأجواء التى جرت فى ظلها محادثات التهدئة فسنضيف إلى تعزيز قوة موقف حماس، وتراجع شعبية أبو مازن وجماعته، النتائج التى أسفرت عنها الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة. إذ استدعت تلك النتائج أطرافا أكثر تشددا، ليس بمقدور أبو مازن أن يتواصل معها. الأمر الذى وضعه فى موقف حرج، وهو ما جعله أكثر استعدادا للتفاهم مع حماس بغير شروط مسبقة. حتى إنه حين تلقى قبل أيام اتصالا هاتفيا من القاهرة دعا ممثليه للاجتماع مع وفد حماس الذى قدم للتفاوض حول التهدئة، فإن اثنين من أركان حركة فتح هما أحمد قريع ونبيل شعث قدما إلى العاصمة المصرية قبل مضى 24 ساعة، وعقدا اجتماعا فى نفس يوم وصولهما استمر حتى منتصف الليل، اتفق الجميع فيه على بعض خطوات لتهيئة الأجواء المناسبة لإنجاح المصالحة بينهما (على رأسها وقف الحملات الإعلامية بين الطرفين وإنهاء ملف الاعتقالات والتجاوزات).


إذا عدنا إلى محادثات التهدئة، فسنجد أن النقطة المحورية فيها تمثلت فى إصرار حماس على عدم العودة إلى أوضاع ما قبل 19 ديسمبر. ومن ثم انطلاقهم من أن التهدئة لا يمكن أن تستمر فى ظل الحصار، خصوصا بعد الحرب التى قتل فيها 1300 شهيد وأصيب أكثر من خمسة آلاف جريح، غير الدمار والخراب الذى حل بالعمران فى القطاع، وهو ثمن باهظ جعل استبعاد العودة إلى الوضع السابق أمرا مفروغا منه.


لم يكن هناك شك فى أن الطرفين بحاجة إلى التهدئة، ولكن الجدل كله أثير حول تفاصيلها، فى البدء تحدث الإسرائيليون عن تهدئة مفتوحة وطويلة الأمد، وعرضوا فتح المعابر الستة بنسبة 80 %من البضائع التى يحتاجها القطاع. وفهم أنهم أرادوا تعليق نسبة 20 % الباقية حتى يتم الإفراج عن الجندى الأسير جلعاد شاليط، وإن لم يقولوا ذلك صراحة. أيضا طلب الإسرائيليون إقامة منطقة عازلة حول القطاع كله بعرض 500 متر، بحيث يمنع على سكانه الاقتراب منها، أما طلبات ممثلي حماس فقد انصبت بالدرجة الأولى على رفع الحصار بالكامل، وفتح كل المعابر، ليس فقط لتلبية احتياجات الناس الطبيعية، ولكن أيضا لإعادة إعمار ما دمر فى القطاع.


احتاج الأمر إلى أخذ ورد، وإلى مشاورات استغرقت وقتا طويلا بين الراعى المصرى وممثلي حماس، وبينه وبين الإسرائيليين الذين حمل رسائلهم الجنرال عاموس جلعاد مسئول الأمن والسياسة بوزارة الدفاع الإسرائيلية. وفى المشاورات التمهيدية استبعد ملف الجندى الأسير، باعتبار أنه لا صلة له برفع الحصار، وإنما موضوعه موصول بملف آخر يقوم على مبادلة قائمة للأسرى تضم 450 شخصا محكوما عليهم بالمؤبد. لكن وافقت إسرائيل على 176 منهم فقط. وقبل الفلسطينيون على مضض بتأجيل موضوع فتح معبر رفح فى الوقت الراهن. وفهم أن ذلك مرهون بحل مشكلة إطلاق سراح الجندى الإسرائيلى، وقد يتطلب عقد اتفاق جديد لإدارته بين الفلسطينيين والإسرائيليين ودول الاتحاد الأوروبى.
رفض الفلسطينيون فكرة التهدئة المفتوحة، قائلين إن ذلك مما يستحيل القبول به فى بلد محتل، وتم التفاهم على أن تكون مدتها 18 شهرا. وتحفظوا على فكرة فتح المعابر بنسبة 80 % خصوصا أن تلك النسبة يمكن التلاعب بها، ناهيك عن أن قياسها يواجه صعوبات جمة.

 

وتم التفاهم على فتحها بالكامل بشرطين،

 الأول: أن تتولى لجنة مشتركة مراقبة ما يمر من سلع.

والثانى: ألا يسمح بتمرير الخامات التى يمكن استخدامها فى صناعة الأسلحة مثل المواسير والأسلاك وأنواع من الأمونيا والكيماويات.

وحين نوقشت مسألة المنطقة العازلة، تبين أن اقتطاع 500 متر من أرض القطاع التى عرضها خمسة كيلو مترات، يهدر مساحات كبيرة فى المناطق السكنية والأراضى الزراعية، خصوصا أن بعضها ملاصق بشكل مباشر للحدود مع إسرائيل، ولم يقبل الاقتراح حتى بعد تخفيض الرقم إلى 300 ثم 150 مترا، بعدما تبين أن ذلك يعني إخلاء كل حى الشجاعية وتهجير سكان نصف مدينة رفح، لذلك استبعد ذلك الشرط من الاتفاق. وانتهت التفاهمات إلى أن تكون التهدئة فى حدود وقف إطلاق الصواريخ من القطاع، مقابل فتح المعابر الستة المؤدية إلى إسرائيل بالكامل بالشرطين اللذين سبقت الإشارة إليهما توا مع تأجيل موضوع معبر رفح . ولحل الإشكال البرتوكولى حول كيفية الإعلان عن البروتوكول اتفق على أن تقوم بذلك مصر باعتبارها الدولة الراعية له.

(4)
الاصعب من اتفاق التهدئة بين حماس وإسرائيل هو الاتفاق بين فتح وحماس. وليس بعيدا عن الأذهان فشل محاولة المصالحة بين الطرفين التى جرت فى شهر نوفمبر من العام الماضى، لأن بيان المصالحة الذى طلب من حماس أن توقع عليه فى البداية كان يفضى إلى إلغائها عمليا، وإعادة الأمر إلى ما كان عليه قبل «الحسم» الذى تم فى القطاع عام 2007. بمعنى أنه كان منحازا إلى فريق أبومازن وجماعة رام الله، ولأن الوضع اختلف تماما بعد الحرب على غزة، إضافة إلى قوة الضغوط الشعبية الفلسطينية الداعية إلى إنجاح المصالحة والاحتشاد فى مواجهة الوضع الإسرائيلى الذى استجد بعد الانتخابات، فقد استبعدت الترتيبات التى طرحت فى مشروع المصالحة السابق، وتم الاتفاق على تشكيل خمس لجان لبحث الملفات العالقة بين الطرفين، وأضيفت إليها لجنة تمثل الجامعة العربية تكون مرجعا وحكما إذا وقع خلاف بين أعضاء كل لجنة «يفترض أنهم سبعة يمثل فى كل واحد منها عضو يمثل فتح وآخر يمثل حماس».


