فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

إنهم يسخرون من رؤسائهم

صحيفة الدستور المصريه الأحد 30 شعبان 1429 – 31 أغسطس 2008

إنهم يسخرون من رؤسائهم – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/662969.html


لأن الأميركيين من أكثر شعوب العالم سخرية من انفسهم، فانهم لم يتركوا شيئا في حياتهم لم يسخروا منه، وحكامهم الأوفر حظاً من السخرية التي تعد موضوعاً رئيسياً في اغلب البرامج المسائية، حتى يقال عندهم دائما ان السياسيين ينشطون ويتحركون طوال النهار ليأتي مقدمو البرامج الفكاهية لكي يتولوا السخرية منهم في المساء، ولهذه المهمة نجوم ينتظرهم الملايين كل يوم، من اشهر هؤلاء جاي لينو، الذي يقدم برنامجا فكاهيا يومياً على قناة )اي. بي. سي( وهناك أيضاً ديفيد ليترمان )سي. بي. اس( وكانون اوبراين )اي. بي. سي( وبيل ميهر )اتش. أم. أو( وغيرهم كثيرون.الرئيس بوش له نصيبه من السخرية، فحين كانت اسعار النفط في تزايد مستمر قال ليترمان ان بوش حين سئل عما سيفعله لمواجهة ارتفاع سعر لتر البنزين، فإنه رد قائلا سأفعل كل ما استطيع حتى لا يصل السعر إلى الف دولار، وقال اوبراين: ان بوش اغضب اليهود حين هنأهم بعيد رأس سنتهم قبل حلول المناسبة، فاعتذر لهم واراد ان يطيب خاطرهم فقال سأعوض ذلك بتقديم هدية الكريسماس )الذي لا يحتفل به اليهود(.

 

وقال لينو ان بوش زار العراق سراً اثناء الليل لمدة ثلاث ساعات، تماما مثلما فعل حين تطوع في الحرس الوطني، حيث كان في الجامعة. وقال ميهر ان بوش حين كان في استراليا، تخفى صحافي استرالي في زي بن لادن واقترب من

مقره فاعتقله رجال الحرس واقتادوه إلى حيث كان يجلس بوش، وحين رآه استغرق في الضحك وطمأن الحراس قائلا انه تأكد من انه ليس بن لادن لانكم القيتم القبض عليه.

 

وهم حين يتندرون على انفسهم يقولون ان اميركا هي الدولة الوحيدة في العالم التي يصل فيها حامل البتزا إلى المنزل قبل سيارة الاسعاف، )نحن سبقناهم الآن لان حريق مجلس الشورى حين وقع فإن الجميع وصلوا في الوقت المناسب باستثناء سيارات الاطفاء(.

 

وحين يتندرون على تاريخهم يقولون ان رجلا سأل آخر: لماذا حارب الهنود الحمر المهاجرين الاوائل؟ فرد الآخر قائلا: لانهم دخلوا اميركا بطرق غير قانونية. يقولون ايضا ان مدرسة سألت تلميذا من وقع اعلان الاستقلال، وحين عجز عن الاجابة استدعت اباه وسألته نفس السؤال، فقال انه حقا لا يعرف، ثم التفت إلى ابنه ونهره قائلا: انا لم أوقع على اعلان الاستقلال ويجب ان تعترف اذا كنت قد وقعته  انت! حين نقلت الاخبار ان هناك صلة بين جدود اوباما لامه في ايرلندا وجدود نائب الرئيس تشيني الذي هاجر جدوده ايضاً من ايرلندا قال اوبراين في ذات المساء ان تشيني استدعى اوباما وقال له: اعمل معي من دون مقابل مادمت قريبي. وعلق ليترمان قائلا ان تشيني هتف قائلاً: الآن عرفت من اين ورث اوباما ما يتمتع به من سخف.

 

وحين وقف اوباما وسط آل كنيدي الذين ايدوه قال لينو انه ليس معروفا على وجه الدقة ما اذا كان يريد ان يكون رئيسا للبيت الأبيض أو خادماً في بيت آل كنيدي؟ وقال آخر هل تعرفون لماذا ايد آل كنيدي اوباما؟ لأن جدهم الكبير زار كينيا في القرن التاسع عشر، ولم يستطع ان يصطاد اسدا ببندقيته لكن مرافقه الكيني )يقصد جد اوباما( اصطاد الاسد بيديه، فحمل الاثنين معه إلى أميركا.

 

وقال لينو: حقيقة اميركا هي اعظم دولة في العالم فقد رأينا الكيني يذهب إلى ولاية كاليفورنيا اللاتينية التي يحكمها نمساوي )اشارة إلى اصول اوباما الكينية وتزايد نسبة اللاتينيين في الولاية، وإلى حاكمها شوارتزنيجر المولود في النمسا(.وقال اوبراين: هل تعلمون لماذا اثار اوباما اهتمام البيض في ولاية نيوهامبشير لأنه أول اسود يشاهدونه!

 

وقال لينو ان البعض ينتقدون اوباما لأن اسم والده حسين وبالنسبة لي فإن حسين اجمل كثيرا من بوش. حين وقعت على هذه القائمة من «النكت » قلت ان لدينا اقوى منها في الظرف والفكاهه، لكن الفرق بيننا وبينهم انهم يبثونها علنا ويضحكون من قلوبهم، ونحن نتداولها على الهاتف ثم نتطلع حولنا خشية ان نضبط متلبسين بالضحك ومخالفة قيود البث الفضائي.

 

متقدمون في أوضاع متخلفة

صحيفة الدستور المصريه السبت 29 شعبان 1429 – 30 أغسطس 2008
متقدمون في أوضاع متخلفة - فهمى هويدى

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/662548.html


ليست المفاجأة أن تحصل مصر علي تقدير «ضعيف جداً» في تقرير النزاهة والشفافية، فكلنا يعلم ذلك وأكثر منه، لكن المفاجأة أن يصدر التقرير عن لجنة يرأسها وزير التنمية الإدارية، وأن يبث علي الموقع الإلكتروني لوزارته. لم يخل الأمر من أكثر من مفارقة، إحداها أن الحكومة فيما بدا، تجاهلت التقرير واعتبرته كأن لم يكن، لسبب مفهوم هو أن المآخذ والثغرات التي سجلها تتجاوز حدود سلطتها، وهي أوثق صلة بطبيعة سلوك النظام وبنيته، بحيث إن تغييرها ـ كما في حالات نزاهة الانتخابات أو مكافحة الفساد أو منظمات المجتمع المدني أو المساءلة التشريعية ـ يقتضي تغيير النظام السياسي كله. من تلك المفارقات أيضاً أن البند الوحيد الذي حصلت فيه الحكومة علي تقرير «قوي جداً» هو بند المشتروات، منها أيضاً أن التقرير حين نشرته إحدي الصحف فإن جريدة الأهرام كانت قد نشرت مقالاً في اليوم السابق لأحد كتاب لجنة السياسات المرموقين، وجه فيه اللوم إلي الصحف المستقلة والمعارضة، لأنها لا تري في الوضع الراهن سوي سوءاته فقط، الأمر الذي يصيب الناس بالإحباط واليأس، وإذا بالتقرير يسوق بيانات تفحمه وتفضح زيف مقولته.

رغم أهمية هذه الملاحظات، فإن القدر من الشجاعة الذي مارسته لجنة النزاهة والشفافية هو أكثر ما أثار انتباهي، حتي اعتبرته مفاجأة جديرة بالتسجيل، ذلك أننا عهدنا في اللجان والتقارير التي تكون الحكومة طرفاً فيها أن تواري وتنافق في إبداء محاسن أزهي العصور، تحت القيادة الرشيدة والمتابعة الفاضلة وفي ظل الفكر الجديد، وسواء أدرك واضعو التقرير أن هذا الكلام لم يعد ينطلي علي أحد، أو أنهم قرروا أن يقدموا نموذجاً لحد أدني من النزاهة يكسبهم ثقة الرأي العام، فالشاهد أنهم «عملوها» وأقنعونا بأن هناك جهة لها صفة رسمية احترمت الحقيقة، وكان حرصها علي الوطن أكثر من حرصها علي مجاملة الحكومة، وهو ذات النموذج الذي عهدناه في تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، التي كثيراً ما أثارت استياء الحكومة وغضبها.

