ليست المفاجأة أن تحصل مصر علي تقدير «ضعيف جداً» في تقرير النزاهة والشفافية، فكلنا يعلم ذلك وأكثر منه، لكن المفاجأة أن يصدر التقرير عن لجنة يرأسها وزير التنمية الإدارية، وأن يبث علي الموقع الإلكتروني لوزارته. لم يخل الأمر من أكثر من مفارقة، إحداها أن الحكومة فيما بدا، تجاهلت التقرير واعتبرته كأن لم يكن، لسبب مفهوم هو أن المآخذ والثغرات التي سجلها تتجاوز حدود سلطتها، وهي أوثق صلة بطبيعة سلوك النظام وبنيته، بحيث إن تغييرها ـ كما في حالات نزاهة الانتخابات أو مكافحة الفساد أو منظمات المجتمع المدني أو المساءلة التشريعية ـ يقتضي تغيير النظام السياسي كله. من تلك المفارقات أيضاً أن البند الوحيد الذي حصلت فيه الحكومة علي تقرير «قوي جداً» هو بند المشتروات، منها أيضاً أن التقرير حين نشرته إحدي الصحف فإن جريدة الأهرام كانت قد نشرت مقالاً في اليوم السابق لأحد كتاب لجنة السياسات المرموقين، وجه فيه اللوم إلي الصحف المستقلة والمعارضة، لأنها لا تري في الوضع الراهن سوي سوءاته فقط، الأمر الذي يصيب الناس بالإحباط واليأس، وإذا بالتقرير يسوق بيانات تفحمه وتفضح زيف مقولته.
رغم أهمية هذه الملاحظات، فإن القدر من الشجاعة الذي مارسته لجنة النزاهة والشفافية هو أكثر ما أثار انتباهي، حتي اعتبرته مفاجأة جديرة بالتسجيل، ذلك أننا عهدنا في اللجان والتقارير التي تكون الحكومة طرفاً فيها أن تواري وتنافق في إبداء محاسن أزهي العصور، تحت القيادة الرشيدة والمتابعة الفاضلة وفي ظل الفكر الجديد، وسواء أدرك واضعو التقرير أن هذا الكلام لم يعد ينطلي علي أحد، أو أنهم قرروا أن يقدموا نموذجاً لحد أدني من النزاهة يكسبهم ثقة الرأي العام، فالشاهد أنهم «عملوها» وأقنعونا بأن هناك جهة لها صفة رسمية احترمت الحقيقة، وكان حرصها علي الوطن أكثر من حرصها علي مجاملة الحكومة، وهو ذات النموذج الذي عهدناه في تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، التي كثيراً ما أثارت استياء الحكومة وغضبها.
المفاجأة ذاتها انتابتني حين فشلت ذات يوم في العثور علي رقم للهاتف ولجأت إلي «الدليل» مستفسراً عنه، فإذا بصوت نسائي يرد عليَّ بمنتهي الذوق والأدب ذاكراً اسم الموظفة أولاً ثم مستفسراً عن الطلب، وبعد الإجابة توجهت إليَّ صاحب الصوت بالشكر، مذكرة بأن الهيئة مستعدة لتقديم أي خدمات لعملائها، لأول وهلة ظننت أنني أخطأت في الرقم، فعاودت الاتصال مرة ثانية وفوجئت برجل يرد عليّ ويردد نفس الكلام، من الاسم إلي الشكر والاستعداد لتقديم الخدمة. حدث ذلك معي أيضاً حينما كنت مسافراً علي شركة مصر للطيران، ووجدت في استراحة المطار من أعطاني انطباعاً بأنه كان في انتظاري، وقادني إلي مقعدي، وكنت مازلت تحت تأثير الدهشة من نظام استقبال المسافرين علي مختلف الدرجات. ولأنني لست معتاداً علي هذه الحفاوة والسلوك المتحضر، ولي ذلك تجارب طويلة ومريرة أريد أن أنساها، فقد استغربت أيضاً معاملة الجمهور في مصلحة الجوازات التي أظن أنهم يختارون العاملين فيها بعناية خاصة، وبمواصفات تختلف عن أولئك الذي يكلفون بتعذيب البشر في عالم السجون والمعتقلات.
السؤال الذي شغلني حين تجمعت لدي هذه الملاحظات هو: لماذا نحن متخلفون ولدينا هذه النماذج المتقدمة؟ لم تكن الإجابة صعبة، أولاً: لأنني كنت مدركاً أن هذه النماذج تعد استثناءات علي الوضع العام، وثانياً: لأنها تحسب علي مبادرات واجتهادات شخصية بأكثر مما تحسب علي النظم السائدة، وثالثاً: لأن هذه النماذج ذاتها سرعان ما ترتد إلي حالة التخلف إذا انتهت إدارتها وترك الأشخاص المسئولون عنها مناصبهم.
حاولت أن أختبر صحة هذه الإجابة، فألقيت السؤال ذاته علي مسامع بعض الشخصيات العامة الذين قُدر لي أن ألتقيهم في إحدي المناسبات، وكان منهم مسئولون عن بعض أجهزة الدولة، وما أثار انتباهي أن الآراء التي أبُديت حتي من بعض المسئولين، اتفقت علي بؤس الأوضاع الراهنة، وأنها تسير من سيئ إلي أسوأ، وإذا كان منهم من عبَّر عن يأسه من إحراز أي تقدم في الوضع العام، فإن آخرين قالوا إنهم بعد أن فقدوا الأمل في اصلاح البلد، فلم يعد طموحهم يتجاوز حدود المبادرات الفردية التي يحاولون من خلالها إحياء بعض الخلايا في جسم الوطن، وهم لا يفعلون ذلك سعياً وراء الإصلاح، بقدر ما أنهم يحاولون إرضاء ضمائرهم، ورفض مسايرة الآخرين والسير في ركابهم.
ملحوظة: ذكرت أمس أن لجنة شُكلت في عام 1984 برئاسة الدكتور كمال الجنزوري ـ رئيس الوزراء ـ للتحقيق في النتائج السيئة التي حققتها البعثة المصرية في أولمبياد لوس أنجلوس، ولكن نتائج أعمالها لم تعلن إلي الآن، وقد صحح لي الدكتور الجنزوري المعلومة ونبهني إلي أن رئيس الوزراء آنذاك كان الدكتور فؤاد محيي الدين.
لا بأس أن يجري تحقيق في الفشل الأولمبي الذريع الذي منيت مصر به في بكين، بحيث شارك في الدورة 100 رياضي «غير 77 إدارياً» وعدنا منها بميدالية برونزية واحدة «في الجودو»، وهو الفشل الذي جعل مصر تحتل المركز 81 علي جدول المباريات، متساوية في ذلك مع دول مثل توجو وموريشيوس وأفغانستان، علماً بأن مصر حصدت في دورة أثينا عام 2004 خمس ميداليات إحداها ذهبية في المصارعة.
