فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

الشق الغاطس في الأزمة الفلسطينيه

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 30 رمضان 1429 – 30 سبتمبر 2008

الشق الغاطس في الأزمة الفلسطينيه – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/688631.html

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/09/blog-post_6172.html

 

(1) في الأفق الفلسطيني إشارات قوية تدل علي أن ما نشاهده علي السطح ليس سوي مجموعة من الحيل والألاعيب‏,‏ التي تحاول إخفاء أزمة أعقد وأعمق بكثير مما نتصور‏.‏

في حين تطالعنا صحف الصباح القاهرية بأخبار اجتماعات مع ممثلي الفصائل الفلسطينية محورها قضية المصالحة‏,‏ نفاجأ بأخبار أخري من رام الله تمضي في اتجاه معاكس تماما‏,‏ فقبل أسبوعين نقل آفي بسخروف محرر صحيفة هاآرتس علي لسان العقيد دياب العلي قائد الأمن الوطني في رام الله قوله‏,‏ إنه يتعين الاستعداد لاحتمال استرداد السلطة في غزة بالقوة‏,‏ وهي خطوة تتطلب موافقة وتنسيقا مع ثلاث دول‏,‏ هي إسرائيل ومصر والأردن‏..‏ وسوف يتطلب ذلك استخدام سلاح من نوع مختلف ومضاعفة أعداد قوات الأمن الوطني‏,‏ بحيث تصل إلي‏15‏ ألف جندي‏,‏ وذكر محرر الصحيفة أن الأمن الوطني يضم الآن‏7500‏ جندي‏,‏ وأن‏90%‏ من الضباط تم تغييرهم خلال الـ‏18‏ شهرا الماضية‏,‏ بعناصر أكثر شبابا وكفاءة‏,‏ وأن الجميع يتدربون في أريحا بالأردن‏,‏ بمساعدة وإشراف أمريكيين‏,‏ مما ذكره أيضا التنسيق الأمني مع إسرائيل نجح في منع عشرات العمليات الفدائية وأن الأمن الوقائي أعتقل خلايا عملت ضد إسرائيل من بين عناصر الجهاز ذاته‏,‏ وأنه تم إنشاء وحدة خاصة لمنع تسلل عملاء حماس إلي صفوفه‏.‏

يديعوت أحرونوت نشرت في 19 -9 ‏ تفصيلات أكثر وأخطر حول التنسيق الأمني مع إسرائيل ضد المقاومة‏,‏ فقد حضر اجتماعا خصص لهذا الغرض كبير معلقيها ناحوم برنبع‏,‏ أكثر الصحفيين الإسرائيليين صدقية‏,‏ الذي ذكر أن الاجتماع تم يوم الأحد‏ 7 - 9,‏ في مقر القيادة الإسرائيلية بالضفة‏,‏ وحضره من الجانب الفلسطيني المفتش العام للشرطة حازم عطاالله‏,‏ إضافة إلي‏8‏ من قادة الأجهزة في حكومة رام الله‏(‏ نشر اسماءهم‏,‏ لكني لم أتمكن من مراجعتها من المصادر الفلسطينية‏).‏

قال برنبع في تقريره المنشور‏,‏ إنه فوجئ بالاستعداد المفرط للعمل مع إسرائيل من قبل القيادة الفلسطينية‏,‏ وأنه سمع بأذنيه من الجالسين كما كبيرا من المعلومات المثيرة‏,‏ سجل منها في تقريره ما يلي‏:‏

*
‏ قول رئيس المخابرات العسكرية في حكومة رام الله ماجد فراج‏,‏ إن حماس هي العدو‏,‏ ولن يكون هناك حوار أو مصالحة معها‏,‏ وقد قررنا خوض المعركة ضدها حتي النهاية‏,‏ صحيح انكم‏(‏ الإسرائيليون‏)‏ توصلتم الي هدنة معهم‏,‏ أما نحن فلا‏.‏

*
أضاف السيد فراج قائلا‏:‏ إننا نتولي أمر كل مؤسسة حمساوية تبلغوننا بها‏,‏ أعطيتمونا أخيرا أسماء‏64‏ مؤسسة‏,‏ وقد انتهينا من معالجة‏50‏ منها ووضعنا أيدينا علي أموالها‏,‏ وإسرائيل حولت لنا‏150‏ حسابا بنكيا يشتبه في علاقتها بالتنظيمات الإرهابية فتم إغلاق‏300‏ حساب‏,‏ وفي السابق كنا نفكر ألف مرة قبل اقتحام المساجد‏,‏ لكننا الآن أصبحنا نقوم بذلك عند الحاجة‏,‏ لكنه نصح الإسرائيليين بألا يفعلوها‏.‏

*
‏ مفتش الشرطة حازم عطاالله قال‏:‏ حتي آخر السنة الحالية سندخل في مواجهة شاملة مع حماس‏,‏ واذا لم يتم الاستعداد الجيد لها فإننا سنتقاسم المسئولية عن الهزيمة نحن وأنتم والأمريكان‏,‏ وحينئذ طمأنه العميد يؤاف موردخاي رئيس الإدارة المدنية في الضفة قائلا‏:‏ سنشكل طاقما مشتركا معكم‏,‏ وسنساعدكم في التدريب والعتاد‏.‏

*
‏ أبوالفتح قائد جهاز الأمن العام قال للإسرائيليين ليس هناك خصام بيننا‏,‏ وينبغي أن نعمل من أجل هزيمة عدونا المشترك‏(‏ يقصد حماس‏),‏ لذلك عليكم أن تبذلوا جهدا لمساندة أبومازن‏,‏ بإطلاق السجناء الأحداث ورفع بعض الحواجز والمستوطنات‏.‏

خرج ناحوم برنبع من الاجتماع بانطباع خلاصته أن مواجهة عنيفة بين فتح وحماس حول السيطرة علي الضفة ستحدث في يناير المقبل‏,‏ مع انتهاء مدة ولاية السيد أبومازن‏,‏ لأن الرجل عازم علي البقاء حتي يناير عام‏2010,‏ ولأنه لا يستبعد أن يعلن أبومازن غزة منطقة متمردة ويتعين إنهاء تمردها بالقوة‏,‏ فإن قادة الأمن الفلسطيني طلبوا من أجهزة الأمن في إسرائيل أن تعكف معهم علي إعداد الخطة الميدانية التي تحقق هذا الهدف‏,‏ وأن تسهم في توفير السلاح وتدريب القوات اللازمين لإنجاز تلك المهمة‏.‏

(2)
‏ هذا الاحتشاد الأمني الذي يجري التجهيز له بالتوازي مع اجتماعات المصالحة المستمرة في القاهرة‏,‏ يتجاهل حقيقة التصدع الحاصل في بنيان السلطة وحركة فتح ذاتها‏,‏ وهو ما عبرت عنه كتابات نشرت أخيرا لمثقفين فلسطينيين بارزين لا علاقة لهم بحركة حماس‏,‏ ومنهم من هو محسوب علي حركة فتح ذاتها‏,‏ وعناوين تلك المقالات دالة في هذا السياق‏,‏ فقد نشرت الشرق الأوسط مقالين لبلال الحسن أحدهما تحت عنوان‏:‏ خلافات تنذر بالخطر داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية‏( 7 - 9)‏ وعنوان الثاني خلافات تكبر وتتسع وتهدد مستقبل السلطة الفلسطينية‏(21 - 9),‏ ونشرت الحياة اللندنية مقالا لماجد كيالي عنوانه المشروع الفلسطيني بين مفاعيل الأزمة والانهيار‏.‏

المقالات الثلاث محورها أزمة الواقع الفلسطيني الناتجة عن عوامل ثلاثة‏,‏ هي‏:‏ الفشل السياسي الذي حققته السلطة التي لم تستطع أن تحقق شيئا يذكر من المطالب الفلسطينية ـ استعداد بعض أركان السلطة للتفريط في الثوابت الفلسطينية‏,‏ وفي المقدمة منها حق العودة‏,‏ وكذلك التفريط في الأرض باسم تبادل أجزاء منها مع الإسرائيليين ـ ما سماه بعضهم بخطف القرار الفلسطيني عن طريق تجاوز المؤسسات الشرعية مثل منظمة التحرير واللجنة التنفيذية‏,‏ لكي ينتهي الأمر بتركيز القرار الفلسطيني في يد فئة محدودة في السلطة والحكومة‏(‏ د‏.‏ أسعد عبدالرحمن‏).‏