المفاجأة ذاتها انتابتني حين فشلت ذات يوم في العثور علي رقم للهاتف ولجأت إلي «الدليل» مستفسراً عنه، فإذا بصوت نسائي يرد عليَّ بمنتهي الذوق والأدب ذاكراً اسم الموظفة أولاً ثم مستفسراً عن الطلب، وبعد الإجابة توجهت إليَّ صاحب الصوت بالشكر، مذكرة بأن الهيئة مستعدة لتقديم أي خدمات لعملائها، لأول وهلة ظننت أنني أخطأت في الرقم، فعاودت الاتصال مرة ثانية وفوجئت برجل يرد عليّ ويردد نفس الكلام، من الاسم إلي الشكر والاستعداد لتقديم الخدمة. حدث ذلك معي أيضاً حينما كنت مسافراً علي شركة مصر للطيران، ووجدت في استراحة المطار من أعطاني انطباعاً بأنه كان في انتظاري، وقادني إلي مقعدي، وكنت مازلت تحت تأثير الدهشة من نظام استقبال المسافرين علي مختلف الدرجات. ولأنني لست معتاداً علي هذه الحفاوة والسلوك المتحضر، ولي ذلك تجارب طويلة ومريرة أريد أن أنساها، فقد استغربت أيضاً معاملة الجمهور في مصلحة الجوازات التي أظن أنهم يختارون العاملين فيها بعناية خاصة، وبمواصفات تختلف عن أولئك الذي يكلفون بتعذيب البشر في عالم السجون والمعتقلات.

السؤال الذي شغلني حين تجمعت لدي هذه الملاحظات هو: لماذا نحن متخلفون ولدينا هذه النماذج المتقدمة؟ لم تكن الإجابة صعبة، أولاً: لأنني كنت مدركاً أن هذه النماذج تعد استثناءات علي الوضع العام، وثانياً: لأنها تحسب علي مبادرات واجتهادات شخصية بأكثر مما تحسب علي النظم السائدة، وثالثاً: لأن هذه النماذج ذاتها سرعان ما ترتد إلي حالة التخلف إذا انتهت إدارتها وترك الأشخاص المسئولون عنها مناصبهم.

حاولت أن أختبر صحة هذه الإجابة، فألقيت السؤال ذاته علي مسامع بعض الشخصيات العامة الذين قُدر لي أن ألتقيهم في إحدي المناسبات، وكان منهم مسئولون عن بعض أجهزة الدولة، وما أثار انتباهي أن الآراء التي أبُديت حتي من بعض المسئولين، اتفقت علي بؤس الأوضاع الراهنة، وأنها تسير من سيئ إلي أسوأ، وإذا كان منهم من عبَّر عن يأسه من إحراز أي تقدم في الوضع العام، فإن آخرين قالوا إنهم بعد أن فقدوا الأمل في اصلاح البلد، فلم يعد طموحهم يتجاوز حدود المبادرات الفردية التي يحاولون من خلالها إحياء بعض الخلايا في جسم الوطن، وهم لا يفعلون ذلك سعياً وراء الإصلاح، بقدر ما أنهم يحاولون إرضاء ضمائرهم، ورفض مسايرة الآخرين والسير في ركابهم.

ملحوظة: ذكرت أمس أن لجنة شُكلت في عام 1984 برئاسة الدكتور كمال الجنزوري ـ رئيس الوزراء ـ للتحقيق في النتائج السيئة التي حققتها البعثة المصرية في أولمبياد لوس أنجلوس، ولكن نتائج أعمالها لم تعلن إلي الآن، وقد صحح لي الدكتور الجنزوري المعلومة ونبهني إلي أن رئيس الوزراء آنذاك كان الدكتور فؤاد محيي الدين.

الفشل الأكبر والأصغر

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 28 شعبان 1429 – 29 أغسطس 2008
الفشل الأكبر والأصغر - فهمى هويدى

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/661851.html


لا بأس أن يجري تحقيق في الفشل الأولمبي الذريع الذي منيت مصر به في بكين، بحيث شارك في الدورة 100 رياضي «غير 77 إدارياً» وعدنا منها بميدالية برونزية واحدة «في الجودو»، وهو الفشل الذي جعل مصر تحتل المركز 81 علي جدول المباريات، متساوية في ذلك مع دول مثل توجو وموريشيوس وأفغانستان، علماً بأن مصر حصدت في دورة أثينا عام 2004 خمس ميداليات إحداها ذهبية في المصارعة.

ولا أعرف مدي جدية حكاية التحقيق هذه، لأن لنا تجربة سابقة «في سنة 1984 بعد دورة لوس أنجلوس» حيث شكلت لجنة برئاسة الدكتور كمال الجنزوري الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك، للتحقيق في ملابسات النتائج السيئة التي حققتها البعثة المصرية في أولمبياد ذلك العام، وحتي الآن، بعد مضي حوالي ربع قرن علي التشكيل، لم نعرف بالضبط ما الذي حدث في ذلك العام، مع ذلك فسوف نفترض ـ أو نرجو ـ أن تكون تجربة لجنة التحقيق التي تشكلت برئاسة الدكتور أحمد نظيف ـ رئيس الحكومة ـ أفضل من التجربة السابقة، لكن أخشي أن تخطئ في تشخيص المشكلة، بحيث تحصر تحقيقها في الشأن الرياضي، ولا تتطرق إلي عمق المسألة المتمثل في الظروف السياسية والمجتمعية التي كانت النتائج البائسة التي تحققت في بكين إفرازاً طبيعياً لها.

لست خبيراً في الشأن الرياضي وعلاقتي بالرياضة البدنية لا تقل سوءاً عن علاقتي بالعلوم الرياضية التي كانت مقررة علينا في المرحلة الثانوية، لذلك فإن ملاحظاتي محصورة في رؤيتي كمشاهد لا كمشارك، رغم أن تجربة بكين والأداء التعيس لبعض الرياضيين المصريين، أقنعني بأنه كان بوسع واحد مثلي أن ينضم إلي البعثة وهو مطمئن إلي أنه لن يكون أسوأ من أولئك البعض، باعتبار أننا جميعاً في مستوي واحد من عدم اللياقة.

هناك مستويان لإجراء التحقيق المنشود كما أشرت تواً، أحدهما يتعلق بظاهر الحدث، والثاني يغوص في أعماقه. في الظاهر سوف نستدرج إلي مناقشة مسئولية كل من اللجنة الأولمبية، والمجلس القومي للرياضة، بعدما أصبح المسئولون في كل جهاز يلقي بالتبعة علي الآخر، وسيفتح ذلك الباب واسعاً للحديث عن الأعذار والإمكانات، وغير ذلك من تفصيلات الأنشطة الرياضية في البلد، وهي أمور مهمة لا ريب، لكنني لست علي دراية كافية بأبعادها، لكنني لاحظت من قراءتي للصحف أمرين، أولهما أن الرياضة عندنا أصبحت محصورة في كرة القدم، بحيث أصبح أكبر حزبين حقيقيين هما حزبا الأهلي والزمالك، وثانيهما أن الرياضة انفصلت عن الأخلاق، حتي أصبحت البذاءة والشتائم والهتافات الهابطة من تقاليد مباريات كرة القدم، وبسبب ذلك الانفصال بين الاثنين، أصبحت الأندية الرياضية ساحة للمنازعات والمشكلات، كما أفسدت الصورة المشاحنات بين المعلقين الرياضيين وممارسات بعض اللاعبين التي تنسب إلي البلطجة بأكثر مما تنسب إلي الرياضة، وكانت النتيجة أن صفحات الرياضة لم تعد تختلف كثيراً عن صفحات الحوادث.

إذا ذهبنا إلي أبعد، وحاولنا أن نتحري جذور المشكلة، فسوف نكتشف أننا مجتمع ليست لنا علاقة بالرياضة، فهي ليست جزءاً من حياتنا، ولا هي جزء من اهتمام السلطة، وكما أنه ليست لدينا استراتيجية واضحة في أي شيء، لا في السياسة ولا في التنمية، فليس غريباً ألا تكون لنا استراتيجية في الرياضة، وبالتالي فإن فشلنا في دورة بكين، هو صدي لفشلنا في الميادين الأخري، وعجزنا عن تحقيق أي تفوق في المباريات هناك، يمكن أن يتحقق لو أننا شاركنا في أي مسابقات أخري في التعليم أو البحث العلمي أو الصناعة أو الزراعة، وما أزمة رغيف الخبز والفشل في إطفاء حريق مجلس الشوري إلا بعض أصداء ذلك العجز.