ولا أعرف مدي جدية حكاية التحقيق هذه، لأن لنا تجربة سابقة «في سنة 1984 بعد دورة لوس أنجلوس» حيث شكلت لجنة برئاسة الدكتور كمال الجنزوري الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك، للتحقيق في ملابسات النتائج السيئة التي حققتها البعثة المصرية في أولمبياد ذلك العام، وحتي الآن، بعد مضي حوالي ربع قرن علي التشكيل، لم نعرف بالضبط ما الذي حدث في ذلك العام، مع ذلك فسوف نفترض ـ أو نرجو ـ أن تكون تجربة لجنة التحقيق التي تشكلت برئاسة الدكتور أحمد نظيف ـ رئيس الحكومة ـ أفضل من التجربة السابقة، لكن أخشي أن تخطئ في تشخيص المشكلة، بحيث تحصر تحقيقها في الشأن الرياضي، ولا تتطرق إلي عمق المسألة المتمثل في الظروف السياسية والمجتمعية التي كانت النتائج البائسة التي تحققت في بكين إفرازاً طبيعياً لها.
لست خبيراً في الشأن الرياضي وعلاقتي بالرياضة البدنية لا تقل سوءاً عن علاقتي بالعلوم الرياضية التي كانت مقررة علينا في المرحلة الثانوية، لذلك فإن ملاحظاتي محصورة في رؤيتي كمشاهد لا كمشارك، رغم أن تجربة بكين والأداء التعيس لبعض الرياضيين المصريين، أقنعني بأنه كان بوسع واحد مثلي أن ينضم إلي البعثة وهو مطمئن إلي أنه لن يكون أسوأ من أولئك البعض، باعتبار أننا جميعاً في مستوي واحد من عدم اللياقة.
هناك مستويان لإجراء التحقيق المنشود كما أشرت تواً، أحدهما يتعلق بظاهر الحدث، والثاني يغوص في أعماقه. في الظاهر سوف نستدرج إلي مناقشة مسئولية كل من اللجنة الأولمبية، والمجلس القومي للرياضة، بعدما أصبح المسئولون في كل جهاز يلقي بالتبعة علي الآخر، وسيفتح ذلك الباب واسعاً للحديث عن الأعذار والإمكانات، وغير ذلك من تفصيلات الأنشطة الرياضية في البلد، وهي أمور مهمة لا ريب، لكنني لست علي دراية كافية بأبعادها، لكنني لاحظت من قراءتي للصحف أمرين، أولهما أن الرياضة عندنا أصبحت محصورة في كرة القدم، بحيث أصبح أكبر حزبين حقيقيين هما حزبا الأهلي والزمالك، وثانيهما أن الرياضة انفصلت عن الأخلاق، حتي أصبحت البذاءة والشتائم والهتافات الهابطة من تقاليد مباريات كرة القدم، وبسبب ذلك الانفصال بين الاثنين، أصبحت الأندية الرياضية ساحة للمنازعات والمشكلات، كما أفسدت الصورة المشاحنات بين المعلقين الرياضيين وممارسات بعض اللاعبين التي تنسب إلي البلطجة بأكثر مما تنسب إلي الرياضة، وكانت النتيجة أن صفحات الرياضة لم تعد تختلف كثيراً عن صفحات الحوادث.
إذا ذهبنا إلي أبعد، وحاولنا أن نتحري جذور المشكلة، فسوف نكتشف أننا مجتمع ليست لنا علاقة بالرياضة، فهي ليست جزءاً من حياتنا، ولا هي جزء من اهتمام السلطة، وكما أنه ليست لدينا استراتيجية واضحة في أي شيء، لا في السياسة ولا في التنمية، فليس غريباً ألا تكون لنا استراتيجية في الرياضة، وبالتالي فإن فشلنا في دورة بكين، هو صدي لفشلنا في الميادين الأخري، وعجزنا عن تحقيق أي تفوق في المباريات هناك، يمكن أن يتحقق لو أننا شاركنا في أي مسابقات أخري في التعليم أو البحث العلمي أو الصناعة أو الزراعة، وما أزمة رغيف الخبز والفشل في إطفاء حريق مجلس الشوري إلا بعض أصداء ذلك العجز.
فقط نستطيع أن نحصل علي ميدالية ذهبية في الطوارئ والقمع وتزوير الانتخابات.
إننا نخدع أنفسنا إذا قلنا إنه فشل في دورة بكين، لأن الفشل الحقيقي هو في إدارة المجتمع، إن شئت فقل إن الأول فشل أصغر والثاني فشل أكبر.
حين كتبت في هذا المكان معبرا عن الشعور بالحرج والخزي، لأن الناشطين الأوروبيين نجحوا في كسر حصار غزة والوصول الى أهلها والتعبير عن التضامن معهم، في حين ان العالم العربي كله يقف متفرجا وذاهلا، نظمه ومثقفوه على الأقل، فإنني لم أتوقع كم التجاوب والتأييد الذي لقيته هذه الرسالة، فقد أصبحت أتلقى يوميا اتصالات بخصوص الموضوع، بعضها أسهب في سب الزمن العربي، وبعضها دعا الى تصويب الرؤية ووضع الحصار في اطاره الصحيح بحيث نواجه أنفسنا بشجاعة وصراحة، ونعلن على الملأ ان الحصار مصري قبل ان يكون اسرائيليا. قارئ آخر عبر عن رأيه بسخرية قال ان الرئيس مبارك قال ان مصر لن تسمح بتجويع الفلسطينيين حقا، وهو ما حدث لأن احدا لم يمت من الجوع هناك، ولكنه لم يقل ان مصر لن تسمح بموت المرضى على بوابة معبر رفح، او بتضييع مستقبل الطلاب العالقين عند المعبر الذين لم يلتحقوا بجامعاتهم، او بتعطيل المدارس واغلاق المصانع ووقف نمو الاطفال بسبب سوء التغذية.السؤال المشترك الذي القاه علي اغلب القراء هو: ما الذي يستطيع ان يفعله المجتمع للتضامن واغاثة المحاصرين في القطاع؟ في هذا السياق اتصل بي أحدهم ليأخذ رأيي في قرار اتخذه هو وبعض اصدقائه بتجهيز عشر سيارات وتحميلها بالمؤن والأدوية والاتجاه بها الى العريش لتوصيلها الى أهالي القطاع عبر معبر رفح، وقد استحسنت الفكرة لكني نصحت بالتنسيق مع السلطات المصرية، لأن القافلة لن تستطيع ان تمر الا في ظل ذلك التنسيق، لأن البديل هو الاشتباك مع القوات الموجودة هناك، وهذا أمر لن يخدم الهدف المنشود.غير ان اهم ما سمعته من آراء في الموضوع، كان ما حدثني به المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض، الذي قال ان القضاة موقفهم أكثر حرجا من غيرهم من زاويتين الأولى انهم لا يستطيعون ان يلتزموا الصمت امام الحصار الذي يشكل جريمة ابادة، طبقا لاتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني، ويعتبرون انهم باعتبارهم حراسا للقانون في البلد مطالبون باتخاذ موقف يدافع عن المبادئ القانونية التي ترفض الحصار وتجرمه، وفي رأيه ان الاحتجاج بالاتفاقيات الدولية المعقودة مع الإسرائيليين لاستمرار الحصار باطل من الناحية القانونية، لأنه لا يجوز الاتفاق على تنفيذ جريمة، وليس هناك قانون أو عرف أو منطق يؤيد ذلك..نقطة الحرج الثانية في موقف القضاة انهم لا يريدون تسجيل موقف سياسي ولا احراج الحكومة، ولا يريدون ان يخوضوا في الجدل السياسي المثار حول الموضوع، وانما غاية ما يطمحون اليه ان يتصرفوا كقضاة يلتزمون بالقانون، ويعبرون عن الغيرة على وطنهم وامتهم ودينهم، ويأبون ان يروا جريمة الابادة تتم تحت اعينهم في حين يلتزمون الصمت ازاءها.فهمت من المستشار مكي ان اعضاء نادي القضاة يتداولون الآن فيما بينهم حول كيفية تطبيق قواعد القانون الدولي في مسألة الحصار، وان الناشطين الغربيين نجحوا في الوصول الى غزة لأن القانون الدولي في صفهم، ولم يكن بمقدور اي أحد ان يمنعهم من القيام بالدور الإنساني الذي اعلنوا انهم يقومون به، في هذا الاطار فإن افكارا عدة مطروحة، منها ترتيب لقاء مع السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية للتباحث معه في كيفية وآلية تنفيذ قرار مجلس الجامعة بكسر الحصار، وتطبيق مبادئ القانون الدولي في هذا الصدد .
