صحيفة الدستور المصريه الخميس 27 شعبان 1429 – 28 أغسطس 2008
القضاة يئدون الحصار - فهمى هويدى
حين كتبت في هذا المكان معبرا عن الشعور بالحرج والخزي، لأن الناشطين الأوروبيين نجحوا في كسر حصار غزة والوصول الى أهلها والتعبير عن التضامن معهم، في حين ان العالم العربي كله يقف متفرجا وذاهلا، نظمه ومثقفوه على الأقل، فإنني لم أتوقع كم التجاوب والتأييد الذي لقيته هذه الرسالة، فقد أصبحت أتلقى يوميا اتصالات بخصوص الموضوع، بعضها أسهب في سب الزمن العربي، وبعضها دعا الى تصويب الرؤية ووضع الحصار في اطاره الصحيح بحيث نواجه أنفسنا بشجاعة وصراحة، ونعلن على الملأ ان الحصار مصري قبل ان يكون اسرائيليا. قارئ آخر عبر عن رأيه بسخرية قال ان الرئيس مبارك قال ان مصر لن تسمح بتجويع الفلسطينيين حقا، وهو ما حدث لأن احدا لم يمت من الجوع هناك، ولكنه لم يقل ان مصر لن تسمح بموت المرضى على بوابة معبر رفح، او بتضييع مستقبل الطلاب العالقين عند المعبر الذين لم يلتحقوا بجامعاتهم، او بتعطيل المدارس واغلاق المصانع ووقف نمو الاطفال بسبب سوء التغذية.السؤال المشترك الذي القاه علي اغلب القراء هو: ما الذي يستطيع ان يفعله المجتمع للتضامن واغاثة المحاصرين في القطاع؟ في هذا السياق اتصل بي أحدهم ليأخذ رأيي في قرار اتخذه هو وبعض اصدقائه بتجهيز عشر سيارات وتحميلها بالمؤن والأدوية والاتجاه بها الى العريش لتوصيلها الى أهالي القطاع عبر معبر رفح، وقد استحسنت الفكرة لكني نصحت بالتنسيق مع السلطات المصرية، لأن القافلة لن تستطيع ان تمر الا في ظل ذلك التنسيق، لأن البديل هو الاشتباك مع القوات الموجودة هناك، وهذا أمر لن يخدم الهدف المنشود.غير ان اهم ما سمعته من آراء في الموضوع، كان ما حدثني به المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض، الذي قال ان القضاة موقفهم أكثر حرجا من غيرهم من زاويتين الأولى انهم لا يستطيعون ان يلتزموا الصمت امام الحصار الذي يشكل جريمة ابادة، طبقا لاتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني، ويعتبرون انهم باعتبارهم حراسا للقانون في البلد مطالبون باتخاذ موقف يدافع عن المبادئ القانونية التي ترفض الحصار وتجرمه، وفي رأيه ان الاحتجاج بالاتفاقيات الدولية المعقودة مع الإسرائيليين لاستمرار الحصار باطل من الناحية القانونية، لأنه لا يجوز الاتفاق على تنفيذ جريمة، وليس هناك قانون أو عرف أو منطق يؤيد ذلك..نقطة الحرج الثانية في موقف القضاة انهم لا يريدون تسجيل موقف سياسي ولا احراج الحكومة، ولا يريدون ان يخوضوا في الجدل السياسي المثار حول الموضوع، وانما غاية ما يطمحون اليه ان يتصرفوا كقضاة يلتزمون بالقانون، ويعبرون عن الغيرة على وطنهم وامتهم ودينهم، ويأبون ان يروا جريمة الابادة تتم تحت اعينهم في حين يلتزمون الصمت ازاءها.فهمت من المستشار مكي ان اعضاء نادي القضاة يتداولون الآن فيما بينهم حول كيفية تطبيق قواعد القانون الدولي في مسألة الحصار، وان الناشطين الغربيين نجحوا في الوصول الى غزة لأن القانون الدولي في صفهم، ولم يكن بمقدور اي أحد ان يمنعهم من القيام بالدور الإنساني الذي اعلنوا انهم يقومون به، في هذا الاطار فإن افكارا عدة مطروحة، منها ترتيب لقاء مع السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية للتباحث معه في كيفية وآلية تنفيذ قرار مجلس الجامعة بكسر الحصار، وتطبيق مبادئ القانون الدولي في هذا الصدد .
من هذه الأفكار أيضا ان القضاة يبحثون في كيفية اقامة تحالف قانوني دولي لرفع قضية أمام المحكمة الاوروبية لحقوق الإنسان تطالب برفع الحصار وابطال نتائجه. ومما قيل في هذا الصدد ان أي فلسطيني موجود في مصر بوسعه ان يرفع قضية امام مجلس الدولة يطالب فيها بوقف القرار الاداري الخاص باستمرار اغلاق معبر رفح، وحرمان المرضى وغيرهم من ذوي الحاجات من قضاء حوائجهم، وهو ما يتعارض صراحة مع مبادئ القانون الدولي الإنسانى .
لقد قرر القضاة ان يتحملوا مسؤوليتهم في حدود دائرتهم القانونية، فما الذي سيفعله الآخرون؟!








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية