أصبحت المذبحة الإسرائيلية في غزة
عنواناً مهماً في الحياة اليومية بقطر، وتحوّلت مساندة الشعب الفلسطيني في القطاع
الى واجب وطني تتنافس مختلف الفئات على أدائه والنهوض به على نحو يثير الإعجاب
والدهشة، كانت تلك خلاصة انطباع خرجت به من زيارة لمدة 48 ساعة إلى «الدوحة» كنت
مدعوا خلالها من قبل نادي الجسرة الثقافي لإلقاء محاضرة عن «حماس والسلطة والمجتمع
الدولي»، وحين وصلت وجدت في الصحف القطرية حملة من الإعلانات عن محاضرات اخرى
تالية لبعض الخبراء والعلماء، وعلمت أن أمسيات ثقافية أقيمت لهذا الغرض اسهم فيها
شعراء من بعض الأقطار العربية، كما أن الصحف حفلت بالكتابات والقصائد التي تمجد
نضال الشعب الفلسطيني وتدعو الى مساندته وإغاثته. وقرأت أخباراً عن فعاليات نظمتها
الوزارات المختلفة للهدف ذاته، الثقافة والفنون الاجتماعية والأوقاف، والتعليم..
إلخ. ونشرت بعض الشركات إعلانات عن إقامة مزادات علنية للتضامن مع القضية
الفلسطينية، عرضت فيه سيارات ومجوهرات وحلي وأي سلع أخرى يمكن أن يتنافس الناس على
شرائها.
أثار انتباهي في هذا السياق أن
اليوم الذي وصلت فيه، شهد إطلاق قناة تلفزيونية فضائية لطلاب قطر باسم «الفاخورة»،
وهو اسم المدرسة التابعة لوكالة غوث اللاجئين التي تعمدت الطائرات الاسرائيلية
تدميرها بعدما لجأ إليها بعض الفلسطينيين للاحتماء بها من نيران القصف، وفي الوقت
ذاته تم اطلاق موقع الفاخورة الالكتروني لجمع التبرعات والتوعية بحقائق الجريمة
الإسرائيلية. وفي تقديم قناة «الفاخورة» ذكرت الصحف انها ستباشر ارسالها لمدة
اسبوع لفضح العدوان على غزة وإدارة حوار مع المثقفين والطلاب حول أهدافه ومراميه.
وقد رعت هذه الحملة الشيخة موزة
ليس فقط باعتبارها قرينة أمير قطر، ولكن ايضاً باعتبارها مبعوثة لليونسكو للتعليم
الأساسي والعالي.
هذه الفعاليات من تداعيات الموقف
المتضامن والمساند الذي تبنته قطر منذ بدء العدوان وعبرت عنه دعوة أمير قطر الى
عقد مؤتمر طارئ للقمة العربية، التي يعرف الجميع قصتها وما آلت إليه، في ذلك
الموقف المبكر أرسلت ثلاث طائرات قطرية الى العريش محملة بالأدوية والأغذية لكن
السلطات المصرية سمحت بإدخال الأدوية فقط.. وعادت الطائرات المحملتان بالأغذية الى
الدوحة مرة أخرى، لكن الهلال الأحمر القطري والجمعيات الأهلية لم تتوقف عن مساندة
المحاضرين بمختلف السبل، فاضافة إلى مواصلة إرسال المواد الإغاثية فإنه تم اثناء
العدوان إقامة مخبز كان يعمل 24 ساعة لتقديم الخبز لمن يريد،
وحين قيل إن معبر رفح مخصص
للأفراد فقط ولا تتوافر له التجهيزات التي تمكنه من إدخال البضائع، فإن إحدى
الجمعيات الأهلية قدمت عرضاً للسلطات المصرية أبدت فيه استعدادها للتكفل بإعادة
بناء المعبر وتجهيزه، بحيث يفي بتلبية احتياجات القطاع المختلفة، لكنها لم تتلق
رداً من القاهرة.
خلال اليومين اللذين قضيتهما في
الدوحة كانت غزة هي القاسم المشترك الأعظم في كل مجلس شهدته أو حوار شاركت فيه،
حتى بدا كأن السؤال المحوري الذي شغل الجميع هو كيفية تقديم الدعم والمساندة الى
أهالي القطاع.
قصدت الطائرة المصرية العائدة الى
القاهرة، وأنا معبأ بهذه الانطباعات وعبارات تمجيد المقاومة وعناوين الدعوة الى
مساندتها وإغاثة الفلسطينيين تتراءى أمام عيني، وحين طالعت الصحف القومية المصرية
الصادرة في ذلك اليوم (الثلاثاء 27 /1) كانت عناوينها كالتالي: نواب الأغلبية
والمعارضة والمستقلون يؤيدون جهود مبارك تجاه أزمة غزة - دروس الأزمة وعبقرية
الدور (الأهرام)، نواب الشعب يؤكدون تأييدهم لمواقف وسياسات الرئيس مبارك - سرور:
مصر قادت المجتمع الدولي لوقف العدوان على غزة بينما اكتفى الآخرون بالنقد
(الأخبار)، الرئيس مبارك أنقذ الأمة بحكمته وخبرته السياسية - مصر تمسكت بالموقف
القوي والصحيح والآخرون اكتفوا بالإثارة والشائعات (الجمهورية). كانت المفارقة
شديدة لأنني وجدتهم هناك يتنافسون في مساندة الشعب الفلسطيني بينما هم هنا
يتنافسون على شيء آخر.
يتحمل
د.فتحي سرور المسؤولية عن تذكيرنا بكرامة مجلسالشعب، حين ألقى علينا قبل حين درسا بخصوصها،
أبزرته بحفاوة واعتزاز مختلفوسائل الإعلام المصرية المرئية والمسموعة والمكتوبة.
ذلك
أن الرجل انفعل حين تكرر رفع الحذاء في قاعة المجلس، من جانب اثنينمن الأعضاء المحتجين والغاضبين
عندما جاء ذكر إسرائيل على لسانيهما، حتىتذكر كل منهما حذاءه. وليس لديّ أي اعتراض أو
تحفظ على ما قاله د.سرور فيتعقيبه على ذلك، بل أؤيد دعوته جميع الأعضاء إلى ضرورة الالتزام فيمداخلاتهم بالسلوك الذي يحفظ
للمجلس هيبته وكرامته.
ولو
أنه قال هذا الكلام من دون أن يشير إلى كرامة المجلس وهيبته لماكان لي أن أراجعه فيما قال، لكن
أما وقد تطرق إلى هذه النقطة وتحدث عنهابانفعال وحماس كما شاهدناه على شاشة
التلفزيون، فإنه أيقظ عندي عددا منالأسئلة «النائمة» التي اختزنتها بعدما لاحظت من شواهد عدة.
إن
ملف كرامةالمجلس وهيبته رحلا إلى أجل غير معلوم، وإن د.سرور مشغول عنه بأولوياتأخرى، لكنني بعد الذي سمعته على
لسانه اكتشفت أنه لايزال يذكر الموضوع،وأدركت أنني ظلمت الرجل وأسأت تقدير موقفه،
وهو ما شجعني على ان استعيدبعضاً من الأسئلة التي حيرتني حينها، وأخذت وقتا طويلاً..
من
هذه الأسئلةما يلي:
- ما رأي د.سرور في ظاهرة استهانة
الوزراء بالمجلس وتكرار عدم اكتراثهمبحضور الجلسات التي تُناقش فيها أمور تهم
وزاراتهم، والاكتفاء بإرسالمندوبين عنهم للقيام بالواجب، بالمخالفة للائحة المجلس، علما بأن وزيرالداخلية لم يدخل قاعة المجلس منذ
أربع سنوات، رغم تعدد طلبات الإحاطةوالأسئلة التي وجهت إلى وزارته؟
- حين انتهى المجلس من مناقشة قانون
حماية المنافسة ومنع الاحتكاروإقراره بصورة نهائية جاء السيد أحمد عز وطلب تعديل إحدى المواد،
وبقدرةقادر استطاع
أن يمرر التعديل على مختلف اللجان المختصة، بحيث تمتالاستجابة لرغبته خلال الأربع والعشرين ساعة
التي أعقبت إقرار المشروع، هليمس ذلك كرامة المجلس أم لا؟
- بالمناسبة، هل يليق أن يستدعي
السيد أحمد عز بعضا من موظفي شركاتهلكي يراقبوا مدى التزام ممثلي الحزب الوطني
بتنفيذ تعليمات الحضور فيالجلسات المهمة، عن طريق الوقوف على الأبواب وأخذ بطاقاتهم لتصويرها،
ومنثم تحديد المتغيبين
ومحاسبتهم؟
- وهل مما يليق بكرامة المجلس أن
يجلس ضباط أمن الدولة في الشرفاتلتدوين ما دار فيها طوال الوقت، وأن يتولى مندوبو أمن الدولة المرور
علىاللجان
المختلفة لأخذ صور من قراراتها وإرسالها أولا فأولا إلى الداخلية،وهم المندوبون الذين ينسخون جميع الأسئلة
وطلبات الاحاطة، ويرسلونها إلىالداخلية أيضا؟
- وهل يصح أن تصادر الهواتف
المحمولة من أعضاء المجلس، وأن يتم تفتيشهمذاتياً، وأن يمر كل واحد منهم من خلال ثلاث
بوابات إلكترونية، حين يدخلونإلى المجلس، الذي هو بيتهم، في المناسبات السياسية المهمة التي تحضرهاالقيادة السياسية.
