صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 25 شعبان 1429 – 26 أغسطس 2008
حوار محكوم عليه بالفشل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/658835.html
لا أعرف إلى أي مدى يمكن أن نأخذ حوار المصالحة الفلسطيني الذي تشهده القاهرة هذه الأيام على محمل الجد، ذلك أن الحوار يفترض فيه أمران، أولهما أن تتوافر لدى الأطراف المعنية إرادة التصالح، وثانيهما أن يملك المتحاورون قرارهم. اما الطرف الذي يدير الحوار أو يتوسط فيه فيفترض ان يكون محايدا حتى يكتسب ثقة الأطراف المختلفة، وعندي شك كبير في أن تكون هذه الشروط متوافرة في مشهد الحوار الذي نطالعه الآن في القاهرة، الأمر الذي يعني ان نتيجته معلومة سلفا، وأنه سيكون من قبيل الجري في ذات المكان، الذي لا يسفر عن أي تقدم الى الأمام.
قبل ان اعرض وجهة نظري في الموضوع، ألفت النظر الى نقطتين؛ الأولى ان القاهرة حريصة على إنجاح الحوار في اطار المقترحات التي قدمتها، ليس بالضرورة خدمة للقضية الفلسطينية، ولا سعيا إلى تحقيق الوفاق بين الاشقاء، ولكن لأن الوضع في غزة يسبب قلقا واضحا لها، أولا لأن غزة لصيقة بالحدود المصرية، من ثم فاستقرار الوضع فيها وثيق الصلة بمقتضيات الأمن القومي المصري، وثانيا لأن وجود حركة حماس كسلطة في القطاع يثير حساسية خاصة لدى مصر، باعتبار أن حماس منسوبة إلى حركة الإخوان المسلمين، وللنظام المصري منها موقف «صليبي» لا يقبل كلاما ولا سلاما.
وهناك سبب ثالث أذكره على استحياء، هو أنه بعدما انكفأت مصر على ذاتها، ولم يعد لها دور سياسي يذكر في العالم العربي، خصوصا بعدما تحولت من «أخ كبير» إلى طرف في النزاع بين الأشقاء الأصغر، فإن الساحة الفلسطينية أصبحت هي الدائرة الوحيدة التي تتحرك فيها، ومع الأسف فإن هذه الحركة أصبحت تدور في فلك ممارسة الضغوط على عناصر المقاومة، الأمر الذي يرفع من رصيدها لدى الإدارة الأميركية التي مازالت القاهرة تعتبرها حائزة على ٪99.9 من أوراق اللعبة -حسب التعبير الساداتي الشهير- ورفع ذلك الرصيد مهم في خيارات وترتيبات مستقبل النظام.
النقطة الثانية أننا حين نتحدث عن حوار فلسطيني، فإننا ينبغي أن نفرق بين الفصائل الرئيسية والفصائل المساعدة، ذلك أن التناقض الرئيسي هو بين حركتي فتح وحماس، أما بقية الفصائل الأخرى فدورها مساعد فقط، وهناك فصائل لا وزن لها على الأرض.
وأهمية هذه النقطة تكمن في أنه ما لم يتم التوافق بين فتح وحماس، فلا مصالحة، أيا كان رأي الفصائل المساعدة الأخرى.
اذا رجعنا الى الأسئلة الجوهرية في المشهد وأولها المتعلق بإرادة التصالح، فردي على هذه النقطة ان هناك عناصر نافذة في السلطة وقيادة فتح مصرة على استعادة مواقعها التي احتكرتها منذ توقيع اتفاق اوسلو في عام 1993، وهي ذاتها العناصر التي رفضت نتائج الانتخابات التشريعية في عام 2006 والتي تآمرت على إفشال حكومة حماس الأولى وحكومة الوحدة الوطنية التالية، وهي لا ترى بديلا عن استسلام حماس وخضوعها وإخراجها من المسرح السياسي الفلسطيني، من ثم فإنها لا ترى مبررا لاجراء أي حوار معها، بل لا ترى مبررا لإجراء أي تعديل على الوضع الفلسطيني الراهن.
واتفاق الفصائل الذي عقد في القاهرة عام 2005 استهدف بالدرجة الأولى توحيد الصف الفلسطيني وإعادة الحيوية والعافية لمنظمة التحرير ومجلسها الوطني. وليس سرا أن هذا الفريق مؤثر بشدة على موقف الرئيس محمود عباس، وهو ما بدا واضحا حين اطلق الرجل مبادرته الأخيرة للحوار من دون شروط، ثم ما لبث ان بدأ الحديث عن شروط جعلت الحوار مستحيلا، هذا الفريق يستمد قوته من عناصر الأمن التي تم نشرها في كل مواقع السلطة، ومن الدعم الأميركي والإسرائيلي له، الذي تؤيده وتتضامن معه بعض الأنظمة العربية.
هل هؤلاء يملكون قرارهم؟ رد على السؤال قبل ايام السيد عزام الأحمد رئيس كتلة فتح البرلمانية بالمجلس التشريعي، في تصريح له نشره الأهرام في 22/ 8 وقال فيه ان هناك «فيتو» أميركيا على الحوار بين فتح وحماس، وهو ذاته الرأي الذي أعلنه السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، حين قال قبل اسابيع في بروكسل: ان هناك «فيتو» على التقاء الطرفين، وحين يكون الفيتو أميركيا، فلا تسأل عن نجاح المصالحة.
مسألة إحياء الدور المصري في الوساطة وادارة الحوار الفلسطيني سبق ان شككت فيها في هذا المكان قبل أيام، وهو ما ظهر جليا في المقترحات المصرية التي قدمت إلى الفصائل لتكون أساسا للحوار، واعترضت حماس على بعض النقاط التي وردت فيها داعية إلى إعادتها الى بيت الطاعة في رام الله ومن ثم تسليم رقبتها الى الذين حاولوا ذبحها من قبل. أما أكثر ما أدهشني في كل ما نشر من تصريحات حول الموضوع، فهو تصريح لمسؤول مصري قال فيه إن القاهرة تريد لحوار المصالحة أن يفشل!









27 اغسطس, 2008 07:55 م