يسألني بعض الأصدقاء والمحبين عن
سبب الاختفاء التدريجيلمقالي الأسبوعي الذي اعتادت ان تنشره جريدة «الأهرام» كل ثلاثاء منذ
22عاما.
وهو الموضوع الذي ما تمنيت ان
اخوض فيه، ليس فقط بسبب اعتزازيبالجريدة التي انتسبت اليها وتعلمت فيها خمسين عاما، وليس ذلك لان فيالأمر جانبا يتصل بشخصي وهو ما لا
احب ان اشغل القارئ به، ولكن ايضالاقتناعي بأن جرح الوطن في بلادنا اصبح اكبر من اي جريح، ولكن ازاء
تعددالاسئلة التي
باتت تلاحقني حيثما ذهبت، فإنني سأروي الحكاية باختصار، آملاان اطوي بذلك صفحتها وان نتعرض
بعد ذلك الى ما هو أهم واجدى.
كل ما فيالأمر اننا اختلفنا بدرجات
متفاوتة خلال العقدين الأخيرين بسبب آرائيومواقفي التي اعبر عنها فيما اكتب، كنت اعرف
ان للاهرام سقفا في الكتابة.
وهو ما
احترمته وحرصت طوال الوقت على ان اتمسك باستقلالي في حدود ذلكالسقف.
لكن المشكلة انني كنت ومازلت مقتنعا بأن الكتابة
الحق هي الكتابةالناقدة، التي تعلن حربا لا هوادة فيها ضد الظلم والقبح والفساد. ولانالأمر في بلادنا كما تعلم، فقد
وجدت نفسي مشتبكا باستمرار مع اوضاعناالداخلية باختلاف دوائرها، الامر الذي ظل
سببا ومصدرا دائماً للتوتر بينيوبين الجهات الرقابية في «الاهرام»، ولدى رئيس التحرير خطابات متعددة
سجلتفيها ضيقي
واحتجاجي على استمرار العبث في محتوى بعض المقالات وعناوينها،او منع نشرها لاسباب غير مفهومة
أو مبررة.
انني لم أتوقف مرة واحدة عنكتابة مقال الثلاثاء طوال السنوات
الاثنتين والعشرين الماضية، وخلال تلكالسنوات تدخلت يد الرقيب مرات عديدة بالحذف
الجزئي أو الكلي فيما كتبت،ولم يبلغني أحد أو يفسر لي لماذا ولمصلحة من كان الحذف. وظللت أؤثر
الصمتطوال الوقت،
مكتفيا بملاحظاتي التي كنت ارسلها بين الحين والآخر إلى رئيسالتحرير. من ثم فإننا تعايشنا على
مضض، فلا «الأهرام» كانت سعيدة بما كنتاكتب، ولا أنا كنت سعيدا بالعبث الذي ظلت
تتعرض له كتاباتي بين الحينوالآخر، ويبدو أن كتاباتي في «الدستور» رفعت من رصيد الضيق وعدم
الرضا،فلم تكتف
«الأهرام» بالتدخل فيما اكتب على صفحاتها ولكنها قررت ايضا انتعاقبني على ما اكتبه خارجها.
آية ذلك انني تلقيت في الخامس عشر
من سبتمبرالماضي رسالة مقتضبة من سطرين على ورقة بيضاء لا تحمل شعار الأهرام
علىغير العادة
وقعها مسؤول صفحات الرأي بالجريدة، أبلغتني بأنه تم إلغاء عقديمع «الاهرام». وانه منذ الثلاثاء
16/ 9 سيتم نشر مقالاتي كل اسبوعين بدلامن النشر الاسبوعي المستمر منذ 22 عاما.
ابتلعت المفاجأة وفسرت الموقفوالاسلوب الذي اتبع في ابلاغي به، بأنه تعبير عن نفاد رصيد التسامح
لدىالمؤسسة. مع
ذلك فإنني صبرت وقبلت بالوضع الجديد، لسبب وحيد هو حرصي علىالوفاء بحق قارئ «الاهرام» الذي
تعلق بمقال الثلاثاء طوال العقدينالماضيين. ولكنني فوجئت بمنع مقالين تاليين احدهما عن فشل المصالحةالفلسطينية والثاني عن السودان.
فكتبت رسالة الى رئيس مجلس ادارة المؤسسةأبلغته فيها بأن ما جرى ليس الا دعوة الى
الفراق والمفاصلة التي اريد ليان أُدفَع اليها.
ولذلك فإنني قررت ان اوقف التعامل بصفة نهائية
مع
«الاهرام»
التي امضيت في رحابها خمسين عاما. اما مقال الثلاثاء الاسبوعيفهو مستمر سواء في مصر، او في سبع
دول عربية تنشره بانتظام (كل دول الخليجاضافة الى الاردن ولبنان) وثلاث دول اخرى
تنشره بغير انتظام (المغربوالسودان واليمن).. ولدي عرض بترجمته الى اللغة الاسبانية مازلت
أدرسه.
فيختام رسالة سابقة قلت لرئيس مؤسسة الاهرام
انه في بلادنا ثمة ضريبة يتعينعلى الكاتب المستقل ان يدفعها اذا ما اراد ان يدافع عن شرف قلمه
وحريته فيالتعبير، وقد دفعت الكثير جراء ذلك، انا وغيري. لذلك فإنني استقبلت
القرارالذي اتخذ
بحقي بقلب مطمئن ونفس راضية، واثقا من انني لا أقف وحيدا لانمعي ربي سيهديني، وانه في النهاية
لن يصح الا الصحيح.
تملكني شعور بالغيظ والحزن حين
قرأت مقالاً لأحدالكتاب الاميركيين دعا فيه الى ترشيح فتاة عمرها الآن 13 عاماً لرئاسةالولايات المتحدة في عام 2044.
أول ما خطر ببالي حين قرأت المقال انه بعدالنجاح المفاجئ الذي حققه أوباما فإن كل من
هب ودب في الولايات المتحدةاصبح يتطلع الى منصب الرئيس. الفتاة اسمها تاليا ليمان، وهي تلميذة
بالصفالثامن
بولاية «ايوا»، وحكايتها التي رواها كاتب المقال نيكولاس كريستوفتتلخص في الآتي: عندما ضرب اعصار
كاترينا ولاية «أورليانز» في سنة 2005كانت تاليا تبلغ من العمر عشر سنوات، وقد اثر
فيها الحدث لدرجة انها حثتزملاءها الاطفال على ضرورة العمل على مد يد العون الى ضحايا الاعصار.
وتحمس الاطفال للفكرة حتى بدأوا
حركة لجمع التبرعات من سكان الولايةلهذا الغرض، لفت تحركهم انظار كثيرين وبدأ
الناس يتجاوبون مع حملةالاطفال، وظهرت تاليا في برنامج تلفزيوني (تو داي) مما اوصل فكرتها
الىقطاع اوسع من
الناس، ومكنها من جمع عشرة ملايين دولار لمصلحة ضحاياالاعصار. وقد شجعها النجاح الذي حققته على
تأسيس حركة باسم «راندوم كيد»
(أقرب ترجمة
لها هي عطاء الجيل)، جعلت مهمتها مساعدة الحركات الاجتماعيةالشابة في ترتيب الحملات وجمع
الأموال لمصلحة المشروعات التنموية.
من خلال حركة «راندوم كيد» اصبح
بمقدور الشباب ان يساهموا مع الآخرينفي الانشطة الخيرية المشتركة، فقد نظمت
الفتاة حملة على موقعها لبناءمدرسة بمنطقة عشوائية في كمبوديا، وساهم في تمويل هذه الحملة أطفال من
48ولاية اضافة
الى 19 دولة، في الوقت ذاته فإنها تعمل مع مجموعة من أطفالالمدارس في سبع ولايات اميركية
اخرى على تزويد القرى الأفريقية الريفيةبالمياه العذبة، وهي ضيفة دائمة على المدارس
الأخرى التي تطوف بها لمخاطبةتلاميذها والترويج لمشروعها. وبسبب الفكرة التي أطلقتها والنجاحات
التيحققتها فإن
منظمة «يونيسيف» للطفولة احتفلت بها قبل ايام وقدمت اليها ماأسمته «جائزة نوبل للاطفال».
ذكر الكاتب ان تحرك الاطفال نموذج
للطاقة الكامنة في المجتمع القادرةعلى إحداث التغيير، وهناك آخرون الى جوارهم يتحركون في الاتجاه ذاتهمستنهضين همم الشبان والفتيات لكي
يشاركوا في مختلف الانشطة الخيرية التيمن شأنها ان تنهض بالمجتمعات الفقيرة وتقف
الى جوار المعوزين في أي مكانفي العالم. وفي ظل هذه الإمكانات التي وفرتها ثورة الاتصال فإن هذا
الدورمرشح للتنامي
خلال القرن الواحد والعشرين، الأمر الذي سوف يفرز قيادات مننوع جديد، ستكون تاليا ليمان
واحدة منهم بامتياز، وقد اعطاها صوته من الآنفي الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في العام
2044.
لعلك أدركت الآن سبب الغيظ الذي
ينتاب واحدا مثلي وهو يقرأ هذا الكلامويجد نفسه مدفوعاً الى المقارنة. صحيح أن
بيننا من يدعي أنه صوت بدورهلانتخابات الرئاسة المصرية في العام 2044، إلا أن ما يعنيني شيء آخر
هوالذي سرب
اليّ الشعور بالحزن، ذلك أن تلك الحيوية التي دفعت الأطفال وليسالكبار وحدهم الى التحرك لمحاولة
إغاثة ضحايا الاعصار وتقديم العون الىالمجتمعات الفقيرة في العالم، هي ذاتها التي
عرفتها مجتمعاتنا الاسلاميةيوماً ما حين كان صغار المزارعين والتجار والمهنيين والحرفيين ينافسونكبار الملاك في وقف الأراضي على
أعمال البر وخدمة المجتمع، وهو ما كشف عنهالدكتور ابراهيم غانم في دراسته حول «الأوقاف
والسياسة في مصر» التي بينتان اكثر من 90% من أوقاف الصعيد و80% من أوقاف الوجه البحري قدمها
أولئك
«الصغار»،
وهي الظاهرة التي تراجعت كثيراً بعد ثورة عام 1952 ضمن ما تراجعمن حضور للمجتمع امام تغول السلطة
التي لم ترحم ولا تركت رحمة الله تنزلبالناس.
في العام الرابع لوفاة الرئيس ياسر عرفات اصبح الحديث عن قيام اسرائيل بقتله
بالسم أمراً متفقاً عليه، وليس ذلك وحسب، وإنما جرت الإشارة إلى الرئيس الأميركي
جورج بوش ضمن الذين طالبوا بتغييره، ومن ثم التحريض على اغتياله، جنبا إلى جنب مع
القائدين الاسرائيليين ارييل شارون وشاؤول موفاز. وإذا كان الحديث عن تسميم عرفات
قد تردد خلال السنوات التي خلت الا أنها المرة الأولى التي يشار فيها صراحة إلى
الرئيس الأميركي باعتباره واحدا من الذين دعوا إلى التخلص منه.
تأكيد تسميم الرئيس الفلسطيني وانتقاد دور الرئيس بوش في العملية، جاءا على لسان
السيد ناصر القدوة رئيس مؤسسة عرفات (ابن شقيقته الذي كان مندوبا لفلسطين في الأمم
المتحدة ثم وزيراً للخارجية لاحقاً) في تصريحات ادلى بها للوكالة الفرنسية يوم
الاثنين الماضي 10- 11.
كان عرفات قد توفي في عام 2004 اثر اصابته بمرض غامض بعد محاصرته من جانب القوات
الاسرائيلية طوال ثلاث سنوات في «المقاطعة» برام الله، وازاء تدهور حالته ثم نقله
إلى احد مستشفيات باريس، حيث توفي هناك بعد عدة أسابيع.
وقتذاك كتبت مقالاً نشرته «الأهرام» في 30/11/2004 كان عنوانه «لا تغلقوا ملف
عرفات» شككت في ملابسات موت الرجل، وكان احد الذين رجعت إليهم قبل كتابة المقال
الدكتور اشرف الكردي طبيب الاعصاب المرموق ووزير الصحة الاردنية الاسبق، الذي ظل
يشرف على حالة عرفات الصحية طوال الـ 25 سنة السابقة على وفاته. إذ كان يدعى إلى
المقاطعة كلما ألم عارض بأبوعمار، كما كان يتصل به هاتفياً كل اسبوع للاطمئنان على
صحته، وقد اثار انتباهه آنذاك انه في مرض موته الأخير لم يستدع من عمان الا في
الأسبوع الثالث لمرضه وحين ذهب إلى رام الله فإنه وجد حوله أربعة أطباء تونسيين
وخمسة مصريين وجميعهم كانوا يرونه لأول مرة، وحين التقاه سمع منه تفاصيل ما جرى له
وشعر به، وإذ ادرك أن تشخيص حالته غير متيسر في رام الله، فإنه اقترح نقله إلى
باريس وبعد ان تم ذلك لاحظ الدكتور الكردي انه استبعد بعد ذلك من الفريق المعالج
فبقي في عمان يتابع حالته من خلال ما تنشره وسائل الاعلام المختلفة.
كنت قد تحدثت
أيضاً بشأن أبوعمار مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس باعتبار انه نجا
من محاولة تسميم اسرائيلية سابقة عام 1997، بعد الضغط على اسرائيل من خلال الملك
حسين والرئيس كلينتون ومما قاله أبو الوليد انه بعد علمه بتدهور حالة عرفات وشكه في
تسميمه اتصل هاتفياًً بمختلف قيادات السلطة الفلسطينية مطالبا اياهم بالتحرك والضغط
على اسرائيل لانقاذ حياة الرجل من براثن السم، ولكنه فوجئ برد فاتر من جانبهم، اذا
عبروا له عن رغبتهم في التهدئة وعدم تصعيد الموقف، وفسر ذلك بأن أولئك القادة
المقبولين لدى الاسرائيليين لم يريدوا أن يفسدوا علاقتهم بشارون (رئيس الوزراء
آنذاك) عن طريق اتهامه بالضلوع في مقتل الرئيس الفلسطيني، لأن من شأن ذلك تلغيم
احتمالات المفاوضات التي ستجرى معه في المستقبل.