اللجان الخمس ستبحث الملفات التالية: المصالحة ــ حكومة الوحدة الوطنية ــ إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية ــ الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة ــ إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية.


الملفات الخمسة ساخنة، وبعضها ملتهب ولا يكاد يرى الآن أفق للتفاهم حولها، خصوصا فى مسألة الحكومة التى هى من حق حماس باعتبار أغلبيتها الكبيرة فى المجلس التشريعى، وقضية تشكيل الأجهزة الأمنية التى كانت أداة الفريق الآخر فى محاولة إفشال حكومة حماس من البداية. كما أن فكرة إعادة بناء منظمة التحرير تقابل بمقاومة شديدة منذ صدرت هذه التوصية بشأنها عام 2005، لأنها قد تعني تغيير مختلف الهياكل، بما قد ينهي سيطرة المجموعة التى اختطفت المنظمة واستثمرتها لحسابها.


ولأن المصالح متعارضة تماما بين الطرفين فيما يخص تلك الملفات، فإن السؤال الكبير الذى يطرح نفسه هو: إلى أى مدى سيكون كل طرف مستعدا لأن يرتفع فوق حساباته الخاصة وجراحه، بحيث يعيد للصف الفلسطينى وحدته وحيويته، بما يمكنه من مواجهة تحديات المصير المطروحة على الجميع الآن؟ لننتظر نتائج المباحثات التى يفترض أن تبدأ فى الثانى والعشرين فى الشهر الحالى، علها تقدم لنا إجابة وافية عن السؤال.


ملحوظة: هذا المقال كتب قبل ان تتراجع اسرائيل عن موقفها يوم الاحد، الذى كان مقررا ان يعلن فيه بدء سريان التهدئة قبل منتصف ليلة الاثنين.

....................

ضحايا التضامن مع غزة

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 21 صفر 1430 – 16 فبراير 2009

ضحايا التضامن مع غزة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_16.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/805910.html

 

نشرة أخبار ضحايا التضامن مع غزة تشمل المعلومات التالية:

 

أصدرت محكمة عسكرية في مدينة الإسماعيلية حكما بالسجن لمدة عامين وغرامة خمسة آلاف جنيه على زميلنا الصحافي مجدي أحمد حسين الأمين العام لحزب العمل المجمد، بعدما اتهم بالتسلل إلى قطاع غزة. وقد رفضت المحكمة السماح لـ 28 محاميا بالدفاع عنه، وانتدبت من جانبها ثلاثة محامين للقيام بالمهمة. علما بأن محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا قررتا عدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ولكن الحكومة امتنعت عن تنفيذ الحكم. ورغم أنه من حق الأستاذ مجدي أن يطعن في سجنه أمام محكمة استئناف عسكرية أخرى، إلا أن ذلك الطعن لا قيمة له، لأن القاضي العسكري غير ملزم بإبداء أسباب الحكم، ولا يستطيع أي محام أن يطعن في حكم لا تُعرف أسبابه.

 

أصدرت محكمة عسكرية أخرى حكما بالسجن لمدة سنة على اثنين من الشبان حاولا الدخول إلى القطاع للتعبير عن تضامنهما مع الفلسطينيين المحاصرين فيه، أحدهما اسمه أحمد أبودومة، وهو عضو في تجمع يحمل اسم «غاضبون»، والآخر أحمد كمال عبدالعال، وهو ليس منخرطا في أي تجمع شعبي، ولكنه قام بمحاولته مدفوعا بمبادرة فردية من جانبه.

 

تم إلقاء القبض على المدون الشاب ضياء الدين جاد يوم الجمعة 6 فبراير، بعد الاعتداء عليه بالضرب أمام أسرته وجيرانه، ولم يعرف مكان اعتقاله حتى الآن، كما أن أسرته لا تعرف سوى أن مدونته التي أطلق عليها اسم «صوت غاضب» انتقدت الموقف المصري من الحرب.

 

هناك اثنان آخران من الشباب المدونين، هما محمد عادل وعبدالعزيز مجاهد، والأول ألقي القبض عليه منذ 3 أشهر بسبب احتجاجه في مدونته على الموقف المصري من حصار غزة، وظهر في أحد المعتقلات أخيرا، أما الثاني فقد شمله الاعتقال بسبب آرائه التي سجلها أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.

 

أطلق سراح الناشط فيليب رزق، الذي اختفى عدة أيام بسبب اشتراكه في مظاهرات التضامن مع غزة، الأمر الذي أدى إلى الاعتداء عليه بالضرب، واقتحام منزله فجر الاثنين الماضي 9-2، وتفتيش المنزل بغير إذن قضائي حسب بيانات الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، التي ذكرت أن الشاب الذي يدرس بالجامعة الأميركية «اختطف» بواسطة عناصر الأمن. ولم ينقذه من التغييب في السجون والمحاكم سوى أنه يحمل الجنسية الألمانية هو ووالده، حيث «اضطرت» وزارة الداخلية للإفراج عنه، بعدما تدخلت السفارة الألمانية في القاهرة لمصلحته.

 

تحتجز وزارة الداخلية 734 عضوا بجماعة الإخوان المسلمين، حسب تصريح نائب المرشد الدكتور محمد حبيب. وقد بدأ اعتقال هؤلاء بعد أيام قليلة من بداية الحرب، بسبب اشتراكهم في المظاهرات ومسيرات الاحتجاج التي اندلعت في مختلف المحافظات المصرية، منددة بالعدوان ومطالبة السلطات المصرية بفتح معبر رفح أمام جهود إغاثة المحاصرين في غزة.

 

ليس ذلك حصرا لضحايا التضامن مع غزة بطبيعة الحال، ولكنه القدر الذي عرف من أولئك الضحايا، الذين لا يكاد المرء يصدق أن تلك كانت جريمتهم التي استحقوا بسببها السجن والاعتقال، في بلد لايزال المسؤولون فيه يعلنون في كل مناسبة أن أحدا لا يستطيع أن يزايد عليهم في الدفاع عن قضية فلسطين.