فقط نستطيع أن نحصل علي ميدالية ذهبية في الطوارئ والقمع وتزوير الانتخابات.

إننا نخدع أنفسنا إذا قلنا إنه فشل في دورة بكين، لأن الفشل الحقيقي هو في إدارة المجتمع، إن شئت فقل إن الأول فشل أصغر والثاني فشل أكبر.

القضاة يئدون الحصار

صحيفة الدستور المصريه الخميس 27 شعبان 1429 – 28 أغسطس 2008
القضاة يئدون الحصار - فهمى هويدى

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/661013.html


حين كتبت في هذا المكان معبرا عن الشعور بالحرج والخزي، لأن الناشطين الأوروبيين نجحوا في كسر حصار غزة والوصول الى أهلها والتعبير عن التضامن معهم، في حين ان العالم العربي كله يقف متفرجا وذاهلا، نظمه ومثقفوه على الأقل، فإنني لم أتوقع كم التجاوب والتأييد الذي لقيته هذه الرسالة، فقد أصبحت أتلقى يوميا اتصالات بخصوص الموضوع، بعضها أسهب في سب الزمن العربي، وبعضها دعا الى تصويب الرؤية ووضع الحصار في اطاره الصحيح بحيث نواجه أنفسنا بشجاعة وصراحة، ونعلن على الملأ ان الحصار مصري قبل ان يكون اسرائيليا. قارئ آخر عبر عن رأيه بسخرية قال ان الرئيس مبارك قال ان مصر لن تسمح بتجويع الفلسطينيين حقا، وهو ما حدث لأن احدا لم يمت من الجوع هناك، ولكنه لم يقل ان مصر لن تسمح بموت المرضى على بوابة معبر رفح، او بتضييع مستقبل الطلاب العالقين عند المعبر الذين لم يلتحقوا بجامعاتهم، او بتعطيل المدارس واغلاق المصانع ووقف نمو الاطفال بسبب سوء التغذية.السؤال المشترك الذي القاه علي اغلب القراء هو: ما الذي يستطيع ان يفعله المجتمع للتضامن واغاثة المحاصرين في القطاع؟ في هذا السياق اتصل بي أحدهم ليأخذ رأيي في قرار اتخذه هو وبعض اصدقائه بتجهيز عشر سيارات وتحميلها بالمؤن والأدوية والاتجاه بها الى العريش لتوصيلها الى أهالي القطاع عبر معبر رفح، وقد استحسنت الفكرة لكني نصحت بالتنسيق مع السلطات المصرية، لأن القافلة لن تستطيع ان تمر الا في ظل ذلك التنسيق، لأن البديل هو الاشتباك مع القوات الموجودة هناك، وهذا أمر لن يخدم الهدف المنشود.غير ان اهم ما سمعته من آراء في الموضوع، كان ما حدثني به المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض، الذي قال ان القضاة موقفهم أكثر حرجا من غيرهم من زاويتين الأولى انهم لا يستطيعون ان يلتزموا الصمت امام الحصار الذي يشكل جريمة ابادة، طبقا لاتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني، ويعتبرون انهم باعتبارهم حراسا للقانون في البلد مطالبون باتخاذ موقف يدافع عن المبادئ القانونية التي ترفض الحصار وتجرمه، وفي رأيه ان الاحتجاج بالاتفاقيات الدولية المعقودة مع الإسرائيليين لاستمرار الحصار باطل من الناحية القانونية، لأنه لا يجوز الاتفاق على تنفيذ جريمة، وليس هناك قانون أو عرف أو منطق يؤيد ذلك..نقطة الحرج الثانية في موقف القضاة انهم لا يريدون تسجيل موقف سياسي ولا احراج الحكومة، ولا يريدون ان يخوضوا في الجدل السياسي المثار حول الموضوع، وانما غاية ما يطمحون اليه ان يتصرفوا كقضاة يلتزمون بالقانون، ويعبرون عن الغيرة على وطنهم وامتهم ودينهم، ويأبون ان يروا جريمة الابادة تتم تحت اعينهم في حين يلتزمون الصمت ازاءها.فهمت من المستشار مكي ان اعضاء نادي القضاة يتداولون الآن فيما بينهم حول كيفية تطبيق قواعد القانون الدولي في مسألة الحصار، وان الناشطين الغربيين نجحوا في الوصول الى غزة لأن القانون الدولي في صفهم، ولم يكن بمقدور اي أحد ان يمنعهم من القيام بالدور الإنساني الذي اعلنوا انهم يقومون به، في هذا الاطار فإن افكارا عدة مطروحة، منها ترتيب لقاء مع السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية للتباحث معه في كيفية وآلية تنفيذ قرار مجلس الجامعة بكسر الحصار، وتطبيق مبادئ القانون الدولي في هذا الصدد .
من هذه الأفكار أيضا ان القضاة يبحثون في كيفية اقامة تحالف قانوني دولي لرفع قضية أمام المحكمة الاوروبية لحقوق الإنسان تطالب برفع الحصار وابطال نتائجه. ومما قيل في هذا الصدد ان أي فلسطيني موجود في مصر بوسعه ان يرفع قضية امام مجلس الدولة يطالب فيها بوقف القرار الاداري الخاص باستمرار اغلاق معبر رفح، وحرمان المرضى وغيرهم من ذوي الحاجات من قضاء حوائجهم، وهو ما يتعارض صراحة مع مبادئ القانون الدولي الإنسانى .
لقد قرر القضاة ان يتحملوا مسؤوليتهم في حدود دائرتهم القانونية، فما الذي سيفعله الآخرون؟!

فرحة ما تمت

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 26 شعبان 1429 – 27 أغسطس 2008

فرحة ما تمت – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/659725.html

 

هذه ومضة فرح لاحت في الأفق لعدة ساعات ثم ما لبثت أن تبددت. فقد أعلن في بيروت يوم 18/ 8 الحالي عن توقيع وثيقة تفاهم بين حزب الله ومجموعة تمثل السلفيين. وذلك حدث مفاجئ وكبير بكل المعايير، لبنانيا وعربيا واسلاميا. ذلك أن المتابع لنشاطات الحزب وتحركاته، كان يمكن ان يتوقع منه اي شيء إلا هذه الخطوة بالذات.

 

فتفاهمهم مع الموارنة والدروز والقوميين السوريين والشيوعيين وأهل السنة، وكل ما يخطر على بالك من اصحاب الملل والنحل، كل ذلك محتمل ولا مفاجأة فيه. ولكن ان يتفقوا مع السلفيين، فذلك يمكن ان ينضاف الى عجائب الدنيا وغرائبها. وهذا الكلام ينطبق بدوره على السلفيين، الذين كان آخر ما يتوقعه المرء منهم ان يوقعوا وثيقة تفاهم مع الشيعة المنخرطين في حزب الله.

 

هذا الكلام يدركه جيدا كل من اقترب من دائرة الخلاف بين الشيعة والسلفيين، حيث يعرف ان التفاهم بين الشيعة وأهل السنة ممكن، وبين الاخيرين من لا يجد غضاضة في ابرام ذلك التفاهم، الذي كان ولا يزال هدف الدعوة الى التقريب بين المذاهب التي انطلقت في مصر في اربعينيات القرن الماضي، وخلالها صدرت فتوى الشيخ شلتوت الشهيرة التي اعترفت بالمذهب الشيعي الجعفري (نسبة الى الامام جعفر الصادق) واعتبرته من المذاهب التي يجوز التعبد بها شرعا، الأمر الذي تزامن مع دراسة المذهب الشيعي في الازهر، في اطار دراسة الفقه المقارن. لكن التفاهم الشيعي- السني اذا كان ممكنا، فإنه يصبح مستحيلا مع السلفيين الذين لديهم تحفظات كثيرة على الشيعة، وأغلبهم يخرجونهم من الملة، ويعتبرونهم اهل بدع ينكرون المعلوم من الدين بالضرورة. لكنهم جميعا يعتبرون انه لا مجال للوصول الى صيغة للتفاهم او التعايش مع الشيعة.

