فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

احتشموا أيها السادة

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 3 المحرم 1430 – 31 ديسمبر 2008

احتشموا أيها السادة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_31.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/764812.html

 

ادعو إلى بعض الاحتشام في طقوس استقبال السنة الميلادية الجديدة، ذلك ان احدا لا يتخيل ان تحترق غزة وتغرق في بحر من الدماء والاشلاء، في حين تقام الاحتفالات الصاخبة والماجنة في مختلف العواصم العربية، التي يحييها نجوم الغناء والطرب والرقص، فتعانق غزة الموت بينما الساهرون العرب يتبادلون الانخاب وهم يترنحون ذاهلين.

 

لا أخفي ان في نفسي شيئا ازاء العملية من اساسها، ذلك انني رغم ترحيبي بفكرة الترويح التي تشيع البهجة والسرور بين الناس ـ في حدود ما هو عفيف ومشروع بطبيعة الحال ـ فإن لدي حساسية خاصة ازاء مبدأ التقليد الأعمى لنمط الحياة الغربية، ما جعلني اعتزل هذه المناسبات بصفة دائمة، وهو موقف ظل محل حفاوة وتشجيع طوال الوقت من جانب زملائي، حين كنت أعمل ضمن سكرتارية التحرير في «الأهرام» لأنني كنت الوحيد الذي لا يتأذى من السهر بالجريدة حتى الفجر في ليلة رأس السنة، الامر الذي يتيح لزملائي ان يسهروا «على راحتهم» خارجها، وفي وقت لاحق لم اتخل عن تحفظي، لكنني تعاملت مع المسألة باعتبارها بدعة شاعت في بعض الاوساط، وربما جاز لنا ان نتعامل معها بحسبانها من «عموم البلوى».

 

لست في صدد مناقشة المسألة الآن، لان لدينا ما هو اهم، ذلك اننا هذا العام بالذات امام ظرف شديد الخصوصية، يتمثل في المذبحة الدائرة في غزة، التي يفترض ان تستنهض الأمة وتستنفرها، فتحرك فيها نوازع التضامن بكل مظاهره، والحد الأدنى للتضامن يتمثل في التعبير عن احترام المشهد ووقاره من خلال الاقدام على فعل يترجم تلك المشاعر، او الامتناع عن الفعل الذي يستهين بها او يخدشها.

 

لقد احترمت كثيرا وقدرت ما أقدمت عليه مجموعة الخرافي الكويتية، التي تنفذ مشروعا عمرانيا كبيرا على شاطئ البحر الأحمر، حيث نشرت إعلانا على الصفحة الأولى في «الأهرام» أمس الأول (29/12) نعت فيه ضحايا مجزرة غزة، ودعت شرفاء الامة وقادتها إلى الوقوف إلى جانب المحاصرين، من ابناء الشعب الفلسطيني، ثم اخبرت المتعاملين معها بأنها قررت إلغاء الحفل الغنائي الذي كان مقررا اقامته بمناسبة رأس السنة في مشروع «بورت غالب» الذي تنفذه، احتراما لمشاعر الشعب الفلسطيني واعرابا عن التضامن معه. هذا موقف نبيل لا ريب، فيه تعبير كاف عن التضامن واحترام اللحظة التاريخية، ولا اعرف كم عدد الجهات التي بوسعها ان تحذو حذوه،

 

ادري ان ثمة جهات عديدة ترتزق من هذه المناسبة، وقد يحملها الالغاء بما يضرها او بما لا تطيقه، لكني اذكّر بأن اهل غزة يدفعون من دمائهم وحياتهم ثمن مقاومتهم الذل والركوع امام الصلف الاسرائيلي، ولا غضاضة في ان يتحمل الراغبون في التضامن معهم اثمانا تقل عن ذلك بكثير، ولعلك لاحظت ان دعوتي الاساسية انصبت على «الاحتشام» الذي يحتمل مراتب واشكالا عدة، يمثل الامتناع حدها الاقصى، لكننا مع ذلك اذا كان لنا ان نعذر مشروعات القطاع الخاص، فإننا لا نستطيع ان نعذر الحكومات، خصوصا تلك المسيطرة كليا او جزئيا على أغلب القنوات الفضائية. واذا كان القطاع الخاص مهموما بفكرة الربح والخسارة المادية، فإن الحكومات محكومة بالحسابات السياسية بالدرجة الأولى.

 

 ما أريد ان اقوله بوضوح ان احتشام القنوات التلفزيونية العربية في ليلة رأس السنة بمنزلة فرض عين لا ينبغي التحلل منه، واستمرارها في برامجها المعتادة على النحو الحاصل الآن لا يمكن ان يفترض فيه البراءة او حسن النية، بل ان المضي في السهرات الليلية العابثة في هذه الظروف لا يمكن ان يفسر الا بأحد احتمالين:

التواطؤ للتستر على الجريمة المرتكبة، او السعي لصرف انتباه المشاهدين عن واقع المذبحة، عن طريق إلهائهم بمغريات اخرى.

 

ومع الأسف فإن بعض القنوات العربية اتبعت ذلك النهج منذ بدأت المذبحة يوم السبت الماضي، وتعاملت مع المجزرة وكأنها حادثة وقعت في قارة او كوكب بعيد عنا، وكانت تلك في حدود علمي سقطة كبرى ادت الى تراجع نسبة المشاهدين، وتحولهم الى محطات أخرى احتشمت وتضامنت، والتزمت بالتعبير عن ضمير الامة وليس بموالاة اعدائها.

 

سنرى من ينجح في اجتياز الاختبار بنجاح في ليلة رأس السنة؟

..................

المصالحة العربيه قبل الفلسطينيه (المقال الاسبوعي)

المقال الاسبوعى (بعد ترك فهمي هويدى الأهرام لمضايقات عديده ) منشور فى الدستور المصريه والشرق القطريه و الدستور الأردنيه و الوطن الكويتيه و  مدونة مقالات فهمي هويدي و مدونة مقالات فهمي هويدي

الثلاثاء 2 المحرم 1430 – 30 ديسمبر 2008

المصالحة العربيه قبل الفلسطينيه – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_2827.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/764043.html

 

 

أكان لإسرئيل ان تفترس غزة على هذا النحو الذى رأيناه هذا الأسبوع، والبيت العربي على قلب رجل واحد، ومصر هي الضمير الذى نعرفه؟

(  1)
لا يستطيع المرء أن يخفى قلقا مضاعفا على مصر فى العام الجديد. مرة بسبب الهم الاقتصادى الذى نسأل الله ان يلطف به فينا. ومرة بسبب تداعيات الانفعالات التى نتمنى على أهل السياسة أن يكبحوا جماحها ويسعوا إلى ترشيدها. وإذا كان العالم يشهد الآن مراجعات أساسية لقواعد الأداء الاقتصادى بعد صدمة الانهيار الذى شهده سوق المال فى الولايات المتحدة. فأحسب أننا بحاجة إلى إجراء مراجعة مماثلة لمسار الأداء السياسي بعد الانقضاض الإسرائيلى الوحشي على غزة.


أدرى أن البعض في مصر يئسوا من إجراء تلك المراجعة المنشودة لأسباب أتفهمها، لكننى أنبه إلى أن الأداء السياسي المصري خلال العام الذى نودعه لم يخل من بعض الومضات التى تفسح المجال للأمل فى إمكانية إصلاح العطب الذي أصاب بوصلة التحرك السياسي. تمثلت تلك الومضات فى مؤشرات الحضور السياسى المصري على الصعيد الإقليمي، في لبنان والسودان ومسعى المصالحة الوطنية الفلسطينية (الذي لم يحالفه التوفيق) والدعوة إلى اجتماع الدول المطلة على البحر الأحمر للنظر في مكافحة القرصنة التى نشطت على الحدود الصومالية.


هذا النشاط المحدود أثار انتباه بعض المعلقين، خصوصا أولئك الذين يفتقدون دور مصر ويتمنون أن تستعيد دورها ومكانتها. من هؤلاء كان الأستاذ رغيد الصلح المثقف اللبنانى البارز الذى نشرت له صحيفة "الحياة" اللندنية فى 27/11 مقالا تحت عنوان: كيف تستطيع مصر استعادة ثقلها العربى؟ -فى هذا المقال قال الكاتب إنه إذا كان من الصعب أن تسترد مكانة حازت عليها خلال القرن الفائت، عندما كانت أولى دول المنطقة فى الثروة والنظام الديمقراطي البرلماني والتحرر الوطني والريادة الثقافية والفكرية، اى على كل صعيد من أصعدة التقدم، فإنه ليس هناك ما يحول دون تنمية مكانتها العربية، بحيث تكون على الاقل أولى بين متساويين. وذكر أن القوة الإقليمية التى ينبغي أن تسعى إليها مصر هي تلك التي تستمد من دعم دول المنطقة وشعوبها وتضامنها معها، وتعبر عن مواقفها ومصالحها في المجتمع الدولي. وبعد أن استعرض الكاتب بعضا من معالم التحرك المصري الإقليمي على مدار العالم تساءل عما إذا كان التحرك مجرد ممارسات محكومة بأوانها، ام أنها تعبر عن استراتيجية واضحة المعالم والأهداف؟

(2 )
خلال الشهر الذى أعقب نشر المقال شهدت الساحة المصرية تطورات شككت فى الإجابة على السؤال، إذ بدت القاهرة منفعلة ومتجهة إلى التصعيد والتسخين على ثلاث جبهات هى: حماس وحكومة غزة، وسوريا وإيران. وهذا التسخين عبر عنه الإعلام الرسمي والصحف القومية بصورة خرجت على المألوف. وبصرف النظر عن تقييم مواقف تلك الأطراف، فإن الحوار النقدي الذي عبرت عنه وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية في مصر - ولا يجادل أحد في انه صدى للموقف السياسى- بدا واضحا فيه انه متجه الى الصدام والقطع، وليس إلى التصويب والوصل- وللأسف فان الأسلوب الذى استخدمته بعض الأقلام المحسوبة على السلطة لم يهبط بمستوى الحوار النقدي فحسب، وإنما أساء إلى صورة بلد كبير كمصر يتوقع الآخرون منه حواراً أرقى، ورؤية أكثر نضجاً تتحرى المصالح العليا، وتفرق بين العدو والشقيق أو الصديق، وبين تناقضات أساسية ينبغي الانتباه إليها، وتناقضات ثانوية ينبغي تجاوزها والاستعلاء فوقها.


إن أخطر ما في المبالغات التي عبر عنها الإعلام الرسمي والقومي في مصر، أنها صورت الاختلاف في المواقف والاجتهادات السياسية مع هذه الأطراف الثلاثة بحسبانه تناقضاً أساسياً، وتجاهلت أن التناقض الأساسي الحقيقي هو بين هذه الأطراف جميعاً وبين إسرائيل بالدرجة الأولى. الأمر الذي أوقع بعض المشاركين في حملة التحريض والتهييج في أخطاء مشينة، كان من بينها مثلا أن أحدهم اعتبر أن حصار غزة مسؤولية إيرانية وسورية بأكثر منه مسؤولية إسرائيلية.


ولا أريد أن أسترسل في عرض أمثال تلك النماذج المخجلة، حتى لايظن أنها تعبر عن مواقف المثقفين المصريين، لأنها في حقيقة الأمر لاتعبر إلا عن مواقف الذين اختارتهم السلطة بمواصفات معينة ليكونوا أبواقاً لها في ظرف تاريخي خاص.


المدهش في الأمر أن الإعلام المصري يصعد الاشتباك مع هذه الأطراف الثلاثة، في حين يزداد التعاطف الأوروبي مع المحاصرين في غزة، وتتحدث الإدارة الأمريكية الجديدة عن حوار مباشر مع إيران وسوريا. وتمد فرنسا جسورها مع سوريا بما مكنها من أن تقوم بدور الوساطة بينها وبين لبنان. أما الغريب وما يتعذر تصديقه، فهو ما نشرته صحيفة الحياة اللندنية في العناوين الرئيسية للصفحة الأولى من عدد 25/12، من أن الرئيس مبارك أبدى تحفظاً على الوساطة الفرنسية بين سوريا ولبنان. ونقلت عن مصدر تابع زيارة رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون لمصر، أن الرئيس مبارك قال له أن فرنسا تخطئ إذا اعتقدت أن سوريا تسعى لاستقرار لبنان، لأنها تريد السيطرة عليه. ورغم خطورة التصريح الذي تشتم منه رائحة التحريض المصري على سوريا، فإن أحداً لم يكذبه من القاهرة.

(3)
سألت أكثر من واحد من الدبلوماسيين المخضرمين والخبراء في مصر: إلى أين يذهب هذا التصعيد، ووجدت أن حيرتهم لاتختلف كثيراً عن حيرتي، إذ لم يستطع أحد منهم أن يتنبأ بنهاية ذلك المطاف. لكن واحداً فقط قال إنه يمكن أن ينتهي بوضع خطوط فاصلة بين معسكري "الاعتدال" والتطرف في العالم العربي، بحيث يصطف الموالون لأمريكا وإسرائيل في جانب والمعارضون في جانب آخر. ومعروف أن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس كانت قد أطلقت هذا التصنيف لأول مرة في شهادة لها أمام الكونجرس عام 2007، ثم اختبرت الفكرة بنجاح نسبي في عام 2008، وقد تدخل حيز التنفيذ بحيث تصبح جزءاً من الخريطة السياسية للمنطقة في العام الجديد (2009).


الآخرون أبدوا تحفظاً على تأييد هذا التقييم، ومنهم من حذر من استباق الأحداث قائلاً بأنه من الحكمة انتظار وضوح موقف الإدارة الأمريكية الجديدة، التي تبنى رئيسها فكرة الحوار المباشر مع إيران وسوريا (لتأمين الانسحاب من العراق) الأمر الذي إذا تحقق فقد يسفر عن نتائج تغير من الخرائط المطروحة في الوقت الراهن.


رغم الحيرة في التنبؤ بمصير التصعيد الراهن، فالقدر الثابت أن الأمور وصلت إلى درجة تورث شعوراً قوياً بالخزي والخجل. ذلك أن الجسور تقطعت في العالم العربي، والمعايير انقلبت بحيث أصبح من السهل أن تجئ تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية إلى القاهرة وتطلق منها تهديداً بتدمير الفلسطينيين (لا يعلق عليه وزير الخارجية المصرى!)، في حين يبدو من الصعب في ظل التسخين الراهن أن يتبادل وزير الخارجية المصري والسعودي الزيارات مع وزير الخارجية السوري.


هذه اللقطة الأخيرة تستدعي إلى أذهاننا مشهداً مماثلاً في الساحة الفلسطينية. ذلك أن السيد أبو مازن له خطوطه المفتوحة ولقاءاته المستمرة مع القادة الاسرائيليين، لكنه لايزال يرفض بشدة أن يجتمع مع قادة حركة حماس الذين انتخبهم الشعب الفلسطيني. ولايبدو أن مثل هذا اللقاء بين الإخوة الأعداء يمكن أن يتم في الأجل القريب.