 

في الوقت ذاته فإن المرء لا يستطيع أن يكتم دهشته إزاء المدى الذي ذهبت إليه الأجهزة الأمنية في الاستخفاف بالرأي العام في مصر (دعك من الإساءة التي تحدثها ممارساتها إلى سمعة مصر في الخارج) وهو استخفاف وصل إلى درجة تحدي الشعور العام واستفزازه. فضلا عن شعور المواطن بالإهانة، حين يدرك أنه يتعين عليه أن يبحث لنفسه عن جواز سفر أجنبي، يحميه من بطش حكومته ـ

 غدا لنا كلام آخر في الموضوع.

.................

احذروا غضب الحليم

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 20 صفر 1430 – 15 فبراير 2009

احذروا غضب الحليم - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_15.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/805020.html

 

لا أعرف إن كان الذين لا يترددون في تحدي الرأي العام واستفزاز مشاعر المصريين بممارساتهم القمعية يدركون عاقبة أفعالهم تلك أم لا، لكنني أعرف جيدا أن تلك مغامرة تشعر الناس بالمهانة وتملؤهم بالغضب، الذي يحولهم تراكمه بمرور الوقت إلى قنابل موقوتة، مرشحة للانفجار في أي وقت.

 

 لقد سمعنا مراراً وتكراراً أن قوانين الطوارئ لن تستخدم إلا في مواجهة الجماعات الإرهابية، وأعلن رئيس الوزراء أمام مجلس الشعب أن إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية (الذي يخالف الدستور) لن تتم إلا في حالتي مكافحة الإرهاب وقضايا الاتجار في المخدرات. لكننا رأينا أن هذه الأساليب الاستثنائية والقمعية لا تستخدم إلا في التعامل مع الناشطين العاديين، الذين يحاولون التعبير عن أنفسهم من خلال الاحتجاجات السلمية والممارسات القانونية. وضحايا التضامن مع غزة الذين تحدث عنهم أمس نموذج حي بين أيدينا. ذلك أنهم لم يفعلوا أكثر من إعلان رفضهم للعدوان الإسرائيلي وتضامنهم مع الشعب الفلسطيني المحاصر والمنكوب. حتى الخطأ النسبي الذي نسب إلى زميلنا مجدي حسين، واتهم فيه بـ«التسلل» إلى غزة لإعلان تضامنه مع أهلها لم يقابل بأي تفهم أو أعذار، وإنما قوبل بإحالته إلى المحكمة العسكرية التي قررت سجنه سنتين جراء «الجريمة» التي ارتكبها.

علماً بأننا لم نسمع أن أحداً من الذين حاولوا التسلل إلى إسرائيل وقعت عليهم هذه العقوبة.

 

من الأمور المثيرة للانتباه والباعثة على الخزي في الوقت ذاته، أن هذا الاستقواء الأمني في مواجهة المواطنين المصريين والفلسطينيين أيضاً، يتراجع خطوات عديدة إلى الوراء حينما يكون الإسرائيليون هم الطرف الآخر، ولكي تتأكد من ذلك حاول أن تستدعي من الذاكرة مشهد الغضب الحكومي المصري العارم الذي قوبل به اختراق بعض الفلسطينيين لمعبر رفح، والتصريحات النارية التي أطلقها آنذاك وزير خارجيتنا التي هدد فيها بكسر رجل أو رقبة من يعبر الحدود، ثم ضع إلى جانبه عمليات القمع الشديدة التي ووجه بها الناشطون المتضامنون مع غزة،

 

 في مواجهة هذا الشريط «الساخن»، حاول أن تتتبع رد الفعل المصري على عشرات الاختراقات التي قامت بها الطائرات الإسرائيلية للمجال الجوي المصري والحدود، وهي تحاول قصف الأنفاق المستخدمة في تهريب البضائع عند رفح. حينئذ ستلاحظ أن مصر لم تفعل أكثر من رصد الاختراقات وتسجيلها أولا فأولا، ثم إبلاغ القوات الدولية بها بمنتهى الهدوء. وفي ظل ذلك الهدوء تبخر تماماً الكلام عن «كسر رجل» من يعبر الحدود، كما لم نسمع صوتاً لوزير الخارجية، ولا للأبواق الإعلامية الأمنية التي ملأت الدنيا ضجيجاً وغضباً لحرمة أرض مصر التي يعبأ الناس لأجلها تارة، ويغض الطرف عنها تارة أخرى.

 

يخطئ من يظن أن تحدي الرأي العام والاستهانة بمشاعر الناس واستفزازهم من الأمور التي يمكن أن تمر بسهولة، فيبتلعوها ثم ينسوها. ذلك أنه في الأمور التي تتعلق بالكرامة، فإن المواطنين يختزنون ولا يبتلعون. وهذا الاختزان مما لا تؤمن عواقبه، وأكرر مرة أخرى، أنه يحول الناس إلى قنابل موقوتة مرشحة للانفجار في أي وقت.

 

وفي موروثنا الثقافي تحذير مستمر من غضب الحليم. والحلم وطول البال من الصفات التي اشتهر بها المصريون. وهو ما ينبغي التذكير به حتى لا ينخدع أحد بصبر المصريين وصمتهم، الذي لا ينبغي أن يستقبل بحسبانه من علامات الرضا. والشواهد التي لاحت في الفضاء المصري خلال العامين الأخيرين تدل على أن ثمة تململاً في المجتمع الذي فاض به الكيل، عبر عن نفسه بأشكال عدة لم تكن مألوفة من قبل.

 

ففي الأسبوع الماضي لجأ 800 مواطن من أهالي المحلة الكبرى إلى الجلوس على قضبان السكة الحديد في عز البرد، احتجاجا على تدهور الخدمة بالقطارات.

ومن قبل هؤلاء قام أهالي برج البرلس في محافظة كفر الشيخ بقطع الطريق الدولي، بسبب مشكلة حدثت في توزيع الدقيق، إلى غير ذلك من «الانتفاضات» المحدودة التي تبعث إلى من يهمه الأمر برسائل تفصح عن الغضب المكتوم، ويتعين على هؤلاء تسلمها وقراءة محتواها جيداً قبل فوات الأوان.

......................

أزمة مجتمع وليست «فاشية» نخبة

صحيفة الرؤية الكويتيه السبت 19 صفر 1430 – 14 فبراير 2009

أزمة مجتمع وليست «فاشية» نخبة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_4661.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/804142.html

 

بعد مضي ثلاثين عاما على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وأكثر من خمسة عشر عاما على اتفاقية أوسلو التي وقّعت مع الفلسطينيين، واتفاقية «وادي عربة» الموقعة مع الأردنيين؛ فإن شهية الإسرائيليين لسفك دم الفلسطينيين والفتك بهم لم تتراجع، وإنما تزايدت على نحو برز في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وهي التي أثبتت أننا لسنا فقط بصدد دولة تهيمن عليها نخبة من مجرمي الحرب، وإنما نحن بإزاء مجتمع مساند لتلك النخبة ومفتون بها.