- وأليس مما ينال من كرامة المجلس
وهيبته أن يعتدي رجال أمن الدولةبالضرب ويقوموا بسحل أحد أعضائه، أثناء مرافقته أحد المرشحين
لانتخاباتمجلس الشورى، دائرة السنطة (محافظة الغربية)؟.
- هل يعتبر تجاهل توصيات اللجنة
البرلمانية لتقصي حقائق كارثة العبارة،التي قتل فيها أكثر من ألف مصري، مما يليق
بكرامة المجلس وهيبته؟
- هل يليق بكرامة المجلس أن يمرر
تعديلات دستورية تفصل شروط الترشيحلانتخابات الرئاسة على قياس بذاته، وأخرى توسع من صلاحيات أجهزة الأمن
فيالاعتقال
والتفتيش والتنصت، وتقلص من دور القضاء العادي، في حين توسع مننطاق القضاء العسكري الاستثنائي؟
- كيف قبلت رئاسة المجلس أن توزع
الحكومة على نواب الحزب الوطني بالذات «هبات» مالية، وصفت بأنها «رشاوى»، في حين أن
ذلك مما يؤثر على نزاهةالأعضاء الذين يفترض فيهم مراقبة أعمال الحكومة؟
أشهد أن أهل غزة يستحقون منا
الحفاوة والإكبار، بأكثر مما يستحقون من الرثاء أو الإعذار
(1) أدريأننا مسكونون هذه الأيام بمشاعر
اللوعة والحزن، جراء ما شاهدناه على شاشاتالتلفزيون من صور سجلت بشاعة البربرية
الإسرائيلية التي فتكت بالبشر،وحولت القطاع إلى خرائب وأنقاض. كأن ما جرى لم يكن اجتياحاً عسكرياً،وإنما كان حملة انتقام وترويع
استهدفت تدمير القطاع، وذبح أهله والتمثيلبهم، حتى يكونوا أمثولة وعبرة لغيرهم ممن
يتحدون العجرفة والاستعلاءالإسرائيليين. أدرى أيضا أن الجرح أكبر من أن يلتئم لأجيال مقبلة. وأنشعورنا بالخزي والعار لا يمكن
إنكاره، سواء لأننا لم نستطع إغاثةالفلسطينيين وهم يذبحون، فى حين وقفت أنظمتنا متفرجة عليهم، أو لأن
بعضناكان عليهم
وليس معهم أو لهم.
ذلك كله صحيح
لا ريب. لكن من الصحيحأيضاً أن دماء فلسطينيي غزة التي نزفت وأشلاءهم التي تناثرت وصرخاتأطفالهم التي ألهبت ضمائرنا
ومازالت أصداؤها تجلجل في أعماقنا، هذه كلهاإذا كانت قد سجلت أسطر المأساة، إلا أن وقفة
الشعب، وصموده الرائعومقاومته الباسلة، هذه أيضاً سجلت صفحات مضيئة في تاريخ أمتنا لا
ينبغي أننبخسها حقها. يكفي أن شعب الجبارين هذا رغم كل ما تعرض له من حمم
أمطرتهبها آلة
الحرب الإسرائيلية بكل جبروت وقسوة، ظل رافضاً للركوع والتسليم،وها هو سيل الشهادات التي سمعناها
بعد وقف المذبحة على ألسنة الأطفالوالنساء والشيوخ، كلها تجمع على أن طائر الفينيق الذي تحدثت عنه
الأسطورة،ذلك الذي يخرج حياً من تحت الرماد، ثبتت رؤيته في غزة.
لأنهم لميركعوا ولم يرفعوا رايات التسليم
فإنهم نجحوا وأفشلوا خطة عدوهم. صحيح أنهذا كلام لا يروق لبعض الساسة والمثقفين من
بني جلدتنا ممن يرون أن شرفالأمة لا يستحق أن يموت المرء من أجل الدفاع عنه، إلا أن المعلومة تظلصحيحة، أعجبت أصحابنا هؤلاء أم لم
تعجبهم. تشهد بذلك كتابات أغلب المعلقينالإسرائيليين، التي سجلها تقرير نشرته صحيفة
" الشرق الأوسط" في 19/1،تضمن خلاصة لتلك الكتابات. منها مثلاً أن رون
بن بشاي المعلق العسكريلصحيفة يديعوت أحرونوت، ذكر في النسخة العبرية للصحيفة في (18/1)، أنإسرائيل فشلت بشكل واضح في تحقيق
الهدف الرئيسي المعلن للحرب، المتمثل فيتغيير البيئة الأمنية في جنوب إسرائيل. وهو
ما لم يتحقق حين تبين أن حركةحماس مستمرة في إطلاق صواريخها. وهو نفس المعنى الذي أكده المعلق
السياسيألوف بن، وكرره جاكي كوخي معلق الشئون العربية في صحيفة
"معاريف" الذي قالأن إسرائيل فشلت في توفير صورة النصر في معركة غزة، وأن ما تبقى من
هذهالحرب هو صور
الأطفال والنساء والقتلى. التي أوصلت إلى عشرات الملايين فيالعالم رسالة أكدت تدني الحس لدى
الجيش الإسرائيلي.
منها أيضاً ما قالهيوسي ساريد الرئيس السابق لحركة
ميرتس في مقال نشرته صحيفة "ها آرتس" أنعملية القتل البشعة التي أنهت بها إسرائيل
مهمتها في غزة تدل على أنهاهزمت في هذه المعركة ولم تنتصر. أما المعلق عوفر شيلح فقد ذكر أن
القيادةالإسرائيلية حين قررت تدمير غزة فإنها تأثرت فى ذلك بالنهج الذي اتبعهرئيس الوزراء الروسى فلاديمير
بوتين مع شيشينا وجورجيا، ثم أضاف: ”إذا كنانريد أن نظهر كمنتصرين باستخدام هذا النهج،
فويل لنا.“
(2)
صحيحأن المقاومة لم تستطع أن تفعل شيئاً يذكر
أمام الغارات التي أطلقت فيهاإسرائيل أقوى طائراتها النفاثة لأسباب مفهومة، إلا أن معركتها
الحقيقيةكانت على الأرض، حيث فاجأت المقاومة خلالها إسرائيل بما لم تتوقعه. لمتهزم المقاومة القوات
الإسرائيلية، لكن كل الشواهد دلت على أنها صمدت أمامتلك القوات، ووجهت إليها ضربات موجعة، أسهمت
في إفشال مهمتها. ولا تنس أنيوفال ديكسين رئيس المخابرات الداخلية الإسرائيلية كان قد توقع أن
يسقطالقطاع خلال
36 ساعة، ولكن بسالة المقاومة أطالت من أجل الحرب، حتى اضطرتإسرائيل إلى وقف إطلاق النار من
جانبها في اليوم الثاني والعشرين.
ليلةالاثنين 12-1، والاجتياح في
أسبوعه الثاني، فوجئ الجنرال يو آف بيليد قائدلواء الصفوة (جولاني) والعشرات من جنوده بأن
النيران فتحت عليهم عندماكانوا يقومون بتمشيط المنطقة الريفية التي تقع شرق مخيم
"جباليا" للاجئينشمال قطاع غزة. فما كان منه إلا أن اندفع مع جنوده للاحتماء ببيت أحدالفلسطينيين في المنطقة، كان قد
تم إخلاؤه من سكانه. لكن ما إن تجمعالجنود والضباط في قلب المنزل، حتى دوى
انفجار كبير انهار على أثرهالمنزل؛ فقتل ثلاثة جنود وجرح 24 منهم بيليد نفسه، وعرف أن ستة من
الجرحىفي حالة
ميئوس منها. وكانت تلك إحدى صور الاستدراج التي لجأت إليهاالمقاومة. ذلك أن إطلاق النار
أريد به دفع الجنود للاحتماء بالمنزل الذيتم تفخيخه بالمتفجرات في وقت سابق.
موقع صحيفة
يديعوت أحرونوت علىالإنترنت تحدث باقتضاب عن قصة ضابط آخر هو الرائد ميكي شربيط، الذي
يرقدفي أحد
المستشفيات للعلاج من إصابته في اشتباك مع رجال المقاومةالفلسطينية في شمال القطاع. هذا الضابط الذي
خدم كقائد سرية بسلاحالمدرعات في حرب لبنان الثانية، استهجن تجاهل الإعلام الإسرائيلي
الإشارةإلى شراسة المقاومة التي واجهتها القوات الإسرائيلية. وفي الحديث الذيأدلى به إلى النسخة العبرية لموقع
الصحيفة وصف الحرب الدائرة وقتذاك بأنها " حرب أشباح لا نرى فيها مقاتلين بالعين
المجردة، لكنهم سرعان ما يندفعونصوبنا من باطن الأرض. لقد كنا نتحرك في الشوارع ونحن ندرك أن أسفل منامدينة خفية تعج بالشياطين".
