فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

تغريد خارج السرب

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 25 شعبان 1429 – 26 أغسطس 2008

تغريد خارج السرب – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/658837.html

 

لأاعرف إلي أي مدي يحتل المزاج العربي دعوة لإحداث نقلة نوعية في الوجهة السياسية‏,‏ تستهدف توثيق العرب مع الأتراك والإيرانيين‏,‏ لكني علي يقين من أن ذلك يعد تغريدا خارج السرب‏.‏

(1 )
في حين يحظي مسلسل نور التليفزيوني التركي بمتابعة غير عادية في أنحاء العالم العربي‏,‏ أزعم أنها أحدثت انقلابا في رؤية العرب لتركيا‏,‏ فإن المراصد السياسية باتت مشدودة إلي الدور التركي الصاعد الذي يتحرك بجدية علي مستويات عدة‏,‏ من القمة التركية ـ الإفريقية‏,‏ إلي استقبال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في اسطنبول‏,‏ وقبله استقبال الرئيس السوري بشار الأسد‏,‏ وزيارة أردوغان بغداد‏,‏ ودخوله علي الخط بين روسيا وجورجيا‏,‏ وتحركه لتطبيع العلاقات مع خصومه التاريخيين في أرمينيا واليونان‏,‏ وتوسط حكومته بين سوريا وإسرائيل‏..‏ كل ذلك خلال الأشهر القليلة الماضية‏.‏

في وقت متزامن‏,‏ كانت إيران تطور علاقاتها مع روسيا باتفاق علي التعاون في مجال الفضاء بعدما قطعت شوطا في تعاونها معها في بناء مفاعلها النووي في بوشهر‏.‏ وتمد جسورا مع الجزائر في أثناء زيارة الرئيس بوتفليقة لطهران‏,‏ وتستقبل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي‏.‏ وأثارت الانتباه في هذا السياق‏,‏ الزيارة التي قام بها الرئيس أحمدي نجاد لاسطنبول‏,‏ والتي غادرها متجها إلي دمشق‏,‏ ثم زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة راعي اتفاق الفصائل اللبنانية في الدوحة لطهران‏.‏

هذا القدر المعلن من الاتصالات دفع بعض المحللين إلي الحديث عن ظهور نظام إقليمي جديد في المنطقة‏,‏ تلعب فيه إيران وتركيا الدور الأساسي‏,‏ كما دفعهم إلي مقارنة هذه التحركات بالسكون المخيم علي العالم العربي‏,‏ واستغراقه إما في الخلافات بين دوله أو في مشاكلها الداخلية‏,‏ التي استصحبت حالة من الانكفاء القطري أذهلت العواصم علي ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية‏.‏

(2)
‏ ما هو جديد في هذه التحركات أنها تتم بين دول لها مشاكلها ومرارتها فيما بينها‏,‏ لكنها انطلقت من رؤية استراتيجية تجاوزت بها عقد الحاضر‏,‏ فضلا عن أوزار التاريخ‏..‏ إن شئت فقل إن هذه الدول طوت صفحة التاريخ واستعلت فوق المشاكل الأدني لكي تحقق المصالح العليا‏.‏

فتركيا وإيران علي طرف نقيض علي صعيد التحالفات السياسية‏,‏ فالأولي لها ارتباطاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل‏,‏ وهما الخصمان اللدودان لإيران‏,‏ وممثلو النظام الإسلامي في طهران يرفضون في زياراتهم الرسمية زيارة قبر أتاتورك‏,‏ مؤسس الجمهورية العلمانية في تركيا‏,‏ كما يقضي البروتوكول‏.‏ ولذلك‏,‏ فإن زيارة أحمدي نجاد ولقاءاته تمت في اسطنبول‏,‏ وكان الأتراك هم الذين رتبوا العملية‏,‏ ولم يعتبروا ذلك إهانة لمؤسسة الجمهورية‏,‏ لأن هناك مصالح أكبر من البروتوكول‏.‏ وفي الذاكرة التركية أن إيران أقامت علاقة مع حزب العمال الكردستاني في التسعينيات للضغط علي أنقرة‏,‏ كما أن الصراع المرير بين الدولتين الصفوية والعثمانية لايزال له مكانة في ذاكرة الأتراك‏,‏ وفي الوقت نفسه‏,‏ فإن أنقرة قلقة من التمدد الإيراني في العراق‏,‏ وتعتبره إخلالا بالتوازن المفترض بين قوي الجناح الشرقي للمنطقة‏.‏