 

ما يبعث على الدهشة في الحدث اللبناني ان وثيقة التفاهم التي اعلنت صدرت في مناخ عام يخيم عليه الشقاق والتوتر بين الشيعة والسنة، بعدما نجحت حملات الدس والوقيعة في تحويل الصراع السياسي المحتدم هناك الى صراع مذهبي، في بعض اوجهه على الاقل.

 

وحين طلبت مني احدى الاذاعات تعليقا على الموضوع، قلت ان الذين أصدروا وثيقة التفاهم لم يوقعوها كشيعة او سلفيين، وانما كوطنيين لبنانيين ارتأوا انها تشكل ضرورة لترسيخ مفهوم التعدد والحرص على العيش المشترك.

 

قلت ايضا ان هذه الروح الوفاقية تعبر عن نضج في الوعي السياسي نفتقده في ساحات اخرى في العالم العربي، خصوصا في الانظمة الموالية للسياسة الاميركية التي تراهن على تفجير الصراع المذهبي في المنطقة، الذي حقق نجاحا نسبيا في العراق، ورغم أن مساعي الوفاق لها تجلياتها التي تتحرك ببطء في الكويت والبحرين، وهو امر جدير بالتسجيل والترحيب -إلا أنه لم يصل بعد الى حد اثبات هذا الموقف في وثيقة معلنة وبنود محددة.

 

لقد تضمنت وثيقة التفاهم التي أعلنت في مؤتمر صحافي في بيروت حضره ممثلو الطرفين ثماني نقاط تم التوافق عليها، أبرزها ما يلي:

 

 التأكيد على حرمة الدم المسلم، وإدانة اي اعتداء من مجموعة مسلمة على اخرى

- الامتناع عن التحريض وتهييج الصدام بما يؤجج نار الفتنة بين الطرفين

- الوقوف في وجه المشروع الاميركي-الصهيوني الأكثر حرصا على إثارة الفتنة والمراهنة على التجزئة والتفتيت

- السعي بكل السبل الى القضاء على الفكر التكفيري الذي يتبناه البعض على الجانبين

- تشكيل لجنة تضم علماء يمثلون الطرفين للبحث في المسائل الخلافية بينهما والحيلولة دون انتقالها الى الشارع

- والاعتراف بحق كل طرف في أن يمارس حرية اعتقاده من دون ان يكون لأي منهما أن يفرض رأيه على الآخر.

 

هذا التفاهم أزعج دوائر الغلاة بين السلفيين والمعبَّئين من اهل السنة ضد الشيعة، والمراهنين على تأجيج الفتنة واستمرار الشقاق، فمارسوا ضغوطا قوية على المجموعة السلفية التي وقعت على الوثيقة (جمعية الإيمان والعدل والإحسان)، أثمرت اعلانا عن تجميد الوثيقة «حتى يتم جمع شمل اهل السنة ويتسع التشاور حول مضمونها، بما يعيد الصفاء الى الساحة اللبنانية السنية»، كما قيل في بيان صدر بهذا الخصوص. وبهذا الاعلان اجهض الاتفاق، وهدأت نفوس المراهنين على الفرقة والتشتت، حيث اطمأنوا الى ان مخططاتهم مستمرة من دون أي عوائق.

تغريد خارج السرب

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 25 شعبان 1429 – 26 أغسطس 2008

تغريد خارج السرب – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/658837.html

 

لأاعرف إلي أي مدي يحتل المزاج العربي دعوة لإحداث نقلة نوعية في الوجهة السياسية‏,‏ تستهدف توثيق العرب مع الأتراك والإيرانيين‏,‏ لكني علي يقين من أن ذلك يعد تغريدا خارج السرب‏.‏

(1 )
في حين يحظي مسلسل نور التليفزيوني التركي بمتابعة غير عادية في أنحاء العالم العربي‏,‏ أزعم أنها أحدثت انقلابا في رؤية العرب لتركيا‏,‏ فإن المراصد السياسية باتت مشدودة إلي الدور التركي الصاعد الذي يتحرك بجدية علي مستويات عدة‏,‏ من القمة التركية ـ الإفريقية‏,‏ إلي استقبال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في اسطنبول‏,‏ وقبله استقبال الرئيس السوري بشار الأسد‏,‏ وزيارة أردوغان بغداد‏,‏ ودخوله علي الخط بين روسيا وجورجيا‏,‏ وتحركه لتطبيع العلاقات مع خصومه التاريخيين في أرمينيا واليونان‏,‏ وتوسط حكومته بين سوريا وإسرائيل‏..‏ كل ذلك خلال الأشهر القليلة الماضية‏.‏

في وقت متزامن‏,‏ كانت إيران تطور علاقاتها مع روسيا باتفاق علي التعاون في مجال الفضاء بعدما قطعت شوطا في تعاونها معها في بناء مفاعلها النووي في بوشهر‏.‏ وتمد جسورا مع الجزائر في أثناء زيارة الرئيس بوتفليقة لطهران‏,‏ وتستقبل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي‏.‏ وأثارت الانتباه في هذا السياق‏,‏ الزيارة التي قام بها الرئيس أحمدي نجاد لاسطنبول‏,‏ والتي غادرها متجها إلي دمشق‏,‏ ثم زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة راعي اتفاق الفصائل اللبنانية في الدوحة لطهران‏.‏

هذا القدر المعلن من الاتصالات دفع بعض المحللين إلي الحديث عن ظهور نظام إقليمي جديد في المنطقة‏,‏ تلعب فيه إيران وتركيا الدور الأساسي‏,‏ كما دفعهم إلي مقارنة هذه التحركات بالسكون المخيم علي العالم العربي‏,‏ واستغراقه إما في الخلافات بين دوله أو في مشاكلها الداخلية‏,‏ التي استصحبت حالة من الانكفاء القطري أذهلت العواصم علي ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية‏.‏

(2)
‏ ما هو جديد في هذه التحركات أنها تتم بين دول لها مشاكلها ومرارتها فيما بينها‏,‏ لكنها انطلقت من رؤية استراتيجية تجاوزت بها عقد الحاضر‏,‏ فضلا عن أوزار التاريخ‏..‏ إن شئت فقل إن هذه الدول طوت صفحة التاريخ واستعلت فوق المشاكل الأدني لكي تحقق المصالح العليا‏.‏

فتركيا وإيران علي طرف نقيض علي صعيد التحالفات السياسية‏,‏ فالأولي لها ارتباطاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل‏,‏ وهما الخصمان اللدودان لإيران‏,‏ وممثلو النظام الإسلامي في طهران يرفضون في زياراتهم الرسمية زيارة قبر أتاتورك‏,‏ مؤسس الجمهورية العلمانية في تركيا‏,‏ كما يقضي البروتوكول‏.‏ ولذلك‏,‏ فإن زيارة أحمدي نجاد ولقاءاته تمت في اسطنبول‏,‏ وكان الأتراك هم الذين رتبوا العملية‏,‏ ولم يعتبروا ذلك إهانة لمؤسسة الجمهورية‏,‏ لأن هناك مصالح أكبر من البروتوكول‏.‏ وفي الذاكرة التركية أن إيران أقامت علاقة مع حزب العمال الكردستاني في التسعينيات للضغط علي أنقرة‏,‏ كما أن الصراع المرير بين الدولتين الصفوية والعثمانية لايزال له مكانة في ذاكرة الأتراك‏,‏ وفي الوقت نفسه‏,‏ فإن أنقرة قلقة من التمدد الإيراني في العراق‏,‏ وتعتبره إخلالا بالتوازن المفترض بين قوي الجناح الشرقي للمنطقة‏.‏

