أكثر التعليقات التي صدرت في
أعقاب حادث قنبلة حيالحسين ركزت على أمرين، أولهما أنه دال على استمرار وجود البؤر
الإرهابيةفي المجتمع المصري، وثانيهما أنه يبرر إعلان الطوارئ وإصدار قانونالإرهاب. ورغم أن تلك التعقيبات
كانت من قبيل الانطباعات المتعجلة، لأنالتحقيقات في الحادث لم تكن قد تبلورت بعدُ
بما يحدد طبيعة الفاعلين،فإنها ليست مفاجئة ولا غرابة فيها. وقد أزعم أنها انطباعات تقليدية،
منقبيل ما
يتردد في أعقاب أي حادث من ذلك القبيل. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنهذا الكلام يعبر عن حالة من الكسل
العقلي التي تبسّط الأمر، مكتفية بوضعهفي خانة الإرهاب، ثم تقنع بالإجراءات لإبراء
الذمة في التعامل معه. وهيالإجراءات التي أثبتت تجربة ربع القرن الأخير أنها لم ولن توقف عجلةالإرهاب، لسبب جوهري هي أنها ظلت
تتعامل مع الفعل بعد وقوعه، ولم تعتنِبخلفياته على النحو الذي يستبق ويحول دون
وقوعه. إن شئت فقل إنها تتعاملمع النتائج وليس الجذور.
لكي أشرح هذه الفكرة أنبه إلى أن
وقوع أي عمل إرهابي يستدعي استجاباتفي ثلاثة اتجاهات على الأقل. فالشرطة ينبغي
أن تتحرك للقبض على الجناةوتتبع الفاعلين والمحرضين، والنيابة تستجوب والقضاء يعاقب، غير أن هذهالحلقات لا تكفي في استئصال الشر
إلا بجهد يبذله الخبراء والمختصون للتعرفعلى دوافع الفعل ومقاصده.
بكلام آخر فإن التحرك الذي يعقب
الفعل يحاولالإجابة عن أسئلة كثيرة لكي تأخذ العدالة مجراها، تتعلق بمن وكيف
وماذاومتى. لكن
السؤال الذي لا يأخذ حقه من التحقيق والتدقيق عادة هو لماذا؟علما بأن علامات الاستفهام الأولى
تعاقب على الذي وقع، في حين أن طرحالسؤال لماذا يمكن أن يكون عنصرا مساعدا لتجنب تكرار ما وقع.
لا أحد يجادل في أهمية توقيع
العقوبة على الفاعلين والمحرضين كلٌ بمايستحقه. لكننا إلى جانب ذلك نريد أن نفهم
لماذا أقدم هؤلاء على فعلتهم،وما هي رسالتهم التي أرادوا توصيلها، وما هو العنوان الذي توخوا
مخاطبته؟.
وفي الجريمة
الأخيرة التي وقعت بحي الحسين، نريد أن نعرف ما إذا كان الذينوضعوا المتفجرات أفرادا أم
جماعات؟ وهل لهم امتدادات خارج القاهرة أو خارجمصر أم لا؟ وهل هم عاطلون ناقمون على
المجتمع؟ أم متدينون اختاروا أنيحاربوا السياحة؟ أم هم مخربون أرادوا أن يضروا باقتصاد البلاد؟ أم
غاضبونأرادوا
الاحتجاج على موقف مصر من حصار غزة؟ أم أنهم سلفيون مهووسون من أهلالسنة أرادوا تصفية الحساب مع
الشيعة الذين يترددون على مقام الإمامالحسين؟
إن المسارعة إلى الحديث عن مد
الطوارئ أو تعجل خطوات إصدار قانونالإرهاب لم يكن تعبيرا عن الكسل العقلي فقط، لكنه تسبب في إساءة الظنبالمشهد كله، حيث تصور البعض أن
الأمر لا يخلو من ترتيب مسبق، بحيث تنفجرالقنبلة بعد الظهر، ثم تعلو الأصوات في
المساء داعية إلى مد الطوارئوضرورة إصدار قانون الإرهاب. وهو احتمال أستبعده ليس لأن الحكومة
تتعفف عنمثل هذه الأساليب، ولكن لأنها لم تعد بحاجة إليها أصلا، بحيث أصبحت
تلجأمباشرة إلى
ما تريد، دونما حاجة إلى لف ودوران أو إخراج من أي نوع.
إن المسألة التي تحتاج منا إلى
تفكير جاد ومسؤول هي أنه إذا صح أن بؤرالإرهاب مازالت تتوالد في مصر، فما هو الغلط
في بيئة المجتمع الذي أصبح لايكف عن تفريخ الخلايا الإرهابية بلا توقف طوال ربع قرن؟
لا أعـرف إن كانـت تلك أمـورا مرتبــة، أم أنهـا مجــرد مصادفـات سعيـدة. فمنذ أُعلن أن الرئـيس مبـارك يعتـزم زيارة واشنطن في شهر أبريل المقبل بعد غيبة استمرت ثلاث سنوات، لفتح صفحة جديدة مع إدارة الرئيس أوباما، توالت الأخبار على النحو التالي: سافر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى واشنطن للتمهيد للزيارة ـ أعلن في القاهرة أن وفدا يمثل «المجتمع المدني» (وأرجوك لا تسألني أين ذلك المجتمع) سيتوجّه إلى العاصمة الأميركية لإجراء الاتصالات اللازمـة مع أعضـاء الكونجـرس لـذات الغـرض ـ نشـرت صحيفة «واشنطن بوست» يوم الاثنين 16 فبراير الجاري مقالا كانت خلاصته أن الإدارة الأميركية الجديدة ينبغي ألا تستقبل الرئيس المصري، في حين أن ثمة أمورا مازالت عالقة بين البلدين لم تتم تسويتها، تتمحور حول سياسة القمع التي اتخذتها حكومته إزاء الناقدين والمعارضين السياسيين. وتحدّث المقال عن سجن أيمن نور والقضايا المرفوعة على د.سعد الدين إبراهيم، إلى هنا الأمر عادي، فمبرر الزيارات التمهيدية مفهوم، والمقال المنشور يعبِّر عن وجهة نظر صحافية يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها.
ما حدث بعد ذلك جعلنا نأخذ الإشارات التي جاءت من واشنطن على محمل الجد، فقد تم الإفراج فجأة عن أيمن نور. وتحدّثت جريدة «الشروق» عن رفع اسم د.سعد الدين إبراهيم من قوائم ترقب الوصول بالمطار، وعن احتمال عودته إلى القاهرة بعد إسقاط التهم عنه، كما أشارت إلى أن ثمة قائمة تُعدّ لإطلاق سراح بعض السياسيين ضمن قائمة للمفرج عنهم صحيا. تحدّثت أيضا عن الانتهاء من قانون الإرهاب والاتجاه إلى تقديمه إلى مجلس الشعب لإصداره، لإنهاء حالة الطوارئ. وقالت «الشروق» صراحة في عدد الاثنين 23 فبراير الجاري إن زيارة الرئيس مبارك إلى واشنطن قد تتأجل إلى ما بعد شهر أبريل المقبل «لتمكين الجانبين من تصفية كل القضايا العالقة»، وربطت بين ذلك التأجيل وبين الاتجاه إلى عرض مشروع مكافحة الإرهاب على مجلس الشعب قبل نهاية دورته الحالية في يونيو المقبل.
مجمل هذه الأخبار والإشارات يقول لنا بوضوح إن الرئيس مبارك لم يكن مرحَّبا به في واشنطن خلال السنوات الأربع الأخيرة من حكم الرئيس بوش، وإن استقباله في واشنطن في ظل الإدارة الجديدة أصبح مشروطا بتصحيح أوضاع معينة في مصر، وإن الخطوات التي اتُّخذت أو التي هي «قيد الترتيب»، تمت في سياق الاستجابة للطلبات الأميركية، لتذليل العقبات التي تعترض إتمام الزيارة المرتقبة.
لا يجد المرء صعوبة في التوصُّل إلى ذلك الاستنتاج، خصوصا أن أحدا لم يُكذِّب أو يصوِّب الأخبار المنشورة ومدلولاتها. ولم يذكر أي متحدث رسمي أن التزامن بين ترتيب الزيارة المفترضة والقرارات المصرية الأخيرة هو مجرد مصادفة، وليس أكثر.
لابد أن يستوقفنا في هذه الأجواء ما نشره موقع صحيفة «جيروزاليم بوست» يوم الأحد 23 فبراير الجاري من أن الرئيس الأميركي أعطى ضوءا أخضر للرئيس محمود عباس للدخول في حوار مع حركة حماس لتشكيل حكومة للوحدة الوطنية، كما أن واشنطن أبلغت القاهرة أيضا بموافقتها على استئناف جهودها لتحقيق المصالحة الفلسطينية.
ذلك كله يستحق الحفاوة ويبعث على الارتياح بدرجات متفاوتة، ولا يعيبه إلا شيء واحد هو أنه يؤيد ما قاله الرئيس السادات ذات مرة إن 99 ٪ من أوراق اللعبة بيد أميركا.
الخبرالسار أن العديد من الفئات في مصر أصبحت
تنتفض وتلجأ الى الاضراب لكي تضغطعلى الحكومة دفاعاً عن مصالحها، أما الخبر المحزن فان مصالح الوطن لم
تعدتجد قوة تغار
عليها وتضغط بدورها للدفاع عنها.
(1) أصبحتالاضرابات عنواناً ثابتاً على
جدران مصر. حتى كدنا نسأل: من يضرب هذاالصباح؟. بالتالي فلم يعد السؤال هل يضرب
الناس أم لا، ولكننا صرنا نسأل:
من عليه
الدور ومتى يتم ذلك؟. وهو تطور مهم جدير بالرصد والاثبات. ففيالأسبوع الماضي شهدت مصر أربعة
اضرابات للصيادلة والمحامين وأصحاب وسائقيالشاحنات وعمال شركة جنوب الوادي للبترول.
وحسب بيانات المرصد النقابيوالعمالي في القاهرة، فان شهر يناير من هذا العام شهد 56 احتجاجاً
بصورمختلفة، والى
منتصف شهر فبراير سجل المرصد 32 احتجاجاً. وقبل ذلك، في عام 2007 شهدت مصر 756 احتجاجاً، تراوحت
بين الاضراب والاعتصام والتظاهروتقديم الشكايات الى الجهات المعنية في الحكومة. وهو ما لم يختلف
كثيراًفي العام
الذي أعقبه (2008).
الظاهرة بهذا
الحجم جديدة على المجتمعالمصري، اذ باستثناء مظاهرات طلاب الجامعات التي عادة ما تقابل بقمع
شديدأدى الى
تراجعها في السنوات الأخيرة، فان التظاهر المعبر عن الاحتجاجوالغضب لم يكن من معالم ثقافة
المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير علىالأقل لأسباب يطول شرحها. اذ خيم السكون على
أرجاء مصر طيلة تلك المدة،فلم نسمع صوتاً غاضباً للمجتمع لا في الشأن الخاص لفئاته ولا في الشأنالعام للبلد. وتعد مظاهرات 18و19
يناير التي خرجت في عام 1977 احتجاجاًعلى رفع الأسعار، وتمرد جنود الأمن المركزي
في عام 1986 من التجلياتالاستثنائية التي تؤيد القاعدة ولا تنفيها.
خلال السنوات
الثلاثالأخيرة حدث
تحول مهم في حركة المجتمع المصري، اذ في حين لم نكن نسمع لهصوتاً في الشأن الخاص أو العام،
فاننا أصبحنا نسمع أصواتاً عدة لفئات فاضبها الكيل ولم تعد تحتمل قسوة الحياة. وهو ما
أدى الى بروز الاهتمامبالشأن الخاص، مع استمرار السكون المخيم المحيط بملف الشأن العام، رغمتوالي التحديات التي كانت تستوجب
وقفة حازمة من جانب المجتمع. وقائمة تلكالتحديات طويلة، اذ تراوحت بين تقنين تراجع
الحالة الديموقراطية مع تغولالمؤسسة الأمنية، وارتفاع مؤشرات الفساد في السلطة، وبيع الأصول
الماليةللبلد، واستشراء الهيمنة الأجنبية.. الخ.
أما لماذا
خرجت الفئاتالمختلفة عن سكونها المعتاد، فرفعت صوتها محتجة وغاضبة في مواجهة
الحكومة،فأغلب الظن أن ذلك راجع الى سببين جوهريين، أولهما وطأة الضغوط
المعيشيةالتي أثقلت كاهل تلك الفئات، فأفقرت الطبقة الوسطى وسحقت الفقراء، مما
دفعأغلب
الغاضبين الى المطالبة بتحسين أحوالهم المادية. أما ثانيهما فيتمثلفي سقوط حاجز الخوف من السلطة
سواء لأنه »من طالت عصاه قلَّت هيبته«، كمايقول المثل العربي، أو بسبب الجرأة التي
مارستها الصحف المعارضة والمستقلةفي نقد السلطة وفضح ممارساتها، مما شجع آخرين على رفع أصواتهم الغاضبةوالمحتجة دون وجل.