تحدث بلال الحسن عن لقاءين تشاوريين عقدا في عمان يومي‏22 -8‏ و‏1- 9,‏ بين بعض الأعضاء البارزين في المجلس الوطني‏,‏ وبعض أركان السلطة‏,‏ وجهت فيه انتقادات حادة لقيادات السلطة‏,‏ ومن هؤلاء عزام الأحمد رئيس كتلة فتح في المجلس التشريعي الذي قال إنه لم يعد مطلوبا شطب منظمة التحرير‏,‏ وانما صياغة سلطة فلسطينية علي المقاس الأمريكي‏,‏ في أحد اللقاءين قال تيسير قبعة نائب رئيس المجلس الوطني إن ثمة جهات فلسطينية تتآمر من أجل تصفية القضية الفلسطينية الي جانب إسرائيل وأمريكا‏,‏ وتساءل‏:‏ كيف أقاتل عدوي وأنا أعطيه أسماء المناضلين؟ وكيف أقاوم العدو وأنا أنسق معه أكثر مما أنسق مع شعبي؟

في تعليقه علي التصدعات الحاصلة في السلطة الفلسطينية‏,‏ والتي تتجاوز كثيرا حدود الصراع بين حركة فتح وحماس‏,‏ قال بلال الحسن إنه لا مبالغة في القول بأن الحالة الفلسطينية تنذر بالخطر‏,‏ وأنها مؤهلة لأن تعود الي الفوضي‏,‏ وربما الي الانهيار‏.‏

(3)
‏ اذا تتبعنا المشكلة في عمقها فسنجد أنها تكمن فيما يسمي باختطاف القرار الفلسطيني من جانب فئة بذاتها‏,‏ مشكوك في صدقية تمثيلها للشعب الفلسطيني‏,‏ وهو ما دعا باحثا مستقلا وجادا‏,‏ هو الدكتور سلمان أبوستة المنسق العام لمؤتمر حق العودة‏,‏ الي المطالبة بإحياء مرجعية جامعة للشعب الفلسطيني‏,‏ واستعادة تجربة عام‏1964,‏ التي تكللت بإنشاء منظمة التحرير ومجلسها الوطني بقيادة أحمد الشقيري‏,‏ وتحققت عالميا في عام‏1974‏ بقيادة ياسر عرفات باعتراف الأمم المتحدة بالمنظمة وبحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف‏,‏ وباعتماد مجلسها الوطني بين برلمانات العالم واعتماد سفارتها في الخارج‏.‏

نبه الدكتور أبوستة في مقال له بجريدة الحياة‏(‏ نشر في12- 7)‏ الي أن الانتخابات التي أجريت في عام‏2006‏ ورفضت حركة فتح الاعتراف بنتائجها‏,‏ اشترك فيها‏30%‏ فقط من الشعب الفلسطيني‏,‏ الذي يعيش في الأراضي المحتلة عام‏1967,‏ أما صوت‏70%‏ من الفلسطينيين الموزعين في البلاد العربية والأجنبية‏,‏ فلم يسمع ولم يرصد له أي حضور منذ آخر اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر عام‏1988,‏ كما ذكر أن نصف الشعب الفلسطيني ولد بعد اجتماع الجزائر وهو أيضا لا يسمع لهم صوت اليوم‏,‏ وأطفال الحجارة الذين أشعلوا انتفاضة عام‏1987,‏ هم الآن رجال ونساء لهم شأن في المجتمع الفلسطيني‏,‏ ولكنهم محذوفون من الخريطة السياسية ـ من ناحية أخري فإن متغيرات عدة طرأت علي المجلس الوطني خلال العشرين عاما التي أعقبت آخر اجتماع له في الجزائر‏,‏ فأعضاؤه البالغ عددهم‏445‏ توفي منهم‏30‏ واستقال بسبب المرض وكبر السن‏20‏ علي الأقل‏,‏ وتم تعيين نحو‏25‏ عضوا لأسباب لم تعد قائمة‏,‏ واعتزل آخرون العمل السياسي لأسباب متعددة ـ كما لم تكن متغيرات الخريطة السياسية أقل أهمية من الخريطة السكانية وخريطة عضوية المجلس الوطني‏,

حيث ظهرت في الساحة قوي جديدة غيرت من معادلة الساحة السياسية مثل حماس والجهاد‏,‏ وجاءت انتخابات‏2006‏ لتعلن بجلاء عن هذه الحقيقة التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار‏.‏

في رأي الدكتور أبوستة أنه لا يعقل أن يسلم مصير الشعب الفلسطيني الي السلطة المشغولة بالحرب بين رام الله وغزة‏,‏ خصوصا أن تلك السلطة لا شرعية دولية لها‏,‏ لأنها نتاج اتفاق بين الدولة المحتلة والشعب الواقع تحت الاحتلال‏,‏ وهو اتفاق يستند الي مرجعيات متعددة ليس بينها حقوق الشعب الفلسطيني‏,‏ واتفاقية جنيف الرابعة تقضي صراحة ببطلان أي اتفاق بين الدولة المحتلة والشعب الواقع تحت الاحتلال اذا أضر الاتفاق بحقوق الشعب المحتل‏.‏

النتيجة التي خلص إليها أنه لابديل لمنع انهيار الوضع الفلسطيني عن انتخاب مجلس وطني جديد‏,‏ يعبر بصورة ديمقراطية وصادقة عن الواقع الفلسطيني‏,‏ وهو ما تم الاتفاق عليه في القاهرة عام‏2005,‏ كما تم الاتفاق علي تشكيل لجنة تحضيرية لإجراء تلك الانتخابات‏,‏ ولكن اللجنة لم تدع للاجتماع من ذلك الحين‏,‏ وهناك تسويف مستمر في العملية من جانب السلطة القائمة‏,‏ لا يفسر الا بحسبانه تعبيرا عن رغبة الذين اختطفوا القرار الفلسطيني في استمرار الاستئثار به لأطول أجل ممكن‏.‏

(4)
‏ ذلك كله مسكوت عليه في الوقت الراهن‏,‏ بحيث لا يكاد له صدي أو أثر في المشاورات الجارية التي لم تمس الجذور من قريب أو بعيد‏,‏ ومن الواضح أن الريح تجري في مسار آخر يصطنع اجماعا فلسطينيا بين فصائل لم تحصل علي أكثر من‏2%‏ من الأصوات في الانتخابات التشريعية الأخيرة‏,‏ وهذا الاجماع يراد له أن يوظف في ترتيب يفرض حلا بالقوة علي السلطة القائمة في غزة‏(‏ عن طريق إرسال قوات عربية مثلا‏),‏ وقد تسربت رائحة ذلك الترتيب في التصريحات الساخنة التي أعقبت اجتماع مجلس جامعة الدول العربية الأخيرة‏,‏وتحدثت عن فرض حل لمصالحة ملزمة للاطراف الفلسطينية‏,‏ وهو كلام مغطي ردده أبومازن‏,‏ ونشر علي لسانه في صحيفة الحياة في‏25 -9,‏ لكن رجاله أفصحوا عن مقصود الإشارة بما لا يدع مجالا للبس في اجتماع التنسيق مع الإسرائيليين‏,‏ الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال حول دور الجامعة العربية في الملف‏,‏ وهل ستسهم في حل المشكلة أم أنها ستصبح طرفا فيها‏,‏ بحيث تكرر سيناريو تدخلها للوساطة في الأزمة اللبنانية‏,‏ وتحيزها لطرف دون آخر في الصراع بين فريقي‏14‏ و‏8‏ آذار‏.‏

رسالة بعلم الوصول

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 30 رمضان 1429 – 30 سبتمبر 2008

رسالة بعلم الوصول – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/688630.html

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/09/blog-post_30.html

 

الحكم بحبس ابراهيم عيسى رئيس تحرير «الدستور» لمدة شهرين يبعث الى العالم العربي على الأقل، وإلى الشعب المصري بوجه اخص برسالة تقول ما يلي: - لا تصدقوا ان في مصر حرية حقيقية، ولكنها حرية نسبية فرضتها ظروف معينة، بعضها خارج عن الارادة وناتج عن ضغوط خارجية وقد أساء بعض الصحافيين فهم حدودها وملابساتها، حتى أخذوا مسألة الحرية على محمل الجد الامر الذي اوقعهم في المحظور، لانهم لم يدركوا ان هناك فرقا بين ما يقال في الخطب وما يطلق من تصريحات على الفضائيات، وبين خرائط الواقع وحساباته. وعلى من لا يحسن قراءة مثل هذه الفروق ان يتحمل مسؤولية عجزه عن رصد اتجاهات الريح.



- لا تصدقوا ان وعدا صدر عن الرئيس بمنع حبس الصحافيين، حيث لا يوجد دليل مادي يثبت ذلك، باستثناء الكلام الذي نقله على لسانه نقيب الصحافيين السابق. وحتى اذا كان الرئيس قد وعد في اتصال هاتفي فهناك فرق بين الوعد والقرار، فالأول يعبر عن حسن النية وربما المجاملة وتطييب الخاطر، اما الثاني فهو ثمرة الدراسة المتأنية التي يفترض ان تقلب الأمر من مختلف أوجهه.