وتركيا التي تتمتع الآن بعلاقات ممتازة مع سوريا حتي تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين‏900‏ مليون دولار سنة‏2007‏ ـ وهو يزيد علي أربعة أضعاف التبادل التجاري بين تركيا ومصر‏(200‏ مليون‏)‏ ـ كانت علي وشك الدخول في حرب مع سوريا وهددت بغزو دمشق عام‏1998,‏ بسبب دعمها حزب العمال الكردستاني وإيواء زعيمه عبدالله أوجلان‏,‏ وبين البلدين تاريخ مسكون بالعداء والتوتر‏,‏ منذ عام‏1939,‏ عشية الحرب العالمية الثانية حين اقتطعت فرنسا لواء الاسكندرونة من سوريا ومنحته لتركيا‏,‏ وبعد ذلك حين أقامت تركيا مجموعة من السدود التي أثرت علي حصة سوريا من المياه‏.‏ ذلك غير اعتراف انقرة بإسرائيل في وقت مبكر‏(‏ عام‏1948),‏ الأمر الذي صنفها ضمن المعسكر المعادي لسوريا‏,‏ وهو ما تغير الآن‏180‏ درجة‏,‏ بحيث أصبحت أنقرة وسيطا في المحادثات بين سوريا وإسرائيل‏.‏

(3)
‏ ليست هذه معلومات مما نطالعه في الصحف ونحن نتثاءب‏,‏ ثم نتحول عنها لنتسلي بأخبار العالم الأخري‏,‏ لأن هذه التحركات تتم في شمال العالم العربي وشرقه‏,‏ وبالتالي فإنها تدخل بامتياز في إطار منظومة الأمن العربي التي أصبح وجودها محل تساؤل وشك‏,‏ في ظل غياب الرؤية الاستراتيجية لمصالح المنطقة‏,‏ علي النحو الذي سبقت الإشارة إليه‏,‏ وللأسف فإن ذلك الغياب سمح بإطلاق العنان لإسرائيل لكي تتمدد وتعبث وتجوب العالم العربي ما بين وادي النيل والبحر الأحمر‏.‏

إن تركيا وإيران مع العالم العربي‏(‏ مصر بوجه خاص‏)‏ يشكلون مثلث القوة في منطقة الشرق الأوسط‏,‏ الذي تحدث عنه الدكتور جمال حمدان‏,‏ عالم الجغرافيا السياسية المرموق‏,‏ في كتابه استراتيجية الاستعمار والتحرير‏.‏ ولأن الأمر كذلك‏,‏ فإننا نخطئ كثيرا حين نعتبر تركيا وإيران مجرد جيران فرضتهما ظروف الجغرافيا‏,‏ وتشاركنا معهما في التاريخ زمنا‏,‏ ثم ذهب كل إلي حال سبيله بعد ذلك‏,‏ ذلك ان الدولة العباسية التي ورثت الخلافة الأموية قامت علي أكتاف العناصر الفارسية‏,‏ وفي زمانها تأسست أعظم المراكز الحضارية الإسلامية علي قاعدة التفاعل بين الفرس والعرب‏,‏ وبعد أقل من قرنين‏,‏ أصبحت العناصر التركية تلعب دورا بارزا في تاريخ المنطقة‏,‏ خصوصا تحت مظلة الدولة العثمانية‏,‏ ولكن دار الإسلام المشرقية انقسمت منذ القرن السادس عشر بين الصفويين في إيران والعثمانيين في تركيا‏.‏ وقدر لذلك الفصام النكد أن يمهد لتجزئة المشرق إلي أقطار شتي عقب الحرب العالمية الأولي‏,‏ حين اتفق المنتصرون في الحرب علي تمزيق المنطقة وتقطيع أوصالها في ظل اتفاقية سايكس بيكو‏(‏ عام‏1916).‏

لم يبق من ذلك التاريخ الذي تراجع في الواقع وحفظته الكتب‏,‏ سوي رابطة العقيدة وبعض آثار التداخل بين الشعوب التي تمثلت في انتشار الحرف العربي في إيران وتركيا‏(‏ كمال أتاتورك استبدله بالحروف اللاتينية في العشرينيات‏)‏ وفي تسرب الكلمات العربية إلي اللغات المحلية باعتبارها مفردات لغة القرآن‏,‏ حتي أصبحت تمثل‏40%‏ علي الأقل من مفردات اللغتين الفارسية والتركية‏,‏ كما انتشرت الكلمات الفارسية والتركية في المجتمعات العربية التي عرفت الكباب والكفتة والمسقعة والكشك والكحك والبقلاوة والخشاف والشوربة والطرشي والبقصمات والسميط‏,‏ وهي كلمات فارسية وتركية‏.‏

وتداولت ألسنة الناس كلمات فارسية أخري مثل البيجامة والدوبارة والفوطة والبرواز والجنزير والدبوس والدورق والشمعدان والكاسة والشاكوش والكباية والكنكة والكوز والدرابزين‏..‏ ولاتزال كثير من الأسماء الشائعة ورتب العساكر محتفظة بأصولها التركية مثل نشأت وعصمت ودولت وعفت وعزت‏,‏ ومثل اومباشي وشاويش ويوزباشي وبكباشي وكراكون وياور وباشا‏.‏

كما أننا مازلنا نتداول في بيوتنا كلمات تركية مثل الأودة والسفرة والبطانية والشنطة والشراب والجزمة‏..‏ ونينة وأبيه وأبلة‏(‏ الأخ والأخت الكبيران‏)..‏ ولأساتذة اللغات الشرقية المصريين جهد طيب في هذا المجال استفدت منه‏,‏ خصوصا أبحاث الدكتور حسين مجيب المصري والدكتور محمد نور الدين عبدالمنعم والدكتورة ماجدة مخلوف‏.‏

هذه البصمات الباهتة للتاريخ لا تكاد تقارن بالحضور القوي لحقائق الجغرافيا‏,‏ التي لم تتغير بفعل الزمن‏,‏ وإنما أصبحت أكثر رسوخا وأهمية‏.‏

(4)
‏ لايزال العرب والإيرانيون والأتراك يمثلون كتلة جغرافية متماسكة‏,‏ تقع في خاصرة العالم وتمثل شريحة أفقية تمتد من المغرب في أقصي الغرب حتي مشهد في إيران شرقا‏,‏ ومن تركيا في الشمال وحتي اليمن في الجنوب‏..‏ وهي في موقعها المتمدد في إفريقيا وآسيا وجزء من أوروبا‏,‏ تسيطر علي أخطر الممرات البحرية في العالم‏,‏ مضائق هرمز وباب المندب والبسفور والدردنيل وقناة السويس‏,‏ كما أنها تملك أكبر احتياطي عالمي في النفط‏,‏ إلي جانب احتياطات هائلة من الغاز تكاد تحتل المرتبة الأولي في العالم‏,‏ وتمر عبرها شبكة أنابيب النفط والغاز الذي يغذي العالم الصناعي بأسره‏,‏ ولايزال القاسم المشترك الأعظم بين شعوب المنطقة أنها في أغلبيتها الساحقة يشدها رابط العقيدة الإسلامية‏.‏

هذه الخلفية التي توفر فرصة ممتازة لإقامة كتلة بشرية حية تغني حاضر الأمة ومستقبلها لا تبدو حاضرة في الاستراتيجية العربية‏,‏ وفي غياب تلك الاستراتيجية‏,‏ فقد العالم العربي بوصلته الهادية‏,‏ ولم يكن مفاجئا بعد ذلك أن يضل طريقه وتتخبط مسيرته‏,‏ فيتمزق صفه تارة ولا يعرف حلفاءه من أعدائه تارة أخري‏,‏ وأن يستدرج للانخراط في مخططات الآخرين واستراتيجياتهم في حين ثالثة‏,‏ الأمر الذي فرض علي الواقع العربي مجموعة من المفارقات بينها ما يلي‏:‏

ــ إن العلاقات الأمريكية ـ العربية أصبحت أوثق وأمتن من العلاقات العربية ـ العربية‏.‏

ــ إن الولايات المتحدة أصبحت لها كلمة في خرائط المنطقة‏,‏ وفرت لها فرصة تقسيمها إلي معتدلين ومتطرفين‏,‏ بل وفرت لها جرأة التدخل في صياغة أوضاعها الاقتصادية والثقافية‏,‏ إضافة إلي سياساتها الخارجية‏.‏

ــ إن بعض الدول العربية تصالحت مع إسرائيل في حين خاصمت دولا عربية أخري‏,‏ كما خاصمت إيران‏.‏