(2) للشيخ محمد
الغزالي مقولة أشرت اليهاأكثر من مرة ذكر فيها أن انتهاك شرف البنت يقيم الدنيا ولا يقعدها فيمجتمعنا، لكن العدوان على شرف
الأمة لم يعد يحرك ساكنا فيها. وغني عنالبيان أنه لم يكن يهوِّن من شأن انتهاك شرف
البنت، لكنه كان يستهولالسكوت على العدوان على شرف الأمة، مع ذلك فالمقولة تحتاج الى مراجعة.
ذلكأن غضب الأسرة
أو المجتمع الذي يحيط بها لأي عدوان على شرف بنتهم أمرطبيعي لا يحتاج الى تعبئة وتحريض أو احتشاد،
فضلاً عن أن وسائل التعبير عنذلك الغضب تلقائية ومحدودة، وهي بمقدور كل أحد.
أما الغضب
لأجلالعدوان على
شرف الوطن فانه يحتاج الى ترتيب مختلف، فذلك أمر يتطلب تعبئةواحتشادا، فضلاً عن أنه يستوجب
توفير أوعية تستقطب طاقات الغضب وتوظفها فيالاتجاه الصحيح الذي يرد العدوان. وتلك مهمة
القوى السياسية المختلفة التيتمثلها الأحزاب، باعتبار أن النخبة الوطنية هي المسؤولة عن تعبئة
الرأيالعام
وقيادته. وهذه النقطة الأخيرة تجرنا الى صلب الموضوع الذي نحن بصدده.
ذلكأنه من الطبيعي أن يغضب الناس وأن
يخرجوا عن أطوارهم عندما تضيق بهم سبلالحياة، ويتعلق الأمر بمتطلباتهم المعيشية.
ولا ينبغي أن يتوقع أحد منهمأن يتظاهروا من تلقاء أنفسهم دفاعا عن الديموقراطية أو احتجاجا على
الفسادأو تزوير
الانتخابات أو غير ذلك من قضايا الشأن العام. وهم اذا فعلوها مرةتحت أي ظرف فانهم سوف يتفرقون
بمجرد ظهور جنود الأمن المركزي بثيابهمالسوداء وعصيهم الكهربائية، ولن يعودوا اليها
مرة أخرى.
بكلام آخرفان الدفاع عن القضايا العامة
المتعلقة بحاضر الوطن ومستقبله من المهامالأساسية للأحزاب السياسية باعتبارها الأوعية
الشرعية الجامعة للقوىالوطنية. اذ يفترض أن تلك الأحزاب لم تكتسب شرعيتها الا بعد أن طرحتبرامجها التي حددت فيها رؤيتها في
حراسة الوطن والسهر على استقراره والسعيالى النهوض به. واذا جاز لنا أن نشبه المجتمع
بالبشر، فان الجماهير هيالجسم بكل مكوناته، أما القوى الحية والنخبة السياسية فتشكل الرأس
لذلكالجسم. ولا
يستطيع الجسم أن يتحرك دون توجيه من الرأس الذي يحتوي على المخ.
أردتمن كل ذلك أن أقول: اننا نظلم
الناس ونحملهم أكثر مما يحتملون حين نتهمهمبالتقاعس عن القيام بواجب هو من مسؤولية
الأحزاب السياسية وغيرها منمؤسسات المجتمع المدني. واذا ما حدث ذلك التقاعس فعلينا أن نتساءل
أولا عنوضع الرأس، قبل أن نحاكم استجابات الجسم.
(3) اذا حاولناتنزيل هذه الفكرة على الواقع،
فسنجد أن مصر تشهد حالة سياسية نادرة. اذفيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة
سياسية. وفيها انتخاباتبرلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع
ذلكفلا توجد أي
مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة. والأحزابلا تنشأ الا بموافقة أمنية
بالدرجة الأولى، ومن ثم فانها تكتسب شرعيتها منتلك الموافقة وليس من التأييد الشعبي لها،
الأمر الذي وضعنا بازاء هرممقلوب، السلطة فيه هي التي تشكل الأحزاب، وليس الأحزاب هي التي تشكلالسلطة.
ورغم عملية
»الاخصاء« التي تتعرض لها الأحزاب والتي أصبحتشرطا لميلادها، فانها تتعرض للتكبيل بعد ذلك،
بحيث لا يجوز لها ـ بمقتضىالقانون ـ أن تتواصل مع المجتمع، فتقيم مهرجانا شعبيا أو لقاء
جماهيرياخارج مقرها، الا بعد موافقة الأمن.
لا يقف الأمر
عند ذلك الحد، لأنالأحزاب على ضعفها وقلة حيلتها تظل موضوعة تحت الرقابة طول الوقت. اذالمطلوب منها في حقيقة الأمر اما
أن تظل جزءا من »الديكور« الديموقراطي. فتصبح شكلا بلا وظيفة أو مضمون. أو أن تتحول
الى أجنحة للحزب الحاكم. وأيخروج عن هذا الاطار يعرض الحزب اما الى التجميد والمصادرة أو التفجير
منالداخل، وما
جرى لحزب العمل عبرة للآخرين. ذلك أن الحزب الذي أسسه الراحلابراهيم شكري أراد أن يمارس دوره
بشكل جاد وأن يمثل المعارضة الحقيقية،فصدر قرار تجميده في سنة 2000، وحين تم الطعن
في قرار لجنة الأحزاببالتجميد أمام مجلس الدولة، فان تقرير مفوض المجلس اعتبر القرار باطلاوغير دستوري وطالب بعودة الحزب،
ولكن الحكومة لم تكترث بذلك. ورغم صدور 13حكما من مجلس الدولة لاعادة اصدار جريدة
»الشعب« الناطقة بلسان الحزب، فانالجهات الأمنية رفضت تنفيذ هذه الأحكام واحدا تلو الآخر.
واذا كانبوسع الحكومة أن تجمد أي حزب
يحاول تجاوز الحدود المرسومة، فانها لا تعدموسيلة لتفجير الأحزاب من الداخل وتغذية
الانشقاقات فيها، وهو ما حدث معأحزاب الغد والأحرار ومع حزب الوفد. اذ ثبت أن الانشقاقات التي وقعت
داخلتلك الأحزاب
لم تكن بعيدة عن أصابع الأجهزة الأمنية.
ما جرى معالأحزاب تكرر مع النقابات
المهنية. التي ربط القانون مستقبلها بقرار منرئيس محكمة استئناف جنوب القاهرة، الذي له حق
تحديد مواعيد الترشح لمجالستلك النقابات، بما يؤدي الى انتخاب رئيس كل نقابة ومجلس ادارتها. واذا
ماامتنع ذلك
القاضي عن تحديد المواعيد ـ بطلب من أجهزة الأمن ـ فان النقابةتجمد أو تستمر تحت الحراسة.
نموذج نقابة
المهندسين الموضوعة تحتالحراسة منذ 18عاما فاضح في تجسيد هذه الحالة. اذ لأن ثمة قرارا أمنياباخضاع النقابة وتأديبها، فان
رئيس المحكمة المذكورة ظل يتهرب من تحديدموعد لانعقاد الجمعية العمومية للنقابة طيلة
هذه المدة، والحاصل مع نقابةالمهندسين تكرر مع نقابة أطباء الاسكندرية التي وُضعت بدورها تحت
الحراسة،ومُنع أعضاؤها من ممارسة أي نشاط بداخلها. والى جانب ذلك فهناك 7
نقاباتأخرى جُمدت
فيها الانتخابات منذ16 عاما على الأقل، وهي تضم الفئاتالتالية: الأطباء والصيادلة والأسنان
والبيطريون اضافة الى المعلمينوالتجاريين والزراعيين.
الشاهد أن
النظام القائم لم يكتفِ باحتكارالسلطة فحسب، وانما عمد أيضا الى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو
صوت فيبر مصر فوق
صوت الحزب الحاكم، من ثمَّ تطالب كل فعاليات المجتمع وقواهالحية بأن تصبح صدى لذلك الحزب ان
لم تنضوِ تحت لوائه وتَذُبْ فيه.
(4) فينهاية المطاف، وبعد57 عاما من
الثورة على النظام الملكي واعلان الجمهوريةأصبح المجتمع المصري جسما بلا رأس، ليس لدىّ
حنين الى ذلك النظام، لكن ماجرى أن النظام الجمهوري فرغ من مضمونه.
اذ تم
اختطافه واقصاء
»الجمهور«
منه عبر اضعاف وتصفية خلاياه الحية واحدة تلو الأخرى. في حينتحول الوطن الى »وقف«« سُلمت
مقاليده ومفاتيحه الى فئة بذاتها أدارتهوتوارثته جيلا بعد جيل. الاضعاف والتصفية
أفضيا الى موت الحياة السياسية،مع الاعتذار للجنة السياسات. اذ تم تغييب مختلف المؤسسات المدنية
الفاعلة،بحيث لم يبقَ في الساحة سوى المؤسسة الأمنية. ورغم امتلاء الفضاء
المصريبالأحزاب الا
أنك اذا رفعت عينيك عن الصحف ومددت بصرك في ذلك الفضاء، فلنترى شيئا، لكنك ستلمح على البعد
»خيال مآتة« تتقاذفه الرياح كتب عليه »الحزب الديموقراطي«. الأمر الذي قد يجعلك
تنفجر في البكاء أو تستسلم لضحكهستيري يظل صداه يتردد في الفضاء بلا توقف.
حين يعلن موت
الحياةالسياسية
فانه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن. اذينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم
مواطنون أولا، وأن تعود الحياة الى الرأسالمعطَّل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع
ثالثا، وبعد ذلك نتكلم فيالموضوع.
حين اعتبر المفاوض الإسرائيلي عاموس جلعاد أن أولمرتأهان مصر حين تراجع في اللحظة الأخيرة واشترط إطلاق سراح الجندي الأسيرشرطا للتهدئة وفتح المعابر، فإن مصر كان لها رد فعل آخر أخف وطأة. إذ وصفتذلك التراجع بأنه «مجرد انتكاسة»، بما يعني أنه يمس مسار التهدئة ولا يمسكرامة مصر.
شيء من هذا القبيل حدث حين اعتبر طيب أردوجان أن إسرائيل وجهتإهانة إلى تركيا، حين زارها أولمرت قبل أسبوع من بدء الحرب على غزة، ولميشر إلى ذلك أثناء محادثاته في أنقرة، رغم علمه بأن قرار الحرب قد صدر. لكن مصر لم تر في الأمر إهانة، حين استقبلت وزيرة الخارجية الإسرائيليةقبل 48 ساعة من الحرب، وأعلنت من القاهرة أن حكومتها ستقضي على حركة حماس. وكل ما فعلته مصر أنها طالبت بوقف إطلاق النار، ولم يقصر وزير خارجيتها فيتحميل حماس المسؤولية عما جرى.
تكرر المشهد حين وقعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية مع نظيرتها الأميركيةقبل آخر يوم من انتهاء ولاية الرئيس بوش، اتفاقا بخصوص ترتيبات معينة لمنعوصول السلاح إلى المقاومة في غزة، ورغم أن مصر لم تكن طرفا في الاتفاق،فإنها فوجئت بأنه يتناول أوضاعا تخص حدودها على قطاع غزة، الأمر الذي سببلها حرجا سياسيا بالغا، استقبلته بكظم الغيظ أولا، وبالإعلان عن أن مصر لنتعترف بأي اتفاق يمس سيادتها على أراضيها، ثم سكنت بعد ذلك.
ما حدث بعد ذلك أثناء الحرب على غزة كان أفدح، إذ عمدت إسرائيل إلى قصفالشريط الحدودي المصري على القطاع بمختلف أنواع الأسلحة والصواريخوالقنابل، التي أحدثت أضرارا عديدة بكل صور الحياة في الجانب المصري منالحدود، فتصدعت المباني أو انهارت، كما أن البشر تعرضوا لإصابات مختلفة. وتذرعت إسرائيل في ذلك برغبتها في تدمير الأنفاق الواصلة بين القطاع ورفحالمصرية، إلا أن هذه العمليات العسكرية التي استمرت طوال أسابيع الحرب تعدانتهاكا صريحا لنصوص معاهدة السلام الموقعة بين البلدين منذ ثلاثين عاما،إذ تنص تلك المعاهدة على أن الحدود مصونة لا تمس، وأن الطرفين ملزمان بعدمصدور أي فعل من أفعال الحرب أو الأعمال العدوانية أو التهديد ضد السكان،كما حددت على سبيل الحصر الأسلحة المسموح باستخدامها على الحدود، في مساحةبعرض ثلاثة كيلومترات أطلق عليها المنطقة «د». ذلك كله تجاهلته إسرائيلوأطاحت به في محاولتها تدمير الأنفاق. وكل الذي فعلته مصر إزاء تلكالانتهاكات الفجة والمتكررة، أنها سجلت الخروقات التي قامت بها إسرائيلوأبلغتها في هدوء إلى الأمم المتحدة.