فوجئ
الإسرائيليون بكل ذلك. واعترف رونيدانئيل المعلق العسكري لقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية بأن قوات
الجيشالزاحفة
واجهت مقاتلين أشداء، وقال على الهواء أن الإبداع العسكري الذييواجه به نشطاء حماس الجيش
الإسرائيلي فاجأ قادته بشكل صاعق. ونوّه إلىأنه محظور عليه التحدث عن المفاجآت التي تعرض
لها الجنود الإسرائيليون فيغزة، التي تفسر عدم قدرة هؤلاء الجنود على التقدم في كل القطاعات رغم
مضي
19 يوماً على
الحملة، ورغم إلقاء الطائرات الإسرائيلية مئات الأطنان منالقنابل الفتاكة لتقليص قدرة
المقاتلين الفلسطينيين على المقاومة. فيهذا السياق نقل إليكس فيشمان
المعلق العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت عن عددمن الجنود في ساحة المعركة أن الهاجس الذي
سيطر عليهم طول الوقت هو الخوفمن الوقوع في الأسر. وأشار هؤلاء إلى أن مقاتلي حماس أعدوا شبكة منالأنفاق للمساعدة في محاولات أسر
الجنود.
(3)
هؤلاء
المقاومونالبواسل لم يهبطوا على غزة من السماء، ولكنهم أحفاد وأبناء شعب
الجبارين،الذي لايزال منذ مائة عام متشبثاً بأرضه التي رواها بدمه. لقد راقبت
أبناءغزة الذين
ظهروا على شاشات التلفزيون طوال المذبحة وبعدها، فلم أسمعواحداً منهم أعلن تمرده أو سخطه
على الأوضاع في القطاع. كانوا جميعاً ودوناستثناء أكثر نضجاً ونزاهة من كل الأصوات
التي حاولت تمييع الموقف وإلقاءتبعة ما جرى على وقف التهدئة تارة أو على حكومة القطاع تارة أخرى. لم
يرواإلا عدواً
واحداً ومجرماً واحداً هو إسرائيل. وانعقد إجماعهم على أن حماسليست الهدف، وإنما رأس المقاومة
هو المطلوب وتركيع الفلسطينيين هو الهدف.
رغمالجحيم الذي عاشوا في ظله والمآسي
التي لحقت بهم، فإنهم لم يفقدوا صبرهمالأسطوري. وكشفت محنتهم عن معدنهم الحقيقي،
بالتحامهم وتكافلهم وإصرارهمعلى الاستمرار والثبات على الأرض. القصص التي تروى عن المدى الذي بلغهالالتحام والتكافل لا تكاد تصدق،
وكلها تثير الدهشة والإعجاب، يتحدثالقادمون عن الموسرين الذين كانوا يشترون شاحنات الخضار وأكياس الدقيقويوزعونها على المعوزين. يتحدثون
أيضاً عن البيوت التي فتحت لمن دمرتمساكنهم، وعن الثياب والبطانيات التي جمعت
لتوزع على الذين لاذوا بالخياماحتماء من البرد. وعن السيدات اللاتي أصبحن يخبزن يومياً مئات الأرغفةلجيرانهن، وأخريات كن يتناوبن طبخ
العدس والبقول ويبعثن بالوجبات الساخنةإلى أماكن تجمعات الفارين من الجحيم. يتحدثون
أيضاً عن الكيروسين الذيكانوا يتقاسمونه فيما بينهم يوماً بيوم، لإشعال المصابيح والمواقدالبدائية التي أصبحت تهرب من مصر،
بعدما اختفت هناك منذ عقود.. إلخ.
الذيلا يقل إدهاشا عن ذلك هو حالة
الانضباط الشديد التي مر بها القطاع، فقدكانت أجهزة السلطة تتولى طول الوقت الإشراف
على توزيع الخبز والبطانياتوالكيروسين. ورغم أن الدوائر كانت معطلة، إلا أن رواتب الموظفين كانت
تصلإليهم في
بيوتهم. ورغم أن القصف المكثف كان يمكن أن يدفع ألوف البشر إلىالاتجاه صوب الحدود المصرية
ومحاولة عبورها هرباً من الموت، إلا أن ذلك لميحدث، ووقفت شرطة القطاع تحرس الحدود
وتؤمنها. وفور إعلان وقف إطلاقالنار، سجلت الفضائيات كيف تحركت الأجهزة لضبط المرور وإزالة ركام
الأبنيةالمدمرة، والتخلص من النفايات. وقبل هذا وبعده، رفع الأنقاض بحثاً عنالأحياء وانتشال بقايا الجثث. لقد
دبت الحياة في طائر الفينيق.
(4)
لقدكان المقاومون يعرفون جيداً أنهم
سيواجهون العدو في واحدة من معارك كسرالعظام، لذلك أطلقت كتائب عز الدين القسام
على المعركة اسم " الفرقان"،باعتبارها اشتباكاً مصيرياً يفرق
بين الحق والباطل. وحسب مصادر الحركة،فإن المقاومة لم تخسر أكثر من 10% من
مقاتليها، في حين أن قدرتهاالتسليحية مازالت جيدة، وبوسعها أن تواصل إطلاق صواريخها التي تكدر
حياةالعدو لشهر
آخر على الأقل. بل إنها لم تستخدم الطاقة القصوى لمدىالصواريخ، لأنها أرادت أن تحتفظ به للتوقيت
الذي تختاره. وأغلب الظن أنإسرائيل أدركت ذلك جيداً، وذلك هو التفسير الوحيد للوثة التي أصابتها
وهيتستنفر
أمريكا وأوروبا وبعض العرب لكي يهبوا جميعاً لأجل وقف تهريب السلاحإلى غزة.
غزة لم تهزم،
وما حدث في القطاع ليس مأساة ولكنه ملحمة. لكنالهزيمة الحقيقية والمأساة التي يندى لها
جبين الشرفاء، هي من نصيبالواقفين على الضفة الأخرى من المنسوبين إلى الأمة العربية، الذين
تقاعسواوولوا الأدبار حين جد الجد. وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم: يحلفون
باللهأنهم لمنكم،
وما هم منكم، ولكنهم قوم يفرقون.
شيء طيب أن يقبل نجوم المجتمع على
زيارة الجرحىالفلسطينيين، الذين استقبلتهم بعض
المستشفيات المصرية، وحتى إذا تأخرت هذه «المروءة» ثلاثة أو أربعة أسابيع،
فإنها تعد من قبيل المشاعر التي يقال فيحقها إنها إذا أتت متأخرة خير من
ألا تأتي أبداً.
ولأن المشاعر المصرية إزاء الشأن
الفلسطيني جرى تلويثها وتشويهها خلالالأشهر الماضية، فإن مظاهر
التضامن والتعاطف التي تبدت في الآونة الأخيرةتستحق التشجيع، حتى لو حرص نجوم
المجتمع المصري على أن يصطحبوا معهم أثناءزياراتهم مصوري الصحف وكاميرات
التلفزيون، وتعمدوا أن يتلفعوا بالكوفيةالفلسطينية.
لابد أن نقدر، أيضا، حالة التسامح
التي أبدتها مصر مع المواد الإغاثية،التي تبعث بها الجهات المختلفة،
أو تلك التي تأتي مع بعض الوفود الطبيةوالإعلامية، وهو التسامح الذي
تبرزه الصحف اليومية، بنشرها البيانات التيتوزع عليها في هذا الصدد، لكي
تثبت للقاصي والداني ان حكومة مصر لم تقصرفي حق فلسطينيي القطاع.
لن أتحدث الآن عن ظنون الشك
والاسترابية في تكثيف الأضواء على الجوانبالإنسانية والعمرانية، بما قد
يصرف الانتباه عن الاحتلال والتحرير وبقيةعناوين الحلم المؤجل، لأن لدي
ثلاث نقاط متواضعة وثيقة الصلة بمشهدالمروءة والشهامة، الذي نحن بصدده
هذه الأيام.
إن هناك تدقيقا مبالغا فيه في
السماح بدخول الجرحى والمصابين، ومنالواضح أن الهاجس الأمني كان ولايزال
سببا في حرمان كثيرين من تلقيالعلاج. ولا أتوقع أن تقوم مصر
بعلاج كل المصابين الذين يتجاوز عددهم خمسةآلاف شخص، لأن هناك دولا عربية
أخرى مستعدة لاستقبالهم. لكن في حين أنوزارات الصحة العربية أعلنت عن
استعدادها لاستيعاب ألفي مصاب، كما أناتحاد الأطباء العرب وفر أسِرة
لألف آخرين، فإن الذين دخلوا للعلاج في مصرفي حدود 400 مصاب فقط، الأمر الذي
يعني أن هناك قدرة على استيعاب 2600مريض آخرين، أسِرتهم متوافرة،
وعلاجهم ممكن، لكن التقصيرات البيروقراطيةوالحسابات الأمنية تحول دون
استقبالهم.