صحيح ان وعد الحر دين عليه، ولكن الجميع يجب ان يدركوا ان كلام الرئيس هو رئيس الكلام كما يقال حقا، لكنه ليس بالضرورة آخر كلام. فهناك عوامل أخرى واطراف مؤثرة تسهم في اصدار القرار، ورغم اننا نجهل هوية وطبيعة تلك الاطراف، الا ان الثابت ان الرئيس اما شُغل بأمور أخرى عن اصدار القرار، او انه اقتنع بتأجيله لبعض الوقت، او انه عدل عن الفكرة ووجد ان هناك مصلحة في الابقاء على سلاح الحبس لردع الصحافيين وتأديبهم.



ـ لا تصدقوا حكاية «الفكر الجديد» ولا تأخذوها بدورها على محمل الجد، لان الشعار اطلق في مرحلة كان مطلوبا فيها الايحاء بان فجرا جديدا يلوح في الافق، ولكن حين راحت السكرة وجاءت الفكرة ادرك الذين اطلقوا الشعار ان «من فات قديمه تاه» فتخلصوا من ديكور الفكر الجديد وردوا للقديم اعتباره.



– لا تصدقوا ان القضاء هو الذي يفصل في قضايا الرأي وممارسات الناشطين، فتلك امور سياسية والقضاء ممنوع من الاشتغال بالسياسة، لذلك فالحكم فيها هو شأن رجال السياسة وليس القانون. لذلك يظل مستغربا ان يجهد المحامون انفسهم في المرافعات، فيقدموا الادلة والقرائن ويستجوبوا الشهود، متجاهلين ان للسياسة حساباتها وتقديراتها التي لا تعنى بكل ذلك.

 

وحين تقول السياسة ان الحديث عن صحة الرئيس جريمة روعت الثمانين مليون مصري وأدت الى هروب استثمارات قدرت ب 350 مليون دولار فهذه امور لا تقبل المناقشه ولا يجدى فى دحضها نفى الشهود أو تشكيكهم فى صحتها لأ، ذلك قرار سيادي لا يحتمل تعدد وجهات النظر.

 

- لا تصدقوا أن الصحفيين يمكن أن يكتبوا ما يعن لهم دون ان يحاسبوا وحين يتعلق الأمر بالسياسات العليا والرموز فان القانون لايشكل مرجعيه الحساب لأن الامور العليا تحتاج فى حسمها الى سلطه عليا ولذلك فان الحساب يكون سياسيا بالدرجة الاولى وهو مالايتعارض مع الالتزام بشعار (لايقصف قلم) ولكن التمسك بحرفيته يعنى ان كل الكتابات التى لا تستخدم فيها الاقلام – مثل الكمبيوتر – ليست محصنه ضد القصف . اضافه الى أن ذلك لا يعنى انه لا يحبس صحفى لان المذكور يمكن ان يحبس فى يظل محتفظا بقلمه سليما فى جيب سترته بغير قصف ثم ان عدم  قصف قلم الصحفى لا يحول دون قصف رقبته اذا لزم الامر حيث لا يوجد نص يحول دون ذلك.

 

-الرساله قويه وصارمه كما رايت وقد ادهشنى ان الحكم الصادر بحق ابراهيم عيسى لا يعبر عن تلك الصرامة لان حبسه لمدة شهرين فقط يبدو عقوبه مخففه للغايه على ( الجرائم) المنسوبه اليه وهو الترويج لشائعات حول صحة الرئيس واثارة الفزع فى بر مصر والاضرار بالاقتصاد القومي .

ولا يعقل ان يدا صحفى بارتكاب هذه الجرائم الثلاث ثم تطبق عليه عقوبة أقل مما يحكم به فى المخالفات المروريه ولا تفسير لهذه المفارقه سوى أن القضيه كلها سياسيه من أولها الى اخرها حتى الحكم لم يكن له علاقه بالقانون.

السيارة الجديدة« هي الحل»!

صحيفة الدستور المصريه الإثنين 29 رمضان 1429 – 29 سبتمبر 2008

السيارة الجديدة« هي الحل»! – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/687636.html

 

لا هي مصادفة ولا هي مؤامرة، تلك الحوادث التي تتلاحق في مصر في الآونة الأخيرة، وأحدثها الحريق الذي شب في المسرح القومي أمس الأول، وهو حدث ينضم الى قائمة طويلة من النوازل التي فاجأت الناس وحيرتهم، من انهيار صخور جبل المقطم الى حريق مجلس الشورى واختطاف السياح في جنوب مصر والصدام بين الأهالي ورهبان دير أبو فانا، وبين العرب والشرطة في سيناء وصولاً الى كارثة تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة واكتشاف رشوة القضاة، ومروراً بفضائح رجال الأعمال المحسوبين على الحزب الحاكم.

 

لم أتحدث عن حوادث القطارات والطرق وانهيار خدمات التعليم والصحة والمرافق وأزمة الخبز وصولاً الى حريق قصر الثقافة في بني سويف ومعضلة السحابة السوداء، كما لم أتحدث عن غول الغلاء الذي أطلق خلال الأشهر الأخيرة فأذل العباد واشاع الهم والغم في انحاء البلاد. هذه كلها أمور حياتية شكلت ضغوطاً متفاوتة على المواطن العادي. صحيح أنه قد يتعذر جمع كل النوازل التي حلت بنا في سلة واحدة كما أن بعض تلك النوازل له مصادره الخارجة عن سيطرة الحكومة (انهيار البورصة مثلاً) لكننا في الوقت ذاته لا نستطيع ان نعتبر ذلك التتابع المثير للأزمات والعثرات خلال السنوات الأخيرة مجرد مصادفة، حيث لا أفهم مثلا لماذا تقع كل تلك المصادفات عندنا ولا تختص بها المقادير أحدا غيرنا من دون كل دول المنطقة، في الوقت ذاته فإنني لا أكاد أجد دليلاً على وجود مؤامرة في الموضوع علماً بأنني مقتنع بأن ما يمارس لدينا من تقاعس أو إهمال وما يشيع بيننا من فساد، هذه العوامل كلها تغني أي «متآمر» عن بذل أي جهد للإضرار بنا باعتبار ان ما نفعله بأنفسنا يحقق له مراده وزيادة.

 

 لا أستطيع أن أقول إن ذلك من آيات غضب الله علينا لأن هناك آخرين يستحقون غضبا أكبر ومع ذلك فإن الأقدار أمهلتهم لحكمة لا يعملها الا الله واعتذرت بقلة معرفتي عن الإجابة على من سألني ان كانت تلك من بين مقدمات يوم القيامة أم لا وفضلت أن ابحث عن اسباب عقلية لا غيبية لتفسير ما جرى ويجري ورغم إيماني بالغيب إلا أنني لا أحبذ التدخل في المشيئة الإلهية وأفضل التسليم بها والرضا بقضاء الله وقدره.

 

في حدود خبرتي المتواضعة حاولت أن أجد تفسيراً لتلاحق النوازل والصدمات في بر مصر، وأنا اقلب الأمر تذكرت قصتي مع سيارة كانت عندي يوما ما، استخدمتها لعشر سنوات حتى تقطعت انفاسها ولاحظت أنها بدأت في التعثر في العام الحادي عشر، بحيث لم يعد يمر اسبوع أو شهر إلا واضطر الى سحبها الى الميكانيكي أو الكهربائي، وبسبب كثرة التردد على هذه المحلات فإن صداقة قامت بيني وبين الميكانيكي الذي اشفق علي فيما يبدو فأخبرني في إحدى الزيارات بأن السيارة تجاوزت عمرها الافتراضي وأن اصلاحها لن يوقف اعطالها أو نزيف الانفاق عليها وان الشيخوخة لا تصيب البشر وحدهم ولكنها تصيب الآلات ايضاً، وقد نصحني بأن استجمع شجاعتي وقبلها مواردي واشتري سيارة جديدة.

 

هذه القصة وجدتها تصلح تفسيراً للواقع الذي نعاني منه، ذلك أن تلك الحوادث المتلاحقة لا تختلف كثيراً عن الاعطال المستمرة في سيارتي سالفة الذكر، إلا أنني وجدت من يبصرني بأن السيارة تجاوزت عمرها الافتراضي وينصحني بشراء سيارة أخرى، في حين اننا لم نملك شجاعة الاعتراف بأن نظامنا تجاوز بدوره عمره الافتراضي وأن علاجاته لن تمكنه من استعادة عافيته فضلا عن شبابه،

 

 أما إذا سألتني ما الحل فإجابتي هـي: لماذا لا نستجمع شجاعتنا ونقرر شراء سيارة جديدة؟!