إذا دققت في الحالتين فستجد أن الموقف فيهما واحداً، بمقتضاه انقلبت الآية، بحيث أصبح الغريب قريباً والقريب غريباً، ولم يخل الأمر من الاستعانة بالغريب على القريب. وهي حالة ليست شاذة في التاريخ العربي والإسلامي. فقد شهدت بلاد الشام والأندلس قبل سقوطهما تقاطعات بين الولاة المسلمين أوصلت بعضهم إلى الاستعانة بالصليبيين والفرنجة ضد إخوانهم المسلمين. الأمر الذي انتهى بهزيمة الجميع واندثارهم.

(4)
في أكثر من خطبة ألقاها الرئيس مبارك هذا الشهر تكرر نداؤه للفلسطينيين داعياً إياهم إلى التصالح وإنهاء الانقسام فيما بينهم. كما أن الخطاب السياسي العربي باختلاف مصادره ما برح يردد هذه الدعوة، حتى قال أمين الجامعة العربية السيد عمرو موسى وأكثر من مسؤول ومعلق عربي بأن الانقسام الراهن من شأنه أن يصيب القضية في مقتل، بما يؤدي إلى تصفيتها في نهاية المطاف. رغم أن أحداً لا يستطيع أن يعبر عن سعادته بالانقسام – باستثناء الإسرائيليين وغيرهم من المنتفعين به بطبيعة الحال- إلا أننى أزعم بأن ما يهدد القضية الفلسطينية حقاً هو الانقسام العربي قبل الانقسام الفلسطيني، وأن العواصم والأصوات العربية التي ما برحت تصيح منددة بالانقسام الفلسطيني وخطره على القضية يريد بعضها على الأقل أن يغطي بعلو الصوت الانسحاب من القضية والتفريط فيها.


إن الانقسام وارد دائماً في صفوف الحركات الوطنية وحركات المقاومة بوجه أخص. والصراع بين الأجنحة المنقسمة له تاريخ طويل في أوساط المناضلين والساحة الفلسطينية ليست استثناء فى ذلك. إذ عرفت الانقسام منذ الثلاثينات فى مواجهة الاحتلال البريطاني، خصوصاً بين جماعة النشاشيبى والحسينى. بل إن أسرة النشاشيبي شكلت وقتذاك جناحاً مسلحاً باسم "فصائل السلام"، كانت تلاحق الثوار من أتباع الحسيني وتسلمهم إلى الإنجليز، بمقتضى " التنسيق الأمني" معهم، إذا استخدمنا مصطلحات هذا الزمن!. ومن ذلك الحين تتابعت الانشقاقات التي أفرزت في السبعينات حالة دموية مثلها صبري البنا (أبونضال) الذي قتل العشرات من الشخصيات الفلسطينية.


طوال تلك التقلبات ظلت حرمة القضية مصونة لا تمس لسبب جوهرى، هو أنه كان هناك سياج عربي ظل مسانداً للتحرير والمقاومة طوال الوقت. صحيح أنه كان هناك تمايز في المواقف والاجتهادات، لكن أياً منها لم يمس صلب القضية وثوابتها، حتى في ظل هزيمة يونيو عام 67. ومنذ وقعت اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عام 1979حدث أول اختراق في السياج العربي، الذي كان بداية لانفراط الإجماع حول القضية، وانفتاح الأبواب حول الاجتهاد حتى في ثوابتها، حتى وجدنا قيادة فلسطينية تصف العمليات الاستشهادية بأنها "حقيرة"، ووجدنا آخرين يساومون على الأرض وعلى حق العودة. كما وجدنا دولاً عربية تسهم في بناء الجدار العازل وتوفر النفط والغاز لآلة الحرب الإسرائيلية، التي تسحق الفلسطينيين.


حين انهار السياج العربى انهار البيت الفلسطينى وأصبح التفريط في ثوابت القضية والمساومة عليها يتم جهاراً نهاراً أمام كل الأعين. الذي لا يقل أهمية عن ذلك وخطورة أن الشقاق العربي صار سنداً للتشرذم الفلسطيني ونقطة الضعف الحقيقية في ملف القضية. الأمر الذي يدعونا إلى القول بان الانقسام الفلسطيني لن يلتئم عقده إلا إذا تصالح العرب أولاً، خصوصاً محور القاهرة الرياض دمشق، وهو المثلث الذهبي الذي باتصال أضلاعه يؤمن السياج للقضية، وبانفصالها تصبح القضية في مهب الريح. وذلك هو الحاصل الآن.

.................

 

خطاب لم يلقه مبارك

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 2 المحرم 1430 – 30 ديسمبر 2008

خطاب لم يلقه مبارك – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_30.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/764032.html

 

أيها المواطنون- في حين يقبل العالم على عام ميلادي جديد، ويودع عاما شهد احداثا جساما فإن الأمل يحدونا ان تشهد بلادنا في مقبل الأيام والشهور ما تصبو إليه من سلام ورخاء ورفعة إلا أن الرياح التي هبت علينا خلال الأيام الأخيرة أضعفت كثيراً من ذلك الأمل، على نحو أعاد إلى الأذهان صفحة الصراع الدامي والخصومة المريرة، التي ظننا انها في سبيلها الى الزوال، بعد الجهد الكبير الذي بذلناه لإحلال السلام وإعادة الثقة ومد جسور الفهم والتفاهم في المنطقة، اذ تعلمون اننا ظللنا طوال الوقت نلوح باليد الممدودة، ونعبر عن حسن النوايا، الأمر الذي دفعنا إلى توقيع الاتفاقيات وتصديق الوعود تلو الوعود، التي كان من احدثها ذلك الوعد بإقامة الدولة الفلسطينية قبل نهاية العام الحالي، وهو ما دفعنا الى الصبر وتمرير الكثير من الهنّات والأخطاء في سبيل المراهنة على إنجاز ذلك الوعد، غير ان ما حدث بعد ذلك لم يكن في الحسبان، فقد تم التأجيل والتسويف، حتى بلغنا أواخر العام ولم تقم للدولة المرجوة قائمة، ليس ذلك فحسب، وإنما فوجئنا بما هو أسوأ بكثير، ذلك أن وعد الدولة تبخر وبدلا منه نزلت بأهلنا في غزة نازلة أغرقت القطاع في بحر من الترويع والدماء والأشلاء، حتى أصبحت هدية نهاية العام للفلسطينيين مذبحة لا دولة.

 

وإزاء هذه الصدمة، فإن مصر التي تعرفونها ما كان لها ان تقف متفرجة أو تلتزم الصمت. ايها الإخوة المواطنون، لقد اخترت هذه المناسبة لكي أصارحكم بحقيقة مشاعري، وانتهزها فرصة كي أصحح في الأذهان بعض الأمور الملتبسة، التي فتحت الأبواب للغط وسوء الفهم، بل وسوء الظن بمصر وسياستها وقيادتها، لقد ظن البعض ان السلام الذي اختارته مصر كان استسلاما، وذلك خطأ محض، وتصور آخرون ان صبرنا ناشئ عن الضعف وقلة الحيلة، وليس عن الثقة وطول البال، وسمعنا كلاماً كثيراً عن خروج مصر عن الصف العربي وتخليها عن دورها التاريخي في قيادة هذه الأمة، ولم نشأ في حينه أن نرد على هذا الكلام، حتى لا يظن أحد أننا في موقف الدفاع، أو أن دور مصر موضوع للمساومة أو محل للاجتهاد. وأنا هنا أقول بوضوح إن مصر التي هي ذاتها التي حاربت، ستظل ضمير هذه الأمة.

 

ولأن مصر تعرف قدرها وتدرك مسؤولياتها، فإن ما جرى في الأرض المحتلة كان ينبغي أن يكون له عندها وقع آخر. فليست مصر التي ترى الدم الفلسطيني ينزف ثم تقف صامتة أو متفرجة، وليست هي التي ترى اسراب الطائرات النفاثة تقصف القطاع، ولا تنتفض تضامناً مع الشعب الفلسطيني البطل، وغيرة على كرامة الأمة وشعوبها، وليست مصر هي التي ترى المقاومة الباسلة تضرب ولا تهب للذود عنها، وليست هي التي تسمع أصوات التهديد والوعيد تصدر من تل أبيب فتتراجع وتستسلم للخوف، لكن مصر التي تعرفونها تستقبل كل ذلك بثقة وثبات، وتعرف أن عليها ان ترد، في التوقيت الذي تحدده وبالأسلوب الذي تقتنع بجدواه.

 

إنني أعلم أن مصر مسكونة بالسخط والغضب إزاء الممارسات الإسرائيلية في غزة، لذلك فإنه استشعارا لمسؤولية مصر ومسؤوليتي الشخصية، فإنني بعد التشاور مع إخواني في مجلس الأمن القومي وقيادات قواتنا المسلحة، أعلن أن صبرنا قد نفد، وأن مصر بعدما اعطت لاحتمالات السلام كل فرصة ممكنة، قررت ما يلي:

 

إبعاد السفير الإسرائيلي في مصر

واستدعاء السفير المصري في تل أبيب إلى القاهرة للتشاور

وفتح معبر رفح على مصراعيه أمام الإخوة الفلسطينيين في غزة لتوفير احتياجاتهم طوال الوقت،

تعليق مشروعات التعاون مع إسرائيل،

-تشكيل لجنة لإعادة النظر في اتفاقيات تصدير النفط والغاز اليها

- إيفاد مبعوث خاص الى سورية لطي صفحة الخلافات بين البلدين

وإعادة تنسيق المواقف بين القاهرة ودمشق والرياض، واتخاذ خطوات حاسمة لإنهاء الخلاف الفلسطيني

ودعوة السيد محمود عباس رئيس السلطة الوطنية والسيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» للاجتماع في القاهرة خلال اسبوع، وسأباشر بنفسي إدارة الحوار والتفاهم بينهما.

 

أيها الأخوة المواطنون، لقد حققت مصر عبورها في عام الحسم، وأرجو ان تكون القرارات التي اتخذتها سبيلا إلى إعلان العام الجديد عاما للعزة واسترداد الكرامة..

والله ولي التوفيق.

.....................

 

أسئلة الساعة

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 1 المحرم 1430 – 29 ديسمبر 2008

أسئلة الساعة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_29.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/762961.html

 

المذبحة التي وقعت في غزة تستدعي شلالات من الأسئلة منها ما يلي:

 

1- هل أُخطرت مصر بالعملية، خصوصا أن وزيرة الخارجية تسيبي ليفني قدمت اليها يوم الخميس 25/12 بعد 24 ساعة من صدور قرار الحكومة الإسرائيلية بشن الغارة حسبما أعلن رسميا في تل ابيب، الامر الذي يعني انها جاءت والقرار في جيبها؟

 

2- أعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان تعليق الوساطة التركية في المفاوضات بين سورية وإسرائيل بسبب الغارة، واعتبر أن بلاده أهينت حين جاء إليها ايهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي قبل خمسة أيام من تنفيذ العملية، ولم يشر إلى اعتزام إسرائيل ضرب غزة. هل بوسع مصر أن تعلن أنها أهينت بدورها، لأن ليفني زارتها والتقت برئيسها ووزير الخارجية من دون أن تخبرهما بشيء عن الغارة؟ أم أن سكوت مصر يعني أنها أُحيطت علما بالأمر قبل وقوعه؟

 

3- إذا صحت التصريحات الإسرائيلية بأن بعض الدول العربية أُبلغت بالغارة، أليس من حقنا أن نعرف ماهية تلك الدول؟

 

4- ما مدى صحة الأنباء التي نشرتها الصحف الإسرائيلية (يديعوت احرونوت ومعاريف يوم 15/12) من أن عاموس جلعاد مدير الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الحرب سمع من السيد عمر سليمان انتقادا حادا لحماس حين التقاه في القاهرة، وتأييدا لما يمكن أن تتخذه إسرائيل من إجراءات بحقها؟ وإذا لم يكن الخبر صحيحا، فلماذا لم تنفه القاهرة؟

 

5- إذا كانت تركيا قد علقت وساطتها بين سورية وإسرائيل، فهل ستتخذ مصر أي إجراء تعبر به عن غضبها إزاء ما جرى في غزة، بخلاف بيان الشجب وتصريح وزير الخارجية السيد أبوالغيط الذي حمل فيه حماس المسؤولية عما انتهى إليه الوضع في القطاع؟

 

6-لماذا لم يذكر اسم القاهرة ضمن حملة الاتصالات المكثفة التي تبادلتها القيادات العربية أمس الأول لاتخاذ موقف، بعد ذيوع أخبار الغارة وسقوط العدد الكبير من الضحايا الفلسطينيين؟

 

7-بماذا نفسر وقوع الغارة الوحشية يوم السبت، ثم اتجاه الجامعة العربية لعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب يوم الأربعاء، أي بعد أربعة أيام من وقوع المجزرة، رغم الإعلان الإسرائيلي عن استمرارها؟

 

8-هل لابد أن يتحول الفلسطينيون إلى جثث أو جرحى شوههم القصف أو مرضى مشرفين على الموت حتى يُفتح لهم معبر رفح؟

 

9-بعدما قال مفتي مصر إن العدوان جريمة إنسانية، ما رأي فضيلته في اشتراك مصر في حصار غزة؟

 

10-إذا اعتبرنا أن اجتماع المشير طنطاوي وزير الدفاع المصري مع قائد القيادة المركزية الأميركية في اليوم نفسه الذي وقعت فيه الغارة الإسرائيلية على غزة هو مجرد مصادفة، أما كان الأجدى والأليق أن يؤجل ذلك الاجتماع 24 ساعة على الأقل، لكي لا يساء فهم دلالة الاجتماع؟

 

11-بعد المذبحة ما هي نسبة الأصوات التي يمكن ان يحصل عليها السيد أبومازن في الأرض المحتلة، إذا أجرى الانتخابات الرئاسية بعد انتهاء ولايته في التاسع من شهر يناير المقبل؟

 

12-هل العملية العسكرية تستهدف تأديب حماس أم اسقاطها؟ وهل التزامن النسبي في التوقيت بين بدئها وبين إعلان أبومازن انه سيعود الى غزة في وقت قريب، هو مجرد مصادفة؟

 

13-هل يصبح طريق التفاوض مفتوحا بين قيادة السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية بعد الانتهاء من العملية العسكرية في غزة؟

 

14-اذا كان عنف الغارة الاسرائيلية قصد به رفع أسهم ليفني وباراك في مواجهة نتنياهو في الانتخابات البرلمانية التي تجرى في فبراير المقبل، فما الذي سيفعله أبومازن لكي يعزز موقعه ويدافع عن شعبيته في الانتخابات الرئاسية المفترضة؟

 

15-إذا صح أن إيران أصبحت موجودة في غزة، كما ذكرت بعض التصريحات السياسية والأبواق الاعلامية، فلماذا لم يظهر أثر لأسلحتها التي توافرت لدى حزب الله وسببت ذعرا للإسرائيليين في حرب لبنان عام 2006؟ وأين عناصر الحرس الثوري الذين قيل انهم تسللوا للقطاع؟

 

16-هل اصبحت التهدئة المطلوبة الآن هي بين مصر وحماس؟ وهل يكون من بين شروطها مطالبة وزير الخارجية السيد أبوالغيط بالتزام الصمت؟

................