الطريف أنني حين كتبت هذا الكلام انتقده احد كبار الصحافيين المصريين واعتبره
ترويجا غير مبرر لفكرة المؤامرة، ولا أعرف ان كان صاحبنا الذي لايزال يكتب يومياً
إلى الآن لايزال عند رأيه أم لا؟! لكن الأهم من ذلك أن أبو وليد كان على حق في
شكوكه لأن رفاق أبو عمار الذين يتمسحون في اسمه ويذرفون الدمع عليه الآن سارعوا إلى
دفنه ولم يكترثوا بالتحقيق في ملابسات وفاته، واستعجلوا وراثته ومضوا بعيدا في
التفاوض مع «اصدقائهم» الاسرائيليين، لكنهم لم يدركوا ان مقعده لايزال شاغراً،
لانهم قفزوا اليه وصادروه لحسابهم منذ أربع سنوات.
يلح عليَّ منذ زمن سؤال ترددت في البَوْح به خشية سوء التأويل والفهم، خصوصاً في ظل التنامي المشهود لدوائر النمامين والخبثاء، الذين لم يعودوا يستقبلون أو يسمعون كلاما إلا وأخرجوه من سياقه، وأنزلوا آراءهم علي مقاصده، لكن هذه المرة لم أستطع أن أكتم السؤال أو أؤجل طرحه، سواء بسبب من ضعف مقاومتي مع التقدم في العمر، أو بسبب وقع الحدث الذي صادفته في الأسبوع الماضي، ذلك أنني وقعت علي صورة كبيرة لزوجات الحكام العرب في مؤتمرهن الذي عقد في «أبوظبي»، ووصف بأنه «قمة نسائية».. لا أخفي أن «السيدات الأوائل» ظهرن في أبهي صورة، واستعرضن في لقاء القمة أحدث الأزياء وتسريحات الشعر، وأفخر الثياب الوطنية، وأجمل المجوهرات وأغلاها، ذكرتني الصورة بما سمعته ذات مرة من زميلتنا الأستاذة إنجي رشدي ـ متعها الله، بالصحة والعافية ـ وهي من الجيل الذي سبقنا في الصحافة، إذ قالت إنه في عصر الملكية المصرية كان بالقصر الملكي «ترزي» مهمته تغيير شكل فساتين الأميرات، بحيث تستطيع الواحدة منهن أن تظهر بالفستان الواحد أكثر من مرة ترشيداً للإنفاق، وحتي لا تضطر الأميرة إلي شراء ثوب جديد في كل مرة، وهو التقليد الذي اختفي ضمن ما اندثر من أعراف العهود «البائدة».
أخرجني السؤال الملح من أجواء الصورة المنشورة وإسقاطاتها، فاستسلمت وقلت: ما جدوي تلك القمم النسائية التي أصبحت تحتل مساحات متزايدة في الإعلام الرسمي بكل بلد؟ بحيث بدا أن الصور الجماعية واللقاءات الشخصية هي أهم ما تسفر عنه تلك اللقاءات، ناهيك عن أننا لم نعرف كم تتكلف، خصوصاً أن زوجات الحكام العرب أصبحت لهن مراسم ومواكب وحاشية، وطقوس وبروتوكولات وإجراءات أمنية، لا تقل في أعبائها عما هو متبع مع أولئك الحكام، الذين لا نعرف أيضاً شيئاً عن تكاليف جولاتهم.
صار السؤال الكبير عن الجدوي، والأسئلة الأخري التي تولدت عنه، أكثر إلحاحا حين قارنت بين القمة «الرجالية» التي عقدت في دمشق والقمة النسائية التي عقدت في «أبوظبي»، ووجدت أن الأولي كانت محدودة الجدوي، ثم إنها كشفت عن هشاشة الوضع العربي وانقسامه العميق حول القضايا الأساسية، الأمر الذي دعاني إلي القول بأنه إذا كان ذلك هو حال القمة الرجالية بجلالة قدرها، فهل نتوقع جدوي تذكر من القمة النسائية؟
لا أعرف ما الذي يدور في اجتماعات القمم النسائية؟ وهل وصلت إليها خلافات الرؤساء العرب أم لا؟ ومِن هؤلاء من نعرف أنه خاصم الآخر وتجنب الحديث معه أو مصافحته في أكثر من مناسبة علنية؟ وهو ما دعاني إلي التساؤل عما يدور بين زوجات أولئك الرؤساء في هذه الحالة، هل تخاصمن بدورهن؟ أم تجنبن الخوض في موضوع الخلاف؟ أم تفاهمن حول إصلاح ذات البين بين الأزواج المتخاصمين؟ وهي التداعيات التي أثارت لدي سؤالاً آخر عن إمكانية قيام القمة النسائية العربية بتنقية الأجواء العربية، وهو الأمل الذي إذا تحقق فسوف يعد إنجازاً كبيراً، يرشح النساء الأُوَل لما هو أبعد مما يقمن به حالياً.
لا أستطيع أن ألغي تماماً أي أثر لتلك الاجتماعات، ذلك أن توثيق العلاقات الشخصية بين زوجات الحكام أمر مفيد لا ريب، ثم إن ظهور السيدات الأُوَل في لقاءات دورية أو غير دورية يثبت حضوراً للمرأة العربية المهمشة نسبياً، والتي يتصور البعض في الخارج أنها مازالت تعيش في عالم «الحريم»، وربما ساعدت تلك اللقاءات علي تبادل الخبرات في مجالات العمل العام التي تباشرها أو تشرف عليها أولئك السيدات في أقطارهن، وربما أدي ذلك إلي التنسيق والتعاون بين تلك الأنشطة.
راودتني تلك الأفكار لبعض الوقت، لكنها لم تقنعني ببدعة «القمم النسائية» التي لا نظير لها في الغرب أو الشرق، إذ اعتبرت أن كل تلك الإيجابيات يمكن أن تتحقق بوسائل أخري، ولم يغير ذلك من اقتناعي بأن الإنجاز الحقيقي والأفضل هو ما تحققه كل سيدة أولي في بلدها وفي خدمة شعبها، لأن موقعها يمكنها من أن تفعل الكثير علي أرض الواقع، في حين أن إنجازات القمة النسائية لا تتجاوز كثيراً الظهور علي شاشات التليفزيون.
ملف السودان الذي أهمل طويلا
يستحق حوارا واسعا ومعمقا. وما كتبتهفي الأسبوع الماضى بمناسبة زيارة
الرئيس حسنى مبارك للخرطوم وجوبا - عاصمةالجنوب - فتح شهية بعض الخبراء المعنيين
بالموضوع لكى يدلوا بشهاداتهموآرائهم التى تجاهلناها طويلا. ومن هذه الشهادات افسحت المجال
لمساهمتينمن القاهرة والخرطوم لاثنين من كبار اولئك الخبراء، احدهما الدكتور
السيدفليفل العميد
السابق لمعهد البحوث والدراسات الإفريقية والثاني هو الدكتورحسن مكى عميد البحوث والدراسات
العليا بجامعة افريقيا العالمية، حيث اجابكل منهما من زاويته عن السؤال: ما العمل؟ -
اليك نص شهادة الدكتور السيدفليفل. (فهمى هويدى)
أوافق على
الضرورة القصوى لوضعالسودان في أعلى أولويات السياسة الخارجية المصرية، وأن يكون ذلك وفق
رؤيةاستراتيجية
واضحة المعالم، وازعم أن الأعوام القليلة الماضية شهدت شيئا منذلك، تمثل في وجود مصري ضمن
القوات الأممية والافريقية في كل من إقليمجنوب السودان وإقليم دار فور، فضلا عن النهج
التنموي الذي صاحب عودة الدورالمصري إلى السودان، والذي جاءت زيارة الرئيس مبارك لتشهد افتتاح عدد
منمحطات المياه
والكهرباء والمدارس والوحدات الصحية قدمتها مصر هدية للشعبالسوداني الشقيق سواء في
الإقليمين المذكورين أم في غيرهما.