إذا أضفنا إلى هذه الوقائع سجل الحوادث التي شهدتها الحدود بين البلدينخلال السنوات الأخيرة التي أدت إلى قتل نحو 15 مواطنا مصريا بعضهم عسكريونبالرصاص الإسرائيلي، ثم استمرار استقبال المسؤولين الإسرائيليين فيالقاهرة بعد ذلك مباشرة وكأن شيئا لم يكن، فإن حيرة المرء ودهشته ينبغي أنتتضاعفا. إذ فضلا عن شعوره بالمهانة والخزي، فإن أسئلة كثيرة لابد أن تلحعليه، بعضها ما خطر لجيلنا على الأقل أن يطرحه يوما ما. أحدها مثلا السؤالعن السبب في أن مصر أصبحت تدير للإسرائيليين خدها الأيسر، كلما تلقت منهمضربة على الخد الأيمن؟
إن في الفم ماء كثيرا، والدهشة تعقد اللسان عن مواصلة السؤال. إلا أننيفي كل الأحوال، لا أتصور أن مصر أصبحت بلا حيلة، ولا تملك وسيلة للرد علىالإهانة والوقاحة الإسرائيليتين، خصوصا أننا فرطنا في أشياء كثيرة تخصالبلد، ولم يبق له إلا بعض الكرامة، فحافظوا عليها أرجوكم، حتى لا نموت منالكمد، ونقتنع بأن باطن الأرض أصبح خيرا لنا من ظاهرها.
رغم كل الكلام الذي قيل عن
الاعتزاز بالسيادةالوطنية، واستبعاد دور السياسة في إطلاق سراح أيمن نور، فإن أحدا لايستطيع أن ينكر أنه لولا الضغوط
الخارجية لما رأى صاحبنا النور. والقولبغير ذلك إما أن يكون من قبيل العبط أو
الاستعباط، وبين أيدينا دليل حاسميؤيد صحة ذلك الادعاء، وهو أنه لايزال في السجون المتناثرة في أرجاء
مصرآلاف من
البشر قابعون هناك منذ سنوات لا يذكرهم أحد أو يسأل عنهم أحد. لاالقانون حماهم، ولا القضاء، ولا
المجتمع ممثلا في مؤسساته التشريعية أومنظماته الأهلية.
هؤلاء المسجونون والمعتقلون
السياسيون لا يعرف لهم عدد، وقد تهرب وزيرالداخلية ذات يوم من سؤال بخصوصهم، قائلا: إن
الرقم متغير باستمرار. وهوعذر أقبح من ذنب، يوحي بأن طوابير الداخلين والخارجين من السجونوالمعتقلات لا تتوقف. مع ذلك
فالمنظمات الحقوقية تتحدث عن أرقام تراوحتبين ثلاثة وخمسة آلاف شخص، بعضهم صدرت ضدهم
أحكام بالسجن، والبعض الآخراعتقلوا استنادا إلى قانون الطوارئ، الذي يخول لوزير الداخلية حق
اعتقالأي شخص لأي
مدة زمنية دون أن يذكر لذلك أي سبب. صحيح أن ثمة ضوابط قانونيةتنظم العملية، وهناك مدة زمنية لسريان
أوامر الاعتقال. لكن ذلك كله لاقيمة له في التطبيق العملي، لأن الحكم النهائي والفاصل في مصير أي شخص
يظلمرهونا
بالقرار الأمني.
دعك الآن من تجربة أولئك
المسجونين والمعتقلين وراء الأسوار. خصوصا أنتلك التجربة لم تسجل بعد. كما أنني لا أظن
أنها يمكن أن تكتب في ظلالأوضاع الراهنة، بالرغم من أن هناك إشارات متواضعة عنها، منها كتاب
محمدالدريني (معتقل
سابق ودائم) الذي صدر بعنوان «عاصمة جهنم»، وربما يتاح لناأن نعرف أكثر إذا ما تغيرت تلك
الأوضاع، وهو ما حدث في المغرب بعد رحيلالملك الحسن الثاني، وقرر خلفه محمد السادس
أن يفتح صفحة جديدة يصالح بهاالمجتمع، ويصحح أخطاء الماضي، الأمر الذي وفر مناخاً سمح لكثيرين أنيسجلوا شهاداتهم ويبوحوا بما جرى
لهم، حتى أصدر هؤلاء أكثر من 20 كتابافضحت معالم الوجه الخفي للنظام البوليسي الذي
ساد في العهد السابق.
ما يهمنا في اللحظة الراهنة هو
مصير أولئك المحتجزين، الذين نعلم أنأغلبيتهم الساحقة من الناشطين الإسلاميين. وهؤلاء
بعضهم حكم عليه بالسجنفي قضايا مختلفة منذ الثمانينيات والتسعينيات، وبعضهم معتقلون لأسبابمتباينة ولم يقدموا للمحاكمة بعد.
وبالمناسبة فليس لدي دفاع عن أفعالالذين أدينوا في قضايا تلك المرحلة، ولكن أدافع عن إنسانيتهم، وعن
حقهم فيأن يستردوا حريتهم بعدما قضوا مدة العقوبة التي أنزلت بحقهم.
من هذهالزاوية فإن المرء لا يخفي دهشته من استمرار
احتجاز واحد مثل عبود الزمرالذي أمضى في السجن 20 سنة بالتمام والكمال، واستحق أن يطلق سراحه عام 2001، لكنه لايزال معتقلا منذ
ذلك الحين وإلى الآن، لأن الأجهزة الأمنيةلم ترض عنه، وهناك آخرون في مثل حالته، منهم
طارق الزمر، وإلى جانبالسجناء، فهناك مئات المعتقلين سواء بسبب انتمائهم إلى السلفيين أو
إلىجماعة
الإخوان، أو بسبب اشتراكهم في مظاهرات التضامن مع غزة. وهؤلاء الذينأنهوا محكومياتهم أو اعتقلوا
لآرائهم ومواقفهم السياسية، مسكوت عليهم فيالداخل والخارج، ولأنهم إسلاميون فهم من تلك
الفئة المنبوذة التي لا بواكيلها.
صحيح أن بعض تقارير المنظمات
الحقوقية في مصر تشير إليهم إشاراتخجولة، لكننا نعرف أن ضغوط الداخل لا طائل من ورائها، لكن ضغوط الخارجتمارس دفاعاً عن أشخاص بمواصفات
معينة، وليس عن قيم ومبادئ. ولأن هؤلاءالقابعين في السجون والمعتقلات من الفئة
سالفة الذكر، فإنهم لم يجدوا فيأهل الخارج نصيراً يدافع عن حقهم في الحرية والكرامة.
لذلك فأضعف الإيمانفي اللحظة الراهنة أن ندق الأجراس
منبهين إلى وجودهم، ومشيرين إلى أنهممواطنون قبل أن يكونوا إسلاميين، وأن
الاعتداء على حرية وكرامة أي مواطن،هو في حقيقة الأمر اعتداء على الناس جميعاً،
لأن السكوت عنه يمهد الطريقللعصف بكرامة كل مواطن.
ترحيبنا بالإفراج عن أيمن نور لا
يمنعنا من السؤال:
لماذا الآن؟
تدفعنا إلى طرح السؤال عوامل عدة، من بينها أن المبررات التيذكرتها الصحف لا تبدو مقنعة
وبعضها مضحك، فكون الرجل مريضا بالقلب ويعانيمن مرض السكر، فهذا ليس جديدا، لأن ذلك معروف
منذ احتجازه في عام 2005لينفذ الحكم الصادر بسجنه مدة خمس سنوات، حين أدين في قضية تزوير جرىتلبيسها له، ثم إن التقارير
الطبية التي نُشرت عن صحته ذكرت أن حالته ليستخطيرة، وأنه يمكن علاجه في السجن، أما ما
ذكره نائب كبير الأطباء الشرعيينمن أن قرار الإفراج الصحي عنه صدر لأنه يمكن أن يموت في أي لحظة، فذلك
ممايبعث على
الضحك، لأنه يصلح مبررا لإطلاق سراح جميع المسجونين والمعتقلين،حيث كل واحد منهم يمكن أن يموت في
أي لحظة.
لم يكن هناك جديد في حالته الصحية
إذن، ثم إن المناسبة التي توقَّعكثيرون أن يُطلق سراحه فيها، بعد أن قضى نصف مدة العقوبة مثلا، مرّت
فيالعام الماضي
دون أن يشمله العفو. ولا يستطيع أحد أن يدّعي أنه أفرج عنهمن باب التسامح السياسي، لأن من
يريد أن يتسامح مع مسجون لا يتركه يقضيأربع سنوات في السجن، ثم يطلقه قبل عامه
الأخير.
إذا لم يكن العفو لقضائه نصف أو
ثلاثة أرباع المدة، أو لأسباب صحية،ولا كان من قبيل التسامح السياسي، فبماذا
نفسر إطلاق سراحه الآن؟. ردي أنالقرار له دوافعه التي تتراوح بين احتمالين: أحدهما سهل والثاني مركب.
الاحتمال السهل يربط بين قرار
الإفراج والتمهيد للزيارة التي سيقوم بهاالرئيس مبارك للقاء الرئيس الأميركى الجديد
في شهر أبريل المقبل، وهوالتمهيد الذي بدأ بزيارة وزير الخارجية المصري لواشنطن واجتماعه مع
السيدةكلينتون
هناك، لاستكشاف موقف الإدارة الأميركية الجديدة (لا تنس أنالكونجرس أوقف مئة مليون دولار من
المعونة الأميركية لمصر بسبب موضوعنور).
بعد هذه الزيارة قررت مصر أن توفد
بعض أعضاء مجلسي الشعب والشورىإلى العاصمة الأميركية، في وفدين من عناصر الموالاة يفترض فيهما تمثيل «المجتمع المدني» لكي يسهما في
عملية التمهيد لاستقبال الرئيس، وقبل يومواحد من إعلان ترتيب سفر الوفدين، ظهرت «الأسباب
الصحية» التي استدعتإطلاق سراح أيمن نور، وقد اطلع الرأي العام في مصر من خلال ما نشرته
الصحفغير الحكومية
على خلاصة المقالة التي نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» في 16فبراير، وحذرت فيها الرئيس أوباما
من استقبال الرئيس مبارك في واشنطن،الأمر الذي قد يعد مباركة لنظامه (الذي أطلقت
عليه الصحيفة الأميركيةأوصافا سلبية عدة) في الوقت الذي يستمر في سجن أيمن نور ومحاكمة د. سعدالدين إبراهيم.
الاحتمال المركب يربط بين قرار
الإفراج وسيناريو فيلم التوريث الذييجرى الإعداد لإخراجه بهمة عالية هذا العام،
قبل أن ننشغل بالانتخاباتالبرلمانية في العام المقبل، لتتم في العام الذي يليه مباشرة (2011) الانتخابات الرئاسية. إذ بمقتضى
هذا السيناريو يُطلق سراح أيمن نور هذاالعام، حتى لا يقال إنه حجب في محبسه لكي لا
يشترك في الانتخاباتالرئاسية. ويعطى الرجل وقتا لكي يحل مشكلاته القانونية التي تحول دوناستئنافه نشاطه السياسي. وهذه لن
تكون مشكلة، لأن القانون عندنا في خدمةالسياسة، وقد تم التمهيد لذلك بصدور قرار
محكمة القضاء الإداري في 7فبراير الجاري (صدفة!) بأحقية أيمن نور في رئاسة حزب الغد، ونقض قرار
لجنةشؤون الأحزاب
الاعتداد بمنافسه موسى مصطفى لتولي منصب الرئيس.
حين يستقر الموقف على هذا النحو،
يصبح بمقدور أيمن نور أن يترشح مع
«غيره» للرئاسة،
وتجرى انتخابات «حرة ونزيهة»، يسقط فيها صاحبنا وينجح «غيره»!
لا أتبنى أحد الاحتمالين أو
التفسيرين، لكني لا أستبعد تكاملهماوإسهامهما معا في إخراج «الفيلم» المذكور،
الذي لن يختلف كثيرا عن أغلبالأفلام المصرية، التي تعرف نهايتها قبل أن تدخل إلى قاعة العرض ـ «سيماأونطة..»!
لم تفاجئنا الحكومة حين ألقت بكل
ثقلها لإسقاط ممثليتيار الاستقلال في انتخابات نادي
قضاة مصر، لمصلحة تيار الإلحاقوالموالاة. فتلك سياسة عامة وليست حالة خاصة. إذ المطلوب في
ديموقراطيتنا«غير المسبوقة»، أن تتحرك كل
مؤسسات المجتمع في إطار عباءة الحكومة، حيثتصبح حدود التعددية المسموح بها محصورة في
فريقين، أحدهما تمثله السلطة،والثاني مهادن للسلطة أو مصفق لها.
صحيح أننا درسنا في كلية الحقوق
أن للدولة الحديثة سلطات ثلاثا،تنفيذية وتشريعية وقضائية. لكن واقعنا علمنا درسا آخر خلاصته أن في
البلدسلطة واحدة،
هي التنفيذية، التي تتحكم في السلطتين الأخريين، والأولىيتحكم فيها الجهاز الأمني، ولك أن تستنتج
الباقي. بالتالي فالمعادلةالحاكمة للنشاط الأهلي أصبحت كالتالي: أنت حاضر بقدر توافقك مع
الأجهزةالأمنية، وغائب بقدر تنافرك أو تعارضك معها. في الأولى أنت مبارك
ومحظوظ،وفي الثانية أنت منبوذ ومحظور.