 

 تجلى ذلك في حقيقة أن أحد محاور المنافسة بين المرشحين للانتخابات كان يدور حول كمّ ونوع الشروط التي يتعهدون بإملائها على الفلسطينيين لضمان إخضاعهم، وكلما تشدد المرشح في شروطه استمال أعدادا أكبر من الناخبين (لاحظ أن حزب الليكود حصل في انتخابات عام 2006 على 12مقعدا وفاز هذه المرة بـ 27 مقعدا). هذا التحليل ينبّهنا إلى أن سياسة الفتك بالفلسطينيين تستجيب لرغبة شعبية أصيلة في إسرائيل، وأن المشكلة ليست في النخبة القابضة على السلطة، وإنما هي في المجتمع الذي يفرزها؛ الأمر الذى يضعنا أمام حالة نادرة يصعب استيعابها.

 

 إذ نفهم أن يكون هناك نظام فاشي أو حزب فاشي، ولكن أن تصبح الفاشية سمة لمجتمع بأغلبيته الساحقة، فتلك حالة فريدة في التاريخ المعاصر، صحيح أن هناك استثناءات على القاعدة، لكنها تظل محدودة للغاية ولا تأثير لها على القرار السياسي هناك.

 

إننا إذا استعرضنا مواقف قادة الأحزاب الثلاثة الذين فازوا بأكبر عدد من المقاعد في الكنيست، فسوف نجد أن

 تسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما (28 مقعدا) تصنف بحسبانها الأكثر اعتدالا (!) بينهم، وهي الضالعة في مذبحة غزة.

أما السيد نتانياهو زعيم حزب الليكود (27 مقعدا) فهو يعلن صراحة أن المذبحة ما كان لها أن تتوقف، كما أنه لا يعترف بالاتفاقات التي وقّعها أسلافه مع الفلسطينيين.

ثالثهم افيجدور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» (15 مقعدا) دعا إلى طرد فلسطينيي 48، وقصف السد العالي لإغراق مصر، واستهداف القصر الجمهوري في دمشق ليُدمَّر على من فيه، وثمة كلام كثير حول علاقاته بعالم الجريمة المنظمة والمافيا الروسية.

 

 إذا جاز لنا أن نلخص موقف المجتمع الإسرائيلى في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة، فسنجد أن التيار الذي أطلق عليه «يسار الوسط» الذي يتحمّل المسؤولية عن مذبحة غزة يمثله 55 عضوا. أما تيار اليمين الذي لم تقنعه المذبحة وتطلَّع إلى ما هو أبعد منها، فيمثله 65 عضوا.

وكما هو واضح فإن الأخيرين يمثلون الأغلبية في البرلمان، ولابد أن تكون لهم اليد الطولى في الحكومة التي يرجح أن يتولى نتانياهو رئاستها.

 

 من ناحية، فهذه «التركيبة» هي التي ستشترك مع الفلسطينيين في مفاوضات «السلام» المفترضة، ولن نستغرب إذا ما خرج علينا أقطابها مرددين ادعاء الحكومة السابقة اصطفافها في مربع «الاعتدال» في العالم العربي، وهو ما يستدعي أسئلة كبيرة حول المستقبل، يتعين على الطرف الفلسطيني الذي راهن على «الاعتدال» الإسرائيلي أن يجيب عليها. ليس وحده، وإنما على الطرف العربي الذي أبرأ ذمته بإطلاق «المبادرة العربية» في قمة بيروت أن يجيب عليها بدوره.

 

من ناحية ثانية، فإن هذه التركيبة تناسب إلى حد كبير عملية التحضير للمواجهة العسكرية مع إيران، إذا فشلت محاولات إثنائها عن إيقاف مشروعها النووي من خلال مفاوضات الأميركيين أو غيرهم.

 

لن يفاجئنا شيء من ذلك كله، إنما الذي لابد أن يدهشنا أن نجد في مصر من يتحدّث عن تنظيم أنشطة للتبشير بثقافة السلام، بدعوى تحصين الأجيال الجديدة بالثقافة، بحيث لم يعد يبقى من المعادلة سوى شقها المتعلق بالسلام ـ هانت!

..............

 

فضيحة على الهواء

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 17 صفر 1430 – 12 فبراير 2009

فضيحة على الهواء – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_12.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/802247.html

 

ليست مفهومة تلك القواعد التي على أساسها يُسمح للبعض بالمرور من معبر رفح، في حين يُمنع آخرون ممن تقدّموا لإغاثة المنكوبين في القطاع وتقديم العون لهم، لكن المؤكد أن عملية المنع سببت حرجا كبيرا لمصر، وأساءت إلى سمعتها وموقعها كثيرا، وقد كنت أحد الذين وُجِّه إليهم السؤال أكثر من مرة حول سبب منع الأطباء والمهندسين والإعلاميين وخبراء الإغاثة من الوصول إلى القطاع، لكني في كل مرة كنت أقول إن المسؤول ليس أعلم من السائل، وقد أخبرني أحد الأصدقاء الأتراك أن أخبار المنع هذه حين نُشرت في الصحف التركية، فإن الناس دُهشوا وصُدموا ولم يصدِّقوا أن مصر يمكن أن تقدم على خطوة من ذلك القبيل، لذلك فإنهم اعتبروها أخبارا مدسوسة وملفقة.

 

لقد بثت قناة «الجزيرة» حلقة صورت فيها الموقف عند معبر رفح، وفضحت بها حقيقة ما يجرى هناك على نحو بدا باعثا على الخزي والخجل.. إذ حين ظل مدير مكتب الجزيرة في بيروت، الزميل غسان بن جدو، واقفا أمام المعبر طيلة عشرة أيام، لم يُسمح له فيها بالدخول، فإنه استثمر وجوده هناك في تقديم حلقة من برنامجه المميز «حوار مفتوح» مع الوفود التي طالها المنع، وتلك التي أمضت أياما تنتظر «الفرج» وتتعلق بأمل تلقي إشارة من القاهرة تسمح لها بالوصول إلى القطاع.. وهي المسألة التي بدت لدى كثير من الواقفين أصعب من الوصول إلى القمر.

 

جرى بث الحلقة مساء السبت الماضي «7 فبراير الجاري»، وكان المتحدثون فيها خليطا من المهنيين والخبراء والإعلاميين.