ولكنالحقيقة التى يجب الاعتراف بها أن
كل ذلك لا يعبر عن رؤية استراتيجيةبعيدة المدى، واضحة المعالم والأهداف. ذلك أننا رغم كثافة الوجود
الإنسانيوالوجود التنموي والمشاركة في حل المشكلات، لسنا بين الأرقام الأولى
منالفاعلين
الدوليين فى السودان، علما ان أصحاب هذه الأرقام لا يشربون منماء النيل، بل ليسوا أفارقة أصلا،
ونحن هنا لا نتحدث عن الصين أو الولاياتالمتحدة، بل نتحدث عن إيران وتركيا على سبيل
المثال.
إن وضع رؤيةاستراتيجية لدور مصر الافريقي،
وفي القلب منه دور مصر بالسودان، يحتاجأولا لان يدرك المصريون أن عهد الاعتماد على
العمل مستشاراً إقليمياللولايات المتحدة قد أدى إلى خسارة أرضية كانت واسعة، وقاعدة كانت
راسخةلدور مصر
الدولي بدوائره العربية والافريقية والإسلامية، فضلا عن دورها فيدائرة الجنوب الجنوب التى عبر
عنها الحياد الإيجابي وعدم الانحياز من قبل. أقول ذلك بعدما لاحت عدة مؤشرات دلت على
إدراك القيادة المصرية لأهميةالانفتاح على شركاء الماضى القريب من روس وهنود وصينيين، بل وحتى
فرنسيين،ربما حتى لا يفوتها قطار البناة الجدد لنظام عالمي متعدد الأقطاب،
بعدماتراجع دور
الولايات المتحدة وحلفائها، وتبين ان الذين كانوا اقل تضررا فىسياساتها هم أولئك الذين حافظوا
على مسافة ثابتة بينهم وبينهما، الامرالذى أكد جدارة مقولاتنا الوطنية القديمة حول
التنمية المستقلة، ليس فقطلما فيها من دفع لقوى الفعل الإنتاجي الوطني، ولا لما فيها أيضا من
كرامةوحماسة
وطنيتين، بل لأنه ثبت أنها طوق نجاه من أزمات الآخرين التى لا ناقةلنا فيها ولا جمل.
(2) إذا كنا
قادرين على الفعل المستقل،وعلى التحرك كفاعل إقليمي مرعى الجانب، فإن الأمر يقتضي أن نوضح عدداً
منالمداخل
والاقترابات، قبل أن نوغل في وضع الرؤى والاستراتيجيات. من هذهالمداخل ما يلي:
*أولاً: إن
مصر عليها أن تتحرك في إفريقيا كقوةإفريقية أصلية، وليس كقوة خارجية دولية، وإن
هذا يقتضي مراجعة شاملةللهوية الوطنية والقومية والقارية في إطار التكامل النفسي الداخلي
للمواطنالمصري العربي الافريقي في آن.
* ثانيا:
الإحساس العميق بإفريقيتنايجعل القسم الأكبر من مصالحنا القومية والوطنية والمائية والدولية
يستندإلى العروبة
والافريقية والإسلام معاً، فافريقياً هى جماع دوائرناالخارجية كلها. وهذا في حد ذاته يسقط حساسيات
تاريخية كثيرة، كما يفتحالباب واسعا للاندماج العربي الافريقي، وينهي كثيرا من أوجه الصراعالثقافى، سواء الحقيقى منها، أو
المدعى، والحادث منها نتيجة تفاعلات وطنيةداخلية، أو المصطنع منها بالخارج.
* ثالثا: إن
السودان هو حقا مدخلمصر والعرب لإفريقيا، لكنه بالنسبة لمصر هو مصلحتها القريبة والحياتيةالحيوية، وهو كرامتها ومحور دورها
المباشر عربياً وافريقياً وإسلامياً،فإذا لم تحفظ فيه مصالحها، فلا حديث بعدئذ عن
أي دور في هذه الدوائرجميعا.
* رابعاً: إن
انفراط عقد السودان هو مدخل مباشر لانفراطعقد عشرات الدول الافريقية، بل وحتى العربية
ذلك أنه يؤذن بتفكك دول مثلأوغندا وكينيا وتنزانيا وإثيوبيا وتشاد، على نحو ما حصل في الصومالوليبيريا وسيراليون، ويحدث الآن
في الكونغو. وعندئذ فإن على مصر أن تتوقعقدوم الملايين من المهاجرين، على النحو الذي
تشكو منه أوروبا، وتصطنع لهاتحاداً فى البحر المتوسط، من أجل وقف أو تنظيم الهجرة، تسخر فيهإمكانياتنا لحماية رفاهيتها،
بعدما خربت بأيديها في مراحل الاسترقاقوالاستعمار والاستلاب (خلال عصر الاستقلال
الوطنى الافريقي منذ الستينيات)
عن طريق
إدارة الحروب الأهلية وتهريب السلاح وماس الصراع ونهب المواردالمنظم من خلال المرتزقة وشركات
الأمن والشركات متعددة اللصوص الدوليين.
* خامساً: إن
أي تحرك مصري اليوم- وإن بدا متأخرا مهما كانت الأسباب، ومهماكان صانعوها أو المتسببون فيها-
يستند إلى رصيد قوى لهذا الوطن المميز، ذىالبريق الحضاري النادر، بتراث هائل من إنجاز
زعاماته التاريخية قادر علىحرق المراحل، وتعويض ما فات، شريطة أن ينشغل الوطن بكل مؤسساته في
عمليةتعليم حقيقي
لقياداته المسؤولة عن الاتجاه الافريقي، مقرونة بتدريب راقللمتنفذين في الميادين الافريقية،
حسب التخصصات النوعية للعمل في المجالاتالتنموية المختلفة صحة وتعليما، استثمارا
وتجارة، هندسة وزراعة، وكل مجالنملك فيه خبرة، وتحتاجنا افريقيا فيه، كأبناء بررة يلبون نداء الأم
التىأرضعتهم ماء
الحياة.