النقطة الثانية أن بعض المصابين
الذين يعالجون في مصر يشكون منالبيروقراطية الأمنية، ذلك أنه
جرى تسكينهم في مستشفيات لا تتوافر فيهاالأقسام المختصة بحالاتهم،
كالعيون والأعصاب مثلا، وحين يطلب الأطباءتحويلهم إلى مستشفيات أخرى تقدم
لهم مايحتاجونه من علاج فان الرد المعتاد الذي يسمعه المرضى أن ذلك أمر مرهون
بموافقةالأجهزة الأمنية، التي تحتفظ
بجوازات سفرهم، ولأن تلك الأجهزة لا وجود لهافي المستشفيات، ولا سبيل إلى
مراجعتها، فتكون النتيجة أن يبقى المرضى فيأماكنهم دون علاج، بما يؤدي إلى
تدهور حالاتهم.
النقطة الثالثة هي أنه من غير
المفهوم أن تحرص وسائل إعلامنا على إبرازالدور المصري في مجال إغاثة
الجرحى الفلسطينيين، في حين يلقى القبض علىمدير الإغاثة في اتحاد الأطباء
العرب،
د.جمال عبدالسلام، ويجدد حبسه منذخمسين يوما تقريباً، بعد أن لفقت
له قضية، اتهم فيها بمساعدة حركة «حماس»،وجريمته ومشكلته أنه، كمسؤول عن
الإغاثة، كان يقوم بمهام وظيفته في توفيراحتياجات مستشفيات القطاع، قبل ان
تتغير الأجواء، ويحل موسم الإغاثة بعدالمذبحة ووقف إطلاق النار. لقد
قلت أكثر من مرة، إننا في حاجة إلى ترشيدإخراج أفلامنا السياسية، وقصة
اعتقال د.جمال عبدالسلام تقدم دليلا جديدايؤكد تلك الحاجة، لأن أحدا لن
يصدق فيلم المروءة والإغاثة المعروض حالياً،في حين يلقى القبض على مدير
الإغاثة، ويلقى في السجن.
حين كانت الطائرات الإسرائيلية
تلقي أطنان قنابلهاالمسرطنة على قطاع غزة وتوزع الموت على ساعات النهار والليل، نشرت
مجلة
«نيوزويك»
صورة على صفحتين كاملتين لجثة طفل فلسطيني من ضحايا الاجتياح،وبعد ذلك مباشرة صورة على صفحتين
أيضاً لتابوت ملفوف بالعلم الإسرائيليلأحد المستوطنين من ضحايا صواريخ المقاومة
الفلسطينية. وهذا الأسلوب فيالنشر ليس بريئاً بطبيعة الحال، ولكنه محمل برسالة تقول إن
الإسرائيليينيقتلون الفلسطينيين حقاً، ولكن الآخرين بدورهم يقتلون الاسرائيليين،
بمايعني أنه إذا
كان الفلسطينيون يُقتلون فالاسرائيليون معذورون، ولكي يحققالنشر هدفه كان طبيعياً أن يتجاهل
كاتب التقرير أي إشارة الى الاحتلالوالحصار وإصرار الإسرائيليين على خنق القطاع
وتدمير الحياة فيه، الأمرالذي استدعى المقاومة الفلسطينية أن تبعث برسائل الاحتجاج والغضب، وأنتتصدى بكل ما تملك من قوة لمساعي
الخنق والتدمير.
تغييب الحقائق وتزويرها هما
المحور الأساسي لما لا حصر له من التقاريروالتحليلات التي تحفل بها الصحف الغربية
الآن، والأميركية بوجه أخص. ومنيتابع هذه الكتابات يلاحظ أن اسرائيل تخوض الآن بعنف معركتها على
الساحةالإعلامية
لكي تغسل يديها من دماء الفلسطينيين وتبرئ ساحتها من الفظاعاتوالجرائم البشعة التي ارتكبتها
طوال أسابيع حربها على القطاع. سياسياًوقانونياً هم يرتبون انفسهم الآن، سواء بعقد
صفقات مع الحكومات الأوروبيةللحيلولة دون تقديم قادتهم للمحاكمة بتهم إبادة الجنس، واستخدام
الأسلحةالمحظورة أو بتزوير الأدلة التي يريدون بها إثبات ان قصف المدنيين كان
خطأناشئاً عن
وجودهم بين «المقاتلين»(!) أو أنه كان بسبب إطلاق صواريخ منمساكنهم، الى غير ذلك من
الادعاءات والذرائع التي تتخلل سيل الكتابات التيتُنشر هذه الأيام.
أغلب الظن أن اسرائيل ستنجح في أن
تكسب تأييد الحكومات.. وربما القضاءايضاً إلى جانبها، لكن كسبها للرأي العام
الغربي غير مضمون خصوصاً أن بعضالمنابر الإعلامية في أوروبا بدأت تنشر صور الفظائع التي حدثت وتنقلتفاصيل الجرائم التي ارتكبت، وقد
تحدث آخرون عن ضرورة الاهتمام في الوقتالراهن بتسجيل الوقائع وتوثيقها بالصور
والتقارير الطبية وشهادات من بقيعلى قيد الحياة، فهذه كلها أدلة ينبغي ان تتوافر، إن لم تنفع في أي
جهدقانوني أو
ادعائي في الوقت الحاضر فيمكن الاحتفاظ بها للمستقبل لإثباتبشاعة الجريمة الإسرائيلية، والتدليل
على مدى السقوط الأخلاقي ليس فقط منجانب الدولة العبرية ولكن ايضاً من جانب
«المتحضرين» الذين ساندوهاوتستروا على فعلتها.
أدري أن فرقاً طبية أوروبية ووفوداً صحافية وصلت
الىالقطاع، ولست
أشك في أن هؤلاء سينقلون الى الرأي العام الغربي انطباعهمعما شاهدوه بصورة أو أخرى، لكن
لدي اقتراحاً محدداً في هذا الصدد يتلخص فينقل نماذج من ضحايا المحرقة للعلاج في إحدى
الدول الأوروبية لكي يرىالعالم الغربي ما فعلته البربرية الإسرائيلية بهم، ولست أشك في أن بعضالدول العربية على استعداد لتوفير
طائرة خاصة لنقل وعلاج ما بين 20 و 30شخصا، إلى جنيف أو باريس أو لندن أو أي عاصمة
أوروبية اخرى توافق علىاستقبالهم، ولكي تصل الرسالة بشكل واف يتعين أن يكون أولئك الضحايا منالذين شوهتهم الأسلحة المحرمة
دولياً، الذين فقئت أعينهم، وحرقت عظامهموسلخت جلودهم وبترت اطرافهم.. الخ، ذلك أن
وجود هذه الشهادات الحية في قلبأوروبا من شأنه ان يفضح الجريمة ويصدم الضمير الغربي بما ينبههم الى
ان مافعله
الاسرائيليون بالفلسطينيين، أفدح مما فعله النازيون باليهود.
أماالذي فعلته بعض الأنظمة العربية بالفلسطينيين
في هذه النكبة الجديدة فلهحساب آخر.
هزّت مذبحة غزة مشاعر مايكل هارت
عازف الجيتار ومغنيالبوب الشهير في الولايات المتحدة، فكتب ولحن اغنية عنوانها «لن
تركع»، فياول احتجاج علني لمطرب اميركي على الاجتياح الاسرائيلي للقطاع. وضع
مايكلهارت اغنيته
على موقعه الإلكتروني، وأعلن انه اعتذر عن عدم احياء اي حفلاتغنائية، تضامنا مع ضحايا القصف
الاسرائيلي الوحشي على غزة. وقال انهاستعاض مؤقتا عن عدم احياء الحفلات الغنائية،
بتقديم اغنيته مجانالجمهوره، داعيا الجميع الى التبرع الى أي منظمة انسانية يمكن ان تسهم
فيدعم صمود
ابناء القطاع، مثل وكالة غوث اللاجئين.
في أغنيته قال المطرب المعروف
بمواقفه الانسانية المناهضة للحروبوالعنف والتمييز، انه لم يحتمل مشاهد الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل
فيالقطاع،
فأقدم على كتابة كلمات الاغنية وتلحينها. وسكب فيها مشاعرهالداعية الى التضامن مع الضحايا
«الذين تتردد اصواتهم وآهاتهم وسط الركاموالدمار والدخان». وفي الوقت نفسه فإنه وجه
اشد عبارات التنديد بإبادة
«النساء
والاطفال» الذين يموتون ليلة بعد ليلة، والاحتجاج على القصفالهمجي للمدنيين العزل الذين «لا
يعرفون ان كانوا موتى ام احياء»، كذلكالتدمير الممنهج للمنازل والمساجد والمدارس.