 

الأطباء تحدثوا عن تخصصاتهم التي تحتاجها مستشفيات القطاع، والمهندسون الذين كانوا من كبار أساتذة الجامعات المصرية عرضوا بعضا من الأفكار التي حملوها معهم إسهاما منهم في مواجهة الكارثة.. أحدهم شرح فكرة مبتكرة ومدهشة عن كيفية إقامة بيوت من أكياس البلاستيك المحشوة بالرمل، ورأينا صورا للتصميم والبحث الذي أعدّه بهذا الخصوص، أستاذ آخر تحدث عن كيفية الاستفادة من الأنقاض الموجودة وتوظيفها في إقامة البيوت بأسلوب علمي فهمنا أنه يدخل في اختصاصه، تابعنا أيضا شهادة لأحد العلماء المتخصصين في الأراضي، أراد أن يقدم خبرته في دراسة ما أصاب أراضي القطاع جراء القنابل الفوسفورية والأسلحة المحظورة والقذرة التي استخدمتها إسرائيل في الحرب.

 

من أغرب ما سمعت في البرنامج شهادة لخبير قانوني قادم من النرويج جاء ومعه زميلان أحدهما نرويجي أيضا والآخر فرنسي، وكانت مهمتهم محاولة تسجيل وتوثيق الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل أثناء الحرب، سواء بحق المدنيين أو بحق الأماكن التي يحرم القانون الدولي استهدافها أثناء الحرب.

 

وشرح صاحبنا أنه مع الفريق المرافق له كان عليهم أن يقدِّموا تقريرا بهذه المخالفات إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في موعد أقصاه 6 فبراير الجاري، لكي يُدرج ضمن الملفات التي تخضع للدراسة قبل العرض على المحكمة، وقد تم ترتيب هذه الرحلة بالاتفاق مع مختلف الجهات المعنية في النرويج والقاهرة، كما أنهم شرحوا مهمتهم للمسؤولين عن المعبر ونبهوهم إلى أنهم ملتزمون بمواعيد يمكن أن يترتب عليها قرار بعرض الأمر على المحكمة الجنائية الدولية. ولكن ذلك كله لم يشفع لهم، فلم يُسمح لهم بالدخول، على الأقل قبل الموعد الذي ضُرب لهم.

 

هذا الكلام وأضعاف أضعافه جرى بثه على الهواء مباشرة من أمام المعبر، الأمر الذى شكَّل فضيحة من العيار الثقيل، لم تُكذِّب فقط ادعاء القاهرة بأن المعبر مفتوح للجرحى وجهود الإغاثة، ولكنها وفرت أدلة اتهام وإدانة للموقف المصري، المجرّح أصلا منذ بدأت الحرب، خصوصا أن أحدا لم يقدِّم للممنوعين أى تفسير لإغلاق باب المعبر في وجوههم. وهم الذين تصوروا أن مهمتهم ستقابل بالترحيب والتشجيع من سلطات «الشقيقة الكبرى»،

 

إننى أخشى أن يكون «الأمن» في هذه الحالة قد قام بدور «الدبة» التي قتلت صاحبها، وهي تحاول أن تهش الذبابة عن صاحبها، الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل: إلى متى تظل السياسة في خدمة الأمن وليس العكس؟

.................

خاتمي خاسر في الحالتين

صحيفة الرؤية الكويتيه الاربعاء 16 صفر 1430 - 11 فبراير 2009
خاتمي خاسر في الحالتين - فهمي هويدي
 
للوهلة الأولى يبدو ترشح السيد محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية الإيرانية كأنه رسالة تتجاوب مع أطروحات الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، تماما كما كان الرئيس الحالي أحمدي نجاد ردا إيرانيا على الرئيس السابق جورج بوش.
والرسالة غير مباشرة بطبيعة الحال، لأن ما أعنيه هو أن ترجيح كفة مرشح دون آخر في الانتخابات الحرة لا يتأثر بالعوامل الداخلية وحدها، إنما بالعوامل الخارجية أيضا. فعندما تم انتخاب السيد خاتمي للرئاسة في عام 1997، وظل طوال السنوات الثماني التالية رافعا لواء التنمية السياسية، وداعيا إلى حوار الحضارات، في حين لم يلق من واشنطن سوى الصد وعجرفة المحافظين الجدد، فإن رد المجتمع الإيراني في انتخابات 2005 تمثل في التصويت لشخص محافظ ومجهول آنذاك، اتسم بالصلابة والعناد، هو أحمدي نجاد، وإسقاط منافسه السياسي الداهية هاشمي رفسنجاني المعتدل، الذي أيده الإصلاحيون.
 
الأمر اختلف نسبيا بعد تولي أوباما الرئاسة، على الأقل من حيث إنه تبنى خطابا مغايرا، بدا فيه أحرص على الحوار والتفاهم، من دون استعلاء أو استقواء، الأمر الذي يفترض أن تكون له استجابة مغايرة من جانب المجتمع الإيرانى، تدفع الأغلبية فيه إلى التصويت لمصلحة المرشح «المعتدل» السيد خاتمي، ورغم أن هذه الرؤية تبدو منطقية إلا أن الأمر لا يخلو من تعقيدات سياسية، لا يمكن تجاهلها.معلوماتي أن الرجل استشار السيد علي خامنئي قبل أسابيع عدة من إعلان قراره، فكان رد الأخير أنه بصفته الشخصية لا يحبذ دخوله إلى المعركة في الظروف الراهنة، لكنه بصفته مرشدا لا يستطيع أن يمنعه، وإذا فاز في الانتخابات فلن يتردد في التعاون معه.