* سادسا: إن
سؤالا كبيرا تجب الإجابة عنه:
هل يمكن أن
تضع جهة ما تصورا لدور مصري في السودان وافريقيا دون حوار وطني "حقيقي" بين الأكاديميين
والمسؤولين في كافة الأجهزة وأهل الفكر والرأى؟إن صياغة استراتيجية ما ليست مسؤولية جهة
سيادية، ولكنه ترجمة لحاجةالمجتمع المصري. وإن المرء ليشعر بقدر كبير من وخز الضمير- رغم ما
قضاه منسنوات العمر عاكفا على الشأن الافريقي منبها ومحذرا وداعيا للاهتمام-
منأن هذا الجيل
من المصريين لم يترك شيئا من الإنجاز القومى للجيل التالييقطع بها عقدين أو ثلاثة من
الزمان، ريثما تواتيه الفرصة ليضيف هو نفسهلجيل قادم. وبحساب الإنجاز، علما ان جيلاً
سبقنا ترك لنا السد العالي الذىتحمل زيادتنا السكانية في نحو نصف قرن من أقل من ثلاثين مليون مواطن
إلىثمانين مليون
نسمة.
* سابعاً: إن
العمل المصرى تجاه السودانوافريقيا يقتضى جهة تخطيط وإدارة، فى الأولى وعلى الأقل، وزير للشؤونالسودانية، وفى الثانية المجلس
الأعلى للشؤون الافريقية يرأسه الرئيسنفسه، ويكون أمينه العام وزيراً للشؤون
الافريقية، بصلاحيات كاملة، فىإطار السياسة الخارجية. فإذا كان للجزر البريطانية، وزير للشؤونالأوروبية، وآخر للشؤون
الافريقية، فاننى أتساءل لماذا نتقاعس نحن؟
• ثامناً- إن
أي حركة تجاه السودان وافريقيا يجب أن تحسب خطواتها بدقة،وتحدد القوى الفاعلة- سواء مع أو
ضد المصلحة المصرية والعربية والافريقية- وكذلك التنظيمات والمؤسسات والتجمعات
الخارجية والقارية والإقليمية. فثمةتفاعلات صنعها "أصدقاؤنا الأمريكان"
قد تعوق حركتنا، وثمة فخاخ نصبتلأطراف عربية-أفريقية قد تصيبنا بنيران "صديقة"، وعلينا
التحرك بسرعة.
وعلىسبيل المثال فإن بعض القوى التى
تصادفنا في القارة تفرض علينا حساباتدقيقة للمصالح مع أطراف كالصين والهند
وإيران، لكنها تفرض علينا عدمالتردد مطلقا في حسابات دقيقة للخسائر من التغلغل الإسرائيلي.
(3) إنني أتمنى
ان تقرأ جيدا التفاعلات الاستراتيجية التالية:
1ـلدى الأمريكان مبادرة الشرق
الأوسط الكبير وليس فيها السودان، ولديهممبادرة القرن الأفريقي الكبير وليس فيها شمال
السودان ولا مصر، ولديهممبادرة خليج غينيا تشد دار فور إلى نطاق البترول في غرب القارة، ليصب
فيالسيارات
الأمريكية بترول افريقي بمعدل 25% من الاستهلاك الأمريكى قبل 2015. ولدى
الأمريكان كذلك قيادة عسكرية جديدة لأفريقيا مقرها الآنفي ألمانيا، وتبحث عن موطئ قدم لها في
القارة، لكن القارة التى تعانيالضنك والجوع أبت كرامتها أن تقدمه لهم "رغم كل ادعاءات
الصداقة" وإشاراتالترغيب والترهيب.
2ـ ولدى
فرنسا فرانكفونية ثقافية واقتصاديةوسياسية، يفعلها ساركوزى بعدما أهملها شيراك في أواخر أيامه، ولديها
أيضامبادرة
الاتحاد من أجل المتوسط، وهى تجذب دول شمال افريقيا إليها، وذلكعلى حساب الاتحاد المغاربي وتجمع
الساحل والصحراء، وتجمع الكوميسا.
3ـولدى بريطانيا الكومنولث، فضلا عن
التعلق بذيل الولايات المتحدة تعلق بليرببوش، ولديها ركائز إقليمية مشتركة مع
الأمريكان مثل غانا وأوغندا وكينياوجنوب افريقيا ونيجيريا. فكيف بعنا مصالحنا، بيع القطاع العام، وركنا
إلىصديق اعتاد
بيع أصدقائه، ويحبذ جنوب أفريقيا ونيجيريا فى مجلس الأمن؟ أليسمن حقنا أن نجرى مع الصديق حواراً
استراتيجياً حقيقياً، وأن نصنع مثله معهذه القوى الإقليمية الشقيقة وأن نتحرك لكى
لا يملأ غيرنا ما يسِّميهفراغا، وهو فضاؤنا وأرضنا وكياننا.
4- على صعيد
التفاعلات الإقليميةماذا نحن فاعلون مع بناء الاتحاد الأفريقي، ومع مبادرة نيباد التنمويةالتى اعتمدت أفريقيا فيها على
شراكة مع الغرب الذى أوردته الأزمة الماليةموارد الاحتياج للبترودولارات الخليجية.إننى
أتوقع فراغاً فى تمويل نيباد،فهلا طرحت مصر جديداً مفيداً للمبادرة بالتنسيق مع الأشقاء العرب؟ أمستضيع هذه الفرصة المواتية؟
5- على صعيد
المنظمات الإقليمية: الاتحادالمغاربى فى الشمال وس/ص بين دول الساحل فى الشمال ودول جنوب الصحراء،وكوميسا فى الشمال والشرق حتى
الجنوب، وسادك فى الجنوب، وإيكواس فى الغرب،وايكاس فى الوسط: أليست مصر مدعوة لخطوات
إيجابية فى جمع جهودها وتنسيقهافى إطار كل من الاتحاد المغاربى (حيث العرب)، وس/ص (الساحل والصحراء)
حيثاللحمة
العربية الأفريقية(الإسلامية) وكوميسا(حيث النيل)؟
وكيف ننقلحركتنا الاستراتيجية من تجمع لآخر
برشاقة ويسر؟ وكيف تكون لنا حركة فاعلةونحن نبيع أدواتنا الناجحة من الشركات
العامة؟ وكيف نؤدى دورنا من خلالرجال الأعمال؟ ونسأل أى رؤية لهم؟ أى انتماء لهم؟ وقد أخذوا ولم
يعطوا،واستدان
أغلبهم ولم يسدد، واتجه أكثرهم غنى لدول النفط وأوروبا وإسرائيل،التى لا نكف عن التحذير من
تغلغلها فى "ديارنا" الافريقية؟
وكيف ننسقبين وجودنا كقوة فاعلة فى كوميسا
واتحاد شرق افريقيا الوليد الذى يبغىبناء "جمهورية شرق افريقيا" أو
بالسواحيلية "جمهورى دالأفريقا مشارقه" وهىتسعى لجذب جنوب السودان إليها فى إطار افريقى
غير متعاون مع الشمالالعربى- الأفريقى، فماذا عن مصالحنا النيلية، وفرص التوسع فيها لصالحالأجيال القادمة فى هذه الحالة؟
وكيف ننسق
أيضا مع تجمع (ايجاد) لدولالقرن الافريقى، وهى التى نجح "شركاؤها" الأوروبيون فى
إبقاء الصومالممزقاً، وفرض رئيس صُنعَ فى أديس أبابا، ودعاها إلى وطنه لتقتل شعبناالعربى الافريقى فى الصومال وتوقع