في بلد غيرمصر

صحيفة الدستور المصريه السبت 30 ذوالحجة 1429 – 28 ديسمبر 2008

في بلد غيرمصر –فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_28.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/762133.html

 

أعلن الرئيس في بيان له أن مستقبل الطبقة الوسطى سيكون في صلب عمله اليومي، وأن لجنة خاصة برئاسة نائبه وعضوية وزراء الصحة والعمل والتربية سوف تباشر هذه المهمة، حيث ستتولى وضع الخطط اللازمة لحماية الطبقة الوسطى وتخفيف الضغوط التي تتحملها بسبب الازمة الاقتصادية، وسوف تستعين هذه اللجنة بالخبرات المعنية لتتبع اوجه معاناة الطبقة الوسطى في كل ما يهم الحياة اليومية، بما في ذلك كلفة الجامعة والبرامج الدراسية والخدمات الصحية وفرص العمل، وستقدم تقريرا سنويا عن اعمالها، ينشر على الرأي العام على الانترنت.

 

وفي تعليقه على ذلك قال نائب الرئيس ان القواعد الاقتصادية للطبقة المتوسطة قد تآكلت في الآونة الأخيرة، الأمر الذي خلق وضعا لا يمكن السكوت عليه، لذلك فإن هذا الملف فرض نفسه على أولويات أجندة العمل الوطني.

 

لا تذهب بعيدا في التفاؤل، وتظن ان ذلك حدث عندنا، لأنك لو قرأت الكلام مرة ثانية سوف تدرك انه يخاطب أناسا آخرين غيرنا، واذا كنت من قراء الصحف اليومية، فلربما انتبهت إلى انه مر عليك منشورا في صحف الثلاثاء 23/12، منسوبا إلى الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما، وحتى اذا لم يذكر اسم الرئيس اوباما في الموضوع فثمة قرائن عدة تدل على أنه ينطبق على بلد آخر غير بلدنا، من تلك القرائن مثلا ان الخبر منشور في زاوية صغيرة في احدى الصفحات الداخلية تحت عنوان يقول: أوباما يشكل فريقا لإنقاذ الطبقة الوسطى من الازمة،

 

 ولو ان ذلك حدث عندنا لاحتل الخبر صدارة الصفحة الأولى، وكتبت عناوينه باللون الأحمر، متحدثة عن هدية العام الجديد وبشرى للطبقة الوسطي، والى جانب الخبر مقال يشيد بالتحام الرئيس مع جماهير الفقراء والمأزومين، وفي صفحة الفنون اشارة إلى اغنية جديدة لشعبان عبدالرحيم استلهمها شاعره الخاص بعدما استمع إلى بيان اوباما، يقول في مطلعها: خلاص العيشة ها تبقى ألِسْطَة.. ياهناها الطبقة الوسطى.. هييه!

 

من تلك القرائن التي لا تغيب عن فطنتك وتنفي صلتنا بالخبر انه لا يوجد في مصر اصلا نائب رئيس ليتولى مهمة من هذا القبيل، كما انه لم يعد يوجد في مصر طبقة وسطى، بعدما اختفت تلك الطبقة خلال السنوات الأخيرة، بسبب انكسار اغلبها وانضمامهم إلى شرائح الفقراء والتحاق قلة محظوظة بطبقة الاثرياء، فضلا طبعا عن انه لا توجد عندنا أزمة تستوجب استنفارا من ذلك القبيل، لأن صحفنا القومية طمأنتنا إلى ان حكمة القيادة حصنت مصر المحروسة ضد تداعيات الكارثة التي حدثت في العالم.

 

واذا لم تقنعك هذه القرائن، فسوف تتأكد من ان الأمر لا يخصنا اذا لاحظت شواهد اخرى، منها مثلا ان الحكومة عندنا غير مشغولة بحكاية الطبقة الوسطى، لأن مشاكل الاثرياء وعمليات البيع والاستثمار تستغرق كل وقتها، منها أيضا ان اللجنة التي شكلت لبحث ازمة الطبقة الوسطى تضم وزراء الصحة والعمل والتربية، وفي مصر لجنة وحيدة معتمدة هي لجنة السياسات،

 

 منها كذلك ان اللجنة المذكورة ستقدم إلى الناس تقريرا سنويا عن اعمالها، وذلك تقليد غريب على بلادنا، التي تحرص فيها الحكومة على عدم اشغال الناس بهذه الامور، لكي لا تصرفهم عن مباريات كرة القدم وازمة نادي الزمالك ومسلسلات التلفزيون، وغير ذلك من القضايا الأخرى التي تهم الرأي العام مثل قتل سوزان تميم وقتل ابنة المطربة ليلى غفران وصديقتها.

 

بعدما تأكد لديك ان الرئيس أوباما هو الذي استدعى همَّ الطبقة الوسطى قبل ان يتولى منصبه رسميا، فلعلك تتساءل

 لماذا شكل الرجل لجنة من وزراء الصحة والعمل والتربية للتعامل مع ملفها؟

ولماذا فتح الملف اصلا الآن في حين انه كان بوسعه ان يؤجله، متذرعا بأنه لا صوت يعلو فوق صوت «الوكسة» المالية؟

 

وردي على السؤال الأول انه يدل على ان الرجل جاد في تعامله مع المشكلة التي تعاني منها الفئة الأكبر والأهم في المجتمع وان تحسين الخدمات في المجالات الثلاثة يعني انه مهتم حقا بتعزيز عناصر العافية الحقيقية لهذه الفئة وتأهيلها لحياة أفضل،

 

أما اجابة السؤال الثاني المنصب على ادراج موضوع الطبقة الوسطى ضمن اولوية برنامجه، فردي عليه ان هذه الفئة هي التي اختارته وجاءت به إلى البيت الابيض، وانها ستحاسبه على ادائه وستعاقبه او تكافؤه في ولايته الثانية، ولذلك ينبغي ان يعمل لها ألف حساب،

وهذا سبب اضافي لحرق الدم يؤكد لك مجددا أننا نتحدث عن بلد آخر غير مصر.

..................

المخاصمة أضعف الإيمان

صحيفة الدستور المصريه السبت 29 ذوالحجة 1429 – 27 ديسمبر 2008

.............

ملحوظة : الجزءان الاول والثانى للموضوع هما

فضيحة بني مزار-فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_25.html

العدالة في خطر-فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_26.html

..................

المخاصمة أضعف الإيمان –فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_27.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/761221.html

 

لو أن تبرئة الرجل الذي لُفِّقت له تهمة القيام بمذبحة بني مزار وأُكره على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها، تمت في بلد آخر متحضِّر، لقامت الدنيا بسببها ولم تقعد. عند الحد الأدنى، فإن السلطة إذا لم تتحرك بسرعة لتحديد المسؤولية عما جرى، فإن المجتمع لن يبقى صامتاً أو متفرجاً، الأمر الذي كان لابد أن ينتهي بمحاسبة قانونية وسياسية بمقتضاها يعاقَب المتواطئون أو المهملون وتطير رؤوس المسؤولين الكبار من الحكومة، الذين تمت الفضيحة في دائرة اختصاصهم بحيث يخيرون بين الإقالة أو الاستقالة.

 

المدهش أن شيئاً من ذلك لم يحدث في بلادنا، وأن الجميع تعاملوا مع الحدث، كأنه واقع في بلاد بعيدة لا شأن لنا بها، فلا أحد عبّر عن صدمته لأن بعض الأجهزة الرسمية «ألبست التهمة» لرجل بريء وأرادت له أن يُعدم، لكي تغطي فشلها في العثور على المجرم الحقيقي أو لكي تتستر على ذلك المجرم، ولم نقرأ أن استجواباً قُدِّم في مجلس الشعب لوزيري الداخلية والعدل لتحري حقيقة الموضوع، ولا أن مدير الأمن أو رئيس النيابة في محافظة المنيا، التي وقعت الجريمة البشعة في نطاقها سُئلا عن عملية التلفيق التي تمت، كما لم نسمع أن توجيهات عليا صدرت من أي جهة مسؤولة بضرورة التدقيق في سلامة الأدلة المقدمة في القضايا حتى تأخذ العدالة مجراها الصحيح.

 

فيما هو ظاهر على الأقل، فإن المجتمع ـ نخبه على الأقل ـ من تعامل مع الفضيحة، وكأنها شيء عادي يمكن غض الطرف عنه وتمريره، مع حمد الله على أن الرجل المظلوم برّئت ساحته قبل فوات الأوان. صحيح أن الناس في مصر ألِفوا التلفيق في القضايا السياسية، بعدما توافرت ظروف كثيرة لتمكين الاجهزة المعنية من استخدام الدعاوى القضائية لتصفية الخصوم والتنكيل بهم، وقامت قوانين الطوارئ والتعديلات الدستورية والمحاكم الاستثنائية باللازم في هذا الصدد. ورغم أن ذلك أمر خطير لا ريب، إلا أن الأخطر منه أن تتسع دائرة التلفيق بحيث تصبح سلاحا يُشهَر في وجه المجتمع بأسره وليس فئة أو جماعة بذاتها.

 

المخيف في الأمر ايضا ان تصبح النيابة العامة طرفا في هذه العملية غير النظيفة، فتضعف أمام ضغوط اجهزة الأمن، وتلجأ إلى مسايرتها والتستر على مظالمها، أو تتواطأ معها فيما تلجأ إليه من أساليب غير نظيفة، أو تتقاعس عن أداء واجبها في التحقيق وجمع الأدلة. وهو مخيف لأن تحقيقات النيابة هي أولى مراحل التقاضي، وهي الباب الشرعي لتقرير الحقوق، بالتالي، فإن أي خلل في هذا المدخل يجعله بابا لإهدار الحقوق وتضييعها. وبسبب من ذلك، فإن المشرّع في قانون المرافعات خول صاحب المصلحة في أي قضية الحق في أن يخاصم النائب العام ذاته، في حال ما وجد أن النيابة ارتكبت أخطاء جسيمة، أثناء عملها في أي قضية بين يديها.

 

وإذا ما تم قبول المخاصمة فإن النائب العام في هذه الحالة يُوقَف عن عمله على الفور، إلى حين فصل المحكمة في الموضوع وتقرير عزله أو توقيع العقوبة عليه في حالة إدانته. وهو ما لجأ إليه الاستاذ عصام سلطان محامي الدكتور محمد عبدالحليم، رب الأسرة التي غرقت بكاملها في كارثة العبّارة، والوحيد الذي رفض أن يتقاضى تعويضاً عن اختفاء أسرته وظل مصرّاً على أن يأخذ العدل مجراه في القضية، بعدما أدرك أنها تعرّضت للتلاعب من جانب النيابة. استند الاستاذ سلطان إلى حق المخاصمة الذي قرره قانون المرافعات، وأعد مذكرة سيقدمها هذا الاسبوع الى محكمة استئناف القاهرة طالباً فيها مخاصمة المستشار ماهر عبدالواحد الذي كان نائباً عاماً وقتذاك (عام 2006) باعتباره المسؤول عن إحالة القضية باعتبارها جنحة ومخالفة الى نيابة البحر الأحمر، وذكر في طلب المخاصمة أن قرار الاتهام وجّه الى المتهمين في القضية اتهامات غير التي أثبتتها أوراق التحقيق «بما ينبئ بأن وراء ذلك ليس خطأ مهنياً جسيماً فحسب، وإنما غش وتدليس أيضاً».

 

ما يثير الانتباه أن مذبحة بني مزار التي لُفِّقت فيها القضية للشاب محمد عبداللطيف وقعت في نفس العام الذي تمت فيه «لفلفة» كارثة العبّارة وأن النائب العام السابق هو الذي أصدر قرار الإحالة في القضيتين، لذلك فإن الشاب الذي تمت تبرئته، بوسعه أن يقيم دعوى مخاصمة ضده أيضاً، آخذا بحق المظلومين، وكي يكون عبرة لغيره وذلك أضعف الإيمان.

.................

العدالة في خطر

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 28 ذوالحجة 1429 – 26 ديسمبر 2008

العدالة في خطر – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_26.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/760428.html

 

اللعب في أدلة القضايا ليس بالأمر الهين، لأنه يشكل عدوانا صارخا على قيمة العمل، وتلك طامة كبرى ينتج عنها فساد وشرور لا حدود لهما، ذلك أن اللحظة التي يفقد فيها الناس ثقتهم في سير العدالة وضماناتها، هي ذاتها اللحظة التي يصبح فيها المجتمع على أبواب زلزال يضرب أركانه واحدا تلو الآخر، وإذ نحمد الله على أننا لم نبلغ هذه الدرجة بعد، ولكن ما ينبغي ان يفزعنا حقا هو أننا نقترب منها حينا بعد حين.

 

ما جرى في مذبحة بني مزار، المتهم فيها رجل لُفِّقت له القضية بمشاركة من رجال المباحث الجنائية والنيابة العامة. يثبت ذلك العبث المخيف، الذي كشفه القضاء، فبرّأ الرجل وأنقذه من إعدام محقق، على النحو الذي أشرت إليه أمس. ومنه استطردت إلى شبهات للعبث في جرائم أخرى تثير لغطا واسعا في الشارع المصري، وكانت جريمة القتل التي اتُّهم فيها ضابط شرطة، ابن لضابط كبير في الشرطة ايضا، من نماذج ذلك العبث، حيث أثبت الطب الشرعي أنه تم استخراج المقذوف الناري الذي أطلق على القتيل من جثمانه وجرى إخفاؤه لطمس دليل القتل، في حين كانت الجثة في حوزة النيابة.

 

 ثمة لغط آخر مثار الآن حول حادث قتل الفتاتين في سكن إحداهما في مدينة 6 أكتوبر، على الرغم من أن المباحث الجنائية قدمت شابا متهما في الجريمة، ذكرت الصحف أنه اعترف بدوره، وقام بتمثيل الجريمة أثناء المعاينة، إلا أن الصحف ذاتها تحدَّثت عن عدول الشاب عن اعترافه، وشككت في سلامة الأدلة المقدَّمة، وأعطى بعضها انطباعا بأن ثمة تلفيقا أريد به تلبيس القضية للشخص الذي ألقي القبض عليه. ورغم أن هذا الكلام كله لم يثبت منه شيء إلى الآن، إلا أن ما حدث في مذبحة بني مزار، عزز الشكوك ووفر مناخا مواتيا لتصديق سيناريو التلفيق. ولا أحد يستطيع أن ينسى حكاية الممثلة حبيبة، التي اتُّهمت بقتل زوجها الخليجي، واعترفت تحت التعذيب أمام الشرطة والنيابة، وأدينت لذلك السبب، وبعد أن قضت خمس سنوات في السجن قضت المحكمة ببراءتها.