ــ إن البعض أصبح يري أن إيران هي العدو الأول للعرب وليس إسرائيل‏.‏

ــ إن إسرائيل أصبحت لاعبا مهما في تركيا وإيران‏(‏ قبل الثورة‏)‏ في حين ظل العالم العربي غائبا عن البلدين الجارين‏.‏

ــ إن إسرائيل أصبحت تمثل في بعض الاجتماعات الأمنية المهمة التي تعقدها دول ما سمي بمعسكر الاعتدال العربي‏,‏ في حين استهجن بعض العرب حضور إيران اجتماع مجلس التعاون الخليجي‏,‏ واستنكر آخرون طلب تركيا الانضمام كمراقب إلي الجامعة العربية‏.‏

ــ إن بعض المثقفين المنتسبين إلي التفكير الاستراتيجي أسقطوا تركيا وإيران من دوائر الانتماء الثقافي والحضاري‏,‏ وتحدثوا عن إضافة الدائرة الأمريكية كمجال لحركة العالم العربي‏.‏

حوار محكوم عليه بالفشل

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 25 شعبان 1429 – 26 أغسطس 2008

حوار محكوم عليه بالفشل – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/658835.html

 

لا أعرف إلى أي مدى يمكن أن نأخذ حوار المصالحة الفلسطيني الذي تشهده القاهرة هذه الأيام على محمل الجد، ذلك أن الحوار يفترض فيه أمران، أولهما أن تتوافر لدى الأطراف المعنية إرادة التصالح، وثانيهما أن يملك المتحاورون قرارهم. اما الطرف الذي يدير الحوار أو يتوسط فيه فيفترض ان يكون محايدا حتى يكتسب ثقة الأطراف المختلفة، وعندي شك كبير في أن تكون هذه الشروط متوافرة في مشهد الحوار الذي نطالعه الآن في القاهرة، الأمر الذي يعني ان نتيجته معلومة سلفا، وأنه سيكون من قبيل الجري في ذات المكان، الذي لا يسفر عن أي تقدم الى الأمام.

 

قبل ان اعرض وجهة نظري في الموضوع، ألفت النظر الى نقطتين؛ الأولى ان القاهرة حريصة على إنجاح الحوار في اطار المقترحات التي قدمتها، ليس بالضرورة خدمة للقضية الفلسطينية، ولا سعيا إلى تحقيق الوفاق بين الاشقاء، ولكن لأن الوضع في غزة يسبب قلقا واضحا لها، أولا لأن غزة لصيقة بالحدود المصرية، من ثم فاستقرار الوضع فيها وثيق الصلة بمقتضيات الأمن القومي المصري، وثانيا لأن وجود حركة حماس كسلطة في القطاع يثير حساسية خاصة لدى مصر، باعتبار أن حماس منسوبة إلى حركة الإخوان المسلمين، وللنظام المصري منها موقف «صليبي» لا يقبل كلاما ولا سلاما.

 

وهناك سبب ثالث أذكره على استحياء، هو أنه بعدما انكفأت مصر على ذاتها، ولم يعد لها دور سياسي يذكر في العالم العربي، خصوصا بعدما تحولت من «أخ كبير» إلى طرف في النزاع بين الأشقاء الأصغر، فإن الساحة الفلسطينية أصبحت هي الدائرة الوحيدة التي تتحرك فيها، ومع الأسف فإن هذه الحركة أصبحت تدور في فلك ممارسة الضغوط على عناصر المقاومة، الأمر الذي يرفع من رصيدها لدى الإدارة الأميركية التي مازالت القاهرة تعتبرها حائزة على ٪99.9 من أوراق اللعبة -حسب التعبير الساداتي الشهير- ورفع ذلك الرصيد مهم في خيارات وترتيبات مستقبل النظام.

 

النقطة الثانية أننا حين نتحدث عن حوار فلسطيني، فإننا ينبغي أن نفرق بين الفصائل الرئيسية والفصائل المساعدة، ذلك أن التناقض الرئيسي هو بين حركتي فتح وحماس، أما بقية الفصائل الأخرى فدورها مساعد فقط، وهناك فصائل لا وزن لها على الأرض.

وأهمية هذه النقطة تكمن في أنه ما لم يتم التوافق بين فتح وحماس، فلا مصالحة، أيا كان رأي الفصائل المساعدة الأخرى.

 

اذا رجعنا الى الأسئلة الجوهرية في المشهد وأولها المتعلق بإرادة التصالح، فردي على هذه النقطة ان هناك عناصر نافذة في السلطة وقيادة فتح مصرة على استعادة مواقعها التي احتكرتها منذ توقيع اتفاق اوسلو في عام 1993، وهي ذاتها العناصر التي رفضت نتائج الانتخابات التشريعية في عام 2006 والتي تآمرت على إفشال حكومة حماس الأولى وحكومة الوحدة الوطنية التالية، وهي لا ترى بديلا عن استسلام حماس وخضوعها وإخراجها من المسرح السياسي الفلسطيني، من ثم فإنها لا ترى مبررا لاجراء أي حوار معها، بل لا ترى مبررا لإجراء أي تعديل على الوضع الفلسطيني الراهن.

 

واتفاق الفصائل الذي عقد في القاهرة عام 2005 استهدف بالدرجة الأولى توحيد الصف الفلسطيني وإعادة الحيوية والعافية لمنظمة التحرير ومجلسها الوطني. وليس سرا أن هذا الفريق مؤثر بشدة على موقف الرئيس محمود عباس، وهو ما بدا واضحا حين اطلق الرجل مبادرته الأخيرة للحوار من دون شروط، ثم ما لبث ان بدأ الحديث عن شروط جعلت الحوار مستحيلا، هذا الفريق يستمد قوته من عناصر الأمن التي تم نشرها في كل مواقع السلطة، ومن الدعم الأميركي والإسرائيلي له، الذي تؤيده وتتضامن معه بعض الأنظمة العربية.

 

هل هؤلاء يملكون قرارهم؟ رد على السؤال قبل ايام السيد عزام الأحمد رئيس كتلة فتح البرلمانية بالمجلس التشريعي، في تصريح له نشره الأهرام في 22/ 8 وقال فيه ان هناك «فيتو» أميركيا على الحوار بين فتح وحماس، وهو ذاته الرأي الذي أعلنه السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، حين قال قبل اسابيع في بروكسل: ان هناك «فيتو» على التقاء الطرفين، وحين يكون الفيتو أميركيا، فلا تسأل عن نجاح المصالحة.

 

مسألة إحياء الدور المصري في الوساطة وادارة الحوار الفلسطيني سبق ان شككت فيها في هذا المكان قبل أيام، وهو ما ظهر جليا في المقترحات المصرية التي قدمت إلى الفصائل لتكون أساسا للحوار، واعترضت حماس على بعض النقاط التي وردت فيها داعية إلى إعادتها الى بيت الطاعة في رام الله ومن ثم تسليم رقبتها الى الذين حاولوا ذبحها من قبل. أما أكثر ما أدهشني في كل ما نشر من تصريحات حول الموضوع، فهو تصريح لمسؤول مصري قال فيه إن القاهرة تريد لحوار المصالحة أن يفشل!

 

الخواجات« أحرجونا»

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 24 شعبان 1429 – 25 أغسطس 2008

الخواجات« أحرجونا» - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/657889.html

 

أحرجنا أولئك «الخواجات» الشرفاء الذين نجحوا في كسر الحصار المفروض على غزة، ولفتوا أنظار العالم إلى محنة القطاع الذي يتعرض للخنق، منذ أكثر من عام وسط صمت الجميع، العرب منهم قبل العجم،

 

ذلك أنه لم يخطر لنا على بال أن يغامر 44 ناشطا من 14 دولة غربية بالإبحار إلى غزة على سفينتين خشبيتين حملتا ببعض الأغذية والأدوية، وأن يعلن المتحدثون باسمهم أن مهمتهم ليست إنسانية فحسب، ولكنها سياسية أيضا، أقدم هؤلاء على مغامرتهم متحدين التحذيرات الإسرائيلية التي هددتهم باستخدام مختلف الوسائل لمنعهم من الوصول الى شاطئ غزة. وعارفين جيدا ان السلطات الاسرائيلية لم تتردد في قمع النشطاء الذين يحاولون الاعتراض على بناء الجدار الوحشي الذي يلتهم الأراضي الفلسطينية، وسبق لها أن قتلت بإحدى الجرافات واحدة منهم، هي الأميركية اليهودية ريتشيل كوري، لكنهم بشجاعتهم وتصميمهم على المضي في رحلتهم استطاعوا ان يهزموا العربدة الإسرائيلية، بعدما اصبح المسؤولون في تل ابيب مخيرين بين التعرض للفضيحة أمام العالم أو أن يتراجعوا عن اعتراضهم، فاختاروا تجنب الفضيحة لمواراة الجريمة وإخفاء الوجه القبيح.