مجازر تعد أهوال دارفور قياساً لها
"معسكر
كشافة"؟ وماذا عن
تجمع صنعاء الذى يضم اليمن والسودانوإثيوبيا، وتأثيره على اريتريا، وهى ركيزة
مهمة فى الأمن والاستقرار فىالبحر الأحمر والقرن الأفريقى؟
وماذا عن مبادرات حوض النيل، وحوض
النيل الجنوبى، وحوض النيل الشرقى؟ وما صلتها بكل ما سبق؟ وماذاعن جمهورية جنوب افريقيا، التى
تعد احد أهم الدول الركائز فى الحركةالأمريكية فى القارة، وعن جهدها لطرح نفسها
فى مناطق أمننا القومي وهى لاتعرف عنها الشيء الكثير، ثم هى تنجح فى سحب تنزانيا من تجمع كوميسا،
وهىدولة نيلية،
كيف نتحرك للتصويب والتصحيح؟ وأى أوراق فى أيدينا؟ وماذاعن اتجاه جنوب افريقيا لعقد
تحالفات جنوبية- جنوبية، مع قوى تطرح نفسهاللعضوية الدائمة بمجلس الأمن مثل الهند فى
الشرق والبرازيل فى أقصى الغرب؟وما تأثير هذا التحرك على فرصنا نحن؟ ثم ما تأثير هذا التحرك على شد
أطرافدول الاتحاد
الأفريقي خارج القارة وخارج الاتحاد؟
كسَفنا وزير التعليم العالي، حين
تعثر في قراءةكلمته التي ألقاها باللغة العربية نيابة عن رئيس الجمهورية في افتتاحمؤتمر مؤسسة الفكر العربي. حين
اغتال اللغة في الصميم، الامر الذي سببصدمة قاسية لضيوف المؤتمر. ذلك ان خطابه جاء
حافلا بالاخطاء اللغوية الفجةوالمشينة، حيث لم يصادف الرجل ساكنا الا وحركه. ولا فاعلا الا ونصبه
ولامفعولا الا
ورفعه، ولا مجرورا الا ورفعه او نصبه. هذه الفقرة ليست منعندي، ولكني نقلتها نصا مع قليل
جدا من التصرف مما كتبه الدكتور نبيل عليخبير البرمجيات والمثقف البارز في صحيفة
«المصري اليوم» (عدد 22/ 11).
الذي حول الكسوف الى فضيحة، ان
الذي قرأ الكلمة هو وزير التعليمالعالي، الذي اذا كانت احاطته باللغة العربية بهذا المستوى البائس فمابالك بغيره من وزراء الزراعة او
السياحة او التجارة مثلا، ثم ما بالك بمندونه في وزارته ذاتها. ثم ان الرجل قرأها
نيابة عن رئيس جمهورية مصر
«العربية».
الذي رعى المؤتمر. والى جانب هذا وذاك. فإنه ألقاها امام مؤتمرللفكر العربي يفترض ان المشاركين
فيه لهم علاقة بثقافة الامة وعقلهاولغتها.
الحدث ليس مفاجئا، ولكنه كاشف
لحقيقة مخجلة، خلاصتها ان النخبة التيتتصدر الواجهات المصرية في هذا الزمن مقطوعة
الصلة بالثقافة العربية، بلان الازدراء بالعربية ـ بل وبالانتماء العربي لدى البعض ـ هو من سمات
هذهالمرحلة وهو
موضوع تطرقت اليه من قبل، ونبهت ان الازدراء باللغة تعبير عناحتقار الذات، ومن علامات الهزيمة
الحضارية، التي هي أخطر من الهزيمةالعسكرية، فأي بلد يمكن ان ينهزم عسكريا لكنه لا يسقط او ينكسر حضارياوثقافيا، لكنه ان انهزم حضاريا
فتلك هي القاصمة.
فيما كتبت من قبل في هذا المكان
اشرت الى عجز وزير السياحة المصري عنالحديث بالفصحى في احد البرامج التلفزيونية،
والى الاخطاء النحوية التيوقع فيها رئيس الوزراء احمد نظيف حين سمعته يلقي خطابا باحد المؤتمرات
فيدبي. والمأزق
الذي وقع فيه وزير الثقافة ـ تذكر كلمة «الثقافة» ـ حين كانعليه ان يلقي كلمة في افتتاح
احتفال بتقديم جائزة الشعر العربي. بهذهالمناسبة اذكر ان وزير خارجية دولة الامارات
الاسبق السيد احمد خليفةالسويدي كان قد زار قبل عدة سنوات طلاب بلاده المبتعثين لدى الولاياتالمتحدة، وألقى فيهم كلمة. نبهه
احد الذين استمعوها الى انه ارتكب خطألغويا اثناءها. وسمعت منه انه استشعر أسفا
وخجلا شديدين بسبب ذلك. وحينعاد الى ابو ظبي استدعى مدرسا حفظه قواعد اللغة العربية، بما في ذلك
ألفيةابن مالك في
النحو. حيث ادرك الرجل انه لا يستطيع ان يكون وزيرا لخارجيةدولة الامارات العربية في حين
يخطئ في اللغة العربية.
المشكلة في مصر اكبرمن الوزير، وهي حتما في تجليات الشعور
بالهزيمة الحضارية والثقافية كماذكرت. بالتالي فهي الى السياسة اقرب منها الى الثقافة. الامر الذي
يعنياننا بصدد
كارثة حقيقية، لا تهدد اللسان العربي في مصر فحسب، ولكنها تهددايضا البناء النفسي للاجيال
الجديدة، التي انتقل اليها الازدراء بالعربيةبصورة تلقائية. ووجدنا في مصر احدى المحطات
التلفزيونية التي تكرس ذلكالازدراء، وتخاطب مشاهديها بعامية سقيمة ولقيطة، مقطوعة الصلة بلسانالعرب، الامر الذي لا يمكن افتراض
البراءة فيه او حسن النية.
ان المرء لا يستطيع ان يخفي شعوره
بالخزي وهو يجد ان قيادات التعليمومناهج المدارس ونظام التعليم ذاته، هذه العوامل كلها تهين اللغة
العربيةوتتآمر عليها بقصد او بغير قصد. ولا اعرف في هذه الحالة ان كان هؤلاءيدركون ام لا ان الذي ينهزم في
هذه الحالة ليس اللغة العربية وحدها، ولكنهنحن جميعا. وارجو ان يتأمل هؤلاء ماذا فعل
الاسرائيليون بالعبرية الميتةحين ارادوا لبلدهم ان تقوم له قيامة.
هل لابد أن يموت المرء حتي يعرف
الناس قدره وقيمته؟.. هذا السؤال يخطر ليهذه الأيام، كلما قرأت المراثي التي نشرتها
الصحف عن زميلنا الراحلالأستاذ صلاح حافظ، لم يبالغ الذين امتدحوه وتحدثوا عن فضائله كإنسانوكصحفي شريف وعفيف، لم يجامل ولم
يداهن، واختار أن يقف طول الوقت بعيدا عنمواكب المنافقين والمهللين، ثم إنه ظل
مهموماً بقضايا الوطن ومصير الأمةوحلمها، الأمر الذي دفعه إلي الوقوف في صف المدافعين عن الديمقراطيةوالحرية، والرافضين للتطبيع
وأهله، والمنحازين إلي المقاومة والوحدةوالاستقلال الوطني.