ومن الواضح أن خاتمي استجاب بعد ذلك لضغوط دوائر الإصلاحيين، وأعلن قراره بالترشيح، مستندا إلى رأي «المرشد»، ومعرضا عن نصيحة «السيد».من الصعب الآن التنبؤ بحظوظ أحد من المرشحين، ليس فقط لأنه لايزال هناك متسع من الوقت لإجراء الانتخابات في 12 يونيو المقبل، لكن أيضا لأن السوابق تؤكد أن باب المفاجآت مفتوح على مصراعيه في تلك الانتخابات. فلا نجاح السيد خاتمي كان متوقعا في عام 97، ولا نجاح أحمدي نجاد خطر ببال أحد في عام 2005، لكن الذي لا يمكن إنكاره أن السيد خاتمي اختار بقراره هذا أن يخوض مغامرة كبرى، سواء فاز في السباق أو لم يفز، فهو إذا خسر سينهي بذلك حياته السياسية، وإذا فاز فإنه لن يستطيع أن ينجز شيئا مما وعد به لماذا؟ لأن مؤسسات الدولة الإيرانية الآن يهيمن عليها المحافظون، وهؤلاء لن يسمحوا له بتمرير شيء لا يرضون عنه، سواء في الشأن السياسي الداخلي أو الخارجى، كما أنهم لن يمكنوه من إنجاز شيء في مسألة الحوار مع الولايات المتحدة، التي لا يعترض عليها المحافظون، لكنهم يريدون أن يحتفظوا بها كورقة في أيديهم وإنجاز سياسي يحسب لهم،
ولا يغيبن عن البال في هذا الصدد أن مجلس الشورى المكون من 290 عضوا يسيطر المحافظون على أغلبيته، في حين أنه لا يمثل الإصلاحيون فيه سوى 50 نائبا فقط. وهذه التركيبة ستشكل دائما حجر عثرة في طريق خاتمي، وهو وضع لا يعاني منه أحمدي نجاد، الذي يؤيده المحافظون، وخلال السنوات التي قضاها في السلطة شهدت إيران تناغما نادرا بين مؤسسات الدولة بسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية ومجالسها العلمائية، الأمر الذي يعني أن الجسم الصلب للدولة كان يقف بكامله إلى جانبه. بسبب ذلك فإن بعض المحللين الإيرانيين فضلوا أن يبقى السيد خاتمي بعيدا هذه المرة، لكي يكمل أحمدي نجاد دورته الثانية، ويجري هو حوار طهران مع الإدارة الأميركية الجديدة، مدعوما بمختلف مؤسسات الدولة، وبعد ذلك في انتخابات عام 2013 يتقدم أي مرشح إصلاحي ليقطف ثمار الجهد الذي بذله نجاد، ويبني عليه ما شاء.

لكن خاتمي تسرع وألقى بنفسه في خضم المغامرة، ليرفع من درجة الإثارة في منافسة سيخرج منها خاسرا، فاز أم لم يفز.
.....................

غزة : حقيقة المطلوب والمعروض (المقال الاسبوعي)

صحيفة الشرق القطرية الثلاثاء 15 صفر 1430 – 10فبراير 2009

غزة : حقيقة المطلوب والمعروض - فهمى هويدى-المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_6738.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/800750.html

 

على كثرة ما كتب فى موضوع غزة، أزعم أن القصة الحقيقية لم ترو بعد، وأن الجزء الغاطس في الموضوع أكبر بكثير مما ظهر على السطح.

1
لا أدعي أنني على إحاطة بكامل حقائق القصة، لكن ما توافر لدى من معلومات خلال الأسبوع الماضي أقنعني بأن الكثير مما تداولته وسائل إعلامنا، بعضه يفتقد إلى الصواب والبعض الآخر يفتقد إلى الدقة والبعض الثالث يفتقد إلى البراءة وقبل أن أعرض ما عندي في هذا الصدد، ثمة خلفية يتعين استدعاؤها، لأنها تسلط الضوء على الحقيقة المغيبة، ذلك أنه من التبسيط الشديد والمخل للأمور القول بأن العدوان الإسرائيلي على غزة جاء نتيجة لإلغاء التهدئة، وإطلاق بعض الصواريخ على القطاع، وهذا الادعاء هو إحدى الأكاذيب التي روجتها إسرائيل، ونجحت في دسها علينا، حتى أصبحت أحد محاور خطابنا الإعلامي.


وللعلم، فإن الذي فضح هذه الأكذوبة وفندها هو الكاتب والباحث الأمريكى اليهودي، هنري سيجمان، في مقالة مهمة وكاشفة بعنوان «أكاذيب إسرائيل» نشرتها له مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» (عدد 29 يناير)، وكانت خلاصة مقالته تحت عنوان «أكاذيب إسرائيل» التي نقضت التهدئة وليست حماس، عبّر عن هذا الموقف أيضا البروفيسور جون ميرزهايمر أستاذ هارفارد الذي كتب مقالة بعنوان «حرب أخرى.. خسارة أخرى»، قال فيها: إن سبب الحرب ليست صواريخ حماس، بل متابعة "هدف إسرائيل الكبرى".


صحيح أن حرب المشروع الإسرائيلي في فلسطين عمرها مائة عام، إلا أن النتائج المفاجئة لانتخابات المجلس التشريعي في عام 2006 كانت بمثابة نقطة تحول في المسيرة، ذلك أن تصويت الجماهير للمقاومة وحصول حركة حماس على أغلبية المجلس قلب الموازين وصدم الجميع، إذ أفاقت إسرائيل على حقيقة أن مشروعها للتسوية السياسية أصبح في خطر. تماما كما أن جماعة السلطة في رام الله أدركوا أن احتكارهم لصدارة المشهد الفلسطيني أصبح بدوره في خطر، وهو ما أحدث توافقا على ضرورة إلغاء نتيجة الانتخابات، والتخلص من حماس وما تمثله بكل السبل، فتولت إسرائيل اعتقال أغلب ممثليها في المجلس التشريعي المنتخب، بمن فيهم رئيسه، وكان على أجهزة السلطة في غزة أن تسقط الحكومة المنتخبة، وبدأت المناكفات بمقاطعة الحكومة، ثم الاشتراك في حكومة للوحدة الوطنية، التي لم يتوقف أبومازن عن مقاطعتها من جانبه، في حين تولت الأجهزة الأمنية التابعة له على إثارة الفلتان الأمني بهدف إفشال تجربتها، الأمر الذي اضطرت معه الحكومة إلى الاستيلاء على مقار تلك الأجهزة لإجهاض مخططاتها وإنهاء تمردها، وقد وثق الدور الأمريكي في عملية الانقلاب على الحكومة وإفشالها الصحفي ديفيد روز، في التقرير المثير الذي نشرته له مجلة «فانيتى فير» (عدد أبريل 2008)، وحين فشل الانقلاب الداخلي الذي قادته الأجهزة الأمنية لجأت إسرائيل إلى حصار القطاع، ولم ينجح التجويع في إثارة الفلسطينيين وانقلابهم على الحكومة، كما كان مرجوا، وإزاء فشل كل هذه المحاولات لجأ الإسرائيليون إلى السلاح لتحقيق الهدف الذي طال انتظاره. ومن ثم كانت العملية العسكرية التي بدأت في 27 ديسمبر 2008 للقضاء على المقاومة وإزالة آثار انتخابات عام 2006.