من هذه الأفكار أيضا ان القضاة يبحثون في كيفية اقامة تحالف قانوني دولي لرفع قضية أمام المحكمة الاوروبية لحقوق الإنسان تطالب برفع الحصار وابطال نتائجه. ومما قيل في هذا الصدد ان أي فلسطيني موجود في مصر بوسعه ان يرفع قضية امام مجلس الدولة يطالب فيها بوقف القرار الاداري الخاص باستمرار اغلاق معبر رفح، وحرمان المرضى وغيرهم من ذوي الحاجات من قضاء حوائجهم، وهو ما يتعارض صراحة مع مبادئ القانون الدولي الإنسانى .
لقد قرر القضاة ان يتحملوا مسؤوليتهم في حدود دائرتهم القانونية، فما الذي سيفعله الآخرون؟!
هذه ومضة فرح لاحت في الأفق لعدة
ساعات ثم ما لبثتأن
تبددت. فقد أعلن في بيروت يوم 18/ 8 الحالي عن توقيع وثيقة تفاهم بينحزب الله ومجموعة تمثل السلفيين.
وذلك حدث مفاجئ وكبير بكل المعايير،لبنانيا
وعربيا واسلاميا. ذلك أن المتابع لنشاطات الحزب وتحركاته، كانيمكن ان يتوقع منه اي شيء إلا هذه
الخطوة بالذات.
فتفاهمهم مع الموارنةوالدروز والقوميين السوريين
والشيوعيين وأهل السنة، وكل ما يخطر على بالكمن اصحاب الملل والنحل، كل ذلك محتمل ولا مفاجأة فيه. ولكن ان
يتفقوا معالسلفيين، فذلك يمكن
ان ينضاف الى عجائب الدنيا وغرائبها. وهذا الكلامينطبق بدوره على السلفيين، الذين كان آخر ما يتوقعه المرء منهم
ان يوقعواوثيقة تفاهم مع
الشيعة المنخرطين في حزب الله.
هذا الكلام يدركه جيدا كل من اقترب
من دائرة الخلاف بين الشيعةوالسلفيين،
حيث يعرف ان التفاهم بين الشيعة وأهل السنة ممكن، وبينالاخيرين من لا يجد غضاضة في ابرام ذلك التفاهم، الذي كان ولا
يزال هدفالدعوة الى التقريب
بين المذاهب التي انطلقت في مصر في اربعينيات القرنالماضي، وخلالها صدرت فتوى الشيخ شلتوت الشهيرة التي اعترفت
بالمذهبالشيعي الجعفري
(نسبة الى الامام جعفر الصادق) واعتبرته من المذاهب التييجوز التعبد بها شرعا، الأمر الذي تزامن مع دراسة المذهب
الشيعي فيالازهر، في اطار
دراسة الفقه المقارن. لكن التفاهم الشيعي- السني اذا كانممكنا، فإنه يصبح مستحيلا مع السلفيين الذين لديهم تحفظات
كثيرة علىالشيعة، وأغلبهم
يخرجونهم من الملة، ويعتبرونهم اهل بدع ينكرون المعلوم منالدين بالضرورة. لكنهم جميعا يعتبرون انه لا مجال للوصول الى
صيغة للتفاهماو التعايش مع
الشيعة.
ما يبعث على الدهشة في الحدث اللبناني
ان وثيقة التفاهم التي اعلنتصدرت
في مناخ عام يخيم عليه الشقاق والتوتر بين الشيعة والسنة، بعدما نجحتحملات الدس والوقيعة في تحويل
الصراع السياسي المحتدم هناك الى صراعمذهبي،
في بعض اوجهه على الاقل.
وحين طلبت مني احدى الاذاعات
تعليقا علىالموضوع، قلت ان
الذين أصدروا وثيقة التفاهم لم يوقعوها كشيعة او سلفيين،وانما كوطنيين لبنانيين ارتأوا انها تشكل ضرورة لترسيخ مفهوم
التعددوالحرص على العيش
المشترك.
قلت ايضا ان هذه الروح الوفاقية
تعبر عن نضج في الوعي السياسي نفتقدهفي
ساحات اخرى في العالم العربي، خصوصا في الانظمة الموالية للسياسةالاميركية التي تراهن على تفجير
الصراع المذهبي في المنطقة، الذي حققنجاحا
نسبيا في العراق، ورغم أن مساعي الوفاق لها تجلياتها التي تتحركببطء في الكويت والبحرين، وهو امر
جدير بالتسجيل والترحيب -إلا أنه لم يصلبعد الى حد اثبات هذا الموقف في وثيقة معلنة وبنود محددة.
لقد تضمنت وثيقة التفاهم التي
أعلنت في مؤتمر صحافي في بيروت حضرهممثلو
الطرفين ثماني نقاط تم التوافق عليها، أبرزها ما يلي:
التأكيد علىحرمة الدم المسلم، وإدانة اي اعتداء من مجموعة مسلمة على اخرى
- الامتناععن التحريض وتهييج الصدام بما يؤجج نار الفتنة بين الطرفين
- الوقوف في وجهالمشروع الاميركي-الصهيوني الأكثر
حرصا على إثارة الفتنة والمراهنة علىالتجزئة
والتفتيت
- السعي بكل السبل الى القضاء على
الفكر التكفيري الذييتبناه
البعض على الجانبين
- تشكيل لجنة تضم علماء يمثلون
الطرفين للبحث فيالمسائل
الخلافية بينهما والحيلولة دون انتقالها الى الشارع
- والاعترافبحق كل طرف في أن يمارس حرية اعتقاده من دون ان يكون لأي منهما
أن يفرضرأيه على الآخر.
هذا التفاهم أزعج دوائر الغلاة
بين السلفيين والمعبَّئين من اهل السنةضد الشيعة،
والمراهنين على تأجيج الفتنة واستمرار الشقاق، فمارسوا ضغوطاقوية على المجموعة السلفية التي وقعت على الوثيقة (جمعية
الإيمان والعدلوالإحسان)،
أثمرت اعلانا عن تجميد الوثيقة «حتى يتم جمع شمل اهل السنةويتسع التشاور حول مضمونها، بما يعيد الصفاء الى الساحة
اللبنانيةالسنية»، كما قيل في
بيان صدر بهذا الخصوص. وبهذا الاعلان اجهض الاتفاق،وهدأت نفوس المراهنين على الفرقة والتشتت، حيث اطمأنوا الى ان
مخططاتهممستمرة من دون أي
عوائق.