الذين كتبوا
رثاءهم للرجل، قالوا هذا الكلاموأكثر منه، وأشادوا باستقامته ونزاهته وثباته، ومن ثم فإنهم أنصفوا
الرجلوأعطوه حقه
و«اكتشفوه» بعد مماته، حتي الذين خاصموه وتجاهلوه وأنكروا عليهفي حياته، احترموه غائبا وذكروه
بالخير، الأمر الذي يجدد السؤال الذي بدأتبه الكلام: لماذا لابد أن يموت الرجل حتي
يُنصف وينال حقه من التقدير؟!.
حينأصبح صلاح حافظ كاتبا محترما، فقد
كان ذلك بقلمه وخلقه وموقفه، وحين انتخبأمينا عاما لنقابة الصحفيين المصريين، فإن
ذلك كان انتخاب زملائه له، وحينتقلد منصب الأمين العام للصحفيين العرب، فقد كان ذلك تعبيرا عن تقديرالصحفيين العرب له، وحين كرمته
نقابة الصحفيين المصريين، ومنح جائزة عليومصطفي أمين وجائزة نادي دبي للصحافة، فإن
ذلك ظل تعبيراً عن حفاوة مجتمعالمهنة به. الجهة الوحيدة التي لم تأبه به، ولم تقدره حق قدره كانت
الدولةالمصرية، ذلك
أن الصفات التي خُلعت عليه، والخصال التي ذُكرت له، والقدراتالتي اكتشفت فيه، والمواقف
النبيلة التي نسبت إليه، ذلك كله كان يؤهله لأنيحتل موقعا متميزا في خريطة الإعلام المصري،
بحيث يمكن توظيف تلك الفضائلوالشمائل والقدرات في موقع متميز يهيأ له أو مؤسسة صحفية يتولي
قيادتها،لكن الذي حدث كان العكس تماماً، إذ ظل صلاح حافظ واقفا في الخلاء مع
غيرهمن الصحفيين
المستقلين والشرفاء، وقد تجاهله الذين يرسمون الخرائط ويوزعونالحظوظ علي أبناء المهنة، حتي
أزعم أن قائمة الفضائل التي وردت في مرثياتهبعد وفاته، حسبت في حياته عليه وليس له، وظلت
خصما ًمن رصيد حظوظه المهنيةوليس إضافة إليها، وأكاد أتخيل أن بعض المسئولين الذين توافدوا علي
سرادقالعزاء فيه،
وقالوا في حقه كلمات طيبة تعلي من شأنه، وتعبر عن فداحةالخسارة لغيابه، هؤلاء لم يفعلوا ما فعلوه
إلا حين اطمأنوا أنه قد دفنفعلا، وأنه قد تم إحكام إغلاق القبر علي جثمانه، ليس لأن الرجل كان
مخيفاأو مزعجا،
ولكن لأنه كان مستقلا وشريفا.
حالة صلاح
حافظ شهادة تفضحبعض عورات زماننا، فالرجل حين حظي بتقدير الناس وحبهم، لأنه ظل حتي
آخررمق متمسكاً
باستقلاله وعفة قلمه، فإن السلطة تجاهلته ونفرت منه، الأمرالذي يسلط ضوءاً كاشفاً علي حظوظ
الشرفاء في هذا البلد، الذين يتعين عليهمأن يدفعوا ثمن استقلالهم واعتزازهم بكرامتهم،
في حين أن تلك الحظوظ توزعبسخاء لا حدود له علي الأتباع والمرضي عنهم، من أصحاب الولاءات
الشخصيةوالارتباطات الأمنية، الذين يجيدون فنون النفاق ويتنافسون في الارتماء
عليأعتاب السلطة
والسلطان.
ستقول لي إن
محبة الناس وتقديرهم فيهماالكفاية، وأنا أوافقك تماما، وأعتبر أن تلك هي الجائزة الكبري التي
يمكنأن يفوز بها
أي كاتب، ولكني أقول إن ذلك لا يقتضي بالضرورة أن يعيشالإنسان الشريف «شهيداً» في حياته، ولا يذكر
له فضل أو تنتصب له قامة إلابعد وفاته. صحيح أن صلاح حافظ ترك لأسرته سيرة عطرة فقط، لكنه ربما
رقدمستريحا في
قبره لو أنه استطاع أن يترك لهم شيئا آخر فوق ذلك، وهو ما لميستطع أن يحققه في رحلة حياته.
لقد مات فقيرا لأنه أراد أن يعيش شريفا،رحمه الله وأجزل له العطاء في الآخرة.
مساء الأربعاء الماضي (19 نوفمبر
الجاري) أذاعالتلفزيون المصري في نشرة أخبار القناة الأولى خبرا عن تنديد الأممالمتحدة بتدهور الأوضاع الإنسانية
في غزة بسبب الحصار، مع تقرير حي تحدّثفيه مراسل التلفزيون عن مظاهر الشلل ونتائج
انقطاع التيار الكهربائي ونفادالوقود من القطاع. ولإثراء الموضوع، فإن مذيعة النشرة أجرت اتصالا
هاتفيامرتبا مع
خبيرة بالموضوع مقيمة في لندن (اسمها دوناتيلا ردفيرا).
سألتها عن رأيها في الحصار على
غزة، فقالت السيدة إنه جريمة ضدالإنسانية تنتهك مبادئ القانون الدولي الإنساني، لأن الحصار يوقع
عقوبةجماعية على
مليون ونصف مليون فلسطيني، لا ذنب لهم ولا علاقة لأغلبيتهمالساحقة بالاسباب التي أدت الى
فرض الحصار، سألتها المذيعة عن كيفيةممارسة ضغط على إسرائيل من قبل الأمم المتحدة
لكي تسمح بفتح المعابروتزويد القطاع باحتياجات سكانه من الأغذية والأدوية وغير ذلك من
مستلزماتالحياة الإنسانية، فردت السيدة ردفيرا بأن المشكلة تكمن في غياب
الارادةالسياسية لدى الدول المعنية بالموضوع. ذلك أن تلك الدول لم تعبّر عن
درجةكافية من
الحماس لرفع الحصار وفتح المعابر، وأشارت إلى مصر ودورها فيإغلاق معبر رفح، ولكن المذيعة
سارعت الى القول إن مصر فتحت المعبر لمروربضع عشرات من المرضى (لحسن حظها، فإن ذلك حدث
فعلا صباح يوم الأربعاء)،عند هذا الحد انتهى الخبر وانتقلت
المذيعة إلى أخبار أخرى.
ما يثيرالانتباه في المتابعة المصرية لما يجري في
غزة، أن إعلامنا يمر بالحدثمرورا عاديا، وكأن الكارثة الحاصلة هناك واقعة في أميركا اللاتينية أوأفريقيا جنوب الصحراء، ولا يمكن
أن يُفسَّر ذلك إلا بأنه من قبيلالاستعباط المتعمَّد. لأنني لا أتخيل أن يصل بنا العبط إلى الحد الذييتحدث فيه الإعلاميون عن غزة دون
أن يعلموا أنها على مرمى البصر، ودون أنيدركوا أن الحصار المفروض على القطاع ليس
إسرائيليا فقط، ولكنه إسرائيليومصري أيضا.