 

لقد تناقلت وكالات الأنباء ما ذكرته الصحافية البريطانية ايفون ريدلي من انه توجد في غزة عملية إبادة جماعية لا يلاحظها كثيرون (هل تقصد الزعماء العرب؟). كانت ايفون واحدة من تلك المجموعة الشجاعة التي ضمت نماذج من البشر جمعتهم النزاهة ويقظة الضمير، وقد استغربت ان تضم راهبة كاثوليكية عمرها 81 سنة وعضوا في البرلمان اليوناني، وشقيقة زوجة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وأستاذا اسرائيليا في علم السلالات الانسانية (الانثروبولوجي) هو البروفيسور جيف هالير الذي رشح لجائزة نوبل، لمشاركته مع جماعة تهدف الى بناء منازل الفلسطينيين التي هدتها الجرافات الاسرائيلية.

 

وذكرت التقارير الصحافية أن يهوديا عمره 84 سنة اسمه هيري ابيشتاين من بين الناجين من المحرقة، كان مقدرا له ان يشارك في الرحلة، لكنه منع لأسباب طبية.هؤلاء أناس شرفاء حقا وأصحاب ضمائر حية لا ريب، ولا أشك في أن أمثالهم كثيرون من النشطاء، في العالم العربي، لكن ما شجع الأوروبيين على أن يقوموا بما قاموا به أنهم يملكون قرارهم ويعيشون في دول ديموقراطية لا تستطيع أن تحاسبهم على ما فعلوه، حتى سفينتاهم اللتان توقفتا في قبرص، رفضت السلطات القبرصية الاستجابة لطلب الحكومة الاسرائيلية منعهما من الابحار، ونقلت الوكالات عن مصدر قبرصي قوله ان القانون يسمح لهم بالمغادرة مادامت وثائقهم سليمة، ولا نستطيع ان ننتهكه،

 

ولست أشك في أن السفينتين لو توقفتا في أي ميناء عربي وطلب الاسرائيليون من سلطاته احتجازهما وعدم السماح لهما بمواصلة الرحلة، لنفذ الطلب من دون تردد!

 

لقد فعل الناشطون الغربيون ما عجز العالم العربي عن أن يفعله، ونجحوا في كسر الحصار الذي قرره وزراء الخارجية العرب في لحظة تجل قبل أكثر من خمسة عشر شهرا، ثم لحسوا القرار فور صدوره، بحيث لم نعثر له على أثر في اليوم التالي مباشرة، وما تصور أحد أن الوزراء المحترمين يمكن أن يتسلحوا بشجاعة تدفعهم الى فعل شيء مما فعله النشطاء الأوروبيون، فيشكلوا وفدا يحمل المؤن والأدوية الى المحاصرين، والسبب في ذلك معروف، هو أن أولئك الوزراء يمثلون دولا لا تملك إرادتها، وقرار مثل هذا قد تحتمل إصداره والتغني به امام وسائل الاعلام، لكنها لا تملك القدرة على تنفيذه.

 

اما الناشطون العرب فإنهم يتعرضون للقمع والسجن إذا فكروا في محاولة من ذلك القبيل، وأمام إحدى المحاكم المصرية قضية اتهم فيها شخص بجمع اموال لمساعدة حركة حماس في غزة، وقد ذكرت قبل عشرة أيام ان احد الناشطين العرب أحضر سيارة محملة بالأغذية والأدوية وأراد إدخالها الى غزة، لكنه محتجز أمام معبر رفح منذ أكثر من شهر، ولم يسمح له بالدخول، وهو ليس وحيدا في ذلك، لأن ما حدث معه تكرر مع العديد من المنظمات والتجمعات ومؤسسات المجتمع المدني العربي. إن قطاع غزة ليس وحده المحاصر، لأن الشعب العربي محاصر أيضا، وكسر ذلك الحصار الأخير كفيل بفك الحصار تلقائيا عن غزة، ادعوا الله أن يفرج كربنا وكربهم.

 

 

 

رياضة فكريه

صحيفة الدستور المصريه الأحد 23 شعبان 1429 – 24 أغسطس 2008

رياضة فكريه – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/657159.html

 

منذ احترق مجلس الشورى، وتجاوبا مع مشاعر الشماتة التي استقبل بها الحدث في أوساط الرأي العام المصري، راودتني فكرة لا أستطيع أن أدافع عن براءتها، يلخصها السؤال التالي: لو أنك علمت أن احد المباني العامة قد حل عليه الدور في الاحتراق في يوم معين، ما هي الاسماء التي تقترح دعوتها للاجتماع في ذلك اليوم؟ ليست لدي إجابة نموذجية عن السؤال، لكن لدي عدة نقاط أسجلها للاسترشاد بها في محاولة الإجابة،

 

أولها أنك يجب أن تحذر من الاستعانة بأي صديق، لسبب جوهري ينبغي ألا يغيب عن فطنتك، هو أن ذلك الصديق قد يبلغ أمن الدولة بالخبر، الأمر الذي سيؤدي حتما الى إفشال العملية، وبذلك نخسر «فرصة تاريخية» لإراحة الناس والبلد من بعض مصادر التعاسة والكرب.

 

النقطة الثانية أن الاجتماع المذكور سيكون محليا بحتا، بالتالي فلا داعي لترشيح احد من خارج مصر رغم أن منهم من يستحق الضم الى الاجتماع، ليس فقط لأن المبنى قد لا يتسع لاستقبالهم، ولكن ايضا لأن هؤلاء -على العكس منا تماما- يعيشون في اقطار يملك فيها الناس وسائل اخرى للتعبير عن الغضب والرفض وتصفية الحسابات. وما حدث مع الرئيس مشرف في باكستان دليل على ذلك.

 

النقطة الثالثة أن استهداف أي مبنى ينبغي ألا يخطر على بال أي احد، خصوصا ان لدينا في مصر مباني عزيزة علينا، تفوق في قيمتها قدر الجالسين فيها. وهي بغيرهم افضل وأجمل بكثير، لكن الحاصل ان بعضا من شاغلي تلك المباني أساءوا إليها وإلى البلد بشكل فادح، الأمر الذي وضعنا أمام خيار صعب. أصبحنا بمقتضاه مضطرين إلى التضحية بتلك المباني لإنقاذ البلد من الانهيار. ولأن الضرر الأدنى يقدم على الضرر الأكبر، فإن انهيار مبنى يمكن احتماله والقبول به، إذا كان ذلك مؤديا إلى انقاذ البلد بأسره من الانهيار.

 

النقطة الرابعة أن الاجتماع الذي ستتم الدعوة إليه، سيكون اجتماع عمل، وبالتالي فينبغي ألا يخطر على بال أحد انه ستلقى فيه خطبة افتتاح من ذلك النوع الذي يتحول فور إلقائه الى «خطة عمل»، خصوصا أن مثل هذه الطقوس عادة ما تتطلب اتخاذ اجراءات أمنية طويلة ومعقدة، قد تؤدي الى تضييع «فرصة» اشتعال الحريق.

 

النقطة الخامسة أنني بإلقاء السؤال لا أدعو احدا إلى أن يبعث إلي بترشيحات لأي قوائم، لسبب جوهري هو أنني لن أستطيع أن أنشرها، وإذا نشرتها فإن الجريدة لن تصل الى القارئ، وإنما ستجمع من الاسواق لتحفظ في «مكان أمين»، هذا إذا سمح بطبعها أصلا، ولم تتعرض لما تعرضت له جريدة «البديل» قبل أيام، حين رفضت الماكينات -من جانبها ودون أي تعليمات- أن تدور لإصدار طبعتها الثانية، انما غاية المراد من طرح السؤال ان يحاول كل قارئ من جانبه، وفي نطاق عائلته على الاكثر، أن يمارس نوعا من «الرياضة الفكرية»، التي تشحذ الذهن، وربما اشاعت في النفوس قدرا من الراحة، لأن مثل ذلك «العصف الذهني» قد يبعث لدى الناس أملا في امكان انقشاع الغمة وزوال الكرب.