لأاعرف إلي أي مدي يحتل المزاج العربيدعوة لإحداث نقلة نوعية في الوجهة
السياسية, تستهدف توثيق العرب معالأتراك والإيرانيين, لكني علي يقين من أن ذلك يعد تغريدا خارج
السرب.
(1 ) في حين
يحظي مسلسل نور التليفزيوني التركي بمتابعة غير عادية في أنحاءالعالم العربي, أزعم أنها أحدثت
انقلابا في رؤية العرب لتركيا, فإنالمراصد السياسية باتت مشدودة إلي الدور
التركي الصاعد الذي يتحرك بجديةعلي مستويات عدة, من القمة التركية ـ الإفريقية, إلي استقبال
الرئيسالإيراني
أحمدي نجاد في اسطنبول, وقبله استقبال الرئيس السوري بشارالأسد, وزيارة أردوغان بغداد,
ودخوله علي الخط بين روسيا وجورجيا,وتحركه لتطبيع العلاقات مع خصومه التاريخيين
في أرمينيا واليونان, وتوسطحكومته بين سوريا وإسرائيل.. كل ذلك خلال الأشهر القليلة الماضية.
فيوقت متزامن, كانت إيران تطور
علاقاتها مع روسيا باتفاق علي التعاون فيمجال الفضاء بعدما قطعت شوطا في تعاونها معها
في بناء مفاعلها النووي فيبوشهر. وتمد جسورا مع الجزائر في أثناء زيارة الرئيس بوتفليقة
لطهران,وتستقبل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. وأثارت الانتباه في هذاالسياق, الزيارة التي قام بها
الرئيس أحمدي نجاد لاسطنبول, والتيغادرها متجها إلي دمشق, ثم زيارة أمير قطر
الشيخ حمد بن خليفة راعياتفاق الفصائل اللبنانية في الدوحة لطهران.
هذا القدر
المعلن منالاتصالات دفع بعض المحللين إلي الحديث عن ظهور نظام إقليمي جديد فيالمنطقة, تلعب فيه إيران وتركيا
الدور الأساسي, كما دفعهم إلي مقارنةهذه التحركات بالسكون المخيم علي العالم
العربي, واستغراقه إما فيالخلافات بين دوله أو في مشاكلها الداخلية, التي استصحبت حالة منالانكفاء القطري أذهلت العواصم
علي ما يجري في الساحتين الإقليميةوالدولية.
(2)
ما هو جديد في هذه التحركات أنها تتم بين دوللها مشاكلها ومرارتها فيما بينها, لكنها
انطلقت من رؤية استراتيجيةتجاوزت بها عقد الحاضر, فضلا عن أوزار التاريخ.. إن شئت فقل إن
هذهالدول طوت
صفحة التاريخ واستعلت فوق المشاكل الأدني لكي تحقق المصالحالعليا.
فتركيا
وإيران علي طرف نقيض علي صعيد التحالفاتالسياسية, فالأولي لها ارتباطاتها مع
الولايات المتحدة وإسرائيل, وهماالخصمان اللدودان لإيران, وممثلو النظام الإسلامي في طهران يرفضون
فيزياراتهم
الرسمية زيارة قبر أتاتورك, مؤسس الجمهورية العلمانية فيتركيا, كما يقضي البروتوكول.
ولذلك, فإن زيارة أحمدي نجاد ولقاءاتهتمت في اسطنبول, وكان الأتراك هم الذين
رتبوا العملية, ولم يعتبرواذلك إهانة لمؤسسة الجمهورية, لأن هناك مصالح أكبر من البروتوكول.
وفيالذاكرة
التركية أن إيران أقامت علاقة مع حزب العمال الكردستاني فيالتسعينيات للضغط علي أنقرة,
كما أن الصراع المرير بين الدولتين الصفويةوالعثمانية لايزال له مكانة في ذاكرة
الأتراك, وفي الوقت نفسه, فإنأنقرة قلقة من التمدد الإيراني في العراق, وتعتبره إخلالا بالتوازنالمفترض بين قوي الجناح الشرقي
للمنطقة.
وتركيا التي
تتمتع الآنبعلاقات ممتازة مع سوريا حتي تجاوز حجم التبادل التجاري بين
البلدين900مليون دولار سنة2007 ـ وهو يزيد علي أربعة أضعاف التبادل التجاري
بينتركيا
ومصر(200 مليون) ـ كانت علي وشك الدخول في حرب مع سوريا وهددتبغزو دمشق عام1998, بسبب دعمها
حزب العمال الكردستاني وإيواء زعيمهعبدالله أوجلان, وبين البلدين تاريخ مسكون
بالعداء والتوتر, منذعام1939, عشية الحرب العالمية الثانية حين اقتطعت فرنسا لواءالاسكندرونة من سوريا ومنحته
لتركيا, وبعد ذلك حين أقامت تركيا مجموعةمن السدود التي أثرت علي حصة سوريا من
المياه. ذلك غير اعتراف انقرةبإسرائيل في وقت مبكر( عام1948), الأمر الذي صنفها ضمن المعسكرالمعادي لسوريا, وهو ما تغير
الآن180 درجة, بحيث أصبحت أنقرة وسيطافي المحادثات بين سوريا وإسرائيل.
(3)
ليست هذه معلومات ممانطالعه في الصحف ونحن نتثاءب, ثم نتحول عنها لنتسلي بأخبار العالمالأخري, لأن هذه التحركات تتم
في شمال العالم العربي وشرقه, وبالتاليفإنها تدخل بامتياز في إطار منظومة الأمن
العربي التي أصبح وجودها محلتساؤل وشك, في ظل غياب الرؤية الاستراتيجية لمصالح المنطقة, علي
النحوالذي سبقت
الإشارة إليه, وللأسف فإن ذلك الغياب سمح بإطلاق العنانلإسرائيل لكي تتمدد وتعبث وتجوب
العالم العربي ما بين وادي النيل والبحرالأحمر.
إن تركيا
وإيران مع العالم العربي( مصر بوجه خاص)يشكلون مثلث القوة في منطقة الشرق الأوسط,
الذي تحدث عنه الدكتور جمالحمدان, عالم الجغرافيا السياسية المرموق, في كتابه استراتيجيةالاستعمار والتحرير. ولأن الأمر
كذلك, فإننا نخطئ كثيرا حين نعتبرتركيا وإيران مجرد جيران فرضتهما ظروف
الجغرافيا, وتشاركنا معهما فيالتاريخ زمنا, ثم ذهب كل إلي حال سبيله بعد ذلك, ذلك ان الدولةالعباسية التي ورثت الخلافة
الأموية قامت علي أكتاف العناصر الفارسية,وفي زمانها تأسست أعظم المراكز الحضارية
الإسلامية علي قاعدة التفاعل بينالفرس والعرب, وبعد أقل من قرنين, أصبحت العناصر التركية تلعب
دورابارزا في
تاريخ المنطقة, خصوصا تحت مظلة الدولة العثمانية, ولكن دارالإسلام المشرقية انقسمت منذ
القرن السادس عشر بين الصفويين في إيرانوالعثمانيين في تركيا. وقدر لذلك الفصام
النكد أن يمهد لتجزئة المشرقإلي أقطار شتي عقب الحرب العالمية الأولي, حين اتفق المنتصرون في
الحربعلي تمزيق
المنطقة وتقطيع أوصالها في ظل اتفاقية سايكس بيكو( عام1916).
