فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

الساكتون عن الظلم

صحيفة الدستور المصريه السبت 22 شعبان 1429 – 23 أغسطس 2008

الساكتون عن الظلم – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/656227.html


نحن نلوم الطغاة لأنهم يظلمون الناس، لكننا لا نلوم الناس الذين يسكتون عن الظلم، في حين ان ذلك السكوت هو الذي يغري الظلمة بالتمادي في ظلمهم، وحين نبه آرثر ميللر الكاتب المسرحي الأميركي الراحل الى هذه المسألة، وانتقد في مسرحيته «حدث في فيتشي» تخاذل اليهود واستسلامهم للموت الذي كان يسوقهم اليه النازيون فإن ذلك اثار المنظمات الصهيونية ضده حتى اتهمته- وهو اليهودي- بتبرير سلوك النازيين، ورغم ان ملاحظته كانت دقيقة وصائبة، الا ان تلك المنظمات كانت ومازالت حريصة على ان تصور اليهود في دور الضحية دائما، لتبتز العالم بقصة «ابادتهم».

 

مع ذلك فالسائد في الادبيات التي تناولت موضوع الظلم انها تصب جام غضبها على التنديد بالظلمة، وذلك امر سهل وفي مقدور كل احد لكن التصدي بالنقد لظاهرة الاستسلام للظلم والانصياع له، يتطلب شجاعة أكبر لانه في احوال كثيرة يكون بمنزلة نقد للذات لا يقدر عليه كثيرون، ومما هو جدير بالملاحظة في هذا الصدد ان القرآن اهتم كثيرا بذلك الجانب المسكوت عنه، حتى توعد المستسلمين للظلم بالخذلان والعذاب اذا ما قبلوا بالضيم واستسلموا له. (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا). وثمة نصوص أخرى عديدة في هذا المعنى، منها ما انتقد اهل مصر الذين استخف بهم الفرعون فأطاعوه ولم يقاوموه، ومنها ما امتدح المؤمنين الذين إذا أصابهم البغي فإنهم ينتصرون فينتفضون والاحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب،

 

وقد أوردها الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، حين أفرد فصلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معتبرا ان مقاومة الظلم هي جوهر ذلك التكليف الشرعي. منذ وقت مبكر اعتبر فقهاء المسلمين ان الامامة عقد يقوم على تحقيق العدل (إن الله يأمر بالعدل). وبالتالي فإن الظلم لا يشكل عدوانا على ذلك العقد فحسب، ولكنه يجعله ينفسخ لانه قوض الاساس الذي يقوم عليه، ولذلك ذهب بعض الباحثين الى القول إن الإسلام تبنى في هذا الجانب موقفا تحريضيا فريدا في بابه، اضفى بمقتضاه شرعية على مقاومة ظلم الانظمة (التي يفترض أن لها شرعية قانونية).

 

ولبعض كبار الباحثين في مصر كتابات منيرة سلطت الضوء على هذه الفكرة، في المقدمة منهم الراحلان د.محمد ضياء الدين الريس ود.محمد طه بدوي، وقد حرص فقهاء الاصول على وضع ضوابط لمراتب مقاومة الظلم، بحيث لا تنتهي الى الفوضى أو تغليب المفاسد على المصالح، الا ان الامر لم يخل من مذاهب استسهلت «الخروج» على الحكام الظلمة، حتى حولته الى مغامرة أساءت الى الفكرة، كما حدث في ممارسات بعض اتباع المذهب الزبيدي. وفي مقابل الاتجاهات التي ذهبت بعيدا في الدعوة الى الخروج، فقد ظهرت في التاريخ الاسلامي دعوات حثت على الرضا بالظلم، لتجنب الفوضى التي قد تؤدي الى انهيار النظام الاسلامي،

 