 

 التلاعب على سير العدالة له صور متعددة، يشكِّل التلاعب بالوقائع والأدلة بعضا منها، لكن ذلك التلاعب يمكن أن يتم أيضا من خلال العبث بالأقوال وتكييف القضية، وأبرز مثال على ذلك قضية العبَّارة التي قُتل بسببها أكثر من ألف مواطن، وبُرِّئ صاحبها، رغم بشاعة الجريمة، والسبب في ذلك أن تحقيقات النيابة لم توجه إليه تهمة التسبب في القتل، ولكنها اتهمته بالإهمال الذي أدى إلى غرق العبّارة، وحين صمم الاتهام على ذلك النحو، فإن القضية جرى التحقيق في شأنها، بحيث اعتبرت جنحة وليست جناية، وانتهت على النحو الذي فاجأ الجميع وصدمهم.

 

الخلاصة التي يخرج بها المرء من متابعة مثل هذه القضايا تتلخص في أن نفوذ مراكز القوى الصغيرة والكبيرة استشرى، بحيث لم تعد له حدود يقف عندها، حتى ساد الاقتناع لدى أولئك الأقوياء بأن بوسعهم أن يقترفوا أي شيء، دون أن يتعرَّضوا للحساب أو المساءلة.

 

وما اللعب بالأدلة وتلفيق التهم للأبرياء لكي يفلت المجرمون الحقيقيون من العدالة إلا تجسيد عملي لهذه الحالة، ولا ننسى أننا نتحدث عما صار معلوما وانفضح أمره من قضايا، وان حدوث ذلك التلاعب في بعض القضايا الكبيرة يفتح الباب واسعا وبقوة لوجود مثل ذلك التلاعب في الأصغر من القضايا اليومية الصغيرة.

 

قبل أن تقع الواقعة ويفقد الناس ثقتهم بصورة نهائية في سير العدالة، ومن ثم يضطرون إلى تحصيل حقوقهم والدفاع عن أنفسهم بأنفسهم بما يستتبع ذلك من انفلات وفوضى. فإن الأمر يستدعي تدخُّلا حاسما يوقف العدوان على قيمة العدالة في البلد. فقد دهشت للغاية مثلا حين لم يتحرَّك احد بعد ثبوت براءة المتهم في مذبحة بني مزار، إذ لم نسمع أن أحدا حُوسب من ضباط المباحث الجنائية الذين لفَّقوا التهمة للرجل البريء او من رجال النيابة الذين تستروا عليهم او اهملوا في تحقيق ادلة القضية، رغم هول ما فعله الطرفان ـ ما الحل؟ ـ نحاول الإجابة عن السؤال غدا بإذن الله.

.................

فضيحة بني مزار

صحيفة الدستور المصريه الخميس 27 ذوالحجة 1429 – 25 ديسمبر 2008

فضيحة بني مزار – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_25.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/759545.html

 

ماذا يكون شعور المرء حين يجد أن رجلا اعترف بقتل عشرة أشخاص، وتم تصويره وهو يمثّل كيفية ارتكابه للجريمة البشعة، وحين يُقدَّم الى محكمة الجنايات، فإنها تقضي ببراءته، ثم حين يُطعن في الحكم امام محكمة النقض، فإنها تؤيد البراءة؟ هذا السؤال تستدعيه بقوة قضية مذبحة بني مزار، التي وقعت في نهاية عام 2005، حين صُدمنا ذات يوم بخبر مقتل الاشخاص العشرة (بينهم ثلاثة أطفال) والتمثيل بجثثهم بطريقة غريبة. وأدهشنا أن القتلى كانوا يسكنون في ثلاثة بيوت متجاورة، وأن عملية قتلهم تمت في هدوء مريب ودون أي مقاومة. وما أثار انتباهنا آنذاك أنه لم تكد تمضي خمسة أيام إلا وخرجت علينا الصحف بخبر العثور على القاتل واعترافه بارتكابه الجريمة، وبعد ذلك طالعنا في الصحف صوره وهو يمثّل جريمته أثناء المعاينة، وقرأنا شهادة لأحد كبار الأطباء النفسانيين أقرّ فيها بأن المتهم - محمد علي عبداللطيف، البالغ من العمر 26 عاما (آنذاك) - كان يعالج من الاضطراب النفسي وازدواج الشخصية في مستشفاه الخاص.

 

بعد ذلك توالت المفاجآت حين عرضت القضية على محكمة الجنايات، ثم محكمة النقض على النحو الذي ذكرت توا. ورغم أن براءة أي متهم من تهمة نسبت إليه أمر يُثلج الصدر. فضلا عن أن الإدانة في القضية التي نحن بصددها كانت تعني الحكم بالإعدام على صاحبنا الذي «لبس» القضية وحده.

 

إلا أن ارتياحنا لبراءة الشاب المسكين لا يحجب أسئلة عديدة مهمة للغاية، منها مثلا: من الذي قتل الاشخاص العشرة إذن؟ وما هي ملابسات القبض على الشاب محمد عبداللطيف؟ وكيف دُفع إلى الاعتراف وتمثيل الجريمة أمام النيابة؟ وما مدى مسؤولية رجال المباحث الجنائية الذين قدّموا الشاب محمد على أنه القاتل؟ وما مدى مسؤولية النيابة العامة التي ثبت أنها لم تقم بواجبها في التحقيق بحيث فشلت في التعرف على المتهم الحقيقي؟

 

بعد البراءة التي قررتها محكمة النقض، لم يعد لدينا شك في أن القاتل لايزال مطلق السراح منذ ثلاث سنوات، وانه اريد التضحية بالشاب محمد لكي يُعدم ويُغلق ملف القضية الغريبة.

 

كما لم يعد لدينا شك في انه تم تلفيق القضية وإجبار صاحبنا على الاعتراف وتمثيل الجريمة، ولا يقل خطورة عن ذلك ان النيابة العامة في هذه الحالة إما أنها تواطأت مع المباحث الجنائية في تلفيق القضية أو أنها مارست إهمالاً جسيماً في التحقيقات أدى إلى تمرير اتهام الشاب البريء والسكوت عن الجاني الحقيقي.

 

إذا صح هذا التحليل، وأغلب الظن أنه صحيح، فهو يهز بقوة ثقتنا في خطوات البحث الجنائي وتحقيقات النيابة العامة، الأمر الذي يشيع قدرا غير قليل من البلبلة، لأن من حق أي مواطن ان يتساءل: اذا كان ذلك قد حدث في جريمة بتلك البشاعة، فما الذي يمنع حدوثه في جرائم أخرى مماثلة لها أو دونها؟

 

لقد شاءت المقادير أن يُفضح التلفيق في قضية مذبحة بني مزار في وقت امتلأ الشارع المصري فيه باللغط حول عدد من القضايا الأخرى، إحداها قضية ضابط الشرطة الذي قتل الشاب «تامر»، بطلق ناري من سلاحه الميري، إثر مشادة وقعت بينهما في القاهرة، وبعد تسليم جثته إلى النيابة العامة، فإن الطب الشرعي أثبت أن المقذوف الناري تم استخراجه منها بطريقة بدائية، الأمر الذي يعني أن الجثة تعرّضت للعبث وهي في حوزة النيابة، بالتخلص من المقذوف الذي يُعد أقوى أدلة إثبات وقوع الجريمة. ذلك أن الطلقات التي يزود بها رجال الشرطة لها علاماتها المميزة التي يمكن أن تشي بمصدرها. ولم يكن لذلك من تفسير سوى أن طرفا له مصلحة أراد أن يطمس معالم القضية ويبرئ الضابط من جريمة القتل.. وحين أشير إلى أن والد الضابط المتهم يحتل مرتبة رفيعة في سلك الشرطة بطل العجب.. إذ لم تعد الصحف مرة أخرى إلى واقعة استخراج المقذوف وإخفائه ولم نعرف ما ان كانت النيابة قد حققت في المسألة أم لا، لكن الثابت أن الجميع سكتوا عن الكلام المباح.. غدا نواصل بإذن الله.

.....................
 

درس في الموازنات

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 26ذوالحجة 1429 – 24 ديسمبر 2008

درس في الموازنات – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_24.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/758617.html

 

بعض المتدينين الغيورين لم يستريحوا لما كتبته في هذا المكان يوم الأحد الماضي (21/12) عن الجهد المبذول في تركيا لانصاف كمال أتاتورك، ودعوت فيه إلى إعادة تقييم التجربة الناصرية لانصاف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

 

ملاحظات اولئك الغيورين كان محورها السؤال التالي: كيف يغفر لاتاتورك انه ألغى الخلافة وحارب الإسلام واذل المتدينين وفصل تركيا عن تاريخها حين استبدل الحرف اللاتيني بالعربي، وفرض التغريب على ذلك البلد المسلم، حتى بدا كأنه يريد اقتلاعه من محيطه وثقافته؟ كان واضحاً فيما تلقيته من اصداء ان عتاب الاسلاميين تركز على إنصاف اتاتورك وليس على الدعوة لإنصاف عبدالناصر. ووجدت ان ذلك شيء ايجابي بصورة نسبية، لان اتاتورك خاض معركته ضد دور الاسلام في المجتمع وضد انتماء الاتراك إلى الامة الاسلامية. اما معركة عبدالناصر فكانت ضد الاخوان بوجه اخص وليست ضد الاسلام، في حين كان اعتزازه شديدا بالانتماء إلى العروبة وكانت الدائرة الاسلامية احدى دوائر استراتيجية ثورة يوليو (لا ننسى ان تطوير الأزهر واذاعة القرآن الكريم تما في عهده).

 

 ابرز الذين اتصلوا بي هاتفياً بخصوص هذا الموضوع كان الدكتور أحمد العسال، العالم الزاهد الذي كان مديراً للجامعة الإسلامية في إسلام اباد، وبعد ان ادى مهمته هناك عاد إلى مصر، مؤثرا البقاء في الظل، وان كان لايزال يسهم قدر طاقته في الدفاع عن دين الله والدعوة اليه. وقد عدد على مسامعي ما ارتكبه كمال اتاتورك بحق الإسلام والمسلمين في تركيا، لكنني قلت ان ذلك مما يحسب عليه فعلاً، وليس لدي اي دفاع عنه فيما اقترفه،

 

 لكن التيار الجديد في تركيا يحاول ان يذكر ما له ايضا إلى جانب ما عليه. ودعاته لا يحاولون نسيان الاخطاء الجسيمة التي ارتكبها، لكنهم يحاولون التذكير بالانجازات الكبيرة التي حققها. فهو ان كان قد اجرم بحق الإسلام والمسلمين، الا انه خدم البلد على جبهة اخرى، حيث لا ينبغي ان يقلل من دوره كقائد انقذ تركيا من الانكسار والانفراط، ذلك ان اتاتورك ظهر في الافق في وقت كانت الدولة العثمانية فيه قد تضعضعت وأصابها الوهن، حتى أصبحت نهباً للقوى الكبرى التي طمعت في تركة «الرجل المريض» التي قسمتها روسيا وفرنسا وبريطانيا فيما بينها سنة 1915، ولكن خروج روسيا من الحرب (العالمية الاولى) حال دون تنفيذ الاتفاق. وجاءت بعد ذلك معاهدة سيفر (سنة 1920) التي وضعت المضائق العثمانية تحت الرقابة الدولية. ووضعت مدينة اسطنبول تحت نظام الاحتلال الجماعي للحلفاء، وحصلت ايطاليا على منطقة في جنوب الاناضول، واعطيت جزر بحر ايجه لليونان، وتم اعلان استقلال ارمينيا.

 

ازاء هذه الصورة البائسة، لا ينبغي ان يقلل من دور كمال اتاتورك في المحافظة على استقلال الجمهورية والابقاء على تماسكها. فقد كان هو الذي قاد صد زحف الغزاة، الامر الذي اعاد لتركيا لحمتها وجنَّبها مصير الانفراط الذي سعت اليه دول التحالف الغربي. وهذا كله لا يلغي او يغفر ما فعله الرجل بحق الاسلام والمسلمين، لكن ينبغي ان يذكر له في اي محاولة عادلة لتقييم دوره وتجربته.

 

 قلت لاستاذنا الدكتور العسال ان الاختلاف في تقييم تجربة اتاتورك، هل يقاس بموقفه ازاء الإسلام والمسلمين ام بدوره في الحفاظ على استقلال تركيا ووحدتها، يذكرنا بما اورده القرآن في سورة طه. اذ تطرقت السورة إلى قصة سيدنا موسى الذي غاب عن قومه لبعض الوقت، وتركهم في عهدة اخيه هارون، وفي غيبته فتن الناس في دينهم وعبدوا العجل، الامر الذي فاجأ سيدنا موسى عليه السلام فصب غضبه على أخيه واشتبك معه. فما كان منه الا ان قال له ـ حسب النص القرآني ـ( قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي » (طه ـ الآية 94) وحسب السياق فإن النبي موسى قبل منه هذا العذر. الذي بمقتضاه مرر سيدنا هارون لحظة الانحراف العقيدي الذي اصاب بني اسرائيل، مستهدفا بذلك الابقاء على وحدة الجماعة وتماسكها وهي الحالة التي استند اليها الدكتور يوسف القرضاوي فيما كتبه على فقه الموازنات والاولويات.

 

 ذلك ان المفاضلة فيها كانت بين فتنة عارضة في الدين ووحدة الجماعة، باعتبارها نموذجاً للموازنة بين المفسدة المؤقتة التي تغتفر لجلب مصلحة دائمة او بعيدة المدى. وهو المعيار الذي احتكمنا اليه في التعامل مع ملف اتاتورك فقد نغفر له خطاياه حتى وان لم ننسها، لانه اساء إلى الدين لبعض الوقت لكنه حافظ على وحدة البلد طوال الوقت.

........................