واذ جاءنا صوت مايكل هارت من حيث
لا نحتسب، فإننا لم نستغرب حملةالاغاثة التي قادها في فرنسا. الممثل الكوميدي المغربي الفرنسي جمالالدبوز، الذي خصص موقعا إلكترونيا
للتعريف بحقائق المأساة الانسانية فيالقطاع. وجه من خلاله نداء للتضامن مع ضحايا
العدوان الاسرائيلي خصوصاالنساء والاطفال. كما اطلق هذه الدعوة اثناء مشاركته في برنامج خاصبتلفزيون «كانال بلوس» الفرنسي،
وقام بنفسه بجمع تبرعات رمزية من الحاضرينفي البرنامج، الذي قالت الصحف الفرنسية انه
لقي صدى كبيرا.
في العالم العربي كان التجاوب
الفني اكثر وضوحا في سورية ولبنان، علىشاشات التلفزيون على الاقل.. ففي دمشق قدم
مارسيل خليفة عملا موسيقياكبيرا تحت عنوان «صامدون»، أهداه الى «اهلنا في غزة». وكان وليد توفيق
اولالمطربين
اللبنانيين الذين عبروا عن تضامنهم من خلال اغنية «فكوا الحصار» وسارع عاصي الحلاني الى تقديم
أغنية بعنوان «غزة جريحة يا عرب». كذلكالامر بالنسبة للمطرب علاء زلزلي الذي غنى
«يا غزة». وقرأت ان جهاد عقل
(الفلسطيني
الذي نشأ في مخيمات لبنان) بدأ في التحضير لقطعة موسيقيةبعنوان «غزة»، لكن الفظائع التي تابعها
أصابته باكتئاب فتوقف لبعض الوقت،وان الفنانة أصالة سجلت اغنية عن القدس، وفي الاردن سجل طوني قطان
اغنيةبعنوان «راح
ترجع فلسطين».. الخ.
ما أثار انتباهي في هذا السياق انالتلفزيون المصري (الرائد!) ظل
غائبا طول الوقت، ولم اجد في بثه عطاء فنيايذكر يمكن ان يعبر عن التضامن مع ضحايا
الكارثة او الغضب ازاء العدوانالاسرائيلي والمذبحة التي شهدها القطاع. وشككت في ان يكون ذلك موقفامتعمدا وليس مجرد مصادفة. وجاء
قرار وزير الاعلام بمنع استخدام ستوديوقناة النيل لإطلاق حملة اتحاد المنتجين العرب
للتضامن مع غزة لكي يعزز ذلكالشك،
وحين رجعت الى أهل الذكر في هذا
الباب فإنهم أيدوا ما ذكرته من موقفالتلفزيون الذي هو صدى للموقف السياسي.
وقالوا ان ثمة جهودا فردية محدودةاسهم بها بعض الفنانين المصريين في التعبير عن انفعالهم بأحداث غزة،
منهااوبريت يعده
مدحت العدل، واغنية عن غزة أداها تامر حسني، وإسهام قدمه عليالحجار وشقيقه في حفل لنقابة
الصحافيين. ونشرت بعض الصحف كلاما على لسانمحمد منير قال فيه ان له اغاني أداها في
رحلته الفنية عبر فيها في وقتمبكر عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني.
ومما قاله اهل الذكر ايضا انالتلفزيون المصري مشغول الآن
بالاعداد للاحتفال بعيد الشرطة، وانه اتفق معالفنان محمد الحلو على ان يعد بهذه المناسبة
أوبريتا بعنوان «مصر أولا»..
لا تعليق!
هذه المبالغه من جانبنا فى تعليق
الامال على قدوم الرئيس الأمريكي الجديد (باراك أوباما) لا تفسير لها سوى أنها
تعبير عن اليأس والعجز .. من حق الأمريكيين أن يحتفوا به وان يروا فيه مخلِّصا من وطأة
السنوات العجاف التى خلَّفها له سلفه , لكنه بالنسبه لنا له فضيله واحده حتى الان
هى انه ليس جورج بوش .
ولعلى أذهب إلى أن أحد أسباب
الترحيب بالرئيس الأمريكي الجديد فى العالم العربي أن الناس فى بلادنا كرهوا السيد
بوش الى حد جعلهم مقتنعين بان أى شخص أخر يأتى الى البيت الابيض سيكون أفضل منه.
صحيح أن الرئيس اوباما بعث الينا
فى خطاب تنصيبه رساله اراحت كثيرين منا حين تذكر العالم الاسلامي وقال انه فى
تعامله معنا سوف يتبنى خطابا جديدا يرتكز على المصلحه المشتركه والاحترام المتبادل
وهو كلام طيب لا ريب لكنه يظل كلاما يُقدر ولا ينبغي ان نحكم عليه الا بعد أن
يُختبر .
لقد تلقيت اكثر من اتصال هاتفى من
بعض الزملاء الصحفيين فى اعقاب اذاعه كلمة الرئيس الامريكي وطلبوا منى تعقيبا حول
اشارته الايجابيه الى العالم الاسلامي.
ومن الاسئله التى سمعتها ادركت
اننا فهمنا الرساله خطأ وحملّناها بأكثر مما تحتمل .
وكان تحليلي أن اليأس والاحباط
تمكنا منا بحيث اصبحنا ننتظر مخلّصا من خارج بلادنا بعدما فقدنا الامل فى أن يأتى
الخلاص على يد أحد من القائمين على امرنا واضافه الى ان اوباما ليس بوش فانه عبّر
عن احترامه لنا , يبدو أنه لمس وترا حساسا ورفع من سقف توقعاتنا منه لاننا بالخبره
لاحظنا ان كلمة الاحترام لم تكن وارده في قاموس العلاقات العربيه الامريكيه.
فى كل حوار دار حول الموضوع كنت
اركز على النقاط التاليه:
§ان الولايات المتحده بلد كبير له مؤسساته
القويه ومراكز الضغط المتعدده وهى ليست مما تتغير سياسياته بسهوله اذا ما تغير
الرئيس.
§ان مشكلات الشرق الاوسط ليست من اولويات
الرئيس الجديد لكنه معنى اولا بالازمه الاقتصاديه فى بلاده وبانسحاب القوات
الامريكيه من العراق.
§ان الانحياز الى اسرائيل هو احد ثوابت
السياسه الامريكيه فى الاجل المنتظر على الاقل وهذا ما عبّر عنه صراحة بعض اعضاء
فريقه للسياسه الخارجيه الذين زاروا المنطقه قبل انتخابه ومما قالته السيده مادلين
اولبرايت –وزيرة الخارجيه الاسبق- التى كانت ضمن الفريق : انتظروا منه أى شيء الا
فى الموضوع الاسرائيلي , بالتالى فلا تتوقعوا منه تغييرا فى الموقف الاساسي
(النوع) ولكنه قد يغير من الاسلوب والدرجه فقط.
§فى هذه الحاله فان اوباما سيقترب من ملف
الشرق الاوسط بالقدر الذى تفرضه المصالح الاسرائيليه الامر الذى سيدفعه الى الاهتمام
بمعالجه الملف النووى الايرانى الذى هو مطلب اسرائيلي بالاساس.
§ان اى رئيس امريكي يظل فى ولايته الاولى
حريصا على كسب تأييد اسرائيل وانصارها الاقوياء فى الولايات المتحده لان عينه ستظل
مصوبه نحو امله فى الاستمرار للولايه الثانيه.
§ان اختياره لوزير الدفاع السابق جيتس لينضم
الى ادارته وللسيده هيلارى كلينتون للخارجيه يعنى انه سلّم الملفين الى شخصيتين
قويتين لكي يركز اهتمامه على الشان الداخلى . وهو ما يعنى انه لن يكون هناك تغيير
جوهري فى السياسه الدفاعيه وان موقفه بخصوص الشرق الأوسط سيكون امتدادا للسياسه
التى اتبعها الرئيس الاسبق كلينتون.
§ان كلامه الايجابي عن العالم الاسلامي لن
يعني سوى انه قد يغير من الوسائل لكن الاهداف والاستراتيجيه ستظل كما هى بغير
تغيير.
§ان العالم العربي يمكن ان يشهد وضعا افضل فى
حاله واحده هى ما اذا استخدم عناصر قوته فى الدفاع عن قضاياه ومصالحه العليا لكن
اغلب نظمه الان تفضل التجاوب مع السياسه الامريكيه على التجاوب مع اشواق شعوبها ,
ونموذج غزة ماثل تحت اعيننا فاذا كانت الدول العربيه المؤثره تنفذ بالضبط ما تريده
الولايات المتحده واسرائيل فكيف يمكن ان نطالب الرئيس الامريكي الجديد بتغيير سياسة
بلاده إزاءها؟!
لم آخذ على محمل الجد الأنباء
التي تحدثت عن مصالحةعربية في قمة الكويت، وإن تمنيت لهذه المصالحة أن تحدث بما يؤدي إلى «تطبيع» العلاقات بين الدول
العربية، وذلك أنني لم اتصور انه يمكن أن تكونالخلافات العربية عميقة حول ثلاثة ملفات على
الأقل هي: فلسطين ولبنانوايران، ثم تسوى تلك الخلافات على مائدة الغداء، بعدها يخرج القادةالمختلفون وقد صفت قلوبهم وأصبحوا
صفا واحداً،
وهو إن صح فإنه لا يفسر الابأحد احتمالات ثلاثه:
ان تكون الخلافات بين اولئك
القادة في أمور شكليةوتافهة، في حين أنهم متفقون حول «الموضوع».