2
معلوم أن الوساطة المصرية أسفرت عن تهدئة مدتها ستة أشهر، انتهت في 19 ديسمبر الماضي، وخلال تلك الفترة أوقفت حركة حماس أي نشاط للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وفاء بمقتضيات التهدئة في حين لم تلتزم إسرائيل بشيء, سواء فيما خص فتح المعابر لتوفير احتياجات الناس المعيشية، أو فيما يتعلق بوقف الأعمال العسكرية، حيث واصلت عمليات التوغل والتصفية، التي كان آخرها قيامها في الرابع من نوفمبر بقتل ستة من عناصر حماس بالقطاع. هذا الكلام ليس من عندي، ولكنه ورد في سياق شهادة للقائد الإسرائيلي السابق في القطاع، العميد شمويل زكاى، نشرته صحيفة «ها آرتس» في عدد 22 ديسمبر الماضي, وقد ذكر الرجل في شهادته أن إسرائيل أساءت استخدام فترة التهدئة باستمرارها في حصار فلسطينيي القطاع، وكان يمكن أن تستمر التهدئة إذا لم تصر على الحصار، ولم تواصل قمع الفلسطينيين.


حين حل موعد انتهاء التهدئة في 19 ديسمبر، لم يجر أي اتصال مع قادة حماس بخصوص ترتيبات المستقبل، وليس صحيحا أنهم وقتذاك نصحوا وحذروا من العواقب، كما ذكرت بعض التصريحات السياسية، وكان على فصائل المقاومة أن تحدد موقفا من المسألة، فعقد ممثلوها اجتماعات في غزة ودمشق أعلنوا بعدها أن الفترة المتفق عليها انتهت، وإزاء استمرار إسرائيل في الحصار وتصفية الناشطين، فإنهم أصبحوا في حل من التزاماتهم إزاءها.


للدقة، فإن القاهرة أجرت قبل أسبوع من الحرب اتصالين هاتفيين مع الدكتور محمود الزهار، القيادي في حماس، بخصوص تجديد التهدئة، فكان رده أن حماس وفصائل المقاومة الأخرى في القطاع، لا يستطيعون القبول بالتجديد في ظل استمرار الحصار، ورغم تواتر الأنباء عن اتجاه إسرائيل إلى الهجوم على القطاع، فإن الدكتور الزهار تلقى اتصالا هاتفيا من القاهرة يوم الخميس 25/12 أبلغ فيه بأن إسرائيل لا تنوى القيام بعملياتها العسكرية. إلا أن إسرائيل شنت هجومها المفاجئ والشرس في 27 يناير أي بعد يومين اثنين فقط من الرسالة التي أبلغت إليهم.


كان التقدير الإسرائيلي المبدئي أن العملية سوف تستغرق ثلاثة أيام، وأن القصف المكثف، والمجنون سوف يدفع المقاومة إلى التسليم. ولوحـظت آنذاك ثلاثة أمور، الأول: أن الاجتماع الطاريء لوزراء الخارجية العرب تحدد بعد خمسة أيام من بدء الحرب. الثاني: أن بعض رجال الأمن الوقائي الهاربين اتجهوا إلى رفح المصرية متوقعين أن قيادات حماس سوف تهرب من القطاع، وأن الساحة ستكون مهيأة لاستقبالهم. الثالث: أنه لم يجر أي اتصال مع قيادات المقاومة في الخارج، باستثناء اتصال هاتفي وحيد أجراه السيد عمرو موسى، أمين الجامعة العربية، مع نائب رئيس حركة الجهاد الإسلامي زياد نخالة، المقيم في دمشق.


في اليوم السادس «الخميس الأول من يناير»، تلقت قيادة المكتب السياسي في حماس اتصالا هاتفيا من أحد مسؤولي المخابرات العامة في القاهرة، دعا خلاله وفدا من الحركة لبحث الموقف في العاصمة المصرية، علما بأن خطوط الاتصال ظلت مقطوعة بين الطرفين منذ رفضت الحركة حضور مؤتمر المصالحة في نوفمبر الماضي، وحتى لا يفهم أن حماس متلهفة على وقف إطلاق النار، فإنها أخرت إرسال الوفد إلى الأحد 4 يناير. في الوقت ذاته، بعد أسبوع من بدء الحرب، أجرى الفرنسيون والدنماركيون اتصالات مع قيادة المكتب السياسي في دمشق لتحسس احتمالات وقف إطلاق النار.


هذه الاتصالات كانت تعنى أمرين،

أولهما: أن صمود المقاومة في غزة فاجأ الجميع، ولم يكن في الحسبان.

وثانيهما: أن إسرائيل تريد أن تنهي الحرب بفرض شروط التسليم على حماس.
الملاحظ في هذا الصدد، أن الغارات الإسرائيلية كانت تشتد وتزداد عنفا أثناء وجود ممثلي حماس في القاهرة، ولم تكن تلك الغارات سوى رسالة ضغط على المفاوضين لدفعهم للقبول بالتسليم، وهناك معلومات تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت أجل خطاب إعلان قرار وقف إطلاق النار مرتين، انتظارا منه لما يمكن أن تسفر عنه اجتماعات القاهرة التي رفضت فيها حماس ما نقل إليها من إملاءات إسرائيلية.

3
هناك أسطورتان راجتا أثناء الحرب وبعدها هما:
أن المعركة استهدفت التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة، وتلك شائعة إسرائيلية أرادات بها إسرائيل أن تحقق ثلاثة أهداف،

الأول: تشويه صورة المقاومة الفلسطينية وتصويرها بحسبانها أداة في يد إيران.

والثاني: استنفار العالم العربي الذي تتوجس بعض أنظمته من إيران، ومن ثم الإيحاء بأن العدو الحقيقي للعرب هو إيران وليست إسرائيل، وهو ما قالته صراحة وزيرة الخارجية تسيبي ليفنى.

الثالث: تصفية الحسابات الإسرائيلية إزاء إيران التي تعتبرها الدولة العبرية أكبر تحد لها، خصوصا في ظل استمرارها في مشروعها النووي.


المفارقة أن التلويح بأكذوبة التدخل الأجنبي الإيراني تتم في الوقت الذي تمسك فيه الولايات المتحدة الأمريكية بكامل الملف الفلسطيني وهو ما اعترف به رسميا في مؤتمر أنابوليس، ثم إن هذه المقولة لا تفرق بين الحليف والعميل، والذين يرددونها لا يعرفون أو يتجاهلون أن حماس رفضت الاشتراك في مؤتمر الفصائل الذي دعت إليه طهران أثناء انعقاد المؤتمر أنابوليس، مما عكر صفو العلاقات بين الطرفين لبعض الوقت، كما أنها رفضت الملاحظات الإيرانية على اتفاق التهدئة الذي تم في شهر يونيو الماضي، وهى الملاحظات التي حملها مبعوث إيراني وصل إلى دمشق على طائرة خاصة آنذاك، وقيل له صراحة إن حماس حريصة على استمرار تحالفها مع إيران، لكنها أشد حرصا على استقلال قرارها، وهناك حالات أخرى مماثلة لا يتسع المجال لذكرها الآن، لكن الغريب أن الذين يتخوفون من مساندة إيران للمقاومة لا يبدون أي تحفظ على تحالف الأمريكيين والإسرائيليين مع الطرف المقابل.