يسألونك عن التهدئة

المقال الاسبوعى (بعد ترك فهمي هويدى الأهرام لمضايقات عديده ) منشور فى الدستور المصريه والشرق القطريه و الخليج الاماراتيه و الدستور الأردنيه و الوطن الكويتيه و السفير اللبنانيه و مدونة مقالات فهمي هويدي و مدونة مقالات فهمي هويدي

الثلاثاء 25 ذوالحجة 1429 – 23 ديسمبر 2008

يسألونك عن التهدئة – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_1389.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/757728.html

 

هل يعد انتهاء التهدئة في غزة الإشارة الأولى لإرهاصات العواصف الهوجاء التي تتوقع المراصد السياسية هبوبها في العام الجديد؟

(١)
القرار كان سباحة ضد التيار بامتياز. إذ حين تعلن من غزة فصائل المقاومة الأربعة (حماس والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية) رفض تمديد اتفاقية التهدئة التي عقدت مع إسرائيل في 19-6 من العام الحالي، فإنها تتخذ قرارا متعارضا مع رغبات كل الأطراف ذات الصلة بالموضوع. فرئاسة السلطة في رام الله أرادت التهدئة التي خففت عنها الضغوط الفلسطينية المزعجة، وجنبتها حرجا سوغ لها استمرار المفاوضات مع إسرائيل. وإسرائيل أرادت التهدئة لكي تهدئ من غضب المستوطنين الذين أزعجتهم الصواريخ المنطلقة من القطاع، ولكي تتفرغ لمهام أخرى توليها أولوية خاصة (مواجهة إيران بالدرجة الأولى). ومصر كانت تريد التهدئة، التي توسطت فيها من البداية، انطلاقا من حسابات كثيرة تتصل بدورها في العملية السلمية. وكان ذلك أشد وضوحا في ورقة «المصالحة» المصرية التي قدمت لإقرارها من الفصائل الفلسطينية (رفضتها حماس والجهاد)، ونصت على ”الحفاظ على التهدئة“، معتبرة ذلك ضمن «المشروع الوطني الفلسطيني.» والرباعية الدولية تحمست بشدة للتهدئة لأنها تخفف الضغوط على إسرائيل، وتجنب المنطقة التصعيد المسلح. والسيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة أعرب عن قلقه من الأخبار التي تسربت في الأسبوع الماضي عن احتمال إنهاء التهدئة، معتبرا أن هذه الخطوة من شأنها أن تؤدى إلى ”عواقب وخيمة تهدد المدنيين في إسرائيل وغزة كما تهدد استمرار العملية السلمية.“

في هذا السياق لا تفوتنا ملاحظة قرار مجلس الأمن الذي صدر في الأسبوع الماضي (16 -12) داعيا إلى تدعيم مسيرة السلام في المنطقة من خلال استمرار المفاوضات بين السلطة وإسرائيل، في الإطار الذي حدده مؤتمر أنابولس في ديسمبر عام ٢٠٠٧. ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي قدمت مشروع القرار مستهدفة في ذلك أمرين، أحدهما تبني مجلس الأمن لما تحقق في أنابولس، الذي كان مبادرة أمريكية بالأساس، والثاني تأكيد استمرار المفاوضات كخيار وحيد لتسوية القضية. وإذا ما تحقق ذلك فإنه يعنى «تنويم» القضية لبعض الوقت، على نحو يحقق «تهدئة» تسمح للرئيس الأمريكي الجديد أن ينصرف إلى معالجة مشاكله الداخلية الملحة، دون إزعاج تسببه القضايا الخارجية المتفجرة - وفى الوقت ذاته فإنه لا يعطل شيئا من المخططات الإسرائيلية، التي لم تتوقف عن التمدد والتوسع وممارسة قمع الفلسطينيين، في ظل استمرار «المحادثات»، التي ترحب بها كثيراً. باعتبار أنها في النهاية «مكلمة» يمكن أن تستمر طول الوقت، بما يخدر الفلسطينيين، ويوهمهم بأنهم يفعلون شيئا، في حين لا يوقف شيئا للإسرائيليين. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير، قد أعلن عن ذلك صراحة أثناء انعقاد مؤتمر مدريد (في سنة ١٩٩١)، حين قال إنهم مستعدون لمباحثات تستمر ١٠ أو ١٥ سنة.


إزاء كل ذلك فإن قرار وقف التهدئة الذي أعلن يوم الخميس الماضي 18 -12 يصبح إشارة غير مريحة للأطراف المعنية بالموضوع. ذلك أنها تلوح بضوء أحمر في الأفق، يربك بصورة نسبية الحسابات الموضوعية على الطاولة. ومن ثم يفتح الأبواب لكافة الاحتمالات.

(2)

خبرتنا مع الإسرائيليين علمتنا أنهم ليسوا على استعداد لدفع شيء في مقابل ما يحصلون عليه، ويعتبرون أنهم في أي اتفاق مستثنين من أي التزام، إلا إذا كان ذلك الالتزام يحقق مصلحة لهم. وشواهد هذا الدرس ثابتة منذ صدور قرار بتقسيم فلسطين في عام ١٩٤٧ وحتى مؤتمر أنابولس في ٢٠٠٧، فالتهدئة قصد بها تجميد الموقف الراهن مؤقتا، ربما أملا في أن تسوى الأمور عبر المفاوضات الجارية. وبمقتضاها اتفق على وقف إطلاق الصواريخ من غزة، مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وفتح الممرات ورفع الحصار عن القطاع- وهو ما التزمت به السلطة في القطاع، لكي تخفف من معاناة سكانه، وتحسن من أوضاع السجن كما قيل وقتذاك. فأوقفت إطلاق الصواريخ من جانب حماس، ولاحقت الذين أطلقوا بعض الصواريخ في ظروف معينة، لكنها وجدت نفسها مغلولة اليد في الحالات التي أطلقت فيها صواريخ فلسطينية ردا على غارات أو اعتداءات إسرائيلية.


في مقابل ذلك خرقت إسرائيل الاتفاق ١٩٥ مرة، حسب إعلان حركة الجهاد الإسلامي. وذكرت «قدس برس» أنه منذ بدء التهدئة في 19-6 وحتى أول ديسمبر الحالي، قتلت إسرائيل ٤٣ فلسطينيا. وطبقا لبيانات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن معبر رفح خلال ١٢٨ يوما (من 26-6 إلى 30-10 ) ظل مغلقاً طيلة ١٢٢ يوما وفتح جزئيا عدة أيام. وهو ما ترتب عليه حرمان ٤،٦٠٠ مواطن من سكان القطاع من السفر خارج القطاع، للعلاج أو مواصلة الدراسة. كما ظل معبر بيت حانون مغلقا بالكامل طوال تلك الفترة.


معبر المنطار (كارنى) أغلق في وجه الصادرات والواردات من والى قطاع غزة طول ١٠٦ أيام بصورة كلية (بنسبة ٨٣٪) وفتح لإدخال كميات محدودة لمدة ٢٢ يوما (أي نحو ١٧٪) خلال الفترة التي تناولها التقرير- معبر ناحل عوز (المخصص لإمداد قطاع غزة بالوقود) أغلق بشكل كلي لمدة ٤١ يوما. وفتح ٨٧ يوما أدخل خلالها ٣٩.٦٪ من حاجة القطاع من الوقود. أما معبر صوفا المخصص لدخول المساعدات الإنسانية فقد أغلق بشكل كلى لمدة ٤٥ يوما، وفتح لمدة ٨٣ يوما. معبر كرم أبو سالم أغلق لمدة ٨٨ يوما وفتح لمدة ٤٠ يوما.

لنا ملاحظتان على هذه الأرقام، الأولى أن معبر رفح الذي يصل القطاع مباشرة مع العالم الخارجي، دون أي تدخل إسرائيلي مباشر، ظل الأكثر إغلاقا، حيث فتح لمدة ستة أيام فقط من بين ١٢٨ يوما (في الفترة من 26-6 إلى 31-10). الملاحظة الثانية، أن المعابر الخمسة الأخرى الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية ظلت تمرر الحد الأدنى من البضائع والاحتياجات الفلسطينية لكي يظل سكان القطاع عند حدود الكفاف دائما. وهى حين تتحكم فيما يسمح بدخوله من تلك المعابر فإنها تتحكم في الوقت ذاته في نمط حياه المليون إنسان الذين يعيشون فيه. فتحدد لهم السلع التي يستهلكونها وحجم الدقيق والوقود الذي يستخدمونه، وعدد الأيام التي يعم فيها الظلام بالقطاع، وتلك التي يتم خلالها تشغيل مولدات الكهرباء بحيث تضاء البيوت وتعمل المخابز وغرف العناية المركزة وحضانات الأطفال الخ.

 

الخلاصة أن فصائل المقاومة الفلسطينية أدركت أن التهدئة إذا كانت قد سمحت لسكان القطاع بالتقاط أنفاسهم لبعض الوقت، إلا أنها لم تغير كثيرا في إصرار إسرائيل على إذلالهم وحصارهم، في حين أنعشت مجتمعات المستوطنين في جنوب الدولة العبرية. وهو ما يعني أن الطرف الفلسطيني ظل خاسرا، أما الطرف الإسرائيلي فقد كان الرابح الأكبر منها. ولذلك كان منطقيا أن تقرر تلك الفصائل وقف التهدئة بعدما أدركت أنه لم يعد لدى الفلسطينيين ما يخسرونه.

(٣)
الموضوع أثار جدلا في إسرائيل، عبرت عنه الصحف التي عكست آراء الأجهزة المختلفة. واتفقت تلك الصحف على أن إسرائيل على شفا القيام بعملية عسكرية كبيرة في غزة. وأن الخطط اللازمة لذلك جاهزة، لكنها تنتظر القرار السياسي. فقد ذكرت صحيفة «معاريف» في (19-12) أن التهدئة لم تنجح في تخفيف التوتر أو إقامة التعايش مع حركة حماس، كما أنها لم تؤد إلى تحرير الجندي الأسير جلعاد شاليط. رغم أنها منحت مستوطنة سيدروت ومحيطها هدوءا نسبيا لعدة أشهر. وذكرت أنه من الصعب الدخول إلى قطاع غزة في ذروة حملة الانتخابات الإسرائيلية. وفى كل الأحوال فمن المحتمل جدا أن تقع عملية كبيرة في النهاية، ولكن القرار بشأنها لن يتخذ إلا عندما يكون هناك إحساس حقيقي بأنه لا يوجد بديل آخر، وأن السيف موضوع على الرقبة. وفى حديث أجرته «هاآرتس» مع وزير الحرب إيهود باراك قال إن إسرائيل لن تتردد في القيام بعمل عسكري إذا اقتضى الأمر ذلك، لكنها لن تهرول نحوه، وستختار المكان والزمان المناسبين. في نفس اليوم (19/12) نقلت «يديعوت احرونوت» عن أوساط أمنية إسرائيلية قولها إن مداولات أذرع المؤسسة الأمنية أفضت إلى أن الجيش الإسرائيلي لن يقوم بعملية عسكرية كبيرة في القطاع، إلا في حال وقع عدد كبير من القتلى الإسرائيليين نتيجة قصف الصواريخ الفلسطينية. وكتب المعلق العسكري للصحيفة اليكس فيشمان قائلا إن ”الوقت أصبح متأخرا لتقوم إسرائيل بهجوم على القطاع. فالخيول هربت من «إسطبلاتها» برعاية التهدئة“- كناية على استعدادات المقاومة لصد أي عدوان.

وإذا جاز لنا أن نلخص، فسنجد أن مؤيدي اقتحام القطاع يستندون إلى الاعتبارات التالية: أن مواصلة إطلاق الصواريخ يشكل ضغطا جماهيريا على الحكومة والجيش- أن إسرائيل غير مستعدة لتمديد التهدئة حسب الشروط التي تتحدث عنها حماس- أن توجيه ضربة قوية إلى سلطة القطاع من شأنه أن يؤدي إلى إسقاط حكومة حماس، وهو ما يقوي مركز أبو مازن في رام الله بما يسمح له بتجديد ولايته التي تنتهي في ٩ يناير المقبل- أن حسم الوضع قبل أن تتولى إدارة باراك أوباما الحكم سوف يجنب الإدارة الحرج ويضعها أمام أمر واقع جديد- صحيح أن حزب كاديما والعمل يخشيان شن عملية عسكرية في القطاع خشية التورط في عملية مكلفة تؤثر على فرصهما في الفوز، إلا أن تواصل إطلاق الصواريخ وعدم تحرك إسرائيل للرد عليها سيكون سببا للمس بشعبيتها ويعزز موقف الليكود.


أما الذين يتحفظون على العمل العسكري ضد القطاع، فإنهم يستندون إلى الاعتبارات التالية: أن حماس عززت قوتها في القطاع بما يخشى منه أن تؤدي المواجهة معها إلى سقوط عدد كبير من الجنود الإسرائيليين خشية أن تؤدي العملية الكبيرة إلى إعادة احتلال القطاع ، بما يؤدي إلى تحميل إسرائيل بالمسؤولية عن إدارته وتوفير احتياجات سكانه، وهذا عبء اقتصادي كبير تريد إسرائيل أن تتحلل منه خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية- خشية إسرائيل من سقوط أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين على نحو يشوه صورتها في الخارج ويدفع إلى اتهامها بارتكاب جرائم حرب- إثارة الرأي العام العالمي جراء الفظائع التي يمكن أن تحدث، بما قد يرتب ضغوطا دولية لوقف الحملة قبل تحقيق أهدافها - تعريض حياة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط للخطر في هذه الحالة، مما قد يسبب حرجا كبيرا للحكومة.

(٤)
أغرب ما رددته الصحف الإسرائيلية في هذا الصدد أن الدولة العبرية شرعت في حملة دبلوماسية للحصول على تغطية عربية لمخططاتها، سواء فيما يخص الحملة العسكرية أو في حالة ما لجأت إلى اتخاذ إجراءات تصفية لقيادات حماس. وهذا ما أشارت إليه بوضوح صحيفتا «يديعوت احرونوت» و«معاريف» يوم الاثنين ١٥/ ١٢. فقد ذكر اليكس فيشمان المعلق العسكري لـ«يديعوت» أن إسرائيل تولي أهمية كبرى لإقناع العالم العربي ”المعتدل“ -خصوصا مصر- بتفهم مخططات إسرائيل العسكرية إزاء حركة حماس. وأشار إلى أن ذلك كان الهدف من الزيارة التي قام بها عاموس جلعاد مدير الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الإسرائيلية للقاهرة قبل عشرة أيام. ونقل فيشمان وكذلك بن كاسبيت المعلق السياسي لصحيفة «هاآرتس» عن مصادر في وزارة الحرب الإسرائيلية قولها إن المبعوث الإسرائيلي وجد في القاهرة غضبا شديدا على حماس أكثر من أي وقت مضى، حتى أنه سمع ممن التقاهم أثناء زيارته أوصافا لها ”غير مسبوقة“ (كما ذكر كاسبيت). وادعى الكاتبان أن عاموس جلعاد وجد في القاهرة تفهما لما قد تتخذه إسرائيل من إجراءات للتعامل مع الموقف في القطاع.

لا نستبعد أن يكون الهدف من هذا الكلام هو الدس بين القاهرة وحماس، استثمارا لأجواء التوتر الحاصل بينهما، لكنه لا ينفي حقيقة أن إسرائيل في تصرفها بعد انتهاء التهدئة تستخدم قنواتها الدبلوماسية الممدودة مع أكثر من عاصمة عربية ”معتدلة“ لتوفير غطاء لخطواتها المقبلة التي قد تبدأ بتصفية الوضع في غزة، وتنتهي بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، وما قد يستتبع ذلك من أصداء وتداعيات لا يعلم مآلاتها إلا الله.