حين يُداس على القانون

صحيفة الدستور المصريه الأحد 28 رمضان 1429 – 28 سبتمبر 2008

حين يُداس على القانون – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/686890.html

 

صدمنا اعتداء بعض ضباط الشرطة على اثنين من القضاة في الأقصر. وثالث في شبين الكوم. رغم أن هذه ليست المرة الاولى، وأغلب الظن أنها في ظل الاوضاع الراهنة، لن تكون الاخيرة، فالمسلسل مستمر منذ سنوات، ولاتزال ماثلة في الاذهان واقعة سحل القاضي محمود حمزة في قلب القاهرة، حين ذهب لكي يتابع اعتصام القضاة في ناديهم عام 2006، كما لا تُنسى واقعة اختطاف المحامي عبدالحارث مدني وتعذيبه حتى الموت في عام 1994. وهما الواقعتان اللتان كانتا بمنزلة إعلان على الملأ يذكِّر من نسي ويبلغ من جهل، ويعلم القاصي والداني أنه لا حصانة ولا كرامة لأحد عند أجهزة الأمن.

 

للدقة فإن الصدمة في الدرجة وليست في النوع، فكلنا يعلم أن إهانة المواطن هي القاعدة والاصل، إذا ساقته مقاديره حتى أوقعته في أيدي الأجهزة الأمنية، وهذه الاهانة نافلة وتطوع في حالة المواطن العادي (الكليبات الشهيرة تشهد بذلك)، وهي فريضة لازمة اذا كان المواطن من الناشطين في المجال العام. سواء كان كاتبا يتسلى بمدوَّنة، او متظاهرا انفعل وخرج الى الشارع، هذا كله نفهمه ونشعر ازاءه بالانكسار والخزي، لكن الذي لايزال صعبا علينا أن نمرره هو أن تمتد الاهانة الى رجال القانون عموما والقضاة خصوصا.

والفزع الذي ينتاب مواطنا مثلي جراء الاعتداء على هذه الشرائح ليس نابعا فقط من انهم مواطنون، لهم حق الكرامة او انهم حراس للقانون والعدل في البلد، ولكن ايضا لان الهراوة التي تُشهر في وجه القاضي او اللكمة والمسبة التي تُوجَّه اليه هي من آيات الانهيار وإرهاصاته.

 

لقد ذكرت قبل ايام ان وزير العدل في ماليزيا قدّم استقالته من منصبه، لان ثلاثة اشخاص اعتُقلوا في بلده دون وجه حق، لكننا لا نكاد نجد صدى يُذكر لدى الجهات الرسمية المعنية إزاء تكرار حوادث الاعتداء على رجال الهيئة القضائية، أستثني من ذلك نادي القضاة الذي يحاول في حدوده المتواضعة وفي ظل تضييق السلطة عليه ان يتحرك ويفعل شيئا للدفاع عن كرامة القضاة وحمايتهم من تغول اجهزة الأمن وبطشها.

 

 إن ضابط الشرطة حين يجد أن الأحكام التي يصدرها القضاء بإطلاق سراح المعتقلين والذين انتهت محكومياتهم تُقابَل باستخفاف من جانب وزارة الداخلية، وتُلقى في سلة المهملات مرة واثنتين وعشر مرات، قد لا يُلام إذا ما هون من شأن القاضي واستخف به، وضابط أمن الدولة حين يجد أن يده مطلقة في التنكيل بأي مثقف مهما علا قدره يتعذَّر عليه ان يفهم ان كرامات الناس يجب ان تصان، او ان رجال القانون لهم وضعهم الخاص.

 

المسألة أكبر من القضاة ورجال القانون في الحقيقة، ولكنها أوثق صلة بأمرين: اولهما استفحال دور الشرطة ومختلف الاجهزة الامنية في ظل استمرار العمل بقانون الطوارئ. وبعد اجراء التعديلات الدستورية التي قلصت دور القضاء في حماية الحريات العامة، ووسعت من سلطات المحاكم العسكرية الاستثنائية. اما الأمر الثاني والاخطر فهو إهدار قيمة القانون وإفقاده مرجعيته في تنظيم الحقوق والواجبات.

 

والاعتبار الاول اشرت اليه من قبل، وتحدَّث فيه كثيرون. اما الثاني فبين ايدينا هذه الايام نموذجان فاضحان له. النموذج الاول يتمثل في مذبحة مدرسة الجزيرة في الاسكندرية، التي استوفت كل الاشتراطات القانونية في أدائها رسالتها، ولكن الجهاز الامني قرر اغلاقها وهدم مبانيها والاعتداء بالضرب على المدير والمدرسين والطلاب واولياء الامور. الذين اصيب احدهم بشلل رباعي نتيجة لذلك، في «غارة» قام بها أمن الاسكندرية في الاسبوع الماضي. اما النموذج الثاني فيخص مجلة «الزهور» التي استوفت بدورها اجراءات الصدور وحصلت على ترخيص بالصدور من المجلس الاعلى للصحافة تنفيذا لحكم مجلس الدولة. ولكن الضغوط الامنية تدخلت وعصفت بكل ذلك بمنتهى البساطة.

 

إن الداخلية حين تدوس على القانون بحذائها، فلا ينبغي ان نتوجه باللوم الى ضابط الشرطة، حين يصفع قاضيا على قفاه، او حين يهتك عرض مواطن ويصوره على الكليب!

كارثة مضاعفه

صحيفة الدستور المصريه السبت 27 رمضان 1429 – 27 سبتمبر 2008

كارثة مضاعفه – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/686116.html

 

التقرير الخطير الذي نشرته صحيفة «هاآرتس» في 18 /9 الجاري، تضمن معلومات أخرى عن مدى تغول الاسرائيليين وانتشارهم في منطقة الخليج، وكنت قد تحدثت أمس عن وجود اعداد كبيرة من جنرالات الجيش والاستخبارات المتقاعدين في مختلف المجالات المتعلقة بالأمن والتدريب العسكري في الدول الخليجية، وبعض هؤلاء من مجرمي الحرب والقتلة الذين ادانتهم المحاكم الاوروبية، في حين انهم جميعا يعملون بالتنسيق مع القيادة العسكرية في اسرائيل، ولكن ذلك يعد وجها واحدا للحضور الاسرائيلي في الخليج.

 

وهناك أوجه أخرى كشف النقاب عنها تقرير الصحيفة الاسرائيلية، منها ان الشركة الدولية السويسرية (AGT)، التي أسسها ويديرها رجل الاعمال الاسرائيلي الأميركي ماتي كوخافي فازت اخيرا بعقد تصل قيمته الى مئات الملايين من الدولارات لبناء مشروع كبير لمصلحة جهاز الأمن الداخلي في احدى الدول الخليجية، وأشارت إلى ان شركة AGT (اختصار لآسيا جلوبال تكنولوجيز) فازت بعقود انشاءات أخرى كبيرة يفترض ان تنفذ لصالح تلك الدولة، وبحسب الصحيفة فإن العقد وقع بين ممثلي جيش الدولة الخليجية، وممثلي الشركة التي تقدم استشارات في مجال الدفاع عن الحدود والمنشآت الاستراتيجية في البحر (حقول النفط)، ويشارك فيها خليط من خبراء تخصصات الحراسة والاستخبارات والدفاع.

 

وقد اكدت «هاآرتس» ان شركة AGT تستدعي العشرات من الضباط الذين خدموا في الجيش الاسرائيلي واستقالوا من الجيش، بالاضافة الى كبار المسؤولين السابقين في الصناعات الجوية وفي جهازي الموساد والشاباك (المخابرات الداخلية)، والملاحظة الجديرة بالذكر في هذا الصدد ان الشركة المذكورة تعمل بتنسيق وتوجيه كاملين من قبل وزارة الحرب الاسرائيلية، وهو ما ذكرته الصحيفة صراحة، مشيرة الى ان مدير الشركة كوخافي اسرائيلي الجنسية، لكنه انتقل للسكن في الولايات المتحدة، وجمع ثروته من الاشتغال في مجال العقارات، وفي السنوات الأخيرة خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر دخل الرجل الى مجال الامن الداخلي، واقام علاقات مع اجهزة الامن في اسرائيل، وبدأ بتشغيل المسؤولين السابقين في الاجهزة الامنية والمؤسسة العسكرية الاسرائيلية، وقبل عدة سنوات تعهد بإقامة جامعة راقية في النقب على الحدود بين إسرائيل والأردن، بدعوى اسهامه في تشجيع عملية السلام بين الدول العربية وإسرائيل.

 

 ما يقلق الاجهزة الامنية الاسرائيلية في الوقت الراهن هو خشيتها من ان يقوم حزب الله باختطاف عدد من الجنرالات العاملين في الخليج، انتقاما لقتل القائد العسكري عماد مغنية على يد عملاء الموساد في دمشق، وفي اشارتها الى هذه النقطة ذكرت «هاآرتس» ان الجيش الاسرائيلي وجه في الآونة الأخيرة تحذيرات بهذا الخصوص الى عدد من الجنرالات العاملين في الخليج، لكن احدا منهم لم يعد الى اسرائيل.