نموذج الأحزاب السياسية التي حظيت
بالمباركة يؤيد هذه المقولة. فكل مندخل في حظيرة الموالاة نال الرضا والشرعية. لذلك
توافر لنا أكثر من 20حزبا، في حين أصيبت الحياة السياسية بالموات. يكفي أن تعلم أن ممثليالمعارضة في مجلس الشعب لم يصل
عددهم إلى عشرة أشخاص (بعضهم نجح بالتزوير) مع أن عدد أعضاء المجلس يتجاوز 450 نائبا. وهو
ما يصور لك قيمة هذهالأحزاب ودورها في المشاركة السياسية.
هذا النجاح الذي حققته السلطة
فيما يتعلق باحتواء الأحزاب السياسيةوتطويعها، شجعها على محاولة بسط سلطانها على
المؤسسات المدنية الأخرى. وقداستعصى نادي القضاة على الاحتواء حينا من الدهر، لكن الحكومة نجحت فيإدخاله إلى «عصمتها» أخيرا، إلا
أنها تواجه مشكلة مع النقابات المهنيةالأخرى، التي ترفض الإلحاق وتصر على ألا تكون
صدى للحكومة.
النموذج الأفدحفي ذلك تجسده نقابة المهندسين
المصريين، التي صدر قرار أمني بوضعها تحتالحراسة منذ 18 عاما (في فبراير 1991). ولأنه
ليس لديها مجلس منتخب منذذلك الحين فلم يعد معترفا بها في المحافل الدولية أو حتى الإقليمية. وكانتالنتيجة أن مصر بجلالة قدرها ووزن
وقيمة علمائها من المهندسين لم يعد لهاوجود في العالم الخارجي منذ ذلك الحين. وللعلم
فإن النقابة تضم الآن 435ألف عضو كانوا 180 ألفا فقط عام 1995.الأمر الذي يعني أن هناك ربع
مليونمهندس على
الأقل تخرجوا خلال تلك الفترة، لم يمارس أحد منهم حقه الانتخابيفي نقابته مرة واحدة في حياته
المهنية.
قصة صراع المهندسين للدفاع عن
نقابتهم تملأ مجلدات، لأنها حافلة بصورالتلاعب والاحتيال القانوني الذي يدافع عن
الموقف الأمني، والرافض لمبدأأن تكون هناك نقابة مهنية مستقلة وغير موالية للحكومة. وتفاصيل القصة
لدىتجمع «مهندسون
ضد الحراسة»، الذين يقفون على أبواب المحاكم منذ أكثر منخمس سنوات يحاولون استعادة نقابتهم.
الحراسة مفروضة أيضا على نقابة
أطباء الإسكندرية، كما أن التعليماتالأمنية أوقفت الانتخابات وجمدت مجالس إدارات
٧ نقابات مهنية أخرى،للأطباء والصيادلة والأسنان والبيطريين، إضافة إلى المعلمين
والتجاريينوالزراعيين. أما النقابات التي اطمأن إليها الأمن وسمح بإجراء
الانتخاباتفيها فهي التي تمثل الفنانين والرياضيين والممرضين والإرشاد السياحي،
غيرنقابتي
المحامين والصحافيين.
إن حالة نادي القضاة وأزمة
النقابات المهنية تؤكدان، حقيقة، أنه لا أملفي قيام مجتمع مدني حقيقي، ما لم تكن هناك
ديموقراطية حقيقية، من ذلك الذينسمع عنه ولا نراه.
أرجو أن يكون حظ أحفادنا أفضل منا
في ذلك.. قولوا إن شاء الله.
حين تنجح الحكومة في إلحاق
الهزيمة بتيار الاستقلالفي انتخابات نادي قضاة مصر، فإن ذلك يُعد خصما من رصيدها، وليس إضافةإليه. ذلك أن الإلحاح على إسقاط
رموز ذلك التيار، والحرص على إلحاق الناديبعربة السلطة التنفيذية يطفئ منارة أضاءت
سماء البلد حينا من الدهر،فشرّفت الوطنيين وأرشدت الحائرين، ومنحت أملا في المستقبل للمحبَطينوالمتشائمين.
لقد كانت مشكلة النادي، وجريمته
التي لم تغفر له، أنه اختارأن يدافع عن كرامة ورسالة السلطة القضائية، ورفض طوال الوقت أن يكون
ذيلاللسلطة
التنفيذية. إذ التزم القائمون عليه بحدود رسالة القضاة التي حددهاالدستور، وتمثلت في رعاية الحقوق
والحريات في المجتمع.
كان العام 2005فاصلا في مسيرة النادي، إذ وقعت
فيه ثلاثة أحداث مهمة،
كان أولها (فيالشهر الخامس) تعديل المادة 76 من
الدستور، الخاصة بشروط الترشح لرئاسةالجمهورية، وهو التعديل الذي جاء معيبا،
وتفوح منه رائحة عدم البراءة.
الحدث الثاني (في الشهر التاسع) تمثل
في انتخابات رئاسة الجمهورية،
أماالحدث الثالث، فكان الانتخابات النيابية (في
الشهر الحادي عشر)، وقتذاكأعلن على الملأ أن تلك الانتخابات التي شهدت تجاوزات عدة، كان التزويرأبرزها، تمت كلها تحت الإشراف
القضائي. وهو صحيح من الناحية الشكلية، لكنهلم يكن دقيقا من الناحية العملية، لأن
الأجهزة الأمنية كانت المشرفالحقيقي على الانتخابات في أغلب الدوائر. أقلق ذلك القائمين على أمرالنادي، الذين خشوا أن يُتَّهموا
بالتواطؤ أو العجز. فدعوا إلى وقفةاحتجاجية صامتة أمام دار القضاء العالي، أرادوا بها أن يغسلوا أيديهم
منالتجاوزات
التي وقعت، وأن يعلنوا على المجتمع أن الأوضاع القائمة لاتمكنهم من أن يمارسوا إشرافا
حقيقيا على الانتخابات يضمن حياديتهاونزاهتها.
هذه الرسالة التي وجهها نادي
القضاة أغضبت الحكومة، وتضاعفغضبها حين دعا النادي إلى إلغاء حالة الطوارئ ورفض إحالة المدنيين إلىالمحاكمة العسكرية، كما تحفَّظ
على تدخلات وغوايات وزارة العدل للقضاةالتي تهدف إلى استمالتهم والتأثير عليهم. إلى
غير ذلك من المواقف التيصبَّت في وعاء الدفاع عن كرامة الوطن وكرامة القضاة. عندئذ خاصمت
الحكومةالنادي وأعلنت الحرب عليه، رغم أنه يمثل إحدى سلطات الدولة الثلاث. فقطعتعنه الموارد المالية التي كانت
تقدَّر بنحو 5 ملايين جنيه سنويا. وألغتوزارة العدل انتداب موظفيها الذين كانوا
يعملون بالنادي، الأمر الذي أدىإلى تعجيزه ماليا وإداريا.
وحين عُيِّن وزير جديد للعدل في
عام 2006، فإنمجلس إدارة النادي هنأه بمنصبه وطلب الاجتماع معه، لكنه رفض أن يلتقيبهم.لم تتوان الحكومة في إسقاط
ممثلي تيار الاستقلال بمختلف الأساليبوالحيل، واستخدمت في ذلك إمكاناتها المادية
وضغوطها السياسية والتلويحبالغوايات المختلفة، التي تدور حول تحسين الأحوال المعيشية من خلال
صرفالبدلات
والتوسع في الانتدابات والإعارات وغير ذلك. كان المطلوب باختصارأن يُعاد تشكيل النادي لكي يكفَّ
عن الانشغال بكرامة الوطن والقضاة، بحيثينحصر دوره في حدود الدفاع عن مصالح القضاة،
التي تملك الحكومة مفاتيحها.
الأمر الذي
يعني من الناحية العملية ربط تلك المصالح بالتوافق مع الحكومة،ومن ثم ضم النادي إلى بيت الطاعة
السياسية، وبالأخص فك الارتباط بينه وبينملف الحقوق والحريات العامة.
حققت الحكومة نجاحا في معركة
انتخابات ناديقضاة الإسكندرية، وألقت بكل ثقلها في انتخابات النادي الأكبر في
القاهرة،وكان التدخل بالضغوط والغوايات أشد في الثانية، وهو ما سجَّله مرصد
حالةالديموقراطية
التابع لجمعية النهوض بالمشاركة المجتمعية،
وعندما تحققالمراد بحضور مساعدي الوزير
وعناصر موالاة السلطة، هللت الأبواق الإعلاميةالرسمية لـ «الانتصار الكبير» الذي كسبت فيه
الحكومة نقطة، وخسر الوطنمنبرا وحصنا. وهو ما يثير أسئلة عديدة، أحدها السؤال التالي: ألا يُعدتدخُّل الحكومة بهذه القوة
والسفور في انتخابات القضاة، دليلا يؤيد مايقال عن تدخُّلها في أحكام القضاة؟
الاتفاق حول «التهدئة» يسمح
بتجاوز ازمة التفاهمات الاسرائيلية الفلسطينية،الامر الذى يفتح الباب للتعامل مع معضلة
التفاهمات الفلسطينية الفلسطينية.
(1) كان من
الضرورى أن تنفك عقدة التهدئة أولا لكى ينفتحالباب الموصل إلى الملفات الملغومة الأخرى.
وهى مهمة لم تكن سهلة، أولا،لأن مصطلح التهدئة ذاته جديد، وليس له أى مدلول قانونى. إن شئت فقل
إنهوصف سياسى،
ليس هدنة ولا فض اشتباك ولا وقفا لإطلاق النار، ولكن فيهإشارات من ذلك كله. ورغم أن التهدئة فى
مدلولها اللغوى تعنى السكون، فانذلك لا يكفى فى ضبط المصطلح، لان الباب يظل مفتوحاً للتساؤل عن شروط
ذلكالسكون،
والتزامات أطرافه، والأجل الذى يمكن أن يمتد إليه، يزيد من صعوبةالموقف أن طرفي التهدئة فى الموضوع
الذى نحن بصدده لا يعترف كل منهمابالآخر، والطرف الأقوى عسكريا «إسرائيل» لا يجد غضاضة فى أن يواصل
عملياتهضد الطرف الآخر، كلما عنّ له ذلك. وهو ما حدث فى تهدئة الأشهر الستةالأخيرة، التى انتهت فى 19 ديسمبر
الماضى، التى توقفت فيها حماس عن إطلاقصواريخها ضد إسرائيل، فى حين أن الأخيرة
استمرت فى عمليات قصف القطاعوتصفية المقاومين. وقد أدرك الفلسطينيون من تلك التجربة أن إسرائيلأرادتها تهدئة تكبل أيديهم، فى
حين تطلق يد الإسرائيليين.
وكانت تلك هىالخبرة التى دفعت ممثلي حماس فى
المفاوضات الأخيرة إلى التشدد فى التعرفكتابة على استحقاقات التهدئة ومحتواها
وضماناتها. وهذه الرغبة هى التىأسهمت فى إطالة أمد الاتفاق حول الموضوع، خصوصا أن الإسرائيليين
أرادوالاتفاق
التهدئة فى البداية أن يكون عودة إلى الوضع الذى كان سائدا قبل 19ديسمبر، المتمثل فى وقف إطلاق
الصواريخ مع استمرار الحصار. وقد أضافت إليهالحرب هدفا آخر هو إنهاء سلطة حماس على
القطاع. وليس سرا أن هذا الهدفالأخير كان محل ترحيب من جانب جماعة السلطة فى رام الله، كما رحبت به
بعضالأطراف
العربية التى اعتبرت أن نجاح حركة حماس فى انتخابات عام 2006 أثارقلقها لأسباب معلومة، كما سبب لها
صداعا أرادت الخلاص منه.
(2) الحربأتت بما لا يشتهون، إذ قلبت
الحسابات وغيرت إلى حد كبير المعطيات الموجودةعلى الأرض، فصمود المقاومة فى غزة أفشل مخطط
إسقاط حماس، وجعلها تخرج منالحرب أقوى مما كانت عليه. لا أقصد القوة العسكرية، لكننى أعنى أنها
أدتإلى رفع
أسهمها وتعزيز موقفها فى الساحة الفلسطينية. تجلى ذلك فى استطلاعأعلنت نتائجه يوم 5 - 2 الحالى
أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال فى رامالله الذى يديره الوزير السابق الدكتور غسان
الخطيب، إذ كشفت تلك النتائجعن مؤشرات مهمة، منها ما يلى:
* إن نسبة
الذين يختارون حماس إذا أجريت انتخابات جديدة ارتفعت من %19 إلى %28.6، فى حين
انخفضت نسبة ناخبى فتح من %34 إلى 27.9 %.
* إن شعبية
حماس فى الضفة ارتفعت من %12.8 فى نوفمبر الماضى إلى26.5 % فىآخر يناير، كما ارتفعت نسبة الذين
يثقون فى السيد إسماعيل هنية رئيسالوزراء المقال من %12.8 إلى21 % فى حين تضاعفت شعبيته فى الضفة من
9.2
% إلى 18.5
%.. وفى الوقت ذاته انخفضت نسبة ثقة الناس فى الرئيس محمود عباسمن 15.5 % فى أكتوبر الماضى إلى
13.4 %أخيرا.