أو أن يكونوا من اصحاب «الكرامات» التي يشاع انها تتوافر لأناس غير
عاديين يقومون بافعال ضدالعقل والمنطق تفوق قدرة العقل العادي على الاستيعاب.
أو أن يكون الذين دعوهم الى مأدبة
الغداء قد أضافوا مخدرا من أى نوع الى الطعام الذى أكلوه مما أدى الى تغييبهم عن
الوعى وتحويل اللقاء الى جلسة أنس وفرفشه جعلت القاده ينسون مابينهم ويخرجون
مبتهجين ومتعانقين.
ولأن شيئا من ذلك لم يحدث حتى
الآن على الأقل فإننا نستطيع ان نقولبثقة ان غاية ما حققته مأدبة الغداء انها
كسرت الجليد المتراكم بين القادةالمتخاصمين، بحيث سمحت لهم بأن يتبادلوا الأحاديث والابتسامات. وارجو
أنيكون ذلك قد
استصحب إعادة «الحرارة» إلى خطوط الهواتف المقطوعة على الأقلبين سورية وقطر من جانب ومصر
والسعودية من جانب آخر، وتلك خطوة طيبة لاريب، تستحق الحفاوة والتشجيع، لكننا لا ينبغي
ان نحملها بما لا تحتمل.
اذا استخدمنا مصطلحات المرحلة،
فإن ما جرى هو مجرد هدنة تم خلالها وقفالقتال (السياسي والإعلامي) وسحب القوات
(ميليشيات القصف الإعلامي)، ولكنالتصالح لم يتم بما يسمح «للمعابر» ان تعود إلى حالتها الطبيعية بينالجانبين، ذلك ان ما جرى كان
اتفاقا على تحسين الشكل والصورة دون المضمونوالمواقف الاساسية، وإلى أن يؤدي تحسين الشكل
أو ترميمه إلى الاتفاق حولالموضوع والمواقف الاساسية فينبغي أن نتعامل مع الانقسام باعتباره
مانعالايزال
مستمراً ولم يتعرض لأي تغيير جوهري، لماذا؟
أزعم أن الخلاف الحقيقي واقع في
النهج والرؤية السياسية، وأنه بات منالتناقض والعمق بحيث يتعذر الالتقاء عند نقطة
وسط إزاءه. إذا أخذنا الملفالفلسطيني مثلا، سنجد ان هناك فريقا ينحاز إلى المفاوضات والتسويةالسياسية وفريقا آخر يدرك ان
المفاوضات لن توصل إلى شيء ـ وهو ما ثبتعمليا ـ وأنه لا مفر من المقاومة باختلاف
اشكالها، والامتناع عن الانصياعللعدو هو الحد الادني لها.
هذان موقفان ليسا مختلفين فحسب
ولكنهمامتعاكسان ومتعارضان تماما، وإذا ذهبنا إلى ابعد في سبر اغوار ذلك
الخلافسنكتشف ان
الولايات المتحدة الأميركية تقف وراء دعاة التفاوض الرافضينللمقاومة وسنجد أن ايران تؤيد
معسكر المقاومة، وسنجد أن الأولين يتهمونالآخرين بأنهم ينفذون سياسات قوى اقليمية (هي
ايران)، في حين انهم انفسهميقفون على الأرضية الأميركية.
هذا التحليل إذا صح ـ واغلب الظن
انه صحيح ـ فهو يعني ان المصالحةالحقيقية يمكن أن تتم في حالة واحدة هي: ان يجري الحوار على أرضية
عربيةمستقلة
تستلهم ضمير الأمة وتعبر عن شرفها، ولا تستقوي بأي طرف خارجي،اقليميا كان أم دوليا، ولأن ذلك
مما لا يلوح في الأفق المنظور فأغلب الظنان المصالحة سواء الفلسطينية أو العربية لن
يقدر لها ان تتم، وان غاية مايمكن أن نطمح إليه في الوقت الراهن إقامة «تهدئة» أو «هدنة» بين
الجانبينيتوقف فيها القتال. وليتنا نتسامح مع بعض «الأنفاق» الواصلة بين
الطرفين،علها تساعد على تثبيت الهدنة وإطالة أمد التهدئة حتى يأذن ربك بفرج منعنده.
بعد رثاء القتيل ذهب وفد المعزين لتحية القاتل .. هذا بالضبط ما فعله رؤساء الدول والحكومات الغربيه الذين اشتركوا فى القمة الدوليه التى عقدت من أجل غزة فى شرم الشيخ يوم الأحد الماضى 17-1 اذ بعدما عقدوا لقاءهم هناك فانهم لبوا دعوة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت لزيارة اسرائيل حيث قضوا ليلتهم هناك وعقدوا مؤتمرا صحفيا عبروا فيه عن تفهمهم لموقف اسرائيل وحرصهم على الحفاظ على امنها وسلامتها.
§ماذا يسمى ذلك؟
يحتاج المرء لان يمارس قدرا كبيرا من ضبط النفس لكى يختار الالفاظ المناسبه لوصف هذا التصرف الذى أحسبه يعبر عن منتهى قلة الذوق وعدم اللياقه بل أزعم أنه يعبر فى الوقت ذاته ليس فقط عن احتقار للفلسطينيين وازدرائهم لكن ذلك الاحتقار والازدراء ينسحب على العرب جميعا.
ان الساده الذين دُعُوا الى مصر بمناسبة المذبحة الرهيبه التى شهدها قطاع غزة لابد أنهم سمعوا بعضا عن أخبارها على الاقل اثناء تواجدهم فى المنتجع المصري واذا لم يكونوا قدتابعوا المظاهرات الغاضبه التى خرجت فى العديد من العواصم الاوروبيه رافعه صور القتلى والمشوهين وضحايا القنابل الفسفوريه فربما شاهدوا على شاشات التلفزيون كيف انقضت القوات الاسرائيليه على شعب غزة الاعزل بعد أن حاصرته لاكثر من عام ونصف العام انتهت بحرمان فلسطيني القطاع من مقومات الحياه الاساسيه من الوقود والطحين الى الكهرباء والدواء وبعد ذلك صبت عليه نارها من البر والبحر والجو فدمرت أربعة الاف منزل على الاقل وتسببت فى تشريد نصف مليون شخص وادت الى قتل اكثر من 1300 مواطن بينهم نحو 450 طفلا واصابة وتشويه اكثر من خمسه الاف شخص بينهم 300 فى حالات خطره.
واذا لم يكونوا قد سمعوا بالمظاهرات فى بلادهم ولا شاهدوا شيئا من صور المذبحه فاننى اتصور انهم بعد ان جاءوا الى مؤتمرهم فى شرم الشيخ قد احيطوا علما بان هناك حدثا جللا وكارثه انسانيه من العيار الثقيل وقعت ليس بعيدا عنهم فى قطاع غزة بل لابد ان يكون خبر الكارثه قد نقل اليهم على الاقل فى سياق الدعوة التى تلقوها للمشاركة فى المؤتمر باعتبار ان وقوعها هو المبرر الذى استدعى عقد ذلك اللقاء على عجل.
ما أثار دهشتى أن الزعماء الغربيين السته الذين لبوا دعوة اولمرت لم يشيروا الى غزة بكلمه واحده فى المؤتمر الصحفى الذى رتب لهم فى تل أبيب وكأنهم كانوا يقضون عطلة فى منتجع شرم الشيخ استمتعوا خلالها بدفء وجمال المكان كان كل هم أولئك الزعماء المحترمين فى الكلمات التى القوها هو مغازله اسرائيل والتنافس فى التعبير عن التضامن معها والحفاظ على امنها وكأنها هى التى تعرضت للاجتياح والعدوان من جانب اهل غزة وكأن شرم الشيخ كانت محطه توقفوا فيها قبل ان يواصلوا رحلتهم الى تل ابيب للتضامن معها لذلك لم يخطر ببال احد منهم ان يجامل الفلسطينيين الثكالى او مصر التى دعتهم ولا الامه العربيه السكونه بمشاعر الغضب والسخط.
الامر الذى يثير سؤالا كبيرا حول جدوى التعويل على هؤلاء فى امكانيه اتخاذ موقف شريف ومنصف فى الشأن الفلسطيني بوجة خاص.
بقى شق آخر فى الرحله لم يُعلََن عنه ذلك ان دعوة الزعماء الاوروبيون لزيارة تل ابيب لم يكن هدفها فقط استجلاب الدعم والتاييد الاوروبي لاسرائيل بعد كل مافعلته فى غزة (الدعم الامريكي مضمون طبعا) وانما كان لها هدف آخر هو محاوله ضمان مسانده القيادات الاوروبيه لاسرائيل في حالة رفع قضايا ضدها تتهمها بارتكاب جرائم حرب فى اجتياحها لغزة وهو ما كشف النقاب عنه آلوف ين أحد المعلقين البارزين فى صحيفة (ها آرتس) فى عددها الصدر أمس الاول 19-1 الأمر الذى يعنى أننا دعوناهم لاجل غزة فاداروا ظهورهم لنا وذهبوا لدعم اسرائيل!