 

هذه المعلومات الخطيرة تحتاج الى تدقيق للتثبت من صحتها، ومن ثم تحديد حجم الاختراق الاسرائيلي لدول الخليج. ذلك ان اولئك الجنرالات الذين لايزالون يعملون بالتنسيق مع قيادة الجيش الاسرائيلي ليسوا من فاعلي الخير، ولا يقدمون «استشارات» فحسب، ولكنهم موجودون في قلب الاجهزة الامنية الخليجية، ومن السذاجة ان نعتقد انهم لا يقومون بمهمة استخبارية لمصلحة بلدهم، حيث من الطبيعي ان يؤدوا هذا الدور، اذا لم تكن تلك مهمتهم الاساسية، واذا صح ذلك كله، فمعناه اننا بإزاء اختراق وغزو استخباراتي اسرائيلي لمنطقة الثروة النفطية في العالم العربي، يشكل في ذات الوقت تهديدا لا ينبغي تجاهله للامن القومي العربي.

 

 معلومات من هذا القبيل، نشرتها الصحيفة الاسرائيلية، يفترض ان تحدث صدمة في الخليج والعالم العربي، تستنفر مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية عند الحد الادنى، لكن لا أكاد أرى شيئا من هذا القبيل، فقد تجاهلت وسائل الاعلام العربية التقرير الخطير، واغمضت العواصم العربية اعينها عن محتواه، الامر الذي يضاعف من الكارثة ويعمق من شعورنا بالخزي والعار.

إسرائيل فى قلب الخليج

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 26 رمضان 1429 – 26 سبتمبر 2008
إسرائيل فى قلب الخليج - فهمى هويدى

إذا صح ذلك الذي نشرته صحيفة «هاآرتس» عن الوجود الإسرائيلي في منطقة الخليج، فمعني ذلك أن الرأي العام العربي لا يعرف شيئاً عما يجري هناك، وأن تلك المنطقة التي صارت قبلة لكثيرين من العرب والتي تبدو قريبة جداً منا هي في حقيقة الأمر أبعد ما تكون عنا، حتي يبدو ما نعرفه عنها بمثابة قطرة في بحر مما يجري فيها، وعلي مستوي شخصي، فلا مفر من الاعتراف بأنني كنت مفرطاً في السذاجة وحسن الظن، حين ثارت حفيظتي قبل أيام عندما قرأت في صحيفة «الوطن» الكويتية أن الرّمان الإسرائيلي يباع في إحدي الجمعيات التعاونية الاستهلاكية هناك، لأنني اكتشفت أن صناديق الرمان تلك لم تكن سوي جزء يسير من جبل الجليد الكامن تحت السطح.

قبل أن أعرض خلاصة لما ذكرته الصحيفة الإسرائيلية ذائعة الصيت في عدد الخميس الماضي 18/9، أسجل ملاحظتين، الأولي: أنني لا أسلم بما نشرته، ولا اعتبره حقيقة مؤكدة، ولعلك لاحظت أنني قلت في السطر الأول إنه «إذا صح» الكلام، أما الملاحظة الثانية فهي: أنني لا أريد أن أعمم التورط علي كل دول الخليج، ولا أستبعد أن تكون هناك دول أو إمارات مستثناة من المعلومات المنشورة، وهو ما لم يذكره تقرير الصحيفة، الذي أطلق الحديث عن دول الخليج دون أن يحدد هوية تلك الدول، لذلك فليس بمقدوري أن أقطع بأن ما تحدثت به الصحيفة ينطبق علي المنطقة بأسرها، وأتمني أن تكون هناك إمارات غير مشمولة بالأنشطة الإسرائيلية المذكورة في التقرير، بقدر ما أتمني أن تثبت الأيام أن التقرير كله مغلوط ومدسوس.

ذكرت «هاآرتس» أن عشرات الجنرالات المتقاعدين من العاملين السابقين بالأجهزة الاستخباراتية والجيش الإسرائيلي يديرون ويعملون في عدد من الشركات النشطة في دول الخليج، وأن عدة شركات عسكرية إسرائيلية تنتشر في أرجاء المنطقة، إلي جانب شركات أخري يمتلكها رجال أعمال يهود بعضهم يحمل الجنسية الإسرائيلية إضافة إلي جنسيات أخري.

وحول طابع عمل الجنرالات الإسرائيليين أكدت الصحيفة أنهم يقدمون استشارات للأجهزة الأمنية الخليجية، حول سبل تشغيل أنظمة الأسلحة المتطورة التي تشتريها تلك الدول، كما أنهم يقومون بدور استخباري، ويتولون تدريب عناصر الأمن المحليين علي حماية الحدود وتأمين الأهداف الاستراتيجية مثل المنشآت النفطية، إلي جانب إحباط عمليات احتجاز الرهائن أو ممارسة العنف المسلح، وشددت الصحيفة علي أن العوائد التي يحصل عليها هؤلاء الجنرالات تصل إلي عشرات الملايين من الدولارات، وأكدت أنهم يعملون بشكل وثيق مع قيادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، باعتبار أن القانون يلزم الجنرالات المتقاعدين بذلك، وذكرت الصحيفة أن في مقدمة الشركات الأمنية والعسكرية التي تعمل بشكل مباشر في الخليج «سلطة تطوير الصناعات العسكرية الإسرائيلية «رفائيل» و«شركة الصناعات الجوية» وهما شركتان حكوميتان تعملان بإشراف مباشر من قيادة الجيش الإسرائيلي.

من المعلومات المثيرة التي ذكرها التقرير المنشور، أن بعض الجنرالات الذين يعملون في الخليج ارتكبوا جرائم القمع وتصفية بحق الفلسطينيين، ومن هؤلاء الجنرال دورون الموغ ـ قائد المنطقة الجنوبية السابق ـ الذي كان مشرفاً علي قيادة الجيش الإسرائيلي في غزة، وأمرت محكمة بريطانية بإلقاء القبض عليه في عام 2006 بسبب دوره في مجزرة حي «الدرج» بغزة التي قتل فيها 17 فلسطينياً، بينهم تسعة أطفال، حيث ثبت أنه أصدر الأمر بتنفيذ العملية.

من هؤلاء كذلك الجنرال جيورا إيلاند الذي شغل منصب قائد شعبة العمليات في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، وكان مسئولاً عن عمليات الاغتيال والتصفية التي طالت قادة وكوادر المقاومة الفلسطينية، وبسبب مسئوليته تلك أصدرت محكمة إسبانية مؤخراً أمراً بإلقاء القبض عليه.

غداً بإذن الله نواصل عرض محتوي التقرير الخطير.

الطائفة أم الأمة؟

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 25 رمضان 1429 – 25 سبتمبر 2008

الطائفة أم الأمة؟ - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/684292.html

 

الزوبعة التي أثارها حديث د.القرضاوي عن الشيعة كشفت النقاب عن وجود تيارين او نمطين من التفكير في الساحة الاسلامية، احدهما مهجوس بالدفاع عن الطائفة، والثاني مشغول بالدفاع عن الامة. وغيرة الاولين شديدة على المذهب، في حين أن الأخيرين لا يقلون عنهم غيرة على المذهب، ولكنهم يحذرون من الاستغراق في تلك الغيرة على النحو الذي ينتهي بشق الصفوف، بما يؤدي الى اضعاف الجميع في مواجهة التحديات المصيرية التي لن ترحم الشيعة والسنة معا،

 

الاولون حريصون على الذود عن حياض الجماعة والأتباع في حين ان الآخرين استنفروا للدفاع عن الاوطان. إن شئت فقل إن الأولين يتحدثون عن المعتقدات، أما الآخرون فإنهم يتحدثون عن السياسات. والخلاف بين التيارين لا ينطلق من الأفضلية، ولكنه منصبٌّ على الاولوية، بمعنى ان الطرفين مطلوبان، ولابد من ان يتكاملا، وليس هناك طرف افضل من الآخر، لكن السؤال المطروح عليهما هو: اي المعيارين يتقدم على الآخر في الوقت الراهن  الطائفة ام الامة؟ والانشقاق ام الوحدة؟ والاشتباك مع الشقيق أم الاحتشاد في مواجهة العدو المشترك؟

 

حتى أكون اكثر دقة، فإن التجربة أسفرت ايضا عن وجود تيار ثالث من المتعصبين والمهيجين ومثيري الفتن، ورغم قلة عدد هؤلاء إلا ان التقنيات الحديثة في وسائل الاتصال اثبتت لهم حضورا لا نستطيع ان نتجاهل تأثيره على تسميم الأجواء وإشاعة التوتر بين بعض اركان التيارين المذكورين، وفي حين يدور الحوار بينهما بلغة اهل العلم، فإن المتعصبين والمهيجين استخدموا لغة مغايرة، وفرضوا على الحوار مفردات يتأبى عليها الحس السليم، فضلا عن أدب المتعلمين. ولم يكن ذلك مقصورا على طرف دون آخر. وانما صدرت تلك الاصداء عن بعض منابر الجانبين الشيعي والسني في ذات الوقت، الامر الذي ادى الى هبوط مستوى الحوار في بعض جوانبه.