لميبق من ذلك التاريخ الذي تراجع في
الواقع وحفظته الكتب, سوي رابطةالعقيدة وبعض آثار التداخل بين الشعوب التي تمثلت في انتشار الحرف
العربيفي إيران
وتركيا( كمال أتاتورك استبدله بالحروف اللاتينية فيالعشرينيات) وفي تسرب الكلمات العربية إلي
اللغات المحلية باعتبارهامفردات لغة القرآن, حتي أصبحت تمثل40% علي الأقل من مفردات
اللغتينالفارسية والتركية, كما انتشرت الكلمات الفارسية والتركية في
المجتمعاتالعربية التي عرفت الكباب والكفتة والمسقعة والكشك والكحك والبقلاوةوالخشاف والشوربة والطرشي
والبقصمات والسميط, وهي كلمات فارسية وتركية.
وتداولتألسنة الناس كلمات فارسية أخري
مثل البيجامة والدوبارة والفوطة والبروازوالجنزير والدبوس والدورق والشمعدان والكاسة
والشاكوش والكباية والكنكةوالكوز والدرابزين.. ولاتزال كثير من الأسماء الشائعة ورتب العساكرمحتفظة بأصولها التركية مثل نشأت
وعصمت ودولت وعفت وعزت, ومثل اومباشيوشاويش ويوزباشي وبكباشي وكراكون وياور
وباشا.
كما أننا
مازلنانتداول في
بيوتنا كلمات تركية مثل الأودة والسفرة والبطانية والشنطةوالشراب والجزمة.. ونينة وأبيه
وأبلة( الأخ والأخت الكبيران)..ولأساتذة اللغات الشرقية المصريين جهد طيب في
هذا المجال استفدت منه,خصوصا أبحاث الدكتور حسين مجيب المصري والدكتور محمد نور الدين عبدالمنعموالدكتورة ماجدة مخلوف.
هذه البصمات
الباهتة للتاريخ لا تكادتقارن بالحضور القوي لحقائق الجغرافيا, التي لم تتغير بفعل الزمن,وإنما أصبحت أكثر رسوخا وأهمية.
(4)
لايزال العرب والإيرانيونوالأتراك يمثلون كتلة جغرافية متماسكة, تقع في خاصرة العالم وتمثل
شريحةأفقية تمتد
من المغرب في أقصي الغرب حتي مشهد في إيران شرقا, ومن تركيافي الشمال وحتي اليمن في
الجنوب.. وهي في موقعها المتمدد في إفريقياوآسيا وجزء من أوروبا, تسيطر علي أخطر
الممرات البحرية في العالم,مضائق هرمز وباب المندب والبسفور والدردنيل وقناة السويس, كما أنها
تملكأكبر احتياطي
عالمي في النفط, إلي جانب احتياطات هائلة من الغاز تكادتحتل المرتبة الأولي في العالم,
وتمر عبرها شبكة أنابيب النفط والغازالذي يغذي العالم الصناعي بأسره, ولايزال
القاسم المشترك الأعظم بينشعوب المنطقة أنها في أغلبيتها الساحقة يشدها رابط العقيدة
الإسلامية.
هذهالخلفية التي توفر فرصة ممتازة
لإقامة كتلة بشرية حية تغني حاضر الأمةومستقبلها لا تبدو حاضرة في الاستراتيجية
العربية, وفي غياب تلكالاستراتيجية, فقد العالم العربي بوصلته الهادية, ولم يكن مفاجئا
بعدذلك أن يضل
طريقه وتتخبط مسيرته, فيتمزق صفه تارة ولا يعرف حلفاءه منأعدائه تارة أخري, وأن يستدرج
للانخراط في مخططات الآخرينواستراتيجياتهم في حين ثالثة, الأمر الذي فرض علي الواقع العربي
مجموعةمن المفارقات
بينها ما يلي:
ــ إن
العلاقات الأمريكية ـ العربية أصبحت أوثق وأمتن من العلاقات العربية ـ العربية.
ــإن الولايات المتحدة أصبحت لها
كلمة في خرائط المنطقة, وفرت لها فرصةتقسيمها إلي معتدلين ومتطرفين, بل وفرت لها
جرأة التدخل في صياغةأوضاعها الاقتصادية والثقافية, إضافة إلي سياساتها الخارجية.
ــ إن بعض
الدول العربية تصالحت مع إسرائيل في حين خاصمت دولا عربية أخري, كما خاصمت
إيران.
ــ إن البعض
أصبح يري أن إيران هي العدو الأول للعرب وليس إسرائيل.
ــ إن
إسرائيل أصبحت لاعبا مهما في تركيا وإيران( قبل الثورة) في حين ظل العالم العربي
غائبا عن البلدين الجارين.
ــإن إسرائيل أصبحت تمثل في بعض
الاجتماعات الأمنية المهمة التي تعقدها دولما سمي بمعسكر الاعتدال العربي, في حين
استهجن بعض العرب حضور إيراناجتماع مجلس التعاون الخليجي, واستنكر آخرون طلب تركيا الانضمام
كمراقبإلي الجامعة
العربية.
ــ إن بعض
المثقفين المنتسبين إلي التفكيرالاستراتيجي أسقطوا تركيا وإيران من دوائر الانتماء الثقافي
والحضاري,وتحدثوا عن إضافة الدائرة الأمريكية كمجال لحركة العالم العربي.
لا أعرف إلى أي مدى يمكن أن نأخذ
حوار المصالحةالفلسطيني الذي تشهده القاهرة هذه الأيام على محمل الجد، ذلك أن
الحواريفترض فيه
أمران، أولهما أن تتوافر لدى الأطراف المعنية إرادة التصالح،وثانيهما أن يملك المتحاورون
قرارهم. اما الطرف الذي يدير الحوار أو يتوسطفيه فيفترض ان يكون محايدا حتى يكتسب ثقة
الأطراف المختلفة، وعندي شك كبيرفي أن تكون هذه الشروط متوافرة في مشهد الحوار الذي نطالعه الآن فيالقاهرة، الأمر الذي يعني ان
نتيجته معلومة سلفا، وأنه سيكون من قبيلالجري في ذات المكان، الذي لا يسفر عن أي
تقدم الى الأمام.
قبل ان اعرض وجهة نظري في
الموضوع، ألفت النظر الى نقطتين؛ الأولى انالقاهرة حريصة على إنجاح الحوار في اطار
المقترحات التي قدمتها، ليسبالضرورة خدمة للقضية الفلسطينية، ولا سعيا إلى تحقيق الوفاق بين
الاشقاء،ولكن لأن الوضع في غزة يسبب قلقا واضحا لها، أولا لأن غزة لصيقة
بالحدودالمصرية، من ثم فاستقرار الوضع فيها وثيق الصلة بمقتضيات الأمن القوميالمصري، وثانيا لأن وجود حركة
حماس كسلطة في القطاع يثير حساسية خاصة لدىمصر، باعتبار أن حماس منسوبة إلى حركة
الإخوان المسلمين، وللنظام المصريمنها موقف «صليبي» لا يقبل كلاما ولا سلاما.
