فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

الفشل الأكبر والأصغر

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 28 شعبان 1429 – 29 أغسطس 2008
الفشل الأكبر والأصغر - فهمى هويدى

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/661851.html


لا بأس أن يجري تحقيق في الفشل الأولمبي الذريع الذي منيت مصر به في بكين، بحيث شارك في الدورة 100 رياضي «غير 77 إدارياً» وعدنا منها بميدالية برونزية واحدة «في الجودو»، وهو الفشل الذي جعل مصر تحتل المركز 81 علي جدول المباريات، متساوية في ذلك مع دول مثل توجو وموريشيوس وأفغانستان، علماً بأن مصر حصدت في دورة أثينا عام 2004 خمس ميداليات إحداها ذهبية في المصارعة.

ولا أعرف مدي جدية حكاية التحقيق هذه، لأن لنا تجربة سابقة «في سنة 1984 بعد دورة لوس أنجلوس» حيث شكلت لجنة برئاسة الدكتور كمال الجنزوري الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك، للتحقيق في ملابسات النتائج السيئة التي حققتها البعثة المصرية في أولمبياد ذلك العام، وحتي الآن، بعد مضي حوالي ربع قرن علي التشكيل، لم نعرف بالضبط ما الذي حدث في ذلك العام، مع ذلك فسوف نفترض ـ أو نرجو ـ أن تكون تجربة لجنة التحقيق التي تشكلت برئاسة الدكتور أحمد نظيف ـ رئيس الحكومة ـ أفضل من التجربة السابقة، لكن أخشي أن تخطئ في تشخيص المشكلة، بحيث تحصر تحقيقها في الشأن الرياضي، ولا تتطرق إلي عمق المسألة المتمثل في الظروف السياسية والمجتمعية التي كانت النتائج البائسة التي تحققت في بكين إفرازاً طبيعياً لها.

لست خبيراً في الشأن الرياضي وعلاقتي بالرياضة البدنية لا تقل سوءاً عن علاقتي بالعلوم الرياضية التي كانت مقررة علينا في المرحلة الثانوية، لذلك فإن ملاحظاتي محصورة في رؤيتي كمشاهد لا كمشارك، رغم أن تجربة بكين والأداء التعيس لبعض الرياضيين المصريين، أقنعني بأنه كان بوسع واحد مثلي أن ينضم إلي البعثة وهو مطمئن إلي أنه لن يكون أسوأ من أولئك البعض، باعتبار أننا جميعاً في مستوي واحد من عدم اللياقة.

هناك مستويان لإجراء التحقيق المنشود كما أشرت تواً، أحدهما يتعلق بظاهر الحدث، والثاني يغوص في أعماقه. في الظاهر سوف نستدرج إلي مناقشة مسئولية كل من اللجنة الأولمبية، والمجلس القومي للرياضة، بعدما أصبح المسئولون في كل جهاز يلقي بالتبعة علي الآخر، وسيفتح ذلك الباب واسعاً للحديث عن الأعذار والإمكانات، وغير ذلك من تفصيلات الأنشطة الرياضية في البلد، وهي أمور مهمة لا ريب، لكنني لست علي دراية كافية بأبعادها، لكنني لاحظت من قراءتي للصحف أمرين، أولهما أن الرياضة عندنا أصبحت محصورة في كرة القدم، بحيث أصبح أكبر حزبين حقيقيين هما حزبا الأهلي والزمالك، وثانيهما أن الرياضة انفصلت عن الأخلاق، حتي أصبحت البذاءة والشتائم والهتافات الهابطة من تقاليد مباريات كرة القدم، وبسبب ذلك الانفصال بين الاثنين، أصبحت الأندية الرياضية ساحة للمنازعات والمشكلات، كما أفسدت الصورة المشاحنات بين المعلقين الرياضيين وممارسات بعض اللاعبين التي تنسب إلي البلطجة بأكثر مما تنسب إلي الرياضة، وكانت النتيجة أن صفحات الرياضة لم تعد تختلف كثيراً عن صفحات الحوادث.

إذا ذهبنا إلي أبعد، وحاولنا أن نتحري جذور المشكلة، فسوف نكتشف أننا مجتمع ليست لنا علاقة بالرياضة، فهي ليست جزءاً من حياتنا، ولا هي جزء من اهتمام السلطة، وكما أنه ليست لدينا استراتيجية واضحة في أي شيء، لا في السياسة ولا في التنمية، فليس غريباً ألا تكون لنا استراتيجية في الرياضة، وبالتالي فإن فشلنا في دورة بكين، هو صدي لفشلنا في الميادين الأخري، وعجزنا عن تحقيق أي تفوق في المباريات هناك، يمكن أن يتحقق لو أننا شاركنا في أي مسابقات أخري في التعليم أو البحث العلمي أو الصناعة أو الزراعة، وما أزمة رغيف الخبز والفشل في إطفاء حريق مجلس الشوري إلا بعض أصداء ذلك العجز.

فقط نستطيع أن نحصل علي ميدالية ذهبية في الطوارئ والقمع وتزوير الانتخابات.

إننا نخدع أنفسنا إذا قلنا إنه فشل في دورة بكين، لأن الفشل الحقيقي هو في إدارة المجتمع، إن شئت فقل إن الأول فشل أصغر والثاني فشل أكبر.


أضف تعليقا