 

إن الاختلاف بين اهل العلم له تاريخ طويل سجلته كتب المناظرات. ولم يكن مقام العالم يحول دون نقد فكرته او هدمها. ومنهم من سمع من تلاميذه تقديرا ومحبة لشخصه، ثم قول بعضهم للشيخ إن كلامه «ليس عندنا بشيء » بمعنى انه ليس مقنعا ولا مفيدا، الى غير ذلك من الحوارات التي اشارت اليها قائمة الكتب الطويلة: «عيون المناظرات » للسكوني «وطبقات الشافعية » للسبكي «والبصائر والذخائر » للتوحيدي «والجدل بين الفقهاء » لابن عقيل الحنبلي.. إلخ. وفي نصوص القرآن حوارات لا نهاية لها، بل إن احدى السور سجلت «عتابا ،» كما ذكر الطبري في تفسيره، للنبي عليه الصلاة والسلام وخلّدته، وسميت السورة باسم المشهد الذي بسببه كان العتاب، أعني سورة «عبس » التي تحدثت عن النبي محمد، وانتقدته لانه}عَبسَ وَتوَلَّى أنَ جَاءهُ الأعْمَى وَمَا يدُْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى{.. الخ.

ورغم ان القياس مع الفارق، إلا أن هذا العتاب الذي وجهه الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام علّم المسلمين انه ليس بينهم احد فوق المراجعة، وفتح الباب واسعا امام اهل العلم لكي يفندوا افكارهم ويمحصوها ويصوب بعضهم بعضا، الامر الذي وفر لنا تراثا عريقا في ادب المناظرات وشروطها. وحين يستحضر المرء هذه الخلفية في الاجواء الراهنة، فإنه يصاب بالدهشة ازاء التدهور الذي وصلنا اليه.

 

حين ضاقت الصدور بالمراجعة والتصويب، ودخل المتعصبون والمهيجون على الخط، بحيث ارادوا الحوار احترابا والتصويب انقلابا والدفاع عن الامة تفريطا في حق الملة، وليس غريبا ان يظهر هؤلاء في الافق، لكن الغريب ان يصدقهم نفر من العقلاء، والاغرب ان يجذبوا الى صفهم بعض العلماء، وتلك كلها من تجليات الفتنة.

في كوكب آخر

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 24 رمضان 1429 – 24 سبتمبر 2008

في كوكب آخر – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/683536.html

 

بعض التطورات السياسية التي تتحدث عنها صحف الدول الأخرى باعتبارها أخباراً عادية تبدو عندنا من عجائب الدنيا وغرائبها، وربما من علامات الساعة الصغرى،

 

 ينطبق ذلك مثلا على التقرير الذي بثته وكالات الأنباء هذا الأسبوع (9/20) من جنوب افريقيا، وتحدث عن قرار حزب المؤتمر الوطني الافريقي الحاكم اعفاء رئيس الجمهورية ثابو مبيكي من منصبه، قبل انتهاء فترة رئاسته في نهاية شهر ابريل من العام المقبل، وكان مبيكي قد حكم جنوب افريقيا عام 1999 خلفا لزعيمها التاريخي نيلسون مانديلا، ولكن احدى المحاكم اتهمته اخيراً بالتدخل في سير القضاء من اجل توريط وإدانة خصمه وزعيم الحزب جاكوب زوما. وبعد اعلان قرار المحكمة عقدت قيادة الحزب اجتماعا لتقييم الموقف وانتهت الى ان الرئيس الذي يتدخل في سير القضاء يفقد شرعيته، وليس أمامه في هذه الحالة إلا أن يتخلى عن منصبه، وحين اعلنت قيادة الحزب هذه النتيجة سارع مبيكي الى التصريح لوسائل الإعلام بأنه سيمتثل للقرار.

 

فكرة قيام قيادة الحزب بإقالة رئيس الجمهورية بسبب تدخله في القضاء تدهش القارئ العادي في بلادنا، الذي تعلم ان رئيس الجمهورية هو الذي يقيل الحزب وليس العكس، ثم إنه لا يتدخل في القضاء فحسب، ولكنه يأمر بتفعيل قضاء استثنائي خاص (عسكري) لكي يتولي معاقبة غير المرضي عنهم، تأديبا لهم وتهذيباً.

 

ينطبق ذلك ايضا على مطالبة الرئيس الباكستاني الجديد آصف علي زرداري البرلمان بتقليص صلاحياته، خصوصا تلك التي تسمح له بحل الجمعية الوطنية وإقالة الحكومة. وكان العسكر قد عزلوا الدستور لإدخال تلك الاختصاصات ضمن صلاحيات الرئيس.وهذه ايضا من العجائب، لاننا لا نعرف رئاسة تطلب من المجلس التشريعي تقليص صلاحياتها، حيث العكس هو المألوف تماما. والتعديلات الدستورية التي أجازها برلماننا «الموقر» خير شاهد على ذلك.

 

خذ أيضا تلك العجيبة التي حدثت في ماليزيا، ذلك أن وزير العدل زيد ابراهيم قدم استقالته من الحكومة، بسبب قيام أجهزة الأمن بإلقاء القبض على ثلاثة اشخاص (نائب معارض في البرلمان وصحافي ومدوِّن معروف) واستندت الأجهزة في ذلك الى قانون الأمن الداخلي الذي يسمح بالاحتجاز دون محاكمة. وقالت صحيفة «نيوستريتس تايمز» إن وزير العدل اعتبر احتجاز الاشخاص بمنزلة إساءة لاستخدام السلطة واعتداء صارخ على القانون، وبالتالي فإن الرجل وجد نفسه مضطرا إلى الاستقالة من منصبه، حيث لم يقبل أن يظل عضوا في حكومة يمارس في ظلها الاعتداء على القانون، في حين أنه مسؤول أمام الرأي العام عن حراسته، وهي القصة التي لن أعلق عليها لأن وزير العدل عندنا لم يحرِّك ساكنا حين قلصت التعديلات الدستورية من دور القضاء العادي ولم نسمع أنه استنكر استمرار العمل بقانون الطوارئ او احتج بأي صورة على الاعتقالات شبه اليومية التي تتم بمقتضاه.

 

القصص المدهشة المماثلة كثيرة منها نجاح أحزاب المعارضة الباكستانية في إجبار الرئيس برويز مشرف على الاستقالة، ومنها قيام المحكمة الدستورية العليا في تركيا باستجواب رئيس الجمهورية ومحاكمته بتهمة تهديد العلمانية، ومنها توجيه الاتهام بالفساد لرئيس وزراء اسرائيل ايهود اولمرت واستجوابه واضطراره الى الاستقالة من رئاسة الحكومة والحزب، ومنها أيضاً استقالة وزير شؤون اسكتلندا من عضوية الحكومة البريطانية احتجاجاً على سياسة رئيسها، منها كذلك احتدام الصراع بين رئيس الجمهورية في تنزانيا وزعيم المعارضة، واضطرار الرئيس الى تقاسم السلطة مع زعيم المعارضة، مع تقليص بعض سلطات الاول وضمها إلى الثاني الذي شغل منصب رئيس الوزراء.

 

لا شيء من كل ذلك له نظيره في مصر طوال ربع القرن الاخير على الاقل، لكننا عرفنا العكس تماما، إذ في مقابل الحيوية السياسية المستمرة في تلك الاقطار، فإن كل شيء عندنا راكد ومجمد، كأننا نعيش على كوكب آخر مختلف ولا صلة لنا بذلك العالم الذي يموج بالحركة.

عن التدليس والتضليل في الملف الفلسطيني (ممنوع)

هذا المقال ممنوع من النشر فى الاهرام المصريه ونشر فى الشرق القطريه و الخليج الإماراتيه و الوطن الكويتيه و مدونة مقالات فهمي هويدي و مدونة مقالات فهمي هويدي

 

الثلاثاء 23 رمضان 1429 – 23 سبتمبر 2008

عن التدليس والتضليل في الملف الفلسطيني – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/682743.html

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/09/blog-post_1426.html

 

افهم ان تتآمر اسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية، لكن الذى ينبغى ان نستغربه ونستنكره هو يتوازى ذلك مع التدليس والتفريط الذى تمارسه بعض الاطراف الفلسطينية والعربية، الذى يمكن اسرائيل من تحقيق اهدافها.