وهناك سبب ثالث أذكره على
استحياء، هو أنه بعدما انكفأت مصر على ذاتها،ولم يعد لها دور سياسي يذكر في العالم
العربي، خصوصا بعدما تحولت من «أخكبير» إلى طرف في النزاع بين الأشقاء الأصغر، فإن الساحة الفلسطينية
أصبحتهي الدائرة
الوحيدة التي تتحرك فيها، ومع الأسف فإن هذه الحركة أصبحت تدورفي فلك ممارسة الضغوط على عناصر
المقاومة، الأمر الذي يرفع من رصيدها لدىالإدارة الأميركية التي مازالت القاهرة
تعتبرها حائزة على ٪99.9 من أوراقاللعبة -حسب التعبير الساداتي الشهير- ورفع ذلك الرصيد مهم في خياراتوترتيبات مستقبل النظام.
النقطة الثانية أننا حين نتحدث عن
حوار فلسطيني، فإننا ينبغي أن نفرقبين الفصائل الرئيسية والفصائل المساعدة، ذلك أن التناقض الرئيسي هو
بينحركتي فتح
وحماس، أما بقية الفصائل الأخرى فدورها مساعد فقط، وهناك فصائللا وزن لها على الأرض.
وأهمية هذه النقطة تكمن في أنه ما
لم يتم التوافق بين فتح وحماس، فلا مصالحة، أيا كان رأي الفصائل المساعدة الأخرى.
اذا رجعنا الى الأسئلة الجوهرية
في المشهد وأولها المتعلق بإرادةالتصالح، فردي على هذه النقطة ان هناك عناصر نافذة في السلطة وقيادة
فتحمصرة على استعادة
مواقعها التي احتكرتها منذ توقيع اتفاق اوسلو في عام 1993، وهي ذاتها العناصر التي رفضت نتائج
الانتخابات التشريعية في عام
2006 والتي
تآمرت على إفشال حكومة حماس الأولى وحكومة الوحدة الوطنيةالتالية، وهي لا ترى بديلا عن
استسلام حماس وخضوعها وإخراجها من المسرحالسياسي الفلسطيني، من ثم فإنها لا ترى مبررا
لاجراء أي حوار معها، بل لاترى مبررا لإجراء أي تعديل على الوضع الفلسطيني الراهن.
واتفاق الفصائل الذي عقد في
القاهرة عام 2005 استهدف بالدرجة الأولىتوحيد الصف الفلسطيني وإعادة الحيوية
والعافية لمنظمة التحرير ومجلسهاالوطني. وليس سرا أن هذا الفريق مؤثر بشدة على موقف الرئيس محمود
عباس،وهو ما بدا
واضحا حين اطلق الرجل مبادرته الأخيرة للحوار من دون شروط، ثمما لبث ان بدأ الحديث عن شروط
جعلت الحوار مستحيلا، هذا الفريق يستمد قوتهمن عناصر الأمن التي تم نشرها في كل مواقع
السلطة، ومن الدعم الأميركيوالإسرائيلي له، الذي تؤيده وتتضامن معه بعض الأنظمة العربية.
هل هؤلاء يملكون قرارهم؟ رد على
السؤال قبل ايام السيد عزام الأحمدرئيس كتلة فتح البرلمانية بالمجلس التشريعي، في تصريح له نشره الأهرام
في
22/ 8 وقال
فيه ان هناك «فيتو» أميركيا على الحوار بين فتح وحماس، وهوذاته الرأي الذي أعلنه السيد عمرو
موسى الأمين العام لجامعة الدولالعربية، حين قال قبل اسابيع في بروكسل: ان هناك «فيتو» على التقاءالطرفين، وحين يكون الفيتو
أميركيا، فلا تسأل عن نجاح المصالحة.
مسألة إحياء الدور المصري في
الوساطة وادارة الحوار الفلسطيني سبق انشككت فيها في هذا المكان قبل أيام، وهو ما
ظهر جليا في المقترحات المصريةالتي قدمت إلى الفصائل لتكون أساسا للحوار، واعترضت حماس على بعض
النقاطالتي وردت
فيها داعية إلى إعادتها الى بيت الطاعة في رام الله ومن ثمتسليم رقبتها الى الذين حاولوا
ذبحها من قبل. أما أكثر ما أدهشني في كل مانشر من تصريحات حول الموضوع، فهو تصريح
لمسؤول مصري قال فيه إن القاهرةتريد لحوار المصالحة أن يفشل!
أحرجنا أولئك «الخواجات»
الشرفاء الذين نجحوا في كسرالحصار المفروض على غزة، ولفتوا أنظار العالم إلى محنة القطاع الذي
يتعرضللخنق، منذ أكثر من عام وسط صمت الجميع، العرب منهم قبل العجم،
ذلك أنه لميخطر لنا
على بال أن يغامر 44 ناشطا من 14 دولة غربية بالإبحار إلى غزةعلى
سفينتين خشبيتين حملتا ببعض الأغذية والأدوية، وأن يعلن المتحدثونباسمهم أن
مهمتهم ليست إنسانية فحسب، ولكنها سياسية أيضا، أقدم هؤلاء علىمغامرتهم
متحدين التحذيرات الإسرائيلية التي هددتهم باستخدام مختلفالوسائل
لمنعهم من الوصول الى شاطئ غزة. وعارفين جيدا ان السلطاتالاسرائيلية لم تتردد في قمع النشطاء
الذين يحاولون الاعتراض على بناءالجدار الوحشي الذي يلتهم الأراضي الفلسطينية، وسبق لها أن قتلت
بإحدىالجرافات واحدة منهم، هي الأميركية اليهودية ريتشيل كوري، لكنهم
بشجاعتهموتصميمهم على المضي في رحلتهم استطاعوا ان يهزموا العربدة الإسرائيلية،بعدما
اصبح المسؤولون في تل ابيب مخيرين بين التعرض للفضيحة أمام العالمأو أن
يتراجعوا عن اعتراضهم، فاختاروا تجنب الفضيحة لمواراة الجريمةوإخفاء
الوجه القبيح.
لقد تناقلت وكالات الأنباء ما
ذكرته الصحافيةالبريطانية ايفون ريدلي من انه توجد في غزة عملية إبادة جماعية لا
يلاحظهاكثيرون (هل تقصد الزعماء العرب؟). كانت ايفون واحدة من تلك
المجموعةالشجاعة التي ضمت نماذج من البشر جمعتهم النزاهة ويقظة الضمير، وقداستغربت
ان تضم راهبة كاثوليكية عمرها 81 سنة وعضوا في البرلمان اليوناني،وشقيقة
زوجة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وأستاذا اسرائيليافي علم
السلالات الانسانية (الانثروبولوجي) هو البروفيسور جيف هالير الذيرشح
لجائزة نوبل، لمشاركته مع جماعة تهدف الى بناء منازل الفلسطينيين التيهدتها
الجرافات الاسرائيلية.