الأكذوبة الثانية: تتمثل في الاعتقاد السائد في بعض الأوساط السياسية العربية بأن التحالف الحاكم في إسرائيل الآن «ليفنى باراك أو كاديما والعمل» هو أفضل للعرب من الليكود الذي يقوده بنيامين نتنياهو، ولهذا فإن هناك حرصا شديدا وتحركات مشهودة من جانب تلك الأوساط السياسية العربية لإنجاح التحالف القائم، وترجيح كفته في مواجهة الثاني وهو ما تمثل في الضغوط العربية المتسارعة سواء لإعلان التهدئة أو البيان الذي أصدره في أبوظبى ممثلو دول «الاعتدال» العربي وتبنوا فيه النقاط التي تعذر تمريرها في مؤتمر قمة الكويت، خصوصا ما تعلق منها بالتمسك بالمبادرة العربية، وبصرف النظر عن جدوى تأثير هذه المحاولات على الناخب الإسرائيلى، فإن الذين يتعلقون بوهم المراهنة على تحالف يسار الوسط الحاكم هناك، ينسون أن كل الحروب التي شنتها إسرائيل ضد العرب قادها ذلك التحالف الخبيث، باستثناء ما جرى في عام 1982 حينما قاد شارون الليكودى آنذاك حملة اجتياح بيروت.

4
ربما لاحظت أنني لم أتحدث عن دور «القمم» التي عقدت أثناء الحرب وبمناسبتها في قطر والكويت وشرم الشيخ والرياض، وحجتي في ذلك أنها لم تغير شيئا في السياسات، رغم أنها أسهمت في ترطيب الأجواء وأذابت الجليد بين الرؤساء المختلفين، بمعنى أنها كرست الانقسام العربي، وبالتالي فإنها عمقت من الانقسام الفلسطيني وسمحت باستمراره. ولم يحن الوقت بعد للخوض في تفاصيل ما جرى في اجتماعات تلك القمم وكواليسها.


ما يهمنا في المسلسل الذي نحن بصدده أن الأهداف التي لم تحققها إسرائيل بالحرب، تحاول الآن بلوغها عن طريق الضغط والإملاءات السياسية، حيث يظل إخضاع حماس وإلغاء نتائج انتخابات عام 2006 هدفا لا تريد إسرائيل ومن لف لفها التراجع عنه، بالتالي فالمعروض الآن تحديدا هو العودة إلى الوضع الذي ساد قبل 27 ديسمبر، الذي يستدعى التهدئة التي تكبل المقاومة وتطلق يد إسرائيل مع الإبقاء على صورة محسنة للحصار، وتعليق كل شيء بعد ذلك، خصوصا الإعمار ورفع الأنقاض وإخراج ما تحتها من جثث، حتى توافق حماس على الخضوع وتقبل بكل ما رفضته في السابق، رغم كل ما سال من دماء وأبيد من بشر ودمر من عمران.


ولأن هذا الكلام كتب قبل أن تتلقى القاهرة رد حماس على ما هو معروض عليها، وأيضا قبل أن تجرى الانتخابات الإسرائيلية، فإن الحديث عن سيناريو المستقبل يصبح مبكرا، ويغدو الترقب والانتظار فضيلة مستحبة.

...............

«الرؤية» نجحت في الاختبار

صحيفة الرؤية الكويتيه الثلاثاء 15 صفر 1430 – 10 فبراير 2009

«الرؤية» نجحت في الاختبار - فهمى هويدى
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_10.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/800748.html


ميلاد صحيفة جديدة خبر مهم لا ريب، لكن الأهم منه أن تستمر الصحيفة في الحياة وأن تصل إلى قلوب القراء وتأخذ مكانها في وجدانهم. وأحسب أن «الرؤية» حققت هذا الانجاز بشقيه في عامها الأول. فقد ولدت ورسخت قدمها ليس في الكويت فحسب، وإنما في منطقة الخليج أيضا. والأصداء التي أتلقاها من قراء أعزاء في منطقة الخليج تشهد بذلك لا ريب. وحين تحقق الصحيفة هذا الانجاز ، فليس يكفي أن تؤدي خدمة صحفية ومعرفية جديدة، وإنما لا مفر من الاعتراف بأن المناخ السائد في الكويت يشكل بيئة صحيحة تسمح للصحيفة الجادة بالنمو والانتشار. أدري أن «السوق» تعج بالاصدارات الصحافية في الكويت، وهي علامات صحة وعافية، للبلد بنظامه وشعبه، وهذا «الزحام» يتيح للقارئ فرصة التنوع والاختيار، بالتالي فإنه يصبح المستقبل والرقيب في ذات الوقت. إذ هو الذي يقرر في نهاية المطاف ما إذا كانت الصحيفة جديرة بالاستمرار أم انه يحكم عليها بالاختفاء. ومن الواضح أن «الرؤية» نجحت في الاختبار، ولذلك فهي تستحق التحية للعاملين فيها، ولقرائها ايضا.

.............

أوباما زادها «حبتين»

صحيفة الرؤية الكويتيه الاثنين 14 صفر 1430 – 9 فبراير 2009
أوباما زادها «حبتين» - فهمى هويدى

 

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/02/blog-post_09.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/2/800034.html


لم أكترث كثيرا بالمعلومات التي أوردتها إحدى الصحف الأميركية عن 500 وعد أطلقها الرئيس أوباما أثناء حملته الانتخابية، لكنني قرأت التقرير من باب الفضول فقط. إذ ذكرت صحيفة «سانت بطرسبورج تايمز»، الصادرة في ولاية فلوريدا أنها وضعت موقع «أوباما متر» تحت تصرف مستخدمي الإنترنت، للتحقق من وفائه بوعوده، خاصة أنه كرر أكثر من مرة تمسكه بالشفافية وحرصه على أن يكون الشعب الأميركى على بينة مما يفعل، وأظهر الموقع أن الرئيس أوباما خلال الأيام الأربعة الأولى من ولايته نفذ بالفعل سبعة وعود، كان منها تعيين جمهوري واحد على الأقل في إدارته التي يهيمن عليها الديموقراطيون، ومنع موظفي الإدارة من تلقي أي هدايا من مجموعات الضغط، درءا للشبهات. وهناك 14 وعدا آخر يُجرى تنفيذها، تراوحت بين إغلاق معتقل جوانتانامو، وشراء كلب لابنتيه ماليا وساشا، أما الـ 488 وعدا الأخرى فهي لم تُعالج، ولايزال هناك متسع من الوقت للتحقق من مدى وفائه بها.