وقد عرض الدكتور طه بدوي لهذه الاتجاهات كلها في الكتاب الذي اصدره في منتصف القرن الماضي حول «حق مقاومة الحكومات الجائرة في الاسلام». في مجتمعاتنا المعاصرة ظهرت ثلاثة عوامل اثرت بالسلب على فكرة مقاومة الظلم، اولها ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر اختزل في ممارسات متعلقة بالسلوك والطقوس، الامر الذي افرغ التكليف الشرعي الجليل من مضمونه الحقيقي، العامل الثاني ان مجتمعاتنا اصابها الوهن، بعدما جرى تفكيكها بما أفقدها القدرة على الفعل، وكان للانظمة الاستبدادية دورها الاساسي في ذلك، لانها اعتبرت ان استمرارها وتمكينها مرهون بكفاءتها في تصفية خلايا العافية في المجتمعات التي تحكمها،

 

العامل الثالث ان الدولة الحديثة توافرت لها قدرات جبارة مكنتها من الاستقواء في مواجهة المجتمع وقهره عن طريق اساليب القمع التي جعلت مقاومة الظلمة امرا مكلفا، يفوق قدرة الكثيرين على الاحتمال. في هذه الاجواء تصور البعض ان الاستبداد اصبح قدر العالم الثالث، فمن قائل ان خيارنا اصبح بين انظمة مستبدة لينة (ديكتابزندا) واخرى غليظة وصارمة (ديكتادورا) - وقائل بتفضيل المستبد العادل، او المستبد العاقل، الى غير ذلك من التخريجات التي تسوغ الاستسلام لما هو قائم وتزين القبول به، لكنها جميعها لم تستطع ان تستر قبح الاستبداد بكل صوره، الامر الذي اعاد طرح السؤال الكبير حول كيفية حشد المجتمع لقواه الفاعلة التي تمكنه من مقاومة الظلم شريطة ان تكون مستعدة لدفع ثمن هذه المقاومة. وأضع خطا أحمر تحت حشد المجتمع لقواه، لان تفكك تلك القوى وشرذمتها هو العنصر الرئيسي في استقواء الاستبداد واستمراره.

 



أضف تعليقا

mashaly66 من مصر
23 اغسطس, 2008 12:15 م
الامر الذي اعاد طرح السؤال الكبير حول كيفية حشد المجتمع لقواه الفاعلة التي تمكنه من مقاومة الظلم شريطة ان تكون مستعدة لدفع ثمن هذه المقاومة. وأضع خطا أحمر تحت حشد المجتمع لقواه، لان تفكك تلك القوى وشرذمتها هو العنصر الرئيسي في استقواء الاستبداد واستمراره.
ذاك هو ماكان ينبغى على زعماء المعارضة أن يتفكروا فيه من قبل أن يتباروا فى شحذ همم أنفسهم بلا قاعدة يستندون لها أخى الفاضل : مشكور على ماقدمت فى مقالك فهو دليلا على مدى مطاعاتك وألمامك وثقافتكم الواسعة وكيف لا وأنتم (هويدى) ولكن أعذر أخا صغيرا لك على توضيح أمرا هاما أن المنظومة السياسية فى مصر وكل الدول العربية بملوكهم ومعارضيهم ومن يدورون فى فلك السلطة والسعى أليها مهما كانت أهدافهم المعلنة هم مفلسون تماما وما هم ألا أبناء شرعين للتزاوج مع الدول ذات السيادة الفعلية على أمتنا فذاك المسمى حسنى مبارك وكل الزعامات المصرية (والعربية)مؤيدة أو معارضة أصبح جليا أنتمائتهم الخارجية فتعين السلطان أصبح من سكرتارية البيت الأبيض وأن خرج عن الأهداف الموضوعة له سيكون مصيرة مع صدام حسين دعنا نواجه أنفسنا لم يعد للشعوب أماما يقتادون به لم يعد لصوت التغير والأصلاح ألا الواهمون المخادعون أبناء البيت الأبيض أيضا أمثال أيمن نور والأخوان المستترين بالدين وصحفيون مأجورين . فلندرس تاريخنا حتى نبنى مستقبلنا ولنعترف أنة لم يأتى يوما رئيسا أو ملكا كان لنا دور فى أختيارة ؟؟!! وأتحدى أن كانت ثورة يوليو بأيد مصريين فقط !! أنهم واهمون . أعتقل الرئيس محمد نجيب لأنه خرج عن النص وقتل عبد الناصر لنفس السبب قبل أن يقتل عامر أما السادات فقد قتل أيضا لأنه أعتقد أن له من الأمر شيئا
اما المعارضون أمثال نعمان جمعة والصباحى ونور وما ألى ذلك فهم غير مؤهلين للقيادة ولم يكن يوما رجلا فى مصر له أرضية شعبية فلم تخرج ثورة شعبية من رحم الشعب أبدا لأننا بعيدون ومهلهلون وتم طمث هوياتنا على يد الفاسق صفوت الشريف
قال تعالى (لعن الله قوما ضاع الحق بينهم)
ولى عودة للرد على كيفية بناء جبهه صلبه من أبناء الشعب لتحدد مصيره وأتجاهه بعيدا عن أنفلات عقدها مهما بلغت التضحيات
محمود مشالى
http://mashaly66.jeeran.com/archive/2008/7/623758.html
م محمود فوزى من مصر
23 اغسطس, 2008 12:34 م
اشكرك اخى الكريم على التعليق
فى البدايه هذه المدونه لا دخل للاستاذ فهمي هويدي بها
فهى مجهود شخصى من العاملين على المدونه وهو موجود على جانب الصفحه الرئيسيه فى المدونه