(1)
خذ ذلك الاحتجاج المستمر بمسألة الشرعية والالتزامات الدولية في تبرير استمرار اغلاق معبر رفح وإحكام الحصار على أهالي غزة. فالتصريحات الدبلوماسية والأبواق الرسمية تتحدث عن ان شروط اتفاق إدارة المعبر الذي عقد بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين في عام 2005 لم تعد متوافرة الآن. فالسلطة الفلسطينية لاسلطان لها عليه. كما أن بعثة الاتحاد الأوروبي انسحبت من موقعه، والمراقبة الإسرائيلية له لم تعد قائمة. ورغم أن مدة الاتفاقية كانت سنة، وقيل انه تم تمديدها، إلا أن استخدام مصطلح "الشرعية" لاغلاق المعبر يعد نموذجاً للتدليس والتزوير الذى نتحدث عنه لأسباب عدة.

 

فقد سبق أن أشرت إلى الرأي القانوني الذي أبداه الدكتور صلاح عامر، أحد كبار فقهاء وأساتذة القانون الدولي المصريين، وقرر فيه أنه في ظل استمرار اخلال اسرائيل بمقتضى الاتفاقات الثنائية المبرمة مع منظمة التحرير وحكومة السلطة الفلسطينية، فإن أحكام القانون الدولي تخول الفلسطينيين الحق فى إنهاء تلك الاتفاقات من جانب واحد، أو إيقاف العمل بها استناداً إلى المادة 60 فى إتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات. من ناحية ثانية، فإن اساتذة القانون متفقون على أنه على فرض أن الاتفاقية مازالت سارية، إلا أن استخدام أحكامها لاغلاق المعبر وحصار الفلسطينيين ومنع وصول مقومات الحياة الأساسية إليهم يفقدها شرعيتها، ليس فقط استناداً الى المنطق الذى لايجيز الاحتجاج بقانونية أي اتفاق دولي لارتكاب جريمه عزل البشر وقتلهم، ولكن أيضاً لان القانون الدولي الانسانى، الذى هو أقوى من أية اتفاقيات ثنائية أو دولية، لايمنع ذلك فحسب, وإنما يعتبره عملا غير أخلاقي وجريمة إبادة للجنس. وللعلم فإن الفقرة الثانية من المادة السابعة للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تعتبر أن جرائم الإبادة تشمل " تعمد فرض أحوال معيشية من بينها الحرمان من الطعام والدواء".وذلك بالضبط الحاصل في قطاع غزة. وهوما نصت عليه أيضاً المادة الثانية (فقرة ج) من ميثاق الإبادة البشرية لعام 1948.


فوق هذا كله وذاك، فإن الذين يتعللون بشرعية اتفاقية المعابر. يبدون صمتا مدهشا ومريبا إزاء انتهاك إسرائيل لكل القرارات الدولية التى تتحدث عن حقوق الفلسطينيين، بدءاً بقرار مجلس الأمن بحق اللاجئين فى العودة وانتهاءً بقرار محكمة العدل الدولية الذى يمنع إقامة الجدار العازل، ومروراً بالقرارات الدولية التى تمنع تهويد القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.
لا يذكر العرب المحدثون شيئاً عن هذه الشرعية، ويتمسكون بشرعية مطعون فيها لاتفاقية المعابر، فى حين أنهم لو تمتعوا بقدر من الانصاف- ولا أقول الغيرة – لوجدوا أن الشرعية القانونية الحقيقية لاتدعوهم الى إغلاق معبر رفح، ولكنها توجب عليهم فتحه وعدم المشاركة فى فرض التعاسة على فلسطينيي القطاع، وتحويل حياتهم جحيماً.

(2)
خذ أيضاً اقتراح إرسال قوات عربية الى غزة، الذي يبدو أنه مأخوذ على محمل الجد. وأن هناك ترتيبات وتمهيدات لتنفيذه بقوات تمثل ثلاثاً من دول " الاعتدال " هى مصر والسعودية والاردن. وهو فيما يبدو تطويرا وتهذيبا للفكرة التى طرحها أبو مازن فى وقت سابق، ودعا فيها إلى إرسال قوات دولية إلى القطاع. وهو اقتراح خطير لأسباب عدة، منها أن تلك القوات يفترض أن توجه إلى غزة وليس إلى رام الله، الأمر الذي يعنى أنها موجهة ضد حركة حماس تحديداً، ويعنى في الوقت ذاته أنها ذهبت للاشتباك مع حماس واخضاعها لسلطة أبو مازن في رام الله. كذلك يعنى أنها موجهة إلى قمع فصيل فلسطينى يحتل أغلبية المجلس التشريعى، وليس للدفاع عن الشعب الفلسطينى أو تحرير فلسطينى. وهو تطور لم يخطر يوماً ما على أكثر الناس تشاؤماً وإساءة للظن بالموقف العربى، حيث لايتصور أى مواطن عربى أن توضع القوات العربية فى موقف تقاتل فيه الفلسطينيين، مديرة ظهرها للإحتلال الاسرائيلى.


من ناحية أخرى، فهذه القوات لن تدخل إلا بموافقه اسرائيلية، باعتبارها السلطة المحتلة وصاحية اليد العليا، الأمر الذى يضعنا بإزاء مفارقة أخرى مذهلة، تبارك فيها اسرائيل دخول قوات عربية لقمع أكبر فصيل للمقاومة الفلسطينية.
من ناحية ثالثة، فإن تلك القوات ستوضع فى موقف حرج للغاية إذا ما قامت إحدى فصائل المقاومة بإطلاق صاروخ أو قامت بأى عملية ضد الإسرائليين، أو إذا قامت إسرائيل بالعدوان على الفلسطينيين فى الضفة، ذلك أنها سترتكب جريمة إذا تدخلت فى الحالة الأولى، وسترتكب جريمة أخرى إذا سكتت ووقفت متفرجة في الحالة الثانية.

(3)
خذ كذلك مسألة " تبادل الأراضى "، التى اعلن أبومازن فى أكثر من مناسبة موافقته عليها، بعد أن تم التفاهم عليها مع الإسرائيليين في مباحثات البحر الميت وجنيف. وهى التى أصبحت ركيزة مشروع اليمينى الإسرائيلي المتطرف افيغدور ليبرمان نائب رئيس الوزراء ومؤسس حزب "إسرائيل بيتنا". وللعلم فإن المحرك والمخطط الأساسي للفكرة هو جدعون بيجر أستاذ الجغرافيا بجامعة تل أبيب الذى يقوم بدور المستشار السياسى لليبرمان، وهو يدعو صراحة إلى ضرورة التخلص من الفلسطينيين لإبعاد شبح تفوقهم السكانى، الذي يهدد أغلبية الإسرائيليين. وكان الرئيس السابق بيل كلينتون قد عرض الفكرة أثناء مؤتمر كامب ديفيد الثانى ( أواخر عام 1999) لكن أبوعمار رئيس السلطة الفلسطينية آنذاك رفضها، معتبراً أن الأوطان لاتخضع للمقايضة والاستبدال، فى حين أن خلفه وبعض مساعديه قبلوا بها واعتبروها مبدأ قابلا لمناقشة والمساومة، وهو ما كشفت عنه القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلى التى ذكرت ( فى 22-11-2007) أنه خلال المباحثات التى أجراها الوفدان الفلسطينى والإسرائيلى عشية الذهاب إلى مؤتمر انابوليس، تم الاتفاق بين الجانبين على أن فكرة تبادل الأراضي يمكن أن تكون أحد الحلول المقبولة للصراع. وجرت صياغة الفكرة بصورة ملتوية تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية غير مسلحة، حدودها مبنية على خرائط عام 1967. ويجرى الاتفاق على تلك الحدود بدقة، بناء على الاحتياجات الأمنية (الإسرائيلية بطبيعة الحال) والتطورات الديموجرافية والمستلزمات الإنسانية. وهذا الشق الأخير من الكلام الذي يتحدث عن الاحتياجات الأمنية، يجعل الكلمة الأخيرة للإسرائيليين في ترسيم الحدود، ويفتح الباب لتبادل الاراضى. وإخراج ما لايقل عن 200 الف عربى من إسرائيل. وضمهم إلى "الدولة الجديدة" فى فلسطين، بحيث تصبح اسرائيل دولة عنصرية خالصة لليهود. وهذا الكلام ليس استنتاجا من جانبنا، ولكنه مؤيد بتصريح أدلى به البروفيسور جدعون بيجر الى صحيفة هاآرتس (16-12-2005) قال فيه ان مشروعه يتضمن خطة لتفريغ القرى الفلسطينية من سكانها. ولايقف الأمر عند المسألة السكانية وحدها، لأن الكتل الإستيطانية المطلوب ضمها إلى إسرائيل تتمدد فوق الخزان المائى الغربي في الضفة، التي تضم أكبر 3 خزانات، تضخ إسرائيل منه 90% من مخزونه، الذى يصل إلى 550 مليون متر مكعب من المياه سنوياً. وهى خلفية تدل على أن فكرة تبادل الأراضى ليست سوى قناع للتطهير العرقى ونهب الثروة الزراعية والمائية للفلسطينيين.