حين فشلوا في تركيع غزة بالسلاح،
لجأ الإسرائيليون إلى التدليس، لكييحققوا بالحيلة والخداع ما عجزت عن بلوغه طائرات أف 16 والقنابل
الفسفوريةوالانشطارية.
(1) في البدء
قالوا إن معركتهم ضد حماس وليستضد مقاومة الشعب الفلسطيني واستعصائه على الإخضاع. إذ تصور خبراء وحدةالحرب النفسية في المخابرات
العسكرية الإسرائيلية التي يشار إليها باسم (أمان) أن الدس والتحريض ضد حركة حماس يمكن أن
يؤدي إلى إعلان التمردعليها وإسقاط سلطتها. لذلك أصبح المتابعون لفضائية الأقصى التابعة
للحركةيفاجأون بين
الحين والآخر باختراق ترددها وبث مواد دعائية ضد قيادات حماس،تخلع عليهم مختلف الصفات السلبية،
وتتهم بالجبن والاختفاء عن الأنظار فيالوقت الذي تتعرض فيه غزة للقصف.
وذكر زميلنا صالح النعامي الصحفيالفلسطيني في رسالة بعث بها من
داخل غزة في الأسبوع الماضي أن خبراء الحربالنفسية في الجيش الإسرائيلي لجأوا فضلا عن
ذلك إلى دس مواد دعائية لتثبيطمعنويات مشاهدي فضائية الأقصى. منها مثلا صورة مرسومة لأحد مقاتلي
القساموهو يرتجف من
الخوف والفزع، ثم يفر هارباً من ساحة المعركة. كما لجأوا إلىاستخدام تفوقهم التقني لاختراق
إذاعة "صوت الأقصى" التابعة لحماس، وتقديممواد إذاعية أخرى تتهم الحركة بأنها
"إرهابية"، لاتعنيها مصلحة الشعبالفلسطيني وأنها أداة في يد إيران وعدوة
للسلام.
إلى جانب
عملياتاختراق البث
المرئي والمسموع، قام الجيش الإسرائيلي بإنزال عشرات الآلافمن المنشورات والبيانات المكتوبة
باللغة العربية على التجمعات السكانيةالفلسطينية، وتحديداً المناطق التي تشهد
مواجهات في بلدتي بيت لاهيا وبيتحانون ومخيم جباليا، والضواحي الشرقية والجنوبية لمدينة غزة ... إلخ.
هذهالمنشورات
دعت الفلسطينيين إلى عدم التعاون مع حركة حماس، وعدم مساعدة أوإيواء مقاتليها. بعض تلك المنشورات
ركزت على الحجة التي تلح عليها إسرائيلفي مختلف وسائل الإعلام، والتي تدعي فيها أن
حماس هي العقبة الحقيقية فيسبيل تحقيق السلام الآن، وأنه لولاها لكان حلم إقامة الدولتين قد تحقق. ولكان قطاع غزة قد أصبح يرفل الآن
في الازدهار الاقتصادي.
في نفسالوقت فإن إسرائيل لجأت إلى
استخدام وسائل إعلامها الرسمية الناطقة باللغةالعربية والتي يتم التقاطها في الضفة الغربية
وقطاع غزة وبعض الدولالعربية في محاولة تشويه حركة حماس. فالتلفزيون والإذاعة الإسرائيليةباللغة العربية عادة ما يمنحان
معلقين يهود يتحدثون اللغة العربية بطلاقةمساحة كبيرة لمهاجمتها ويتهمون قيادتها بأنها
تتخذ من مستشفى "دار الشفاء"
في غزة ملجأ
لها وأن مقاتلي حماس يرتدون زي العاملين في القطاع الطبي، وأنكثيراً من الوحدات في "كتائب
القسام" انهارت، وأن نشطاء "الكتائب" خلعوازيهم العسكري وباتوا يختبئون وسط
الناس.
(2) ليس جديداً
ذلكالأسلوب في
الحرب النفسية الذي يسعى إلى إثارة الفتنة وتهوين العزائم. ومعذلك لم تتردد إسرائيل في استخدامه
إلى جانب وسائلها الأخرى، التي كان منأحدثها الإعلان على الملأ عن أنها أوقفت
الحرب من جانب واحد. وهو إعلانخبيث أرادت به إسرائيل أن تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. فمن ناحية هيأرادت امتصاص الغضب والسخط الذي
شاع في مختلف عواصم العالم بعدما ظهرت صورالجرائم البشعة التي ارتكبها وهتكت بها كل
الأعراف والقوانين، الأمر الذيفجر مظاهرات التنديد العارمة، وأدى إلى تراجع صورة إسرائيل وفضح
حقيقتهاالتي ظلت طوال الوقت تحاول إخفاءها تحت أقنعة عدة. وتمثل هذه الخطوةاحتيالاً من جانب إسرائيل يحاول
أن يعطي انطباعاً بأنها ليست راغبة فياستمرار الحرب وساعية إلى إحلال السلام.
من ناحية
ثانية فإنها أرادتأن توقف مسلسلاً طال منها بأكثر مما قدرت، ولاتكاد ترى له نهاية. ذلك
أنالتقارير
الإسرائيلية تجمع على أن الخطة العسكرية الإسرائيلية بنيت علىتقدير يعطي استسلام غزة فترة
تتراوح بين ثلاثة وعشرة أيام. وكانت المفاجأةأن الاشتباك استمر طوال ثلاثة أسابيع، ظلت
صواريخ المقاومة تطلق خلالها كليوم على المستوطنات الإسرائيلية.
وظلت عناصر المقاومة تتحدى على
الأرضمحاولات
التقدم والاختراق. وهو ما أقنع القيادة الإسرائيلية بأن الحربيمكن أن تطول بما قد يرهقهم
ويحملهم بأعباء لم تكن في حسبانهم (تكلفهم 200مليون دولار يومياً) مثل استدعاء الألوف من
قوات الاحتياط، وتوفير الذخيرةوالعتاد اللازمين لحرب طويلة لم تعتد عليها. إضافة إلى ذلك، فإن
إسرائيلأرادت حسم الأمر وفرض واقع جديد قبل أن تباشر الإدارة الأمريكية
الجديدةمهامها. حيث يفترض أن يتولى الرئيس أوباما منصبه رسمياً من اليوم (الثلاثاء 20/1). ثم لا تنس أن ثمة
انتخابات إسرائيلية في العاشر من شهرفبراير القادم، ويريد القادة الإسرائيليون
الذين سيخوضون تلك الانتخابات
(ليفني
وباراك اللذان يمثلان حزبي كاديما والعمل) أن يجنوا ثمار المعركةالتي رفعت من أسهمهم في مواجهة
منافسهم الذي يزايد عليهم في قمعالفلسطينيين وسحقهم (بنيامين نتنياهو مرشح الليكود).
وجه الخبث فيالقرار الإسرائيلي أنه في حين
يحاول امتصاص الغضب في الخارج فإنه ينصبكميناً للمقاومة الفلسطينية في الداخل ويظل
شاهراً سيف الاحتلال فوقرقابها. ذلك أن وقف إطلاق النار لم يقترن بانسحاب القوات الإسرائيلية
منالقطاع. وهو
ما يعني أن هذه القوات ستظل قابعة في مواقعها داخل القطاع،الأمر الذي يجعل الوضع الراهن
أسوأ مما كان عليه قبل الاجتياح حين كانتالقوات ترابط خارج القطاع. ولأن قرار وقف
إطلاق النار لم يتم بالاتفاق معالطرف الآخر (الفلسطيني)، فليس فيه أي إلزام. بمعنى أن الذي أوقف
الإطلاقبإرادته يستطيع أن يستأنف الحرب في أي لحظة بقرار يصدره من جانبه. منناحية أخرى فوجود قوات الاحتلال
داخل القطاع يسبب حرجاً للمقاومة ويشكلمصيدة لعناصرها. فهي إذا مارست حقها في
الدفاع الشرعي واشتبكت مع تلكالقوات فسيقال على الفور إنها بادرت إلى خرق قرار وقف إطلاق النار،
الأمرالذي يوفر
للإسرائيليين ذريعة للقيام بعمليات القمع والتأديب، ومواصلة "الهولوكوست" الفلسطيني. وإذا
ما ظهرت عناصر المقاومة في ظل وقف إطلاقالنار فإن ذلك سيكشف أمرها ويسهل رصدها،
وبالتالي يمكن الإسرائيليين منتصفيتهم واحداً تلو الآخر.
بسبب كل ذلك
فإن إعلان إسرائيل للقرار منشأنه أن يحقق لها مكاسب متعددة، ويضع المقاومة في موقف حرج. ولايقل عن
ذلكأهمية أنه
يؤدي عمليا إلى الإطاحة بالمبادرة المصرية وتجاوزها. رغم إعلانرئيس الوزراء الإسرائيلي أن
القرار "يتجاوب" مع المبادرة. وهو تجاوب لايخلو من خبث، لأنها دعت حقاً إلى وقف إطلاق
النار، لكنها اشترطت بعد ذلكالانسحاب الكامل من القطاع. وعلى طريقة "لاتقربوا الصلاة"،
فإن القرارالإسرائيلي، تجاوب مع الدعوة إلى وقف إطلاق النار، إلا أنه أبقى على
قواتالاحتلال في
المواقع التي تمركزت فيها داخل القطاع.
(3) بعدمافشلت إسرائيل في القضاء على
المقاومة وإسكات صواريخها، فإنها لجأت إلىمحاولة تعجيزها وتجفيف منابع قوتها، من خلال
الاتفاق الذي وقعته في 16/1مع الولايات المتحدة لمنع تهريب السلاح إلى غزة. وهو من أغرب
الاتفاقاتالتي يمكن أن توقع بين الدول. ذلك أن موضوعه الأساسي هو كيفية تجنيدالإمكانيات الأمريكية والأوروبية
لمنع تسلح المقاومة في بلد واقع تحتالاحتلال. الأمر الذي يعني شيئاً واحداً هو
أن إسرائيل أرادت حشدالأمريكيين والأوروبيين إلى جانب بعض الدول الإقليمية (؟) ليس لضمان
أمنإسرائيل
المدججة بمئتي قنبلة ذرية، ولكن لضمان استمرار احتلالها القطاعبتكبيل المقاومة وشل قدرتها على
الحركة. وهي حالة غير مسبوقة في التاريخالمعاصر.
غرائب
الاتفاقية لا تنتهي، فطرفاها هما إسرائيل والولاياتالمتحدة، لكن موضوعها يتعلق بشأن مصري
فلسطيني حيث ذكرت الديباجة أنالسيطرة على حدود غزة أمر لا يمكن الاستغناء عنه لضمان وقف القتال فيالقطاع. ولتهدئة خاطر مصر وتمرير
هذه النقطة عليها، فإن الديباجة عبرت عنالتقدير لموقف الرئيس مبارك ( وليس الحكومة
المصرية) الذي تمسك فيه بتأمينحدود غزة (المقصود التزامه بإغلاق معبر رفح).
من غرائب
الاتفاقيةأيضاً أنها نصت في ديباجتها على أن تسلح المقاومة في القطاع هو السببالمباشر لاجتياحه بواسطة الجيش
الإسرائيلي، معتبره أن الحرب جاءت رداً على "الإرهاب" الفلسطيني. وبناء على ذلك
التشخيص رأى الطرفان أنه لا سبيل إلىحل مشكلة "الإرهاب" إلا بسد منافذ
تهريب السلاح إلى القطاع بكل السبلالمتاحة.
وبعد أن قلب
الوضع على هذه الصورة، واعتبر الاحتلال هوالوضع الذي يحتاج إلى استقرار وتأمين، وأن
مقاومته هي المشكلة التي ينبغيالقضاء عليها قرر الطرفان ما يلي:
* أن يتعاون
الأمريكيونوالإسرائيليون مع الجيران (؟؟) ومع المجتمع الدولي، أي أن يستنفر
العالمبأسره، لمنع
السلاح عن المنظمات الإرهابية (منظمات المقاومة)، خصوصاً حركةحماس.
* إلى جانب
التوافق على هذا الموقف فإن الطرفين الأمريكيوالإسرائيلي، سيعملان بالاشتراك مع حلف
الأطلنطي (الناتو) على مراقبة وضبطكل مظان توصيل السلاح إلى فلسطينيي القطاع، عبر البحر سواء في مياه
البحرالمتوسط
وخليج عدن والبحر الأحمر وشرق إفريقيا.
* تبادل
المعلوماتالخاصة بتهريب السلاح للمقاومة من خلال التنسيق بين أجهزة المخابراتالتابعة لدول المنطقة (؟) وبين
أجهزة ومؤسسات الحكومة الأمريكية، وفيمقدمتها القيادة المركزية وقيادة القطاع
الأوروبي، إلى جانب قيادة إفريقياوقيادة العمليات الخاصة.
* تلتزم
الولايات المتحدة بتقديم كافة صورالدعم المعلوماتي والفني لإسرائيل، كما تلتزم بتدريب الطواقم الفنية
التيستشارك بها
الحكومات المحلية في العملية (الحكومات لم تحدد).
* فيمايخص التعاون العسكري بين البلدين
لتنفيذ التزامات الاتفاق فإن مجموعةمكافحة الإرهاب الأمريكية الإسرائيلية ستنهض
به، وكذلك المجموعة السياسيةالعسكرية المشتركة، كما أنه سيخضع للتقييم السنوي في الاجتماعات
العسكريةالتي تعقد بين الطرفين لبحث مختلف الأمور التي تهم كلاً منها.
(4) مافعلناه بأنفسنا في التعامل مع
المذبحة لا يقل تعاسة عما فعلوه بنا. ذلك أنأبواقنا السياسية والإعلامية فشلت في تشخيص
المشهد منذ اللحظة الأولى.
فتجاهلت على
نحو كارثي حقيقة استهداف المقاومة والسعي الإسرائيلي لإخضاعالقطاع وتركيعه. حتى استحيي أن
أقول إن المنشورات التحريضية التي ألقتهاالطائرات الإسرائيلية على أهالي قطاع غزة،
تبنت نفس الخطاب الذي عبرت عنهكتابات عديدة ظهرت في الصحف المصرية والعربية الصادرة في لندن. وهي
التيشغلت باتهام
حماس وتصفية الحسابات معها عبر تحميلها المسؤولية عما جرى،ولم تنشغل بتبصير الرأي العام
بحقيقة أن المقاومة هي المستهدفة والمحتل هوالجاني وهو العدو. ولا أريد هنا أن استعيد
تصريحات مخجلة صدرت عن بعض كبارالمسؤولين وأعلنت أن حماس لم تستمع إلى النصيحة، وتستحق ما جرى لها،
فيتجريم مدهش
للضحية وتبرير مقزز للعدوان. صحيح أن هذا الكلام المسموم تراجع (خجلاً ربما) حين صمدت المقاومة
ولم تتعرض للانهيار الذي توقعه المعتدون (تماماً كما حدث مع حزب الله في حرب لبنان عام
2006م)، وحين تكشفت حقيقةالجرائم البشعة التي ارتكبها الإسرائيليون حيث حولوا القطاع إلى شلال
منالدماء تطفو
فوقه جثث وأشلاء الفلسطينيين.
لقد خذلنا
المقاومة منذاللحظات الأولى للاجتياح، وإذا ادعى بعض المسؤولين أنهم لم يكونوا
ضدها،فالقدر
الثابت الذي لا يستطيع أحد أن ينكره أنهم لم يكونوا معها. كما أنأغلب أنظمتنا خذلت شعوبنا أيضاً،
حين تقاعست عن إعلان موقف حازم ضدالعدوان منذ بدايته، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون ضوء أخضر يسمح
لهمبمواصلة
المذبحة، حتى شجع السيدة ليفني وزيرة خارجية "العدو" على أن تعلنصراحة أنها الآن "تمثل العرب
المعتدلين"(!!) – (نيوزويك العدد الأخيرالصادر في 20/1).
لقد احتموا
بالتقاعس العربي، وفي الفراغ العربيتقدموا وعربدوا كيفما شاءوا، حتى أهانوا
أصدقاءهم المعتدلين بوقف إطلاقالنار الذي فصلوه على هواهم، وذهبوا في الاستهانة إلى حد أنهم اتفقوا
علىترتيبات لخنق
المقاومة على حدودنا. ولا تثريب عليهم في ذلك، لأننا حصدناما زرعناه.
هل يعقل أن تقاطع قنوات الاعلام
المصري الرسمي والفضائيه المصريه يوم التضامن العربي مع غزة ؟! للأسف هذا حدث
والتفاصيل نشرتها بعض الصحف صباح أمسكاشفة عن فضيحه جديده لاعلامنا الموجه الذى فقد الثقه والاحترام واصبح يدار
وكأنه مكتب علاقات عامه تابع لولى الامر وفى خدمته ولاعلاقه له بالبلد الذى يمثله
ولا بالامه التى يخاطبها.
خلاصه الحكايه ان اتفاقا عقد بين
اتحاد المنتجين العرب وبين مسئولى التلفزيون المصري على تخصيص بث يوم الجمعه 15-1
ليكون يوما للتضامن العربي مع غزة وبمقتضى الاتفاق الذى أبرمه ابراهيم ابوذكرى –
رئيس الاتحاد – فقد كان مقررا أن يكون استوديوقناة النيل الاخباريه التابعه
للتلفزيون المصري هو الاستوديو الرئيسي الذى تدار منه فعاليات البث الموحد الذى
اشتركت فيه 50 قناه عربيه وبعد أن تم ترتيب الامر على هذا النحو فوجىء الجميع
بتعليمات أصدرها السيد أنس الفقى – وزير الاعلام – قبل 48 ساعه من موعد البث قضت
بالتراجع عن الاتفاق وعدم استخدام استوديو قناه النيل لاطلاق الحمله ويبدو ان
انعقاد قمة الدوحه رفع من درجه الت