هناك معارضه جيده ولا تدور فى فلك امريكا فمثلا الاخوان المسلمون يتحركون بشكل جيد فى المجتمع وهو ما ازعج النظام

ايمن نور -رغم اختلافى معه قليلا الا انه معرض جيد وشريف وله دور جيد فى المعارضه

وهناك الكثيرون ايضا
mashaly66 من مصر
23 اغسطس, 2008 12:53 م
سيدى الفاضل أن السيد نور قد قمت بترشيحة فى الأنتخابات الماضية لكرهى الشديد للملقب برئيس مصر ولكنى فوجئت بخطابة ألى أوباما طالبا الغوث أذن فماذا سيفعل حين يكون زعيما الزعيم أخى الفاضل علية أن يتحلى بالجلد والعزيمة والصبر على المكاره فأصبح الحاكم (مبارك) والمعارض(نور) يدورون فى فللك واحد أما الأخوان المسلمون فهم أكبر تنظيم فى مصر بلا شك وأنا مسلم حتى النخاع ولكنى حين أنظر أو أستمع ألى ذلك المرشد العام للأخوان أصاب بأكتئاب شديد أن يكون ذلك الشخص عنوانا لجماعة أسلامية فللأسف هو هابط فكريا ونفسبا فحين أراه متحدثا أدركت كم نحن أفلسنا من الرجال فليس له أسلوب أو رؤية رحم الله حسن البنا أخى الفاضل يسرنى النقاش معكم لما فيه خير البلاد والعباد ولنعمل سويا لتدشين أساسا متينا يعبر عن شعوبنا وتتحكم فى أنفعالات تلك الشعوب المقهورة التى أن أنفجرت فلن تبقى ولا تزر لأنها ليس لها رؤية أو أهداف غير أخراج ثورة الغضب والأحتقان
تقبل صداقتى ولنداوم على التلاقى بأفكارنا خدمة لأمتنا ومستقبل أبنائنا
محمود مشالى
م محمود فوزى من مصر
23 اغسطس, 2008 01:02 م
اشكرك على تعليقك ويشرفنى التعرف بك والتعاون معك

ايمن نور كما قلت لى اختلافات معه واعلم ان به بعض المشاكل لكنه رغم ذلك لا يجب ان نحجر عليه ونمنع عنه لقب المعارض الجيد
ولكل شخص هفواته

اما المرشد فهو من اجرأ الناس فى حواراته والجماعه نفسها لها دور جيد وقيم وقياداتها لهم مناقشات وحوارات قيمه من امثال عصام العريان ومحمد حبيب وعبدالمنعم ابو الفتوح

واشكرك مره اخري
ahmedkelhy75 من مصر
24 مارس, 2009 06:26 م
تحياتى لك استاذى العزيز ويعجز اللسان عن التعبير
ابنك د احمد كلحى