* تبين أن
الحرب زادتمن نسبة مؤيدى العمليات العسكرية ضد إسرائيل، إذ ارتفعت نسبة
المقتنعينبأن الصواريخ المحلية تنفع الأهداف الوطنية الفلسطينية من %39.3 فى
أبريلالماضى إلى
50.8 % فى الوقت الراهن. أما الذين رأوا أن تلك الصواريخ تضربالمصالح الفلسطينية فقد انخفضت
نسبتهم من 35.7 % إلى 2.08
%. ورأى46.7 % أن حماس هى الطرف المنتصر فى
الحرب مقابل 9.8 % قالوا إن إسرائيل هىالمنتصرة، واعتبر 37.4 % أن الجانبين لم
يحققا انتصارات.
* تبين أنأهل الضفة كانوا أكثر دعما لحركة
حماس فى الحرب من أهالى القطاع الذينتكبدوا خسائر بشرية ومادية جسيمة.. فقال 53.3
% من أهل الضفة إن حماسانتصرت مقابل 35.2 % من أهل القطاع قالوا بانتصار حماس.
(3) إذاجاز لنا أن نلخص الأجواء التى جرت
فى ظلها محادثات التهدئة فسنضيف إلىتعزيز قوة موقف حماس، وتراجع شعبية أبو مازن
وجماعته، النتائج التى أسفرتعنها الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة. إذ استدعت تلك النتائج أطرافا
أكثرتشددا، ليس
بمقدور أبو مازن أن يتواصل معها. الأمر الذى وضعه فى موقف حرج،وهو ما جعله أكثر استعدادا
للتفاهم مع حماس بغير شروط مسبقة. حتى إنه حينتلقى قبل أيام اتصالا هاتفيا من القاهرة دعا
ممثليه للاجتماع مع وفد حماسالذى قدم للتفاوض حول التهدئة، فإن اثنين من أركان حركة فتح هما أحمد
قريعونبيل شعث
قدما إلى العاصمة المصرية قبل مضى 24 ساعة، وعقدا اجتماعا فىنفس يوم وصولهما استمر حتى منتصف
الليل، اتفق الجميع فيه على بعض خطواتلتهيئة الأجواء المناسبة لإنجاح المصالحة
بينهما (على رأسها وقف الحملاتالإعلامية بين الطرفين وإنهاء ملف الاعتقالات والتجاوزات).
إذا عدناإلى محادثات التهدئة، فسنجد أن
النقطة المحورية فيها تمثلت فى إصرار حماسعلى عدم العودة إلى أوضاع ما قبل 19 ديسمبر.
ومن ثم انطلاقهم من أنالتهدئة لا يمكن أن تستمر فى ظل الحصار، خصوصا بعد الحرب التى قتل
فيها
1300 شهيد
وأصيب أكثر من خمسة آلاف جريح، غير الدمار والخراب الذى حلبالعمران فى القطاع، وهو ثمن باهظ
جعل استبعاد العودة إلى الوضع السابقأمرا مفروغا منه.
لم يكن هناك
شك فى أن الطرفين بحاجة إلى التهدئة،ولكن الجدل كله أثير حول تفاصيلها، فى البدء
تحدث الإسرائيليون عن تهدئةمفتوحة وطويلة الأمد، وعرضوا فتح المعابر الستة بنسبة 80 %من البضائع
التىيحتاجها
القطاع. وفهم أنهم أرادوا تعليق نسبة 20 % الباقية حتى يتمالإفراج عن الجندى الأسير جلعاد
شاليط، وإن لم يقولوا ذلك صراحة. أيضا طلبالإسرائيليون إقامة منطقة عازلة حول القطاع
كله بعرض 500 متر، بحيث يمنععلى سكانه الاقتراب منها، أما طلبات ممثلي حماس فقد انصبت بالدرجة
الأولىعلى رفع
الحصار بالكامل، وفتح كل المعابر، ليس فقط لتلبية احتياجات الناسالطبيعية، ولكن أيضا لإعادة إعمار
ما دمر فى القطاع.
احتاج الأمر
إلىأخذ ورد،
وإلى مشاورات استغرقت وقتا طويلا بين الراعى المصرى وممثلي حماس،وبينه وبين الإسرائيليين الذين
حمل رسائلهم الجنرال عاموس جلعاد مسئولالأمن والسياسة بوزارة الدفاع الإسرائيلية.
وفى المشاورات التمهيديةاستبعد ملف الجندى الأسير، باعتبار أنه لا صلة له برفع الحصار، وإنماموضوعه موصول بملف آخر يقوم على
مبادلة قائمة للأسرى تضم 450 شخصا محكوماعليهم بالمؤبد. لكن وافقت إسرائيل على 176
منهم فقط. وقبل الفلسطينيون علىمضض بتأجيل موضوع فتح معبر رفح فى الوقت الراهن. وفهم أن ذلك مرهون
بحلمشكلة إطلاق
سراح الجندى الإسرائيلى، وقد يتطلب عقد اتفاق جديد لإدارتهبين الفلسطينيين والإسرائيليين
ودول الاتحاد الأوروبى.
رفضالفلسطينيون فكرة التهدئة
المفتوحة، قائلين إن ذلك مما يستحيل القبول بهفى بلد محتل، وتم التفاهم على أن تكون مدتها
18 شهرا. وتحفظوا على فكرةفتح المعابر بنسبة 80 % خصوصا أن تلك النسبة يمكن التلاعب بها، ناهيك
عنأن قياسها
يواجه صعوبات جمة.
وتم التفاهم على فتحها بالكامل
بشرطين،
الأول: أن تتولى لجنة مشتركة مراقبة ما يمر
من سلع.
والثانى: ألا يسمحبتمرير الخامات التى يمكن
استخدامها فى صناعة الأسلحة مثل المواسيروالأسلاك وأنواع من الأمونيا والكيماويات.
وحين نوقشت مسألة المنطقةالعازلة، تبين أن اقتطاع 500 متر
من أرض القطاع التى عرضها خمسة كيلومترات، يهدر مساحات كبيرة فى المناطق السكنية
والأراضى الزراعية، خصوصا أنبعضها ملاصق بشكل مباشر للحدود مع إسرائيل، ولم يقبل الاقتراح حتى بعدتخفيض الرقم إلى 300 ثم 150 مترا،
بعدما تبين أن ذلك يعني إخلاء كل حىالشجاعية وتهجير سكان نصف مدينة رفح، لذلك
استبعد ذلك الشرط من الاتفاق.
وانتهت
التفاهمات إلى أن تكون التهدئة فى حدود وقف إطلاق الصواريخ منالقطاع، مقابل فتح المعابر الستة
المؤدية إلى إسرائيل بالكامل بالشرطيناللذين سبقت الإشارة إليهما توا مع تأجيل
موضوع معبر رفح . ولحل الإشكالالبرتوكولى حول كيفية الإعلان عن البروتوكول اتفق على أن تقوم بذلك
مصرباعتبارها
الدولة الراعية له.
(4) الاصعب من
اتفاق التهدئةبين حماس وإسرائيل هو الاتفاق بين فتح وحماس. وليس بعيدا عن الأذهان
فشلمحاولة
المصالحة بين الطرفين التى جرت فى شهر نوفمبر من العام الماضى، لأنبيان المصالحة الذى طلب من حماس
أن توقع عليه فى البداية كان يفضى إلىإلغائها عمليا، وإعادة الأمر إلى ما كان عليه
قبل «الحسم» الذى تم فىالقطاع عام 2007. بمعنى أنه كان منحازا إلى فريق أبومازن وجماعة رام
الله،ولأن الوضع
اختلف تماما بعد الحرب على غزة، إضافة إلى قوة الضغوط الشعبيةالفلسطينية الداعية إلى إنجاح
المصالحة والاحتشاد فى مواجهة الوضعالإسرائيلى الذى استجد بعد الانتخابات، فقد
استبعدت الترتيبات التى طرحتفى مشروع المصالحة السابق، وتم الاتفاق على تشكيل خمس لجان لبحث
الملفاتالعالقة بين الطرفين، وأضيفت إليها لجنة تمثل الجامعة العربية تكون
مرجعاوحكما إذا
وقع خلاف بين أعضاء كل لجنة «يفترض أنهم سبعة يمثل فى كل واحدمنها عضو يمثل فتح وآخر يمثل حماس».
اللجان الخمس
ستبحث الملفاتالتالية: المصالحة ــ حكومة الوحدة الوطنية ــ إعادة تشكيل الأجهزةالأمنية ــ الانتخابات الرئاسية
والتشريعية القادمة ــ إعادة تشكيل منظمةالتحرير الفلسطينية.
الملفات الخمسة
ساخنة، وبعضها ملتهب ولا يكاديرى الآن أفق للتفاهم حولها، خصوصا فى مسألة الحكومة التى هى من حق
حماسباعتبار
أغلبيتها الكبيرة فى المجلس التشريعى، وقضية تشكيل الأجهزةالأمنية التى كانت أداة الفريق
الآخر فى محاولة إفشال حكومة حماس منالبداية. كما أن فكرة إعادة بناء منظمة
التحرير تقابل بمقاومة شديدة منذصدرت هذه التوصية بشأنها عام 2005، لأنها قد تعني تغيير مختلف
الهياكل،بما قد ينهي سيطرة المجموعة التى اختطفت المنظمة واستثمرتها لحسابها.
ولأنالمصالح متعارضة تماما بين
الطرفين فيما يخص تلك الملفات، فإن السؤالالكبير الذى يطرح نفسه هو: إلى أى مدى سيكون
كل طرف مستعدا لأن يرتفع فوقحساباته الخاصة وجراحه، بحيث يعيد للصف الفلسطينى وحدته وحيويته، بمايمكنه من مواجهة تحديات المصير
المطروحة على الجميع الآن؟ لننتظر نتائجالمباحثات التى يفترض أن تبدأ فى الثانى
والعشرين فى الشهر الحالى، علهاتقدم لنا إجابة وافية عن السؤال.
ملحوظة: هذا
المقال كتب قبل انتتراجع اسرائيل عن موقفها يوم الاحد، الذى كان مقررا ان يعلن فيه بدءسريان التهدئة قبل منتصف ليلة
الاثنين.
نشرة أخبار ضحايا التضامن مع غزة
تشمل المعلومات التالية:
• أصدرت محكمة عسكرية في مدينة الإسماعيلية
حكما بالسجن لمدة عامينوغرامة خمسة آلاف جنيه على زميلنا الصحافي مجدي أحمد حسين الأمين
العاملحزب العمل
المجمد، بعدما اتهم بالتسلل إلى قطاع غزة. وقد رفضت المحكمةالسماح لـ 28 محاميا بالدفاع عنه،
وانتدبت من جانبها ثلاثة محامين للقيامبالمهمة. علما بأن محكمة القضاء الإداري
والمحكمة الإدارية العليا قررتاعدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ولكن الحكومة امتنعت
عنتنفيذ الحكم.
ورغم أنه من حق الأستاذ مجدي أن يطعن في سجنه أمام محكمةاستئناف عسكرية أخرى، إلا أن ذلك الطعن لا
قيمة له، لأن القاضي العسكريغير ملزم بإبداء أسباب الحكم، ولا يستطيع أي محام أن يطعن في حكم لا
تُعرفأسبابه.
• أصدرت محكمة عسكرية أخرى حكما بالسجن لمدة
سنة على اثنين من الشبانحاولا الدخول إلى القطاع للتعبير عن تضامنهما مع الفلسطينيين
المحاصرينفيه، أحدهما اسمه أحمد أبودومة، وهو عضو في تجمع يحمل اسم «غاضبون»،والآخر أحمد كمال عبدالعال، وهو
ليس منخرطا في أي تجمع شعبي، ولكنه قامبمحاولته مدفوعا بمبادرة فردية من جانبه.
• تم إلقاء القبض على المدون الشاب
ضياء الدين جاد يوم الجمعة 6فبراير، بعد الاعتداء عليه بالضرب أمام أسرته وجيرانه، ولم يعرف مكاناعتقاله حتى الآن، كما أن أسرته
لا تعرف سوى أن مدونته التي أطلق عليهااسم «صوت غاضب» انتقدت الموقف المصري من
الحرب.
• هناك اثنان آخران من الشباب المدونين، هما
محمد عادل وعبدالعزيزمجاهد، والأول ألقي القبض عليه منذ 3 أشهر بسبب احتجاجه في مدونته علىالموقف المصري من حصار غزة، وظهر
في أحد المعتقلات أخيرا، أما الثاني فقدشمله الاعتقال بسبب آرائه التي سجلها أثناء
الحرب الإسرائيلية على غزة.
• أطلق سراح الناشط فيليب رزق، الذي اختفى عدة
أيام بسبب اشتراكه فيمظاهرات التضامن مع غزة، الأمر الذي أدى إلى الاعتداء عليه بالضرب،واقتحام منزله فجر الاثنين الماضي
9-2، وتفتيش المنزل بغير إذن قضائي حسببيانات الشبكة العربية لمعلومات حقوق
الإنسان، التي ذكرت أن الشاب الذييدرس بالجامعة الأميركية «اختطف» بواسطة عناصر الأمن. ولم ينقذه منالتغييب في السجون والمحاكم سوى
أنه يحمل الجنسية الألمانية هو ووالده،حيث «اضطرت» وزارة الداخلية للإفراج عنه،
بعدما تدخلت السفارة الألمانيةفي القاهرة لمصلحته.