وذكرت التقارير الصحافية أن
يهوديا عمره 84سنة اسمه هيري ابيشتاين من بين الناجين من المحرقة، كان مقدرا له
ان يشاركفي الرحلة، لكنه منع لأسباب طبية.هؤلاء أناس شرفاء حقا وأصحاب
ضمائر حيةلا ريب، ولا أشك في أن أمثالهم كثيرون من النشطاء، في العالم
العربي، لكنما شجع الأوروبيين على أن يقوموا بما قاموا به أنهم يملكون قرارهم
ويعيشونفي دول ديموقراطية لا تستطيع أن تحاسبهم على ما فعلوه، حتى
سفينتاهماللتان توقفتا في قبرص، رفضت السلطات القبرصية الاستجابة لطلب
الحكومةالاسرائيلية منعهما من الابحار، ونقلت الوكالات عن مصدر قبرصي قوله
انالقانون يسمح لهم بالمغادرة مادامت وثائقهم سليمة، ولا نستطيع ان
ننتهكه،
ولست أشك في أن السفينتين لو
توقفتا في أي ميناء عربي وطلب الاسرائيليونمن سلطاته احتجازهما وعدم السماح لهما
بمواصلة الرحلة، لنفذ الطلب من دونتردد!
لقد فعل الناشطون الغربيون ما
عجز العالم العربي عن أن يفعله،ونجحوا في كسر الحصار الذي قرره وزراء الخارجية العرب في لحظة تجل
قبلأكثر من خمسة عشر شهرا، ثم لحسوا القرار فور صدوره، بحيث لم نعثر
له علىأثر في اليوم التالي مباشرة، وما تصور أحد أن الوزراء المحترمين
يمكن أنيتسلحوا بشجاعة تدفعهم الى فعل شيء مما فعله النشطاء الأوروبيون،
فيشكلواوفدا يحمل المؤن والأدوية الى المحاصرين، والسبب في ذلك معروف، هو
أنأولئك الوزراء يمثلون دولا لا تملك إرادتها، وقرار مثل هذا قد
تحتملإصداره والتغني به امام وسائل الاعلام، لكنها لا تملك القدرة علىتنفيذه.
اما الناشطون العرب فإنهم
يتعرضون للقمع والسجن إذا فكروا فيمحاولة من ذلك القبيل، وأمام إحدى المحاكم المصرية قضية اتهم فيها
شخصبجمع اموال لمساعدة حركة حماس في غزة، وقد ذكرت قبل عشرة أيام ان
احدالناشطين العرب أحضر سيارة محملة بالأغذية والأدوية وأراد إدخالها
الىغزة، لكنه محتجز أمام معبر رفح منذ أكثر من شهر، ولم يسمح له
بالدخول، وهوليس وحيدا في ذلك، لأن ما حدث معه تكرر مع العديد من المنظمات
والتجمعاتومؤسسات المجتمع المدني العربي. إن قطاع غزة ليس وحده المحاصر، لأن
الشعبالعربي محاصر أيضا، وكسر ذلك الحصار الأخير كفيل بفك الحصار
تلقائيا عنغزة، ادعوا الله أن يفرج كربنا وكربهم.
منذ احترق مجلس الشورى، وتجاوبا
مع مشاعر الشماتة التياستقبل بها الحدث في أوساط الرأي
العام المصري، راودتني فكرة لا أستطيع أنأدافع عن براءتها، يلخصها السؤال
التالي: لو أنك علمت أن احد المبانيالعامة قد حل عليه الدور في
الاحتراق في يوم معين، ما هي الاسماء التيتقترح دعوتها للاجتماع في ذلك
اليوم؟ ليست لدي إجابة نموذجية عن السؤال،لكن لدي عدة نقاط أسجلها
للاسترشاد بها في محاولة الإجابة،
أولها أنك يجبأن تحذر من الاستعانة بأي صديق، لسبب جوهري ينبغي ألا يغيب عن فطنتك،
هوأن ذلك الصديق قد يبلغ أمن الدولة بالخبر،
الأمر الذي سيؤدي حتما الىإفشال العملية، وبذلك نخسر «فرصة
تاريخية» لإراحة الناس والبلد من بعضمصادر التعاسة والكرب.
النقطة الثانية أن الاجتماع
المذكور سيكون محليابحتا، بالتالي فلا داعي لترشيح
احد من خارج مصر رغم أن منهم من يستحق الضمالى الاجتماع، ليس فقط لأن المبنى
قد لا يتسع لاستقبالهم، ولكن ايضا لأنهؤلاء -على العكس منا تماما-
يعيشون في اقطار يملك فيها الناس وسائل اخرىللتعبير عن الغضب والرفض وتصفية
الحسابات. وما حدث مع الرئيس مشرف فيباكستان دليل على ذلك.
النقطة الثالثة أن استهداف أي
مبنى ينبغي ألا يخطرعلى بال أي احد، خصوصا ان لدينا
في مصر مباني عزيزة علينا، تفوق في قيمتهاقدر الجالسين فيها. وهي بغيرهم
افضل وأجمل بكثير، لكن الحاصل ان بعضا منشاغلي تلك المباني أساءوا إليها
وإلى البلد بشكل فادح، الأمر الذي وضعناأمام خيار صعب. أصبحنا بمقتضاه
مضطرين إلى التضحية بتلك المباني لإنقاذالبلد من الانهيار. ولأن الضرر
الأدنى يقدم على الضرر الأكبر، فإن انهيارمبنى يمكن احتماله والقبول به،
إذا كان ذلك مؤديا إلى انقاذ البلد بأسرهمن الانهيار.
النقطة الرابعة أن الاجتماع الذي
ستتم الدعوة إليه، سيكوناجتماع عمل، وبالتالي فينبغي ألا
يخطر على بال أحد انه ستلقى فيه خطبةافتتاح من ذلك النوع الذي يتحول
فور إلقائه الى «خطة عمل»، خصوصا أن مثلهذه الطقوس عادة ما تتطلب اتخاذ
اجراءات أمنية طويلة ومعقدة، قد تؤدي الىتضييع «فرصة» اشتعال الحريق.
النقطة الخامسة أنني بإلقاء
السؤال لا أدعواحدا إلى أن يبعث إلي بترشيحات
لأي قوائم، لسبب جوهري هو أنني لن أستطيعأن أنشرها، وإذا نشرتها فإن
الجريدة لن تصل الى القارئ، وإنما ستجمع منالاسواق لتحفظ في «مكان أمين»،
هذا إذا سمح بطبعها أصلا، ولم تتعرض لماتعرضت له جريدة «البديل» قبل
أيام، حين رفضت الماكينات -من جانبها ودون أيتعليمات- أن تدور لإصدار طبعتها
الثانية، انما غاية المراد من طرح السؤالان يحاول كل قارئ من جانبه، وفي
نطاق عائلته على الاكثر، أن يمارس نوعا من «الرياضة الفكرية»، التي تشحذ
الذهن، وربما اشاعت في النفوس قدرا منالراحة، لأن مثل ذلك «العصف
الذهني» قد يبعث لدى الناس أملا في امكانانقشاع الغمة وزوال الكرب.
النقطة السادسة أن احتمال إخماد
الحريق وضياع «الفرصة التاريخية» التي يوفرها مستبعد
تماماً، الأمر الذي يعني أنالعملية مضمونة بنسبة 99 ٪ إن لم
يكن 100 %، لأن تجربة حريق مجلس الشورىأكدت أن احدا لم يفكر في تأمين
المباني العامة ضد الحريق، فضلا عن أنالأجهزة المعنية بالإطفاء سقطت في
الاختبار وأثبتت عجزا وإفلاسا لا نظيرله. كما أثبتت تلك التجربة أن
مفهوم الأمن عندنا سياسي بحت، ينحصر فيالحفاظ على سلامة قيادات النظام
فحسب، أما أمن المجتمع فلا يدخل فياختصاصها، ويبدو انه متروك للناس
يباشرونه بأنفسهم، بدليل إلزام كل صاحبسيارة أو ميكروباص بحمل «طفاية»
معه لمواجهة الحرائق، والامتناع عن صرفرخص السيارات ما لم يتم توفيرها.