................

ليس سهواً

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 25 ذوالحجة 1429 -23 ديسمبر 2008

ليس سهواً – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_23.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/757727.html

بيان الخارجية المصرية عن الوضع القانوني لغزة قرأ القانون الدولي على طريقة «ولا تقربوا الصلاة»، لذلك فإنه ذكر بعض مواد القانون لغرض مفهوم، وغض الطرف عن البعض الآخر لغرض آخر، فتحدث البيان عن أنه طبقاً للقانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، فإن قطاع غزة لايزال جزءاً من الأراضي الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي يلزم اسرائيل ـ باعتبارها سلطة احتلال ـ توفير عناصر الحياة الاساسية، من كهرباء ومياه ووقود وطعام ودواء للسكان المقيمين في الأراضي التي تحتلها، وذكر البيان، الذي نشرته الصحف المصرية يوم السبت 20 - 12، أن انسحاب اسرائيل من طرف واحد من القطاع، والادعاء بأنه أصبح أرضاً محررة لا أساس له من الناحية القانونية، لأنه لم يترتب عليه من الناحية العملية تحرير القطاع من الاحتلال (الذي لايزال يحيط به من كل صوب).

 

هذا الكلام صحيح بنسبة مئة في المئة، لكن يشوبه عيب واحد، أنه ذكر نصف الحقيقة وأغفل النصف الآخر، ذلك أن اتفاقية جنيف الرابعة الموقعة في عام 1949، والتي جرى الاستشهاد بها تضمنت نصوصاً أخرى مهمة للغاية تجاهلها بيان الخارجية المصرية، فالمادة 33 نصت على أن «الدول كافة عليها أن تكفل حرية مرور جميع الأدوية والمهمات الطبية والأغذية الضرورية والملابس إلى سكان أي طرف آخر، ولو كان عدواً في أسرع وقت ممكن، والمادة 35 تنص على حق الأفراد في مغادرة البلد في بداية النزاع أو خلاله، وأن أخذ الرهائن محظور».

 

والاتفاقية الدولية المبرمة في عام 1948 بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية عرّفت في مادتها الثانية هذه الجريمة بأنها تتمثل في «إخضاع جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية عمدا لظروف معيشية، يراد بها تدميرها كليا أو جزئيا»، وهو ما عبّر عنه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي عرّف الإبادة المجرَّمة بأنها «تشمل فرض أحوال معيشية من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء». وقد أشار النظام الأساسي إلى اختصاص المحكمة بمختلف قضايا الاضطهاد الذي عرف بأنه «حرمان جماعة من السكان، أو مجموعة حرمانا متعمَّدا وشديدا من الحقوق الأساسية». هذا الشق المسكوت عنه في بيان الخارجية، ينطبق على مسألة الحصار ويدين إغلاق معبر رفح، بل ويسمح بمقاضاة مصر أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الاشتراك في حصار المدنيين وتعويق وصول المواد الإغاثية لأهالي القطاع.

 

هذا الموقف تبناه تقرير قُدِّم الى مجلس إدارة نادي القضاة وأعده المستشار أحمد مكي، وركز فيه على الموقف القانوني من حصار غزة، وبعد أن استعرض نصوص اتفاقية جنيف الخاصة بحماية المدنيين ومسؤولية الدول المجاورة من تمرير احتياجاتهم من الدواء والغذاء والكساء، خلص إلى أن «إغلاق مصر لحدودها مع غزة في شأن مواد الإغاثة أو عبور الأفراد المضطرين للسفر، يُعد اشتراكا في الحصار وهو جريمة لا تسمح بها قواعد القانون الدولي، ولا يجوز المساهمة في ارتكابها.

 

إن التقرير المقدَّم الى مجلس إدارة نادي القضاة يرد كل الحجج التي ترددها الخارجية المصرية في تبرير استمرار إغلاق معبر رفح، بما في ذلك استنادها الى اتفاقية المعابر الموقعة في عام 2005 بين الفلسطينيين والاسرائيليين والاتحاد الأوروبي (لم تكن مصر طرفاً فيها)، لأن إغلاق المعبر من الجانب المصري هو اشتراك في الحصار ومن ثم إسهام في جريمة الإبادة.

 

ليس ذلك رأي نادي القضاة وحدهم، ولكنه أيضا رأي خبراء القانون الدولي وفي مقدمتهم د.صلاح عامر الاستاذ بجامعة القاهرة، الذي كتب مذكرة بهذا الخصوص، وحين يصبح الأمر كذلك فهو يعني أن إغلاق المعبر هو قرار سياسي وليس قانونيا ويعني أيضا أن إغفال مذكرة الخارجية المصرية لمواد اتفاقية جنيف الخاصة بحرية عبور المدنيين وتجريم حصارهم لم يكن سهوا.

.................... 

حلال لكلينتون حرام على غزة!!

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 24 ذوالحجة 1429 – 22 ديسمبر 2008
حلال لكلينتون حرام على غزة!!– فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_22.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/757205.html


يوم الجمعة الماضي (19 -12) زفت إلينا صحفنا الخبرين التاليين:

على الصفحة الاولى في «الاهرام» اخبرنا بان اجهزة الامن «ألقت القبض على افراد خلية تنتمي لجماعة الاخوان المحظورة، تجري اتصالات مع عناصر من حركة حماس الفلسطينية. وتنقل اليها اموال التبرعات التي يتم جمعها لمصلحة الشعب الفلسطيني». اضاف الخبر ان الذي شكل هذه الخلية هو الدكتور جمال عبدالسلام مدير لجنة الاغاثة والطوارئ باتحاد الاطباء العرب، اما اعضاء الخلية فهما اثنان احدهما طالب جامعي عمره عشرون عاما، والثاني تخرج لتوه في الجامعة وعمره 24 عاما. وقد أمرت النيابة بحبس الثلاثة لمدة 15 يوما على ذمة التحقيقات.

الخبر الثاني نشرته صحيفة «الشرق الاوسط». وخلاصته ان مؤسسة كلينتون، الرئيس الاميركي السابق، اعلنت عن تفاصيل التبرعات التي تلقتها من دول وشخصيات اجنبية لتمويل انشطتها الخيرية. وان هذه الخطوة تمت استجابة لطلب الرئيس المنتخب اوباما، الذي اشترط على السيدة هيلاري كلينتون ان يعلن زوجها عن تفاصيل التبرعات التي تلقتها مؤسسته من جهات اجنبية، قبل توليها منصب وزيرة الخارجية حتى لا يحدث التباس أو تضارب مصالح بين مهامها وأنشطة المؤسسة.

في القائمة المعلنة تبين ان من بين المتبرعين اطرافا عربية في السعودية والكويت وقطر وسلطنة عمان. فقد تبرعت السعودية بمبالغ تراوحت بين عشرة و25 مليون دولار لمكتب كلينتون وأعمال مؤسسته الخيرية الخاصة لمكافحة مرض الايدز ومحاربة الفقر، وهناك رجل أعمال سعودي اسمه ناصر الراشد تبرع بمبلغ ما بين مليون إلى خمسة ملايين دولار، كما أن مؤسسة دبي تبرعت بمبلغ ما بين مليون إلى خمسة ملايين دولار.الخبران يرسمان صورة صادمة وفاضحة لواقع دول «الاعتدال» العربي. فالتبرع لحماس أو لإغاثة الشعب الفلسطيني في غزة جريمة، في حين ان التبرع بالملايين إلى مؤسسة كلينتون مباح ومستحب ومحاط بالرعاية والترحيب، ولست أشك في أن اتحاد الاطباء العرب ولجنة الإغاثة فيه التي يديرها الدكتور جمال عبدالسلام لو قدما تبرعا لمؤسسة كلينتون.باعتبار أن لها أنشطتها الخيرية والإغاثية لتم تكريم مديرها المحبوس الآن في سجن طرة

 

. ولكن الرجل أخطأ في رصد اتجاهات الريح، ونشط في جمع التبرعات وإغاثة المأزومين والملهوفين في فلسطين ولبنان والصومال والسودان واليمن والبوسنة، وكان له دوره المشهود في إغاثة ضحايا الزلزال في مصر عام 1992، وضحايا انهيار جبل المقطم في ضواحي القاهرة هذا العام. حيث سارع إلى اقامة معسكر ميداني لاسعاف الناجين والمساهمة في اغاثة المنكوبين.

وبسبب تلك السلسلة من «الأخطاء» فقد استحق الرجل أن يودع السجن وتلفق له قضية ساذجة، اتهم فيها بأنه شكل «خلية» مع اثنين من الشبان في عمر ابنائه، الفضيحة ليست في ذلك فقط، ولكن في الطريقة التي اذيع بها الخبر من وزارة الداخلية،

من ناحية لان لجنة الاغاثة باتحاد الاطباء العرب لا تقدم اموالا لاحد، ولكنها تقدم علاجات وادوية واجهزة طبية بالدرجة الاولى، وفي حالات الكوارث فإنها تقدم اغطية واغذية للمنكوبين.وتلك وظيفتها الاساسية التي تقوم بها منذ سنوات، واستحقت الشكر والتقدير سواء من جانب جامعة الدول العربية او من قادة الدول التي عملت فيها، وكان ذلك الجهد هو صلب «الجريمة» التي حمل الدكتور جمال عبدالسلام المسؤولية عنها.

من ناحية اخرى فليس مفهوما ان يعد جمع التبرعات لهذه الاغراض جريمة يجري التحقيق فيها ويحبس الرجل وغيره بسببها. واذا كان ما تفعله لجنة الاغاثة مقصورا على ارسال الادوية والاجهزة الطبية بالدرجة الاولى، فكيف يمكن ان يقال انها موجهة إلى حماس بالذات، في حين انه لا مجال لاستخدامها الا في المستشفيات العامة.

وحتى اذا افترضنا جدلاً انها لحماس، فكيف تصبح هذه تهمة وجريمة، في الوقت الذي تعلن في مصر رسمياً انها تقف على مسافة واحدة من مختلف الفصائل الفلسطينية؟! ان مصر بهذا التصرف الأخرق لا تعاقب لجنة الاغاثة ولا حماس، ولكنها تعاقب الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة
................

 

عبدالناصر وأتاتورك

صحيفة الدستور المصريه الأحد 23 ذوالحجة 1429 – 21 ديسمبر 2008

عبدالناصر وأتاتورك – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_3565.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/756932.html

 

يتحدثون في اسطنبول عن كتاب جديد باسم «شاه بابا».. من تأليف أحد المؤرخين المتخصصين في التاريخ العثماني، اسمه مراد بارداتجي، واهمية الكتاب تكمن في انه يسلط اضواء جديدة على علاقة التفاهم وليس التخاصم بين مصطفى كمال اتاتورك والسلطان العثماني وحيد الدين خان، فيذكر مثلا ان لقاء سريا تم في عام 1919 بين السلطان ومصطفى كمال باشا داخل مسجد «يلذر» باسطنبول، وفيه تم الاتفاق على ان يتولى الثاني قيادة مقاومة قوات التحالف الاوروبي التي اجتاحت السلطنة، حتى اصبح نظامها مهددا بالانهيار، وفي اعقاب ذلك الاتفاق، الذي اقسم مصطفى باشا على المصحف خلاله بأن ينهض بالمهمة التي كلفه بها السلطان وحيد الدين، وحدد عناصرها في 21 نقطة، توجه الرجل الى الاناضول، وصد زحف القوات اليونانية.. ونجح في النهاية في ان يحفظ لتركيا تماسكها في مواجهة الغزاة الذين ارادوا اخضاعها وتفكيكها.

 

ما يهمنا في هذه الجزئية هو انها تشكل اسهاما اكاديميا في انصاف مصطفى كمال وتقديمه في صورة خالية من التحامل الشديد الذي انطلق منه البعض، او التقديس المفرط الذي لجأ اليه آخرون. ذلك ان الاولين ركزوا على سجل شروره واخطائه الجسيمة، في حين ان الآخرين رفعوه الى مصاف القديسين، ولأنه ألغى الخلافة وقاد عملية تغريب تركيا، الامر الذي استصحب اتخاذ سلسلة من الاجراءات، استهدفت إحداث قطيعة بين الاتراك ومحيطهم الاسلامي وثقافتهم واعرافهم التقليدية، فإن اصحاب الاتجاه الاسلامي لم يغفروا له ما فعله. فشنوا عليه حملة واسعة النطاق، رسمت له صورة شيطانية منفرة، تأثر بها المسلمون في كل المكان من خلال سيل الكتابات التي تعرضت للتحول الذي طرأ على تركيا، وافاضت في رصد القرارات التي صدرت والاجراءات التي اتخذت لمحاربة مظاهر التدين وتغيير الهوية التركية، عبر اقتلاعها وإلحاقها بالهوية الغربية، ولا اخفي انني كنت واحدا من هؤلاء الذين لم يروا الا وجها واحدا للرجل، ولم يتح لهم ان يروا الاوجه الاخرى، فشاركت بالتالي في التهوين من شأنه والتنديد به.

 

حين وصل حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الاسلامية الى السلطة في تركيا، فإن قادته تحدثوا عن مصطفى باشا مؤسس الجمهورية بلغة مختلفة، عبرت عن التصالح مع الرجل واحترامه، وهو ما اسهم في ايجاد مناخ جديد فتح الباب للتعامل مع ملفه ومواقفه من منظور مغاير اكثر توازنا.

فقد اعطيت اخطاؤه حجمها، والى جانب ذلك فإن انجازاته كبطل وطني انقذ البلد من الانهيار اخذت مكانها في ادراك شريحة واسعة من المثقفين والناشطين الاسلاميين.

ان شئت فقل انه لم يعد ذلك الشيطان الذي قلب البلاد رأساً على عقب، ولكنه استعاد انسانيته، كقائد وزعيم وطني له اخطاؤه الجسيمة وانجازاته العظيمة.

 

ارجح ان يكون ذلك التطور الايجابي راجعاً الى المناخ الديموقراطي، الذي تراجع في ظله بصورة نسبية التوتر بين الاسلاميين والعلمانيين. وهو المناخ ذاته الذي اوصل نفرا من ذوي الخلفية الاسلامية الى السلطة، الامر الذي فرض عليهم ان يتجاوزا حسابات ومرارات الفئة او الجماعة، وان يقدموا عليها مشروع الوطن الذي يحتوي الجميع ويظللهم.

 

هذا الذي حدث في تركيا ذكرني بموقف الاسلاميين في مصر والعالم العربي من عهد الرئيس جمال عبدالناصر، ذلك ان نسبة غير قليلة منهم لا ترى في تلك المرحلة سوى اشتباكه مع الإخوان المسلمين وتعذيبهم وتلفيق القضايا بحقهم، ولايزالون يحاكمون تجربته كلها من ذلك المنظور السلبي. وكانت النتيجة انهم ظلموه ميتا مثلما ظلمهم هو أحياء. اذ لم يروا في تجربته انجازات اخرى مهمة، من قبيل دفاعه عن الاستقلال الوطني ورفضه للهيمنة الاميركية وانحيازه الى الفقراء واطلاقه للنهضة الصناعية في البلد... الخ.