• تحتجز وزارة الداخلية 734 عضوا بجماعة
الإخوان المسلمين، حسب تصريحنائب المرشد الدكتور محمد حبيب. وقد بدأ اعتقال هؤلاء بعد أيام قليلة
منبداية الحرب،
بسبب اشتراكهم في المظاهرات ومسيرات الاحتجاج التي اندلعت فيمختلف المحافظات المصرية، منددة
بالعدوان ومطالبة السلطات المصرية بفتحمعبر رفح أمام جهود إغاثة المحاصرين في غزة.
ليس ذلك حصرا لضحايا التضامن مع
غزة بطبيعة الحال، ولكنه القدر الذيعرف من أولئك الضحايا، الذين لا يكاد المرء
يصدق أن تلك كانت جريمتهم التياستحقوا بسببها السجن والاعتقال، في بلد لايزال المسؤولون فيه يعلنون
فيكل مناسبة أن
أحدا لا يستطيع أن يزايد عليهم في الدفاع عن قضية فلسطين.
فيالوقت ذاته فإن المرء لا يستطيع أن يكتم
دهشته إزاء المدى الذي ذهبت إليهالأجهزة الأمنية في الاستخفاف بالرأي العام في مصر (دعك من الإساءة
التيتحدثها
ممارساتها إلى سمعة مصر في الخارج) وهو استخفاف وصل إلى درجة تحديالشعور العام واستفزازه. فضلا عن
شعور المواطن بالإهانة، حين يدرك أنهيتعين عليه أن يبحث لنفسه عن جواز سفر أجنبي،
يحميه من بطش حكومته ـ
لا أعرف إن كان الذين لا يترددون في تحدي الرأيالعام واستفزاز مشاعر المصريين بممارساتهم القمعية يدركون عاقبة أفعالهمتلك أم لا، لكنني أعرف جيدا أن تلك مغامرة تشعر الناس بالمهانة وتملؤهمبالغضب، الذي يحولهم تراكمه بمرور الوقت إلى قنابل موقوتة، مرشحة للانفجارفي أي وقت.
لقد سمعنا مراراً وتكراراً أن قوانين الطوارئ لن تستخدم إلا فيمواجهة الجماعات الإرهابية، وأعلن رئيس الوزراء أمام مجلس الشعب أن إحالةالمدنيين إلى المحاكم العسكرية (الذي يخالف الدستور) لن تتم إلا في حالتيمكافحة الإرهاب وقضايا الاتجار في المخدرات. لكننا رأينا أن هذه الأساليبالاستثنائية والقمعية لا تستخدم إلا في التعامل مع الناشطين العاديين،الذين يحاولون التعبير عن أنفسهم من خلال الاحتجاجات السلمية والممارساتالقانونية. وضحايا التضامن مع غزة الذين تحدث عنهم أمس نموذج حي بينأيدينا. ذلك أنهم لم يفعلوا أكثر من إعلان رفضهم للعدوان الإسرائيليوتضامنهم مع الشعب الفلسطيني المحاصر والمنكوب. حتى الخطأ النسبي الذي نسبإلى زميلنا مجدي حسين، واتهم فيه بـ«التسلل» إلى غزة لإعلان تضامنه معأهلها لم يقابل بأي تفهم أو أعذار، وإنما قوبل بإحالته إلى المحكمةالعسكرية التي قررت سجنه سنتين جراء «الجريمة» التي ارتكبها.
علماً بأننا لم نسمع أن أحداً من الذين حاولوا التسلل إلى إسرائيل وقعت عليهم هذه العقوبة.
من الأمور المثيرة للانتباه والباعثة على الخزي في الوقت ذاته، أن هذاالاستقواء الأمني في مواجهة المواطنين المصريين والفلسطينيين أيضاً،يتراجع خطوات عديدة إلى الوراء حينما يكون الإسرائيليون هم الطرف الآخر،ولكي تتأكد من ذلك حاول أن تستدعي من الذاكرة مشهد الغضب الحكومي المصريالعارم الذي قوبل به اختراق بعض الفلسطينيين لمعبر رفح، والتصريحاتالنارية التي أطلقها آنذاك وزير خارجيتنا التي هدد فيها بكسر رجل أو رقبةمن يعبر الحدود، ثم ضع إلى جانبه عمليات القمع الشديدة التي ووجه بهاالناشطون المتضامنون مع غزة،
في مواجهة هذا الشريط «الساخن»، حاول أنتتتبع رد الفعل المصري على عشرات الاختراقات التي قامت بها الطائراتالإسرائيلية للمجال الجوي المصري والحدود، وهي تحاول قصف الأنفاقالمستخدمة في تهريب البضائع عند رفح. حينئذ ستلاحظ أن مصر لم تفعل أكثر منرصد الاختراقات وتسجيلها أولا فأولا، ثم إبلاغ القوات الدولية بها بمنتهىالهدوء. وفي ظل ذلك الهدوء تبخر تماماً الكلام عن «كسر رجل» من يعبرالحدود، كما لم نسمع صوتاً لوزير الخارجية، ولا للأبواق الإعلامية الأمنيةالتي ملأت الدنيا ضجيجاً وغضباً لحرمة أرض مصر التي يعبأ الناس لأجلهاتارة، ويغض الطرف عنها تارة أخرى.
يخطئ من يظن أن تحدي الرأي العام والاستهانة بمشاعر الناس واستفزازهممن الأمور التي يمكن أن تمر بسهولة، فيبتلعوها ثم ينسوها. ذلك أنه فيالأمور التي تتعلق بالكرامة، فإن المواطنين يختزنون ولا يبتلعون. وهذاالاختزان مما لا تؤمن عواقبه، وأكرر مرة أخرى، أنه يحول الناس إلى قنابلموقوتة مرشحة للانفجار في أي وقت.
وفي موروثنا الثقافي تحذير مستمر من غضبالحليم. والحلم وطول البال من الصفات التي اشتهر بها المصريون. وهو ماينبغي التذكير به حتى لا ينخدع أحد بصبر المصريين وصمتهم، الذي لا ينبغيأن يستقبل بحسبانه من علامات الرضا. والشواهد التي لاحت في الفضاء المصريخلال العامين الأخيرين تدل على أن ثمة تململاً في المجتمع الذي فاض بهالكيل، عبر عن نفسه بأشكال عدة لم تكن مألوفة من قبل.
ففي الأسبوع الماضي لجأ 800 مواطن من أهالي المحلة الكبرى إلى الجلوسعلى قضبان السكة الحديد في عز البرد، احتجاجا على تدهور الخدمة بالقطارات.
ومن قبل هؤلاء قام أهالي برج البرلس في محافظة كفر الشيخ بقطع الطريقالدولي، بسبب مشكلة حدثت في توزيع الدقيق، إلى غير ذلك من «الانتفاضات» المحدودة التي تبعث إلى من يهمه الأمر برسائل تفصح عن الغضب المكتوم،ويتعين على هؤلاء تسلمها وقراءة محتواها جيداً قبل فوات الأوان.
بعد مضي ثلاثين عاما على اتفاقية
السلام بين مصروإسرائيل، وأكثر من خمسة عشر عاما على اتفاقية أوسلو التي وقّعت معالفلسطينيين، واتفاقية «وادي عربة»
الموقعة مع الأردنيين؛ فإن شهيةالإسرائيليين لسفك دم الفلسطينيين والفتك بهم لم تتراجع، وإنما تزايدت
علىنحو برز في
الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وهي التي أثبتت أننا لسنا فقطبصدد دولة تهيمن عليها نخبة من
مجرمي الحرب، وإنما نحن بإزاء مجتمع مساندلتلك النخبة ومفتون بها.
تجلى ذلك في حقيقة أن أحد محاور المنافسة بينالمرشحين للانتخابات كان يدور حول
كمّ ونوع الشروط التي يتعهدون بإملائهاعلى الفلسطينيين لضمان إخضاعهم، وكلما تشدد
المرشح في شروطه استمال أعداداأكبر من الناخبين (لاحظ أن حزب الليكود حصل في انتخابات عام 2006 على 12مقعدا وفاز هذه المرة بـ 27 مقعدا).
هذا التحليل ينبّهنا إلى أن سياسةالفتك بالفلسطينيين تستجيب لرغبة شعبية أصيلة في إسرائيل، وأن المشكلةليست في النخبة القابضة على
السلطة، وإنما هي في المجتمع الذي يفرزها؛الأمر الذى يضعنا أمام حالة نادرة يصعب
استيعابها.
إذ نفهم أن يكون هناكنظام فاشي أو حزب فاشي، ولكن أن تصبح الفاشية
سمة لمجتمع بأغلبيتهالساحقة، فتلك حالة فريدة في التاريخ المعاصر، صحيح أن هناك استثناءات
علىالقاعدة،
لكنها تظل محدودة للغاية ولا تأثير لها على القرار السياسيهناك.
إننا إذا استعرضنا مواقف قادة
الأحزاب الثلاثة الذين فازوا بأكبر عددمن المقاعد في الكنيست، فسوف نجد أن
تسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما (28مقعدا) تصنف بحسبانها الأكثر
اعتدالا (!) بينهم، وهي الضالعة في مذبحةغزة.
أما السيد نتانياهو زعيم حزب
الليكود (27 مقعدا) فهو يعلن صراحة أنالمذبحة ما كان لها أن تتوقف، كما أنه لا
يعترف بالاتفاقات التي وقّعهاأسلافه مع الفلسطينيين.
ثالثهم افيجدور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل
بيتنا»
(15 مقعدا) دعا
إلى طرد فلسطينيي 48، وقصف السد العالي لإغراق مصر،واستهداف القصر الجمهوري في دمشق ليُدمَّر
على من فيه، وثمة كلام كثير حولعلاقاته بعالم الجريمة المنظمة والمافيا الروسية.
إذا جاز لنا أن نلخصموقف المجتمع الإسرائيلى في ضوء نتائج
الانتخابات الأخيرة، فسنجد أنالتيار الذي أطلق عليه «يسار الوسط» الذي يتحمّل المسؤولية عن مذبحة
غزةيمثله 55
عضوا. أما تيار اليمين الذي لم تقنعه المذبحة وتطلَّع إلى ما هوأبعد منها، فيمثله 65 عضوا.
وكما هو واضح فإن الأخيرين يمثلون
الأغلبية فيالبرلمان، ولابد أن تكون لهم اليد الطولى في الحكومة التي يرجح أن
يتولىنتانياهو
رئاستها.
من ناحية، فهذه «التركيبة» هي التي ستشترك معالفلسطينيين في مفاوضات «السلام» المفترضة،
ولن نستغرب إذا ما خرج عليناأقطابها مرددين ادعاء الحكومة السابقة اصطفافها في مربع «الاعتدال» فيالعالم العربي، وهو ما يستدعي
أسئلة كبيرة حول المستقبل، يتعين على الطرفالفلسطيني الذي راهن على «الاعتدال» الإسرائيلي
أن يجيب عليها. ليس وحده،وإنما على الطرف العربي الذي أبرأ ذمته بإطلاق «المبادرة العربية» في
قمةبيروت أن
يجيب عليها بدوره.
من ناحية ثانية، فإن هذه التركيبة
تناسب إلىحد كبير عملية التحضير للمواجهة العسكرية مع إيران، إذا فشلت محاولاتإثنائها عن إيقاف مشروعها النووي
من خلال مفاوضات الأميركيين أو غيرهم.
لنيفاجئنا شيء من ذلك كله، إنما الذي لابد أن
يدهشنا أن نجد في مصر منيتحدّث عن تنظيم أنشطة للتبشير بثقافة السلام، بدعوى تحصين الأجيالالجديدة بالثقافة، بحيث لم يعد
يبقى من المعادلة سوى شقها المتعلق بالسلامـ هانت!
ليست مفهومة تلك القواعد التي على
أساسها يُسمحللبعض بالمرور من معبر رفح، في حين يُمنع آخرون ممن تقدّموا لإغاثةالمنكوبين في القطاع وتقديم العون
لهم، لكن المؤكد أن عملية المنع سببتحرجا كبيرا لمصر، وأساءت إلى سمعتها وموقعها
كثيرا، وقد كنت أحد الذينوُجِّه إليهم السؤال أكثر من مرة حول سبب منع الأطباء والمهندسينوالإعلاميين وخبراء الإغاثة من
الوصول إلى القطاع، لكني في كل مرة كنتأقول إن المسؤول ليس أعلم من السائل، وقد
أخبرني أحد الأصدقاء الأتراك أنأخبار المنع هذه حين نُشرت في الصحف التركية، فإن الناس دُهشوا
وصُدمواولم يصدِّقوا أن مصر يمكن أن تقدم على خطوة من ذلك القبيل، لذلك فإنهماعتبروها أخبارا مدسوسة وملفقة.