وتركيا التي تتمتع الآن بعلاقات ممتازة مع سوريا حتي تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين‏900‏ مليون دولار سنة‏2007‏ ـ وهو يزيد علي أربعة أضعاف التبادل التجاري بين تركيا ومصر‏(200‏ مليون‏)‏ ـ كانت علي وشك الدخول في حرب مع سوريا وهددت بغزو دمشق عام‏1998,‏ بسبب دعمها حزب العمال الكردستاني وإيواء زعيمه عبدالله أوجلان‏,‏ وبين البلدين تاريخ مسكون بالعداء والتوتر‏,‏ منذ عام‏1939,‏ عشية الحرب العالمية الثانية حين اقتطعت فرنسا لواء الاسكندرونة من سوريا ومنحته لتركيا‏,‏ وبعد ذلك حين أقامت تركيا مجموعة من السدود التي أثرت علي حصة سوريا من المياه‏.‏ ذلك غير اعتراف انقرة بإسرائيل في وقت مبكر‏(‏ عام‏1948),‏ الأمر الذي صنفها ضمن المعسكر المعادي لسوريا‏,‏ وهو ما تغير الآن‏180‏ درجة‏,‏ بحيث أصبحت أنقرة وسيطا في المحادثات بين سوريا وإسرائيل‏.‏

(3)
‏ ليست هذه معلومات مما نطالعه في الصحف ونحن نتثاءب‏,‏ ثم نتحول عنها لنتسلي بأخبار العالم الأخري‏,‏ لأن هذه التحركات تتم في شمال العالم العربي وشرقه‏,‏ وبالتالي فإنها تدخل بامتياز في إطار منظومة الأمن العربي التي أصبح وجودها محل تساؤل وشك‏,‏ في ظل غياب الرؤية الاستراتيجية لمصالح المنطقة‏,‏ علي النحو الذي سبقت الإشارة إليه‏,‏ وللأسف فإن ذلك الغياب سمح بإطلاق العنان لإسرائيل لكي تتمدد وتعبث وتجوب العالم العربي ما بين وادي النيل والبحر الأحمر‏.‏

إن تركيا وإيران مع العالم العربي‏(‏ مصر بوجه خاص‏)‏ يشكلون مثلث القوة في منطقة الشرق الأوسط‏,‏ الذي تحدث عنه الدكتور جمال حمدان‏,‏ عالم الجغرافيا السياسية المرموق‏,‏ في كتابه استراتيجية الاستعمار والتحرير‏.‏ ولأن الأمر كذلك‏,‏ فإننا نخطئ كثيرا حين نعتبر تركيا وإيران مجرد جيران فرضتهما ظروف الجغرافيا‏,‏ وتشاركنا معهما في التاريخ زمنا‏,‏ ثم ذهب كل إلي حال سبيله بعد ذلك‏,‏ ذلك ان الدولة العباسية التي ورثت الخلافة الأموية قامت علي أكتاف العناصر الفارسية‏,‏ وفي زمانها تأسست أعظم المراكز الحضارية الإسلامية علي قاعدة التفاعل بين الفرس والعرب‏,‏ وبعد أقل من قرنين‏,‏ أصبحت العناصر التركية تلعب دورا بارزا في تاريخ المنطقة‏,‏ خصوصا تحت مظلة الدولة العثمانية‏,‏ ولكن دار الإسلام المشرقية انقسمت منذ القرن السادس عشر بين الصفويين في إيران والعثمانيين في تركيا‏.‏ وقدر لذلك الفصام النكد أن يمهد لتجزئة المشرق إلي أقطار شتي عقب الحرب العالمية الأولي‏,‏ حين اتفق المنتصرون في الحرب علي تمزيق المنطقة وتقطيع أوصالها في ظل اتفاقية سايكس بيكو‏(‏ عام‏1916).‏

لم يبق من ذلك التاريخ الذي تراجع في الواقع وحفظته الكتب‏,‏ سوي رابطة العقيدة وبعض آثار التداخل بين الشعوب التي تمثلت في انتشار الحرف العربي في إيران وتركيا‏(‏ كمال أتاتورك استبدله بالحروف اللاتينية في العشرينيات‏)‏ وفي تسرب الكلمات العربية إلي اللغات المحلية باعتبارها مفردات لغة القرآن‏,‏ حتي أصبحت تمثل‏40%‏ علي الأقل من مفردات اللغتين الفارسية والتركية‏,‏ كما انتشرت الكلمات الفارسية والتركية في المجتمعات العربية التي عرفت الكباب والكفتة والمسقعة والكشك والكحك والبقلاوة والخشاف والشوربة والطرشي والبقصمات والسميط‏,‏ وهي كلمات فارسية وتركية‏.‏