 

صحيح اننا لا نعيش الاجواء الديموقراطية التي تشهدها تركيا، ومن ثم لا يتوافر لنا المناخ الصحي لانصاف عبدالناصر كما أُنصف اتاتورك، الا ان لنا عقولنا التي ينبغي ان نستنير بها في تصويب نظرتنا الى المرحلة الناصرية، خصوصا ان الذين جاءوا بعد عبدالناصر اثاروا تعاطف الناس معه من حيث لا يحتسبون او يرغبون. ذلك ان ما فعلوه عمق من جرح الوطن، الامر الذي اصبح يفرض على كل مواطن شريف ان يسمو فوق جراحه الخاصة لكي يحتشد مع غيره لانقاذ الوطن مما يحيق به.

....................

وزير زهد في التلميع

صحيفة الدستور المصريه السبت 22 ذوالحجة 1429 – 20 ديسمبر 2008

وزير زهد في التلميع – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_21.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/756514.html

 

أخيرا وجدنا وزيراً يرفض أن يصطحب معه الصحفيين لتلميع صورته واستعراض (انجازاته) في الرحلات التى يقوم بها الى خارج البلاد وحين اتصلت به هاتفيا بعد ما تلقيت رساله منه تعليقا على ماكتبت فى الموضوع قال لى انه يحاول ان يصحح في حدوده بعض الأوضاع المقلوبه فى علاقه الاجهزة التنفيذيه بوسائل الاعلام ومنها ان الوزارات لا ينبغى لها ان تسوق نفسها فى الصحف ووسائل الاعلام الاخري مثل التلفزيون والاذاعه وانما على الصحف وغيرها ان توفر لمندوبيها الامكانيات التى تسمح لهم بمتابعه انشطه الاجهزة التنفيذيه التى تهم الناس بحيث تاتى المبادره منها لان اعلام المجتمع جزء من وظيفتها الاساسيه وجدته أيضا يستنكر بشده فكرة الحاق الصحفيين بالعمل فى الوزارات تحت مسميات مختلفه لتوفير غطاء قانوني لاغوائهم ومكافأتهم ويستغرب ان تلجأ بعض الجهات الى بيع المؤتمرات التى تعقدها للصحف لكى تنشر أخبارها يوميا خلال فتره الانعقاد نظير مبلغ مالي يتفق عليه يصل أحيانا الى عدة الوف.

 

كنت قد عدت الى هذا الملف فيما نشر لى فى هذا المكان يوم 15-12 الحالى تحت عنوان: (تأميم الصحفيين بعد الصحافه) وحذرت فيما كتبت من تفشي الظاهره ليس فقط فى الصحف القوميه بل فى بعض الصحف الحزبيه والمعارضه ايضا وفى حين تصورت ان يهتم بالموضوع المجلس الأعلى للصحافه ونقابة الصحفيين (لم أعول كثيراً على قيادات الصحف القوميه لأن أكثرهم أصبحوا جزءاً من المشكله ) فقد فوجئت بأن الذى تجاوب مع فكرتى الدكتور أحمد درويش – وزير التنميه الاداريه – في رساله بعث بها عبر البريد الالكتروني قال فيها:

 

أتفق معك فيما ذكرته بخصوص اصطحاب الوزراء للصحفيين واعتبر ان التضارب فى المصالح واضح فى هذه الحاله ذلك ان منوب الصحيفه سوف يستشعر لا ريب ان من تحمل نفقات سفره له فضل عليه بالاخص اذا كان السفر على درجه رجال الاعمال والاقامه فى فندق فاخر وهو مايؤثر فى حياد الصحفى فيما يكتبه عن الرحله .

 

ومن ناحيتى أحمد الله أننى منذ ان شرفت بالاشتراك فى الوزاره (53 شهرا) لم أصطحب صحفيا معي فى جميع رحلاتى الى الخارج (13 رحله) لذلك فان التغطيه الاعلاميه لما تم انجازة من اتفاقيات او فوز فى مسابقات دوليه لم يحظ بالنشر المناسب وهو ماحدث مثلا حين فزنا بالمركز الاول على افريقيا فى مشورعات الحكومة الالكترونيه وادخال التكنولوجيا لخدمة المواطنين . الأمر الذى جعل مصر تحتل المرتبه 28 من 122 دولة على مستوى العالم.

 

رغم ذلك فاننى لم اغير موقفى – اضاف الوزير- حتى رفضت ان اصطحب اى صحفى مع البعثه الرسميه للحج هذا العام وقد انتقدت لذلك وقيل لى ان ذلك يحدث لاول مره منذ عشرات السنين . وقد حاولت اقناع الصحفيين بأن هذه رحله لها خصوصيه واننى شخصيا لن اسافر على نفقه الدوله ولكن على نفقتى الخاصه وقد قلت لمن سالنى من الصحفيين ان من يرغب فى السفر بهذا الشرط فسوف ادبر له التاشيره ولكن لن ادفع النفقات وكانت النتيجه ان احدا لم يتقدم ولم يسافر ومن الواضح ان هذا النهج لم يستقر بعد لان البعثات القرعيه الاربع (التابعه لوزارات الداخليه والتضامن والسياحه والصحه) اصطحبت كل منها صحفييها المتخصصيين.

 

استطرد الدكتور أحمد درويش قائلاً: انه ليس بصدد انتقاد من يصطحبون الصحفيين او الذين يقبلون السفر على حساب الدوله او رجال الأعمال ولكن النقد الاساسي موجه الى الصحف التى تحاول تقديم خدمه للقارىء دون ان تتحمل تكاليفها وتترك الأمر الى مراسليها ان يقوموا بمهمتهم ويدبروا أمرهم كل حسب (شطارته) مما يؤدي الى وقوع المحرر فى المحظور.

 

فى ختام رسالته وجه وزير التنميه الاداريه السؤالين التاليين:

لماذا لاتشترك الصحف فى انشاء صندوق لتمويل سفريات المندوبين بالتناوب فيما بينها ؟

وهل فى ميثاق الشرف الصحفى مايمنع سفر الصحفى على نفقه مصدر يُكلف بمتابعه انشطته ونشر أخباره؟

والسؤالان محالان الى نقابه الصحفيين التى يفترض ان يكون لديها الخبر اليقين.

.........................

جزاء من جنس العمل

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 21 ذوالحجة 1429 - 19 ديسمبر 2008
جزاء من جنس العمل - فهمي هويدي

أسخف ما قرأت في التقارير الصحافية التي تابعت حدث قذف الرئيس بوش بالحذاء، ان جهات التحقيق شُغلت بالبحث عن حالة منتظر الزيدي النفسية والعقلية، وبالتثبت من أنه تعاطى أم لا مواد مخدرة أو كحوليات قبل إقدامه على العملية، أو أنه تلقى أموالاً من أي جهة لذلك الغرض. وجه السخافة في هذا الكلام أن الذين أثاروا تلك الشكوك استبعدوا من البداية فكرة أن الشاب أقدم على فعلته لأنه عراقي شريف وغيور، أراد أن يثأر لكرامة بلده وشعبه بالوسيلة التي أُتيحت له، وأنه وجد المؤتمر الصحافي الذي تتابعه وسائل الإعلام العالمية فرصة للتعبير عن كراهيته للرجل الذي أمر باحتلال بلاده، وللانتقام «لدم العراقيين» وهي العبارة التي رددها أثناء إلقاء الحذاء وسمعتها بأذني، حيث تم بث اللقطة على شاشات التلفزيون. وتصرفه على هذا النحو يدل على سلامة قواه العقلية، ويشهد له بأنه على درجة عالية من النضج والرشد، ولم يكن بحاجة الى مخدّر يتعاطاه أو مموّل يشجعه على القيام بالعملية. ولذلك قلت امس إنه كعراقي وجّه الرسالة المناسبة الى الرجل المناسب في المكان والزمان المناسبين.

ولا أخفي شعورا بالقرف والرثاء، إزاء الذين انتقدوا ما جرى، سواء فعل الشاب منتظر الزيدي، او رد الفعل الذي عبر عنه الناس في العالمين العربي والإسلامي على الأقل. فوصفوا سلوكه بأنه غير مهني وغير حضاري. واتهموا جماهيرنا التي احتفت بالعملية بالغوغائية والعجز. صحيح أن هؤلاء قلة شاذة واستثنائية، لكنهم أسمعوا الآخرين أصواتهم من خلال الصحف اللندنية بوجه أخص، التي كتب احدهم فيها معبراً عن غيرته على كرامة الرئيس الاميركي أكثر من غيرته على كرامة الشعب العراقي.

لقد فهمت استياء الذين جاءوا على ظهر دبابات الرئيس بوش في العراق، التي لولاها لما كان لهم ذكر أو دور، لكني أستغرب ما قاله غيرهم، ممن نسوا أن الرئيس الاميركي مسؤول عن قتل اكثر من مليون عراقي خلفوا 4 ملايين يتيم ومليوني أرملة، وهو أيضاً مسؤول عن هجرة أربعة ملايين مواطن إلى خارج بلادهم وثلاثة ملايين آخرين داخل البلد. كما انه مسؤول عما لحق بالبلد من دمار وخراب، وبكل ما لحق بالعراقيين من بطالة وذل وهوان.

نسوا ايضا ان الشاب منتظر الزيدي تصرّف كمواطن عراقي يملأ قلبه الغضب والحقد على الرئيس الاميركي وما يمثله. ومن حقه، بل من واجبه أن يغضب، شأنه في ذلك شأن أي مواطن عادي شريف وغيور، وهو لم يتصرّف كصحفي، ولا أظن أنه خطر له أن يرسي بما فعل تقاليد جديدة في مهنة الصحافة، وإدانته أو اتهامه من هذه الزاوية يُعد من قبيل الهزل في موقع الجد، ولا أعرف ما دخل المهنة أو الحضارة في الموضوع، ذلك أن الذي حدث كان تصرفا شخصيا لشاب رفض أن يبتلع الغضب أو يختزنه، ولم يجد سوى هذه الوسيلة التي عبّر بها عن غضبه. صحيح أنه لم يكن ليجرؤ على فعل ذلك في ظل نظام صدام حسين، الذي تعرّض للاغتيال هو وابنه أكثر من مرة، لكنه استطاع أن يفعلها مع الرئيس بوش، فما وجه العيب في ذلك؟ وهل المطلوب من العراقيين جميعاً ان يمتنعوا عن اي فعل مضاد للاحتلال لمجرد انهم كانوا مقهورين وعاجزين طوال سنوات حكم صدام حسين، وما وجه المؤاخذة في احتفاء الأمتين العربية والاسلامية بشجاعة الشاب الذي استطاع بفعلته أن يعبّر عن سخط الأمة كلها وكراهيتها للرجل وسياسته؟ ألم يعلنوا بموقفهم ذاك أن ما فعله منتظر الزيدي ليس تعبيراً عن غضب شخص، ولكنه تأكيد لموقف أمة ضاقت بما وجّهه الرئيس الاميركي اليها من إهانات طوال سنوات حكمه. وإذا كانت هناك صور عديدة لتوجيه هذه الرسالة، على نحو أفضل وأكثر فاعلية، فما الذي يمنع من القبول بالحد الأدنى إذا تعذر بلوغ الحد الأقصى؟

إن ما فعله الرئيس بوش بالعراق لا علاقة له بالأعراف الدولية ولا بالحضارة ولا بأي قيمة إنسانية نبيلة، لذلك لم يكن غريباً أن يُردّ عليه بحذاء يُقذف في وجهه، ليكون جزاؤه من جنس عمله.
................

عام الحذاء

صحيفة الدستور المصريه الخميس 20ذوالحجة 1429 - 18 ديسمبر 2008
عام الحذاء - فهمي هويدي

كان الخبر الأول ان شاباً عراقياً خلع حذاءه وقذفه صوب الرئيس بوش فأصابه في وجهه، هكذا قال متحدث من بغداد في اتصال هاتفي تلقاه صديق عراقي من أركان الناشطين في مقاومة الاحتلال، كان جالسا معنا في بهو أحد فنادق اسطنبول، لاحظنا ان صاحبنا انفرجت أساريره فجأة وفتح فمه من الدهشة، ثم نقل إلينا الخبر وهو يكاد يرقص طرباً، قبل ان ينهي كلامه كان قد تلقى اتصالا ثانياً من بغداد أيضاً زف إليه الخبر ذاته، ولكن بتفاصيل اخرى تحدثت عن فردتي الحذاء اللتين استهدفتا الرئيس الأميركي، ولم تصبه اي منهما. ألجمت المفاجأة ألسنتنا وصرنا نتبادل النظرات غير مصدقين ان ذلك حدث فعلا، ولم نتأكد من صحة الخبر إلا عندما تلقى صاحبنا 12 اتصالاً خلال ربع ساعة كانت كلها تبدأ وتنتهي بالتهنئة والتبريك. لم يعد هناك شك في ان ما فعله الشاب منتظر الزيدي أثلج صدور الاغلبية الساحقة على الأقل في العالمين العربي والاسلامي، اذ رغم ان رمي الرئيس الاميركي بالحذاء لم يغير شيئاً من الواقع الحاصل على الأرض الا انه بدا تنفيسا عما يكنه العرب والمسلمون من بغض للرجل، وبالنسبة للعراقيين خاصة فإنه بدا ثأراً لكرامتهم التي اهدرت وكبريائهم الذي داست عليه أحذية المحتلين طوال خمس سنوات، حتى بدا الرئيس بوش رمزا لقهرهم وإذلالهم.