لقد بثت قناة «الجزيرة» حلقة صورت
فيها الموقف عند معبر رفح، وفضحت بهاحقيقة ما يجرى هناك على نحو بدا باعثا على
الخزي والخجل.. إذ حين ظل مديرمكتب الجزيرة في بيروت، الزميل غسان بن جدو، واقفا أمام المعبر طيلة
عشرةأيام، لم
يُسمح له فيها بالدخول، فإنه استثمر وجوده هناك في تقديم حلقة منبرنامجه المميز «حوار مفتوح» مع
الوفود التي طالها المنع، وتلك التي أمضتأياما تنتظر «الفرج» وتتعلق بأمل تلقي إشارة
من القاهرة تسمح لها بالوصولإلى القطاع.. وهي المسألة التي بدت لدى كثير من الواقفين أصعب من
الوصولإلى القمر.
جرى بث الحلقة مساء السبت الماضي «7
فبراير الجاري»، وكان المتحدثون فيها خليطا من المهنيين والخبراء والإعلاميين.
الأطباء تحدثوا عن تخصصاتهم التي
تحتاجها مستشفيات القطاع، والمهندسونالذين كانوا من كبار أساتذة الجامعات المصرية
عرضوا بعضا من الأفكار التيحملوها معهم إسهاما منهم في مواجهة الكارثة.. أحدهم شرح فكرة مبتكرةومدهشة عن كيفية إقامة بيوت من
أكياس البلاستيك المحشوة بالرمل، ورأيناصورا للتصميم والبحث الذي أعدّه بهذا الخصوص،
أستاذ آخر تحدث عن كيفيةالاستفادة من الأنقاض الموجودة وتوظيفها في إقامة البيوت بأسلوب علميفهمنا أنه يدخل في اختصاصه،
تابعنا أيضا شهادة لأحد العلماء المتخصصين فيالأراضي، أراد أن يقدم خبرته في دراسة ما
أصاب أراضي القطاع جراء القنابلالفوسفورية والأسلحة المحظورة والقذرة التي استخدمتها إسرائيل في
الحرب.
من أغرب ما سمعت في البرنامج
شهادة لخبير قانوني قادم من النرويج جاءومعه زميلان أحدهما نرويجي أيضا والآخر
فرنسي، وكانت مهمتهم محاولة تسجيلوتوثيق الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل أثناء الحرب، سواء بحق المدنيين
أوبحق الأماكن
التي يحرم القانون الدولي استهدافها أثناء الحرب.
وشرح صاحبنا أنه مع الفريق
المرافق له كان عليهم أن يقدِّموا تقريرابهذه المخالفات إلى المدعي العام للمحكمة
الجنائية الدولية في موعد أقصاه
6 فبراير
الجاري، لكي يُدرج ضمن الملفات التي تخضع للدراسة قبل العرض علىالمحكمة، وقد تم ترتيب هذه الرحلة
بالاتفاق مع مختلف الجهات المعنية فيالنرويج والقاهرة، كما أنهم شرحوا مهمتهم
للمسؤولين عن المعبر ونبهوهم إلىأنهم ملتزمون بمواعيد يمكن أن يترتب عليها قرار بعرض الأمر على
المحكمةالجنائية الدولية. ولكن ذلك كله لم يشفع لهم، فلم يُسمح لهم بالدخول،
علىالأقل قبل
الموعد الذي ضُرب لهم.
هذا الكلام وأضعاف أضعافه جرى بثه
على الهواء مباشرة من أمام المعبر،الأمر الذى شكَّل فضيحة من العيار الثقيل، لم تُكذِّب فقط ادعاء
القاهرةبأن المعبر مفتوح للجرحى وجهود الإغاثة، ولكنها وفرت أدلة اتهام
وإدانةللموقف
المصري، المجرّح أصلا منذ بدأت الحرب، خصوصا أن أحدا لم يقدِّمللممنوعين أى تفسير لإغلاق باب
المعبر في وجوههم. وهم الذين تصوروا أنمهمتهم ستقابل بالترحيب والتشجيع من سلطات «الشقيقة
الكبرى»،
إننى أخشى أنيكون «الأمن» في هذه الحالة قد
قام بدور «الدبة» التي قتلت صاحبها، وهيتحاول أن تهش الذبابة عن صاحبها، الأمر الذي
يدعونا إلى التساؤل: إلى متىتظل السياسة في خدمة الأمن وليس العكس؟
للوهلة الأولى يبدو ترشح السيد محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية الإيرانية كأنه رسالة تتجاوب مع أطروحات الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، تماما كما كان الرئيس الحالي أحمدي نجاد ردا إيرانيا على الرئيس السابق جورج بوش.
والرسالة غير مباشرة بطبيعة الحال، لأن ما أعنيه هو أن ترجيح كفة مرشح دون آخر في الانتخابات الحرة لا يتأثر بالعوامل الداخلية وحدها، إنما بالعوامل الخارجية أيضا. فعندما تم انتخاب السيد خاتمي للرئاسة في عام 1997، وظل طوال السنوات الثماني التالية رافعا لواء التنمية السياسية، وداعيا إلى حوار الحضارات، في حين لم يلق من واشنطن سوى الصد وعجرفة المحافظين الجدد، فإن رد المجتمع الإيراني في انتخابات 2005 تمثل في التصويت لشخص محافظ ومجهول آنذاك، اتسم بالصلابة والعناد، هو أحمدي نجاد، وإسقاط منافسه السياسي الداهية هاشمي رفسنجاني المعتدل، الذي أيده الإصلاحيون.
الأمر اختلف نسبيا بعد تولي أوباما الرئاسة، على الأقل من حيث إنه تبنى خطابا مغايرا، بدا فيه أحرص على الحوار والتفاهم، من دون استعلاء أو استقواء، الأمر الذي يفترض أن تكون له استجابة مغايرة من جانب المجتمع الإيرانى، تدفع الأغلبية فيه إلى التصويت لمصلحة المرشح «المعتدل» السيد خاتمي، ورغم أن هذه الرؤية تبدو منطقية إلا أن الأمر لا يخلو من تعقيدات سياسية، لا يمكن تجاهلها.معلوماتي أن الرجل استشار السيد علي خامنئي قبل أسابيع عدة من إعلان قراره، فكان رد الأخير أنه بصفته الشخصية لا يحبذ دخوله إلى المعركة في الظروف الراهنة، لكنه بصفته مرشدا لا يستطيع أن يمنعه، وإذا فاز في الانتخابات فلن يتردد في التعاون معه.
ومن الواضح أن خاتمي استجاب بعد ذلك لضغوط دوائر الإصلاحيين، وأعلن قراره بالترشيح، مستندا إلى رأي «المرشد»، ومعرضا عن نصيحة «السيد».من الصعب الآن التنبؤ بحظوظ أحد من المرشحين، ليس فقط لأنه لايزال هناك متسع من الوقت لإجراء الانتخابات في 12 يونيو المقبل، لكن أيضا لأن السوابق تؤكد أن باب المفاجآت مفتوح على مصراعيه في تلك الانتخابات. فلا نجاح السيد خاتمي كان متوقعا في عام 97، ولا نجاح أحمدي نجاد خطر ببال أحد في عام 2005، لكن الذي لا يمكن إنكاره أن السيد خاتمي اختار بقراره هذا أن يخوض مغامرة كبرى، سواء فاز في السباق أو لم يفز، فهو إذا خسر سينهي بذلك حياته السياسية، وإذا فاز فإنه لن يستطيع أن ينجز شيئا مما وعد به لماذا؟ لأن مؤسسات الدولة الإيرانية الآن يهيمن عليها المحافظون، وهؤلاء لن يسمحوا له بتمرير شيء لا يرضون عنه، سواء في الشأن السياسي الداخلي أو الخارجى، كما أنهم لن يمكنوه من إنجاز شيء في مسألة الحوار مع الولايات المتحدة، التي لا يعترض عليها المحافظون، لكنهم يريدون أن يحتفظوا بها كورقة في أيديهم وإنجاز سياسي يحسب لهم،
ولا يغيبن عن البال في هذا الصدد أن مجلس الشورى المكون من 290 عضوا يسيطر المحافظون على أغلبيته، في حين أنه لا يمثل الإصلاحيون فيه سوى 50 نائبا فقط. وهذه التركيبة ستشكل دائما حجر عثرة في طريق خاتمي، وهو وضع لا يعاني منه أحمدي نجاد، الذي يؤيده المحافظون، وخلال السنوات التي قضاها في السلطة شهدت إيران تناغما نادرا بين مؤسسات الدولة بسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية ومجالسها العلمائية، الأمر الذي يعني أن الجسم الصلب للدولة كان يقف بكامله إلى جانبه. بسبب ذلك فإن بعض المحللين الإيرانيين فضلوا أن يبقى السيد خاتمي بعيدا هذه المرة، لكي يكمل أحمدي نجاد دورته الثانية، ويجري هو حوار طهران مع الإدارة الأميركية الجديدة، مدعوما بمختلف مؤسسات الدولة، وبعد ذلك في انتخابات عام 2013 يتقدم أي مرشح إصلاحي ليقطف ثمار الجهد الذي بذله نجاد، ويبني عليه ما شاء.
لكن خاتمي تسرع وألقى بنفسه في خضم المغامرة، ليرفع من درجة الإثارة في منافسة سيخرج منها خاسرا، فاز أم لم يفز.
على كثرة ما كتب فى موضوع غزة، أزعم أن القصة الحقيقية لم ترو بعد، وأن الجزء الغاطس في الموضوع أكبر بكثير مما ظهر على السطح.
1 لا أدعي أنني على إحاطة بكامل حقائق القصة، لكن ما توافر لدى من معلومات خلال الأسبوع الماضي أقنعني بأن الكثير مما تداولته وسائل إعلامنا، بعضه يفتقد إلى الصواب والبعض الآخر يفتقد إلى الدقة والبعض الثالث يفتقد إلى البراءة وقبل أن أعرض ما عندي في هذا الصدد، ثمة خلفية يتعين استدعاؤها، لأنها تسلط الضوء على الحقيقة المغيبة، ذلك أنه من التبسيط الشديد والمخل للأمور القول بأن العدوان الإسرائيلي على غزة جاء نتيجة لإلغاء التهدئة، وإطلاق بعض الصواريخ على القطاع، وهذا الادعاء هو إحدى الأكاذيب التي روجتها إسرائيل، ونجحت في دسها علينا، حتى أصبحت أحد محاور خطابنا الإعلامي.
وللعلم، فإن الذي فضح هذه الأكذوبة وفندها هو الكاتب والباحث الأمريكى اليهودي، هنري سيجمان، في مقالة مهمة وكاشفة بعنوان «أكاذيب إسرائيل» نشرتها له مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» (عدد 29 يناير)، وكانت خلاصة مقالته تحت عنوان «أكاذيب إسرائيل» التي نقضت التهدئة وليست حماس، عبّر عن هذا الموقف أيضا البروفيسور جون ميرزهايمر أستاذ هارفارد الذي كتب مقالة بعنوان «حرب أخرى.. خسارة أخرى»، قال فيها: إن سبب الحرب ليست صواريخ حماس، بل متابعة "هدف إسرائيل الكبرى".
صحيح أن حرب المشروع الإسرائيلي في فلسطين عمرها مائة عام، إلا أن النتائج المفاجئة لانتخابات المجلس التشريعي في عام 2006 كانت بمثابة نقطة تحول في المسيرة، ذلك أن تصويت الجماهير للمقاومة وحصول حركة حماس على أغلبية المجلس قلب الموازين وصدم الجميع، إذ أفاقت إسرائيل على حقيقة أن مشروعها للتسوية السياسية أصبح في خطر. تماما كما أن جماعة السلطة في رام الله أدركوا أن احتكارهم لصدارة المشهد الفلسطيني أصبح بدوره في خطر، وهو ما أحدث توافقا على ضرورة إلغاء نتيجة الانتخابات، والتخلص من حماس وما تمثله بكل السبل، فتولت إسرائيل اعتقال أغلب ممثليها في المجلس التشريعي المنتخب، بمن فيهم رئيسه، وكان على أجهزة السلطة في غزة أن تسقط الحكومة المنتخبة، وبدأت المناكفات بمقاطعة الحكومة، ثم الاشتراك في حكومة للوحدة الوطنية، التي لم يتوقف أبومازن عن مقاطعتها من جانبه، في حين تولت الأجهزة الأمنية التابعة له على إثارة الفلتان الأمني بهدف إفشال تجربتها، الأمر الذي اضطرت معه الحكومة إلى الاستيلاء على مقار تلك الأجهزة لإجهاض مخططاتها وإنهاء تمردها، وقد وثق الدور الأمريكي في عملية الانقلاب على الحكومة وإفشالها الصحفي ديفيد روز، في التقرير المثير الذي نشرته له مجلة «فانيتى فير» (عدد أبريل 2008)، وحين فشل الانقلاب الداخلي الذي قادته الأجهزة الأمنية لجأت إسرائيل إلى حصار القطاع، ولم ينجح التجويع في إثارة الفلسطينيين وانقلابهم على الحكومة، كما كان مرجوا، وإزاء فشل كل هذه المحاولات لجأ الإسرائيليون إلى السلاح لتحقيق الهدف الذي طال انتظاره. ومن ثم كانت العملية العسكرية التي بدأت في 27 ديسمبر 2008 للقضاء على المقاومة وإزالة آثار انتخابات عام 2006.