وتداولت ألسنة الناس كلمات فارسية أخري مثل البيجامة والدوبارة والفوطة والبرواز والجنزير والدبوس والدورق والشمعدان والكاسة والشاكوش والكباية والكنكة والكوز والدرابزين‏..‏ ولاتزال كثير من الأسماء الشائعة ورتب العساكر محتفظة بأصولها التركية مثل نشأت وعصمت ودولت وعفت وعزت‏,‏ ومثل اومباشي وشاويش ويوزباشي وبكباشي وكراكون وياور وباشا‏.‏

كما أننا مازلنا نتداول في بيوتنا كلمات تركية مثل الأودة والسفرة والبطانية والشنطة والشراب والجزمة‏..‏ ونينة وأبيه وأبلة‏(‏ الأخ والأخت الكبيران‏)..‏ ولأساتذة اللغات الشرقية المصريين جهد طيب في هذا المجال استفدت منه‏,‏ خصوصا أبحاث الدكتور حسين مجيب المصري والدكتور محمد نور الدين عبدالمنعم والدكتورة ماجدة مخلوف‏.‏

هذه البصمات الباهتة للتاريخ لا تكاد تقارن بالحضور القوي لحقائق الجغرافيا‏,‏ التي لم تتغير بفعل الزمن‏,‏ وإنما أصبحت أكثر رسوخا وأهمية‏.‏

(4)
‏ لايزال العرب والإيرانيون والأتراك يمثلون كتلة جغرافية متماسكة‏,‏ تقع في خاصرة العالم وتمثل شريحة أفقية تمتد من المغرب في أقصي الغرب حتي مشهد في إيران شرقا‏,‏ ومن تركيا في الشمال وحتي اليمن في الجنوب‏..‏ وهي في موقعها المتمدد في إفريقيا وآسيا وجزء من أوروبا‏,‏ تسيطر علي أخطر الممرات البحرية في العالم‏,‏ مضائق هرمز وباب المندب والبسفور والدردنيل وقناة السويس‏,‏ كما أنها تملك أكبر احتياطي عالمي في النفط‏,‏ إلي جانب احتياطات هائلة من الغاز تكاد تحتل المرتبة الأولي في العالم‏,‏ وتمر عبرها شبكة أنابيب النفط والغاز الذي يغذي العالم الصناعي بأسره‏,‏ ولايزال القاسم المشترك الأعظم بين شعوب المنطقة أنها في أغلبيتها الساحقة يشدها رابط العقيدة الإسلامية‏.‏

هذه الخلفية التي توفر فرصة ممتازة لإقامة كتلة بشرية حية تغني حاضر الأمة ومستقبلها لا تبدو حاضرة في الاستراتيجية العربية‏,‏ وفي غياب تلك الاستراتيجية‏,‏ فقد العالم العربي بوصلته الهادية‏,‏ ولم يكن مفاجئا بعد ذلك أن يضل طريقه وتتخبط مسيرته‏,‏ فيتمزق صفه تارة ولا يعرف حلفاءه من أعدائه تارة أخري‏,‏ وأن يستدرج للانخراط في مخططات الآخرين واستراتيجياتهم في حين ثالثة‏,‏ الأمر الذي فرض علي الواقع العربي مجموعة من المفارقات بينها ما يلي‏:‏

ــ إن العلاقات الأمريكية ـ العربية أصبحت أوثق وأمتن من العلاقات العربية ـ العربية‏.‏

ــ إن الولايات المتحدة أصبحت لها كلمة في خرائط المنطقة‏,‏ وفرت لها فرصة تقسيمها إلي معتدلين ومتطرفين‏,‏ بل وفرت لها جرأة التدخل في صياغة أوضاعها الاقتصادية والثقافية‏,‏ إضافة إلي سياساتها الخارجية‏.‏

ــ إن بعض الدول العربية تصالحت مع إسرائيل في حين خاصمت دولا عربية أخري‏,‏ كما خاصمت إيران‏.‏

ــ إن البعض أصبح يري أن إيران هي العدو الأول للعرب وليس إسرائيل‏.‏

ــ إن إسرائيل أصبحت لاعبا مهما في تركيا وإيران‏(‏ قبل الثورة‏)‏ في حين ظل العالم العربي غائبا عن البلدين الجارين‏.‏

ــ إن إسرائيل أصبحت تمثل في بعض الاجتماعات الأمنية المهمة التي تعقدها دول ما سمي بمعسكر الاعتدال العربي‏,‏ في حين استهجن بعض العرب حضور إيران اجتماع مجلس التعاون الخليجي‏,‏ واستنكر آخرون طلب تركيا الانضمام كمراقب إلي الجامعة العربية‏.‏

ــ إن بعض المثقفين المنتسبين إلي التفكير الاستراتيجي أسقطوا تركيا وإيران من دوائر الانتماء الثقافي والحضاري‏,‏ وتحدثوا عن إضافة الدائرة الأمريكية كمجال لحركة العالم العربي‏.‏



أضف تعليقا