من جانبي اعتبرها عملية استشهادية، لان ذلك الفتى الشجاع اقدم على فعلته وهو يعلم جيدا انه في أجواء العراق الراهنة، فإنه اذا لم يقتل فسوف يعذب وتسحق عظامه، ومن اراد ان يعرف حقا صدى العملية سيجد على المدونات ومواقع الانترنت ورسائل الهواتف الجوالة ما يثبت ان الاستفتاء العشوائي حولها اكد ان ثمة تأييدا كاسحاً لتصرف منتظر الزيدي، الامر الذي يرشحه بجدارة ليكون رجل عام 2008، ويدخله التاريخ، هو وذلك «الحذاء الذهبي» الذي اوصل الرسالة المدوية الى الرئيس بوش في نهاية عهده. فكان «السلاح» المناسب، الذي وجه الى الرجل المناسب الذي يستحقه، في المكان المناسب (في بغداد وبعد توقيع الاتفاقية الأمنية)، والوقت المناسب الذي اختتم به الرئيس بوش عهده. ورغم ان الحذاء لم يصب وجه الرئيس الاميركي، الا ان ذلك ايضا كان مناسباً، من وجهة نظر شاعر عراقي انفعل بالمشهد، فأرسل إلى صديقنا الذي أشرت اليه أبياتا من الشعر بعد ساعات من العملية ذكر فيها ان الحذاء هو الذي رفض ان يصافح وجه بوش وقال:

تنـــزَّه ان يصــافحك الحذاء
فمــال بـه عــن الدنـس الفداء
تفـجر غيظ «منتظر» فأمسى
تفــور بــه عـــزته الدمـــاء
حذاؤيك يا ابن دجلة حين يعلو
فمـن خـذلوا قضــيتك الفــداء

الى جانب التأييد فقد تحول المشهد الى مادة للسخرية في انحاء العالم، ووجدت ان ثلاثة مواقع على الانترنت صممت لعبا لاختبار القدرة على احكام تصويب الحذاء بحيث «يلطم» وجه الرئيس بوش. احد هذه المواقع صمم لعبة لاختبار كفاءة الشخص في التصويب واعطاها اسما سخر فيه من عنوان الخطة التي استخدمت في غزو العراق ولجأ في ذلك الى التلاعب بمفردات اللغة الانجليزية وبدلا من كلمة «شوك» بمعنى الصدمة فإن مبتكر اللعبة استخدم كلمة «سوك» بمعنى الجورب، ولأن الخطة حملت اسم «الصدمة والرعب» فإن اللعبة سميت «الجورب والرعب». وقد دهشت حين وجدت انه خلال الساعات الثماني والاربعين التالية للحدث فإن ثلاثة ملايين شخص دخلوا على الموقع ونجحوا في ايصال الحذاء إلى هدفه!

لقد درج العرب على ان يسموا الأعوام بأهم حدث وقع فيها، فعرفوا في تاريخهم عام الفيل (حين هاجم أبرهة الحبشي الكعبة بالأفيال)، وعام الفجّار (معركة وقعت في الجاهلية)، وعام الهجرة، وعام الرمادة (المجاعة)، وعام الجماعة، وفي العصر الحديث تحدث الادباء عن عام الكف (الذي صفع فيه شاب محمد المويلحي بك صاحب جريدة «مصباح الشرق» وألف الشاعر أحمد شوقي 7 مقاطع في الحدث)، وعرفنا عام المعاهدة (مع الانجليز)، وعام الثورة، وعام الجلاء، وعام النكسة، وسنة الحسم والعبور. لذلك اقترح الدكتور جابر قميحة استاذ الادب الحديث بجامعة عين شمس ان نطلق على سنة 2008 التي نحن بصددها «عام الحذاء»، وعلمت منه ان ثمة ديوان شعر سيصدر بهذا العنوان.
غدا لنا كلام آخر في الموضوع.
..................

صفعة جديده للعرب

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 19 ذوالحجة 1429 – 17 ديسمبر 2008

صفعة جديده للعرب – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_18.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/754317.html

 

لماذا يهدد الرئيس السودانى عمر البشير بالمحاكمه والملاحقه الجنائيه بسبب اتهامه بالمسئوليه عن ارتكاب جرائم ضد الانسانيه في دارفور فى حين ان اسرائيل تتلقى المكافآت والجوائز رغم سجلها الحافل بما هو أفدح من تلك الجرائم فى فلسطين؟

 

يوم الاثنين الماضى 8  -12 ألقى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزى خطابا بمناسبه الذكرى الستين للاعلان العالمي لحقوق الانسان قال فيه ان الرئيس عمر البشير مطالب بأن يتحرك بسرعه لاقرار السلام فى دارفور واذا لم يفعل ذلك فانه سيقدم الى المحكمة الجنائيه الدوليه والفرصه أمامه محدوده لأن المهله التى ينبغى ان يتخذ قراره خلالها لاتقدر بالاسابيع ولكن بالايام.

 

قبل أن يطلق الرئيس الفرنسي التهديد العلنى كان خبير الأمم المتحده فى مجال حقوق الانسان فى الاراضى الفلسطينيه (ريتشارد فولك) قد دعا الى  تحرك عاجل لتطبيق المعيار المتفق عليه عن مسئوليه حماية السكان المدنيين الذين يتعرضون لعقاب جماعي من خلال سياسات توازى جريمه ضد الانسانيه.

 

وراى فولك وهو يهودي امريكي وأستاذ للقانون الدولى انه ينبغى بذل جهد عاجل فى الامم المتحده لضمان حمايه سكان غزة الذين يتعرضون لحصار اسرائيلي يتسم بالوحشيه والقسوه.

وأضاف فى هذا الصدد ان هذا الكم الكبير من الادانات من قبل مسئولى الامم المتحده الذين يتوخون الحذر عادة لم يحمل على المستوى العالمي منذ مرحلة الفصل العنصري.

 

في الوقت ذاته فان مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحده قد دعا اسرائيل فى 9 – 12 الى اتخاذ مائه اجراء تقريبا لوقف انتهاكات حقوق الانسان فى الاراضى المحتله فى مقدمتها رفع الحصار عن غزة واطلاق سراح الاسرى والمعتقلين .

وكان المجلس الذى يضم 47 دولة ويراجع سجلات الدول الاعضاء فى مجال حقوق الانسان كل أربع سنوات . قد اعتمد تقريرا يتهم السلطات الاسرائيليه بمماسه اعمال تعذيب جسديه ونفسيه ضد المحتجزين العرب.

 

فى ذات الاسبوع الذى تحدث فيه ريتشارد فولك عن جرائم اسرائيل فى الاراضى المحتله وطالبها مجلس حقوق الانسان بوقف انتهاكاتها فى الاراضى المحتله , قرر الاتحاد الاوروبي مكافأه اسرائيل وتعزيز علاقته معها عن طريق اقامه شراكه بين الطرفين تحقق التنسيق بينهما على مستوى عال . وسيبدأ ذلك باجتماع بين الطرفين خلال الاشهر القليله المقبله (بدايات 2009) ثم تنتظم لقاءات تعزيز التعاون بعد ذلك بمعدل ثلاثه لقاءات سنويه بين الاتحاد الاوروبي واسرائيل على مستوى وزراء الخارجيه الى جانب دعوة مسئول فى الدبلوماسيه الاسرائيليه الى اجتماع سفراء الاتحاد الاوروبي في شأن المسائل الأمنيه ليس ذلك فحسب وانما أعلن الاتحاد الاوروبي عن استعداده للبحث فى احتمال دعوة اسرائيل الى المشاركة فى مهمات مدنيه ينفذها ضمن اطار سياسته الدفاعيه والأمنيه.

كما أعرب عن استعداده لاجراء حوار غير رسمي مع اسرائيل مره واحده سنويا على الاقل يتركز حول المسائل الاستراتيجيه الكبري.

 

هذا القرار حين يصدر وغزة محاصره وممنوع عنها الغذاء والدواء والوقود ومن ثم شواهد الجريمه الاسرائيليه لايمكن أن ينكرها مخلوق فانه يعد ايضا صفعه للعرب.

 

وتعبيرا عن احتقارهم وخروجهم من موازنات الحساب والتقدير فى الساحه الدوليه واذا جاز لنا ان نتصارح فى هذه النقطه فلعلنا نقول انهم اعطوا الحكومات العربيه العلامه التى تستحقها.

 

فاذا كان بعضها يشارك فى حصار الفلسطينيين فى غزة وأغلبها لايرد على الجرائم التى ترتكبها اسرائيل الا بمجرد الاعراب عن (القلق) وجميعها ترسل الى اسرائيل لتقبل مبادرة الاعتراف البائسه.

 

فان منحها الصفر فى اختبار الحضور يعد نتيجة مفهومه. ذلك أنك حين تنبطح على الارض فينبغى ألا تغضب كثيرا اذا داس الأخرون عليك باحذيتهم.

 

ليس لدي دفاع عن سياسه البشير فى دارفور. ولكننى اقول ان الجرائم التى ترتكبها اسرائيل بحق الفلسطينيين أولى بالحساب والعقاب فى موازين الحق والعدل وحين تتصرف الدول الأوروبيه بهذه الصوره فينبغى ألا يسألونا بعد ذلك : لماذا يكرهوننا؟

....................

شيء مختلف في أثينا

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 18 ذوالحجة 1429 – 16 ديسمبر 2008

شيء مختلف في أثينا –فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/blog-post_17.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/753408.html

 

كل الذي حدث أن صبياً عمره خمسة عشر عاماً قُتل برصاص الشرطة، وهو حدث لا نستغربه عندنا، لأنه يتكرر بين الحين والآخر، وما حدث في أسوان قبل أسبوعين يشهد بذلك، فقد قتل أحد ضباط الشرطة بائع طيور في بيته، وقبله حدثت علي الأقل 4 حوادث قتل اتهم فيها ضباط في العمرانية، سمالوط والجيزة خلال الشهرين الماضيين.

بل إن ضابط شرطة قام بإحراق شاب في الواحات البحرية، وفي كل مرة يتم «احتواء» الحادث إما من خلال اللعب في التحقيقات وإثبات أن القتيل هو المخطئ، أو من خلال الوساطات والضغوط الأمنية التي تجبر أهل المجني عليه علي التنازل والتصالح، وحين تكون المسألة مستعصية علي الاحتواء بسبب تظاهر الأهالي واحتجاجهم ونشر الخبر في بعض الصحف مثلاً، فإن الضابط المسئول عن القتل يلقي القبض عليه ويُقدم إلي المحاكمة، التي كثيراً ما تبرئه، وفي حالات نادرة للغاية تصدر ضده حكماً مخففاً ليودع بعد ذلك أحد معسكرات الأمن المركزي، ليطلق سراحه بعد حين في هدوء، بعد انقضاء نصف المدة في الأغلب، بموازاة ذلك فإن الإعلام الأمني عندنا يقوم بدور مهم في تمرير المسألة علي الرأي العام، فمندوبو الداخلية في الصحف القومية جاهزون لأداء «الواجب» في هذا الصدد، وبعد الاحتواء ينتهي الأمر بجريمة القتل أن تتحول إلي فقرة في تقارير منظمات حقوق الإنسان، تعطي انطباعاً زائفاً بأن المجتمع المدني قام بما عليه.

في اليونان حدث شيء مختلف تماماً حين قتل الصبي الكساندروس جريجولوبولس مساء السبت 6 - 12انفجر غضب المجتمع كله، وخرجت فئاته المختلفة إلي الشارع مطالبة بأمرين، أولهما استقالة الحكومة التي ارتكبت الجريمة في ظلها وإجراء انتخابات جديدة، وثانيهما محاسبة رجال الشرطة بإحالتهم إلي القضاء ليصدر أحكامه ضدهم. صحيح أن الناس كانوا غاضبين أصلاً علي الحكومة وغير راضين عن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها في الآونة الأخيرة، إلا أن حادث قتل الصبي الكساندروس كان القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال.

حين تابعت تفاصيل قرارات الحكومة اليونانية التي أثارت سخط اليونانيين «المتعلقة بالأسعار أساساً» وجدت أنها لا تكاد تذكر إذا قورنت بما فعلته حكومتنا الرشيدة بالناس في بلادنا، وحول حياتهم إلي جحيم لا يطاق، مع ذلك فإن المدارس أغلقت في أثينا بسبب حادث القتل، وخرج الطلاب والأساتذة والموظفون والعمال في مظاهرات غاضبة نددت بالحكومة وطلبت منها أن تستقيل، وتعطلت المصالح الحكومية ووسائل المواصلات في العاصمة التي أصيبت بالشلل، حتي موظفي المطار أعلنوا الإضراب الذي شارك فيه الصحفيون بإعلان نقابتهم أن أعضاءها سيتوقفون عن العمل لمدة ساعتين، ولم يخل الأمر من بعض مظاهر الفوضي تمثلت في مهاجمة بعض الأبنية الحكومية والمتاجر العامة التي نُهبت محتوياتها وامتدت شرارة الغضب إلي ألمانيا وفرنسا اللتين خرجت فيهما المظاهرات معبرة عن التضامن مع الغاضبين في اليونان.

ما لفت الأنظار في مظاهرات العاصمة اليونانية أن الشرطة وقفت منها موقف الدفاع الحذر وتجنبت الاشتباك مع المتظاهرين خشية أن يصاب واحد منهم أو يُقتل فيزداد الموقف اشتعالاً.

حتي كتابة هذه السطور لم تهدأ المظاهرات في اليونان بسبب إصرار المتظاهرين علي مطالبة الحكومة بالاستقالة، لكن أكثر ما همني في المشهد هو تلك الحيوية التي يتمتع بها المجتمع هناك، الذي انفجرت ثورته لأن صبياً عمره 15 عاماً قتل برصاص الشرطة، قل ما شئت في الأسباب الأخري التي ملأت الناس بالسخط والغضب، لكن المؤكد أن أحدها كان أن مواطناً يونانياً قتل ظلماً خارج القانون، وهو ما أثار عندي السؤال التالي: لماذا أصاب الوهن مجتمعنا بما أفقده عافيته، وجعله عاجزاً عن إعلان غضبه ومدمناً لابتلاع مراراته واختزانها في بئر تبدو أنها بلا قاع؟! إن الاختلاف ليس في الشعب، ولكنه في النظام السياسي الذي يحترم كرامة المواطن في جانب ولا يتردد في سحق تلك الكرامة في الجانب الآخر.

...................

الهروب العربي الكبير (2من2)

المقال الاسبوعى (بعد ترك فهمي هويدى الأهرام لمضايقات عديده ) منشور فى الشرق القطريه و الخليج الاماراتيه و الدستور الأردنيه و الوطن الكويتيه و السفير اللبنانيه و مدونة مقالات فهمي هويدي و مدونة مقالات فهمي هويدي

ملحوظة : لقراءة الهروب العربي الكبير (1 من 2) ادخل على الرابط التالى

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/12.html

 

الثلاثاء 18 ذو الحجة 1429 – 16 ديسمبر 2008
الهروب العربي الكبير – فهمي هويدي
(
2 من 2 )

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/12/22.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2008/12/752606.html


رغم أن إسرائيل لم تقبل المبادرة العربية رسميا، إلا أن الأمر المؤكد أنها كانت مازالت أكثر الأطراف سعادة بها، لأنها تحولت إلى قسيمة زواج "عرفي" فتحت البيت وسوغت الدخول.

(1)
من باب التذكرة فقط، أنبه إلى أن المبادرة التي أطلقت في عام 2002 أصبحت مقدمة الآن باسم الدول العربية والعالم الإسلامي، أي أنها تلوح لإسرائيل بأنها ستفتح لها أبواب التطبيع على مصراعيها في 57 دولة. وتلك جائزة كبرى لا ريب. أنبه أيضاً إلى أن المبادرة أعلنت بعد تولي أرييل شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية في عام 2001. وهي تدعو إسرائيل إلى إعلان أن السلام العادل هو خيارها الاستراتيجي (وهو ما فعلته مصر منذ 30 سنة). وتطالبها بالانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، الت