2 معلوم أن الوساطة المصرية أسفرت عن تهدئة مدتها ستة أشهر، انتهت في 19 ديسمبر الماضي، وخلال تلك الفترة أوقفت حركة حماس أي نشاط للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وفاء بمقتضيات التهدئة في حين لم تلتزم إسرائيل بشيء, سواء فيما خص فتح المعابر لتوفير احتياجات الناس المعيشية، أو فيما يتعلق بوقف الأعمال العسكرية، حيث واصلت عمليات التوغل والتصفية، التي كان آخرها قيامها في الرابع من نوفمبر بقتل ستة من عناصر حماس بالقطاع. هذا الكلام ليس من عندي، ولكنه ورد في سياق شهادة للقائد الإسرائيلي السابق في القطاع، العميد شمويل زكاى، نشرته صحيفة «ها آرتس» في عدد 22 ديسمبر الماضي, وقد ذكر الرجل في شهادته أن إسرائيل أساءت استخدام فترة التهدئة باستمرارها في حصار فلسطينيي القطاع، وكان يمكن أن تستمر التهدئة إذا لم تصر على الحصار، ولم تواصل قمع الفلسطينيين.
حين حل موعد انتهاء التهدئة في 19 ديسمبر، لم يجر أي اتصال مع قادة حماس بخصوص ترتيبات المستقبل، وليس صحيحا أنهم وقتذاك نصحوا وحذروا من العواقب، كما ذكرت بعض التصريحات السياسية، وكان على فصائل المقاومة أن تحدد موقفا من المسألة، فعقد ممثلوها اجتماعات في غزة ودمشق أعلنوا بعدها أن الفترة المتفق عليها انتهت، وإزاء استمرار إسرائيل في الحصار وتصفية الناشطين، فإنهم أصبحوا في حل من التزاماتهم إزاءها.
للدقة، فإن القاهرة أجرت قبل أسبوع من الحرب اتصالين هاتفيين مع الدكتور محمود الزهار، القيادي في حماس، بخصوص تجديد التهدئة، فكان رده أن حماس وفصائل المقاومة الأخرى في القطاع، لا يستطيعون القبول بالتجديد في ظل استمرار الحصار، ورغم تواتر الأنباء عن اتجاه إسرائيل إلى الهجوم على القطاع، فإن الدكتور الزهار تلقى اتصالا هاتفيا من القاهرة يوم الخميس 25/12 أبلغ فيه بأن إسرائيل لا تنوى القيام بعملياتها العسكرية. إلا أن إسرائيل شنت هجومها المفاجئ والشرس في 27 يناير أي بعد يومين اثنين فقط من الرسالة التي أبلغت إليهم.
كان التقدير الإسرائيلي المبدئي أن العملية سوف تستغرق ثلاثة أيام، وأن القصف المكثف، والمجنون سوف يدفع المقاومة إلى التسليم. ولوحـظت آنذاك ثلاثة أمور، الأول: أن الاجتماع الطاريء لوزراء الخارجية العرب تحدد بعد خمسة أيام من بدء الحرب. الثاني: أن بعض رجال الأمن الوقائي الهاربين اتجهوا إلى رفح المصرية متوقعين أن قيادات حماس سوف تهرب من القطاع، وأن الساحة ستكون مهيأة لاستقبالهم. الثالث: أنه لم يجر أي اتصال مع قيادات المقاومة في الخارج، باستثناء اتصال هاتفي وحيد أجراه السيد عمرو موسى، أمين الجامعة العربية، مع نائب رئيس حركة الجهاد الإسلامي زياد نخالة، المقيم في دمشق.
في اليوم السادس «الخميس الأول من يناير»، تلقت قيادة المكتب السياسي في حماس اتصالا هاتفيا من أحد مسؤولي المخابرات العامة في القاهرة، دعا خلاله وفدا من الحركة لبحث الموقف في العاصمة المصرية، علما بأن خطوط الاتصال ظلت مقطوعة بين الطرفين منذ رفضت الحركة حضور مؤتمر المصالحة في نوفمبر الماضي، وحتى لا يفهم أن حماس متلهفة على وقف إطلاق النار، فإنها أخرت إرسال الوفد إلى الأحد 4 يناير. في الوقت ذاته، بعد أسبوع من بدء الحرب، أجرى الفرنسيون والدنماركيون اتصالات مع قيادة المكتب السياسي في دمشق لتحسس احتمالات وقف إطلاق النار.
هذه الاتصالات كانت تعنى أمرين،
أولهما: أن صمود المقاومة في غزة فاجأ الجميع، ولم يكن في الحسبان.
وثانيهما: أن إسرائيل تريد أن تنهي الحرب بفرض شروط التسليم على حماس. الملاحظ في هذا الصدد، أن الغارات الإسرائيلية كانت تشتد وتزداد عنفا أثناء وجود ممثلي حماس في القاهرة، ولم تكن تلك الغارات سوى رسالة ضغط على المفاوضين لدفعهم للقبول بالتسليم، وهناك معلومات تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت أجل خطاب إعلان قرار وقف إطلاق النار مرتين، انتظارا منه لما يمكن أن تسفر عنه اجتماعات القاهرة التي رفضت فيها حماس ما نقل إليها من إملاءات إسرائيلية.
3 هناك أسطورتان راجتا أثناء الحرب وبعدها هما: أن المعركة استهدفت التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة، وتلك شائعة إسرائيلية أرادات بها إسرائيل أن تحقق ثلاثة أهداف،
الأول: تشويه صورة المقاومة الفلسطينية وتصويرها بحسبانها أداة في يد إيران.
والثاني: استنفار العالم العربي الذي تتوجس بعض أنظمته من إيران، ومن ثم الإيحاء بأن العدو الحقيقي للعرب هو إيران وليست إسرائيل، وهو ما قالته صراحة وزيرة الخارجية تسيبي ليفنى.
الثالث: تصفية الحسابات الإسرائيلية إزاء إيران التي تعتبرها الدولة العبرية أكبر تحد لها، خصوصا في ظل استمرارها في مشروعها النووي.
المفارقة أن التلويح بأكذوبة التدخل الأجنبي الإيراني تتم في الوقت الذي تمسك فيه الولايات المتحدة الأمريكية بكامل الملف الفلسطيني وهو ما اعترف به رسميا في مؤتمر أنابوليس، ثم إن هذه المقولة لا تفرق بين الحليف والعميل، والذين يرددونها لا يعرفون أو يتجاهلون أن حماس رفضت الاشتراك في مؤتمر الفصائل الذي دعت إليه طهران أثناء انعقاد المؤتمر أنابوليس، مما عكر صفو العلاقات بين الطرفين لبعض الوقت، كما أنها رفضت الملاحظات الإيرانية على اتفاق التهدئة الذي تم في شهر يونيو الماضي، وهى الملاحظات التي حملها مبعوث إيراني وصل إلى دمشق على طائرة خاصة آنذاك، وقيل له صراحة إن حماس حريصة على استمرار تحالفها مع إيران، لكنها أشد حرصا على استقلال قرارها، وهناك حالات أخرى مماثلة لا يتسع المجال لذكرها الآن، لكن الغريب أن الذين يتخوفون من مساندة إيران للمقاومة لا يبدون أي تحفظ على تحالف الأمريكيين والإسرائيليين مع الطرف المقابل.
الأكذوبة الثانية: تتمثل في الاعتقاد السائد في بعض الأوساط السياسية العربية بأن التحالف الحاكم في إسرائيل الآن «ليفنى باراك أو كاديما والعمل» هو أفضل للعرب من الليكود الذي يقوده بنيامين نتنياهو، ولهذا فإن هناك حرصا شديدا وتحركات مشهودة من جانب تلك الأوساط السياسية العربية لإنجاح التحالف القائم، وترجيح كفته في مواجهة الثاني وهو ما تمثل في الضغوط العربية المتسارعة سواء لإعلان التهدئة أو البيان الذي أصدره في أبوظبى ممثلو دول «الاعتدال» العربي وتبنوا فيه النقاط التي تعذر تمريرها في مؤتمر قمة الكويت، خصوصا ما تعلق منها بالتمسك بالمبادرة العربية، وبصرف النظر عن جدوى تأثير هذه المحاولات على الناخب الإسرائيلى، فإن الذين يتعلقون بوهم المراهنة على تحالف يسار الوسط الحاكم هناك، ينسون أن كل الحروب التي شنتها إسرائيل ضد العرب قادها ذلك التحالف الخبيث، باستثناء ما جرى في عام 1982 حينما قاد شارون الليكودى آنذاك حملة اجتياح بيروت.
4 ربما لاحظت أنني لم أتحدث عن دور «القمم» التي عقدت أثناء الحرب وبمناسبتها في قطر والكويت وشرم الشيخ والرياض، وحجتي في ذلك أنها لم تغير شيئا في السياسات، رغم أنها أسهمت في ترطيب الأجواء وأذابت الجليد بين الرؤساء المختلفين، بمعنى أنها كرست الانقسام العربي، وبالتالي فإنها عمقت من الانقسام الفلسطيني وسمحت باستمراره. ولم يحن الوقت بعد للخوض في تفاصيل ما جرى في اجتماعات تلك القمم وكواليسها.
ما يهمنا في المسلسل الذي نحن بصدده أن الأهداف التي لم تحققها إسرائيل بالحرب، تحاول الآن بلوغها عن طريق الضغط والإملاءات السياسية، حيث يظل إخضاع حماس وإلغاء نتائج انتخابات عام 2006 هدفا لا تريد إسرائيل ومن لف لفها التراجع عنه، بالتالي فالمعروض الآن تحديدا هو العودة إلى الوضع الذي ساد قبل 27 ديسمبر، الذي يستدعى التهدئة التي تكبل المقاومة وتطلق يد إسرائيل مع الإبقاء على صورة محسنة للحصار، وتعليق كل شيء بعد ذلك، خصوصا الإعمار ورفع الأنقاض وإخراج ما تحتها من جثث، حتى توافق حماس على الخضوع وتقبل بكل ما رفضته في السابق، رغم كل ما سال من دماء وأبيد من بشر ودمر من عمران.
ولأن هذا الكلام كتب قبل أن تتلقى القاهرة رد حماس على ما هو معروض عليها، وأيضا قبل أن تجرى الانتخابات الإسرائيلية، فإن الحديث عن سيناريو المستقبل يصبح مبكرا، ويغدو الترقب والانتظار فضيلة مستحبة.
ميلاد صحيفة جديدة خبر مهم لا ريب، لكن الأهم منه أن تستمر الصحيفة في الحياة وأن تصل إلى قلوب القراء وتأخذ مكانها في وجدانهم. وأحسب أن «الرؤية» حققت هذا الانجاز بشقيه في عامها الأول. فقد ولدت ورسخت قدمها ليس في الكويت فحسب، وإنما في منطقة الخليج أيضا. والأصداء التي أتلقاها من قراء أعزاء في منطقة الخليج تشهد بذلك لا ريب. وحين تحقق الصحيفة هذا الانجاز ، فليس يكفي أن تؤدي خدمة صحفية ومعرفية جديدة، وإنما لا مفر من الاعتراف بأن المناخ السائد في الكويت يشكل بيئة صحيحة تسمح للصحيفة الجادة بالنمو والانتشار. أدري أن «السوق» تعج بالاصدارات الصحافية في الكويت، وهي علامات صحة وعافية، للبلد بنظامه وشعبه، وهذا «الزحام» يتيح للقارئ فرصة التنوع والاختيار، بالتالي فإنه يصبح المستقبل والرقيب في ذات الوقت. إذ هو الذي يقرر في نهاية المطاف ما إذا كانت الصحيفة جديرة بالاستمرار أم انه يحكم عليها بالاختفاء. ومن الواضح أن «الرؤية» نجحت في الاختبار، ولذلك فهي تستحق التحية للعاملين فيها، ولقرائها ايضا.
لم أكترث كثيرا بالمعلومات التي أوردتها إحدى الصحف الأميركية عن 500 وعد أطلقها الرئيس أوباما أثناء حملته الانتخابية، لكنني قرأت التقرير من باب الفضول فقط. إذ ذكرت صحيفة «سانت بطرسبورج تايمز»، الصادرة في ولاية فلوريدا أنها وضعت موقع «أوباما متر» تحت تصرف مستخدمي الإنترنت، للتحقق من وفائه بوعوده، خاصة أنه كرر أكثر من مرة تمسكه بالشفافية وحرصه على أن يكون الشعب الأميركى على بينة مما يفعل، وأظهر الموقع أن الرئيس أوباما خلال الأيام الأربعة الأولى من ولايته نفذ بالفعل سبعة وعود، كان منها تعيين جمهوري واحد على الأقل في إدارته التي يهيمن عليها الديموقراطيون، ومنع موظفي الإدارة من تلقي أي هدايا من مجموعات الضغط، درءا للشبهات. وهناك 14 وعدا آخر يُجرى تنفيذها، تراوحت بين إغلاق معتقل جوانتانامو، وشراء كلب لابنتيه ماليا وساشا، أما الـ 488 وعدا الأخرى فهي لم تُعالج، ولايزال هناك متسع من الوقت للتحقق من مدى وفائه بها.