 

النقطة السادسة أن احتمال إخماد الحريق وضياع «الفرصة التاريخية» التي يوفرها مستبعد تماماً، الأمر الذي يعني أن العملية مضمونة بنسبة 99 ٪ إن لم يكن 100 %، لأن تجربة حريق مجلس الشورى أكدت أن احدا لم يفكر في تأمين المباني العامة ضد الحريق، فضلا عن أن الأجهزة المعنية بالإطفاء سقطت في الاختبار وأثبتت عجزا وإفلاسا لا نظير له. كما أثبتت تلك التجربة أن مفهوم الأمن عندنا سياسي بحت، ينحصر في الحفاظ على سلامة قيادات النظام فحسب، أما أمن المجتمع فلا يدخل في اختصاصها، ويبدو انه متروك للناس يباشرونه بأنفسهم، بدليل إلزام كل صاحب سيارة أو ميكروباص بحمل «طفاية» معه لمواجهة الحرائق، والامتناع عن صرف رخص السيارات ما لم يتم توفيرها.

 

أخيرا فإنني لم أفكر في المكان الذي يمكن أن يعقد فيه الاجتماع المذكور، لأن ذلك متروك للذين يدبرون العملية، لكنني لا أخفي قلقا من عدم توافر مكان يستوعب الأعداد المرشحة للمشاركة في الاجتماع، ومن باب الاحتياط فربما كان مفيدا ترتيب المدعوين بحسب أهميتهم، بحيث يحتل السياسيون المقدمة، وبعدهم الإعلاميون ثم الفاسدون من رجال الأعمال وبعدهم المسؤولون عن تعذيب الناس.. إلخ. وفي كل الاحوال فإن الدائرة لا ينبغي ألا تتجاوز حدود رموز الفساد والظلم في البلد، مع ذلك فأخشى ما أخشاه أن يتوسع البعض في القوائم بحيث يصبح ستاد القاهرة هو المكان الوحيد المرشح لإشعال الحريق المفترض.

الساكتون عن الظلم

صحيفة الدستور المصريه السبت 22 شعبان 1429 – 23 أغسطس 2008

الساكتون عن الظلم – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/8/656227.html


نحن نلوم الطغاة لأنهم يظلمون الناس، لكننا لا نلوم الناس الذين يسكتون عن الظلم، في حين ان ذلك السكوت هو الذي يغري الظلمة بالتمادي في ظلمهم، وحين نبه آرثر ميللر الكاتب المسرحي الأميركي الراحل الى هذه المسألة، وانتقد في مسرحيته «حدث في فيتشي» تخاذل اليهود واستسلامهم للموت الذي كان يسوقهم اليه النازيون فإن ذلك اثار المنظمات الصهيونية ضده حتى اتهمته- وهو اليهودي- بتبرير سلوك النازيين، ورغم ان ملاحظته كانت دقيقة وصائبة، الا ان تلك المنظمات كانت ومازالت حريصة على ان تصور اليهود في دور الضحية دائما، لتبتز العالم بقصة «ابادتهم».

 

مع ذلك فالسائد في الادبيات التي تناولت موضوع الظلم انها تصب جام غضبها على التنديد بالظلمة، وذلك امر سهل وفي مقدور كل احد لكن التصدي بالنقد لظاهرة الاستسلام للظلم والانصياع له، يتطلب شجاعة أكبر لانه في احوال كثيرة يكون بمنزلة نقد للذات لا يقدر عليه كثيرون، ومما هو جدير بالملاحظة في هذا الصدد ان القرآن اهتم كثيرا بذلك الجانب المسكوت عنه، حتى توعد المستسلمين للظلم بالخذلان والعذاب اذا ما قبلوا بالضيم واستسلموا له. (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا). وثمة نصوص أخرى عديدة في هذا المعنى، منها ما انتقد اهل مصر الذين استخف بهم الفرعون فأطاعوه ولم يقاوموه، ومنها ما امتدح المؤمنين الذين إذا أصابهم البغي فإنهم ينتصرون فينتفضون والاحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب،

 

وقد أوردها الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، حين أفرد فصلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معتبرا ان مقاومة الظلم هي جوهر ذلك التكليف الشرعي. منذ وقت مبكر اعتبر فقهاء المسلمين ان الامامة عقد يقوم على تحقيق العدل (إن الله يأمر بالعدل). وبالتالي فإن الظلم لا يشكل عدوانا على ذلك العقد فحسب، ولكنه يجعله ينفسخ لانه قوض الاساس الذي يقوم عليه، ولذلك ذهب بعض الباحثين الى القول إن الإسلام تبنى في هذا الجانب موقفا تحريضيا فريدا في بابه، اضفى بمقتضاه شرعية على مقاومة ظلم الانظمة (التي يفترض أن لها شرعية قانونية).

 

ولبعض كبار الباحثين في مصر كتابات منيرة سلطت الضوء على هذه الفكرة، في المقدمة منهم الراحلان د.محمد ضياء الدين الريس ود.محمد طه بدوي، وقد حرص فقهاء الاصول على وضع ضوابط لمراتب مقاومة الظلم، بحيث لا تنتهي الى الفوضى أو تغليب المفاسد على المصالح، الا ان الامر لم يخل من مذاهب استسهلت «الخروج» على الحكام الظلمة، حتى حولته الى مغامرة أساءت الى الفكرة، كما حدث في ممارسات بعض اتباع المذهب الزبيدي. وفي مقابل الاتجاهات التي ذهبت بعيدا في الدعوة الى الخروج، فقد ظهرت في التاريخ الاسلامي دعوات حثت على الرضا بالظلم، لتجنب الفوضى التي قد تؤدي الى انهيار النظام الاسلامي،

 

وقد عرض الدكتور طه بدوي لهذه الاتجاهات كلها في الكتاب الذي اصدره في منتصف القرن الماضي حول «حق مقاومة الحكومات الجائرة في الاسلام». في مجتمعاتنا المعاصرة ظهرت ثلاثة عوامل اثرت بالسلب على فكرة مقاومة الظلم، اولها ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر اختزل في ممارسات متعلقة بالسلوك والطقوس، الامر الذي افرغ التكليف الشرعي الجليل من مضمونه الحقيقي، العامل الثاني ان مجتمعاتنا اصابها الوهن، بعدما جرى تفكيكها بما أفقدها القدرة على الفعل، وكان للانظمة الاستبدادية دورها الاساسي في ذلك، لانها اعتبرت ان استمرارها وتمكينها مرهون بكفاءتها في تصفية خلايا العافية في المجتمعات التي تحكمها،

 

العامل الثالث ان الدولة الحديثة توافرت لها قدرات جبارة مكنتها من الاستقواء في مواجهة المجتمع وقهره عن طريق اساليب القمع التي جعلت مقاومة الظلمة امرا مكلفا، يفوق قدرة الكثيرين على الاحتمال. في هذه الاجواء تصور البعض ان الاستبداد اصبح قدر العالم الثالث، فمن قائل ان خيارنا اصبح بين انظمة مستبدة لينة (ديكتابزندا) واخرى غليظة وصارمة (ديكتادورا) - وقائل بتفضيل المستبد العادل، او المستبد العاقل، الى غير ذلك من التخريجات التي تسوغ الاستسلام لما هو قائم وتزين القبول به، لكنها جميعها لم تستطع ان تستر قبح الاستبداد بكل صوره، الامر الذي اعاد طرح السؤال الكبير حول كيفية حشد المجتمع لقواه الفاعلة التي تمكنه من مقاومة الظلم شريطة ان تكون مستعدة لدفع ثمن هذه المقاومة. وأضع خطا أحمر تحت حشد المجتمع لقواه، لان تفكك تلك القوى وشرذمتها هو العنصر الرئيسي في استقواء الاستبداد واستمراره.

 



<<الصفحة الرئيسية