أخيرا فإنني لم أفكر في المكان
الذي يمكنأن يعقد فيه الاجتماع المذكور،
لأن ذلك متروك للذين يدبرون العملية، لكننيلا أخفي قلقا من عدم توافر مكان
يستوعب الأعداد المرشحة للمشاركة فيالاجتماع، ومن باب الاحتياط فربما
كان مفيدا ترتيب المدعوين بحسب أهميتهم،بحيث يحتل السياسيون المقدمة،
وبعدهم الإعلاميون ثم الفاسدون من رجالالأعمال وبعدهم المسؤولون عن
تعذيب الناس.. إلخ. وفي كل الاحوال فإنالدائرة لا ينبغي ألا تتجاوز حدود
رموز الفساد والظلم في البلد، مع ذلكفأخشى ما أخشاه أن يتوسع البعض في
القوائم بحيث يصبح ستاد القاهرة هوالمكان الوحيد المرشح لإشعال
الحريق المفترض.
نحن نلوم الطغاة لأنهم يظلمون
الناس، لكننا لا نلومالناس الذين يسكتون عن الظلم، في حين ان ذلك السكوت هو الذي يغري
الظلمةبالتمادي في
ظلمهم، وحين نبه آرثر ميللر الكاتب المسرحي الأميركي الراحلالى هذه المسألة، وانتقد في
مسرحيته «حدث في فيتشي» تخاذل اليهودواستسلامهم للموت الذي كان يسوقهم اليه
النازيون فإن ذلك اثار المنظماتالصهيونية ضده حتى اتهمته- وهو اليهودي- بتبرير سلوك النازيين، ورغم
انملاحظته كانت
دقيقة وصائبة، الا ان تلك المنظمات كانت ومازالت حريصة علىان تصور اليهود في دور الضحية
دائما، لتبتز العالم بقصة «ابادتهم».
مع ذلكفالسائد في الادبيات التي تناولت موضوع الظلم
انها تصب جام غضبها علىالتنديد بالظلمة، وذلك امر سهل وفي مقدور كل احد لكن التصدي بالنقد
لظاهرةالاستسلام
للظلم والانصياع له، يتطلب شجاعة أكبر لانه في احوال كثيرة يكونبمنزلة نقد للذات لا يقدر عليه
كثيرون، ومما هو جدير بالملاحظة في هذاالصدد ان القرآن اهتم كثيرا بذلك الجانب
المسكوت عنه، حتى توعد المستسلمينللظلم بالخذلان والعذاب اذا ما قبلوا بالضيم واستسلموا له. (إن الذينتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم،
قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فيالأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة
فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنموساءت مصيرا). وثمة نصوص أخرى عديدة في هذا المعنى، منها ما انتقد اهل
مصرالذين استخف
بهم الفرعون فأطاعوه ولم يقاوموه، ومنها ما امتدح المؤمنينالذين إذا أصابهم البغي فإنهم
ينتصرون فينتفضون والاحاديث النبوية كثيرةفي هذا الباب،
وقد أوردها الإمام الغزالي في
كتابه إحياء علوم الدين، حينأفرد فصلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معتبرا ان مقاومة الظلم
هيجوهر ذلك
التكليف الشرعي. منذ وقت مبكر اعتبر فقهاء المسلمين ان الامامةعقد يقوم على تحقيق العدل (إن
الله يأمر بالعدل). وبالتالي فإن الظلم لايشكل عدوانا على ذلك العقد فحسب، ولكنه يجعله
ينفسخ لانه قوض الاساس الذييقوم عليه، ولذلك ذهب بعض الباحثين الى القول إن الإسلام تبنى في هذاالجانب موقفا تحريضيا فريدا في
بابه، اضفى بمقتضاه شرعية على مقاومة ظلمالانظمة (التي يفترض أن لها شرعية قانونية).
ولبعض كبار الباحثين في مصركتابات منيرة سلطت الضوء على هذه
الفكرة، في المقدمة منهم الراحلان د.محمدضياء الدين الريس ود.محمد طه بدوي، وقد حرص
فقهاء الاصول على وضع ضوابطلمراتب مقاومة الظلم، بحيث لا تنتهي الى الفوضى أو تغليب المفاسد علىالمصالح، الا ان الامر لم يخل من
مذاهب استسهلت «الخروج» على الحكامالظلمة، حتى حولته الى مغامرة أساءت الى الفكرة، كما حدث في ممارسات
بعضاتباع المذهب
الزبيدي. وفي مقابل الاتجاهات التي ذهبت بعيدا في الدعوة الىالخروج، فقد ظهرت في التاريخ
الاسلامي دعوات حثت على الرضا بالظلم، لتجنبالفوضى التي قد تؤدي الى انهيار النظام
الاسلامي،
وقد عرض الدكتور طه بدويلهذه الاتجاهات كلها في الكتاب
الذي اصدره في منتصف القرن الماضي حول «حقمقاومة الحكومات الجائرة في الاسلام». في
مجتمعاتنا المعاصرة ظهرت ثلاثةعوامل اثرت بالسلب على فكرة مقاومة الظلم، اولها ان الامر بالمعروف
والنهيعن المنكر
اختزل في ممارسات متعلقة بالسلوك والطقوس، الامر الذي افرغالتكليف الشرعي الجليل من مضمونه
الحقيقي، العامل الثاني ان مجتمعاتنااصابها الوهن، بعدما جرى تفكيكها بما أفقدها
القدرة على الفعل، وكانللانظمة الاستبدادية دورها الاساسي في ذلك، لانها اعتبرت ان استمرارهاوتمكينها مرهون بكفاءتها في تصفية
خلايا العافية في المجتمعات التيتحكمها،
العامل الثالث ان الدولة الحديثة
توافرت لها قدرات جبارة مكنتهامن الاستقواء في مواجهة المجتمع وقهره عن طريق اساليب القمع التي جعلتمقاومة الظلمة امرا مكلفا، يفوق
قدرة الكثيرين على الاحتمال. في هذهالاجواء تصور البعض ان الاستبداد اصبح قدر
العالم الثالث، فمن قائل انخيارنا اصبح بين انظمة مستبدة لينة (ديكتابزندا) واخرى غليظة وصارمة (ديكتادورا) - وقائل بتفضيل
المستبد العادل، او المستبد العاقل، الى غيرذلك من التخريجات التي تسوغ الاستسلام لما هو
قائم وتزين القبول به، لكنهاجميعها لم تستطع ان تستر قبح الاستبداد بكل صوره، الامر الذي اعاد طرحالسؤال الكبير حول كيفية حشد
المجتمع لقواه الفاعلة التي تمكنه من مقاومةالظلم شريطة ان تكون مستعدة لدفع ثمن هذه
المقاومة. وأضع خطا أحمر تحت حشدالمجتمع لقواه، لان تفكك تلك القوى وشرذمتها هو العنصر الرئيسي في
استقواءالاستبداد واستمراره.