(4)
خذ أخيراً مسألة الخداع الذى يمارسه الإسرائيلييون لغش الطرف العربى وتنويمه، من خلال التلاعب بالألفاظ والمعلومات. ذلك أن إسرائيل حين فشلت فى القضاء على المقاومة الفسطينية فإنها لجأت إلى تفكيك القضية والعبث بملفاتها. فقد استخدم عنوان "مفاوضات السلام" غطاء لتوسيع المستوطنات وإضفاء الشرعية عليها وتهويد القدس. وفكرة "الدولة ذات الحدود المؤقتة" ظل هدفها المركزي هو انتزاع تنازل فلسطينى فورى عن حق العودة وعن الاراضى التى اقيمت عليها الكتل الاستيطانية والسماح بالتنازل عن القدس فى الوقت الذى يستمر فيه تهويدها وتطبيق القانون الاسرائيلى عليها. وبعدما كانت إسرائيل تعارض فكرة الدولة, فإنها أدعت قبولاً بها مع تفريغها من مضمونها السيادي. وفى حين كانت ترفض إزالة الاستيطان، فإنها أصبحت تقبل في العلن بإزالة بعض البقع الاستيطانية التى لا قيمة لها، وبعضها يقطنه ما بين اثنين وخمسة اشخاص، ولايزيد مجموع مستوطني تلك البقع على 3 آلاف شخص، مقابل اضفاء الشرعية على الكتل التى تضم 450 ألف مستوطن.
في حالة القدس فإنهم يريدون تغيير مضمونها المتعارف عليه (الحرم الشريف وكنيسة القيامة والبلدة القديمة وجبل الزيتون والعيسوية وسلوان وغيرها) لينصرف إلى أحياء محيطة بالقدس كالعزيرية وأبوديس وربما بيت حنانينا. والهدف من ذلك خداع الرأى العالم العربى، الذى تحتل القدس لديه موقعا خاصا، وايهامه فى اى تسوية بانه استعاد القدس لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية، فى حين ان الذى يقدم اليهم هو قرية صغيرة مجاورة للقدس الحقيقية.


أما التلاعب بالمعلومات والأرقام، فقد كشف عنه خليل التفكجى خبير شئون الاستيطان. ومدير دائرة الخرائط فى جمعية الدراسات العربية بالقدس، حيث ذكر أن إسرائيل كذبت حين اعربت عن استعدادها للقبول بإقامة دولة فلسطينية على 93% من اراضى الضفة (السبعة فى المائة المتبقية يفترض أن تخضع لتبادل السكان).والحقيقة أن إسرائيل تعرض 50% فقط من الضفة. ذلك أنها حين تحدثت عن الضفة دون ان تقدم للطرف الفلسطينى أيه خرائط، فإنها أخرجت من العرض مدينة القدس التي أصبحت تمثل الآن 10% من مساحتها كما أنها أسقطت غور الأردن الذى يشكل 22% من المساحة. وهذا التلاعب فى الأرقام حدث أيضاً فى معلومات الجدار العازل، الذى اثبت معهد البحوث التطبيقية (اريج) أنه يصادر 13% من أراضى الضفة، بخلاف ما تملكه تعلنه التى ما برحت تتحدث عن انه يقتطع فقط ما بين 6و9% من الضفة.


إن أصابع الاتهام في كل ما سبق لاتشير فقط إلى طرف إسرائيلى متآمر، لكنها تشير أيضاً إلى أطراف فلسطينية وعربية إما مفرطة أو متواطئة، وتلك نكبة أخرى تدعونا الى اعادة النظر فى خريطة جبهة المواجهة التى باتت اوسع كثيرا مما نظن.

 

السياسة فن الاستمرار

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 23 رمضان 1429 – 23 سبتمبر 2008

السياسة فن الاستمرار – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/9/682741.html

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/09/blog-post_23.html

 

السياسة عندنا ليست فن الممكن كما يقال في الادبيات المعاصرة، وليس كل ما من شأنه جلب المصالح ودرء المفاسد كما يقول الاصوليون، ولكنها فن التمكين والاستمرار، وموضوعها ليس ادارة المجتمع ولكنه خضاعه، وهي ليست تكليفا يثقل كاهل السياسي ويحمله هموم الناس الذين يسوسهم ولكنها تشريف يغرق صاحبه في بحر الوجاهة والثراء ومختلف صور الاستمتاع بالحياة وارضاء النزوات، وهذه كلها من مقومات الدولة السلطانية، التي تختلف تماما عن الدولة الديموقراطية، والأولى تقوم على السلطان الفرد الذي ليس كمثله فرد آخر في المجتمع، في حين ان الثانية دولة كل المواطنين، الذين ينتخبون من يسوسهم ويدبر أمورهم، فإن أحسن بقي وان أساء ذهب لحال سبيله.

 

في القرآن ان الله سبحانه وتعالى يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء وصياغة الشق الأخير من العملية لابد ان تستوقفنا، لأن التخلي عن السلطة ليس بالأمر السهل، وإنما هي لابد ان «تنتزع » من صاحبها، وهذا الانتزاع قد يكون بأمر القانون، او بضغط من المجتمع، اذا توافرت له مقومات العافية، أو بقرار إلهي لا حيلة لأحد فيه، والتشبث بالسلطة ليس أمرا استثنائيا ولكنه جزء من الطبيعة الإنسانية، في حين ان الذين يزهدون في السلطة هم الاستثناء والشذوذ،ولكن طموح الاستمرار يظل مشروعا مادام ذلك في حدود القانون وقائما على رضا الناس، وتسقط تلك المشروعية اذا سوغ الاستمرار بالاحتيال على القانون وتم ذلك رغما عن

انف الناس، وهذا الاحتيال على القانون اصبح سمة للدول السلطانية المعاصرة، التي ادركت هبوب رياح التعددية والديموقراطية وحقوق الإنسان فتخلت عن نهجها القديم في تحدي كل ذلك والعصف به، وبدافع الرغبة الغريزية في الاستمرار، فإنها اختارت ان تميل مع الريح، بحيث تستخدم نفس العناوين لكي تغطي بها ممارستها لنفس السياسات، وهو ما وصفته في مقام آخر بأنه من قبيل تغيير طلاء البناية، مع الابقاء على كل الشقوق والشروخ والاعطال التي تتخللها، واعتبرته نوعا من الاصلاح السياحي وليس السياسي.

 

ولا سبيل لانجاح الاحتيال على القانون الا من خلال احراق البدائل واضعاف المؤسسات التي يفترض تمثيلها للمجتمع، وتلك من ضرورات تمهيد الطريق لتمرير التلاعب بالقانون وتزييف الحياة السياسية، بحيث تتوافر لها كل الهياكل اللازمة لإقامة الشكل الديموقراطي، وفي الوقت ذاته تنزع الصلاحيات والفاعلية من تلك الهياكل، ان شئت فقل ان الدولة السلطانية لا تكف طوال الوقت عن اخصاء المجتمع ومؤسساته، عن طريق إماتة خلاياه الفاعلة، ووحدها دولة المواطنين هي القادرة على الفاعلية والحيوية.

 

في مرحلة انحطاط الدولة العثمانية كان السلاطين يتخلصون من أية بدائل لهم تلوح في الأفق، بالتصفية الجسدية حينا وبسجنهم وحجبهم عن الانظار حينا، وبتشويههم عن طريق افقادهم البصر مثلا، في حين

ثالثة، وهذا كله يتم الآن بوسائل أخرى تحقق المراد ولكن بقفازات ناعمة..

 

لقد تحدثت أمس عن الجمود في حياتنا السياسية، الذي حول البلاد الى بحيرة راكدة ماتت فيها الحياة، وفقدت القدرة على التقدم الى الأمام، بحيث لم تعد تتحرك فيها سوى تلك المحاولات المستمرة لتغيير الطلاء للإيحاء بأن ثمة جديدا في المشهد وان هناك انجازا يتم، ومشكلة هذا المسلك لا تكمن فقط في خداع الناس وبيعهم الوهم، لكنها تكمن ايضا في انه في عالم اليوم فإن الذي لا يتقدم الى الامام لا يبقى في مكانه بل يتراجع الى الوراء.

 

اننا لن نستطيع ان نعيد الى المجتمع حيويته الا اذا طوينا صفحة الدولة السلطانية واسسنا دولة المواطنين، وينبغي ألا نعول في ذلك على تصاريف القدر وحدها، وانما لا بديل عن ايقاظ وعي المواطنين، واحتشاد<