في الوقت ذاته، لا نستطيع أن
نتجاهل أن ثمة مباركة وتشجيعا لاستمرارالحصار وإحكامه من جانب قيادة السلطة
الفلسطينية في رام الله، التي اعتبرتأن معركتها الحقيقية لم تعد تحرير فلسطين،
ولكن تحرير قطاع غزة من سلطة
«حماس». بل
إنها ذهبت إلى اعتبار «حماس» هي العدو الذي تصر على مقاطعتهوترفض الحوار معه، في حين أن
الإسرائيليين صاروا في نظرها «أصدقاء» يستمرالوصال معهم طوال الوقت، والاجتماع بهم
مُرحَّب به في كل وقت. إذا أردناأن نذهب إلى أبعد من المصارحة، فلابد أن نقرر أن السلطة الفلسطينية في
رامالله لا تقف
فقط موقف المبارك والمشجع، ولكنها تقوم أيضا بدور المشاركوالمحرِّض. وليس سرا أن سلطة
النقد في رام الله، عمدت خلال الشهر الأخيرإلى وقف كل التحويلات المالية التي يقوم بها
التجار في غزة لشراء مستلزماتالمستشفيات بالقطاع،
وفي الوقت الراهن فإن لجنة
الإغاثة الإنسانية التابعةلاتحاد الأطباء العرب تواجه مشكلة في توصيل الأضاحي إلى المحاصرين
بمناسبةالعيد، خصوصا بعدما أفتى د.علي جمعة مفتي مصر بأنه بسبب ظروف الحصار،
فإنذبح الأضاحي
في غزة صار أولى منه في أي مكان آخر، وبمقتضى هذه الفتوى، فإنلجنة الإغاثة التي قررت فتح
الأبواب لتلقي قيمة الأضاحي في مصر، ثم إتمامعملية الذبح في القطاع، أصبحت تواجه مشكلة في
ترتيب المعاملات المالية معالتجار هناك، إضافة إلى مشكلة توصيل لحوم الأضاحي إلى مستحقيها، بعدإرسالها من أستراليا ونيوزيلندا
والهند وهي البلاد التي تبين أن أسعارالأضاحي فيها أرخص من غيرها.
إننا لا نستطيع أن نستمر طويلا في ممارسةالاستعباط، فضلا عن أن ذلك السلوك
لم يعد ينطلي على كثيرين ممن أصبحوا علىوعي بأن كارثة غزة الحقيقية ليس مصدرها
الاحتلال الإسرائيلي وحده، ولكنهاتكمن أيضا في الضلوع المصري، وتآمر القيادة الفلسطينية في رام الله.
ومالم يحل هذان
الإشكالان فإن مطالبة المجتمع الدولي بالتدخُّل والضغط علىإسرائيل لرفع حصارها تصبح أعلى
مراحل الاستعباط.
ينبغي ألا نذهب بعيدا في التفاؤل
بحكم وقف بيع الغازلإسرائيل، بحيث نتوقع أن تمتثل الحكومة وتسارع الى دراسة كيفية تنفيذالحكم مع مستشاريها القانونيين،
ليس فقط لأن الحكم قابل للاستئناف اماممحكمة أعلى، ولكن ايضا لأن الحكومة بدورها
«سيدة قرارها»، وليس من عادتهاان تنفذ أحكام المحاكم إذا لم تكن على هواها، فحزب العمل الذي صدر
قراربتجميده في
سنة 2000 حصل حتى الآن على 13 حكما قضائيا بإلغاء قرارالتجميد، ولكن الحكومة لم تقتنع بأن ذلك سبب
كاف للرجوع عن قرارها. ولاننسى ان المعتقلين السياسيين لا تنفذ بحقهم أحكام المحاكم التي تقرر
اطلاقسراحهم، وفي
حدود علمي فإن بعض أولئك المعتقلين من قررت المحاكم الافراجعنهم عشر و12 مرة، ومع ذلك لم ير
أحد منهم النور.
لأن الأمر كذلك، فليس أمامنا سوى
ان نحيي أولئك الرجال الوطنيين منمثقفي مصر، في مقدمتهم السفيران السابقان ابراهيم وامين يسري، الذين
حملواقضية بيع
الغاز لإسرائيل الى القضاء، واستبسلوا في فضح خبايا تلك الصفقةالمريبة والمشينة، كما ينبغي ان
نحيي شجاعة القاضي المستشار محمد احمدعطية الذي اثبت ان في مصر قضاء نزيها لا
يمتثل ولا يداهن. يكفينا ذلك فيالوقت الراهن، لان اوضاعنا، التي تعرفها، لا تحتمل ما هو ابعد،
فان يستنفربعض الشرفاء في مصر للدفاع عن
حقوق شعبها وكرامتها، ويرفعوا مظلمتهم الىالقضاء، فذلك امر جيد لا ريب. وان ينجح هؤلاء
في اثبات حق بلدهم، ثميصادفوا قاضيا من عجينة الشرفاء، فذلك شيء ممتاز، وان يصدر القاضي
حكمهبما يرضي
ضميره ويرضي الله، وهو يدرك ان حكمه يمثل سباحة ضد التيار، فذلكشيء عظيم، اما ان نتوقع ان تستجيب
الحكومة لقراره، فذلك طمع اكثر مناللازم، لأن خبراتنا علمتنا ان غاية طموح الواحد منا ان ينصفه القضاء،
لكنحين يتعلق
الامر بالقضايا العامة، والسياسية خصوصا، فإن تنفيذ الحكم يظلمشكوكا فيه الى حد كبير، حيث
المعتاد ان يكتفي صاحب الحق بشرف المحاولة،واعرف كثيرين من هذا الصنف من الناس الذين
نالوا «الشرف»، لكنهم لم ينالواحقوقهم. فكانوا كمن قبض الشيك، ثم عجز عن صرفه من البنك!
من باب الفضول سألت بعض أهل
الخبرة: لماذا لم تستطع الحكومة ان تلعب فيالحكم، وان تستخدم نفوذها الذي نعرفه لكي
«تطبخ» المسألة بحيث لا يسبب لهاالحكم حرجا أو يضعها في مأزق جديد؟
الرد جاء كالتالي: إن القاضي
النزيهالذي لا يخشى
في الحق لومة لائم لايزال موجودا في مصر، ولا غرابة من حيثالمبدأ في ان يصدر واحد من هؤلاء
حكما كهذا الذي بين ايدينا، لكن الحاصلفي القضاء العادي اذا ما أريد التدخل في
الحكم، ان الامر يرتب في مرحلةمبكرة، بحيث يتم التلاعب في التحقيقات التي تسبق توجيه التهمة وتكييفالقضية (كما حدث في قضية العبارة
حيث كانت تهمة صاحبها ممدوح اسماعيل انهلم يبلغ السلطات بغرق السفينة، واعتبرت
القضية جنحة انتهت ببراءته)، وفياحيان اخرى تحال القضية الى قاض بذاته من «أهل الثقة» ليصدر حكمه علىالنحو المطلوب. اضافوا ان ذلك اذا
حدث في القضاء العادي، فإن حدوثه اصعبفي القضاء الاداري، لسبب جوهري هو انه مستقل
عن وزارة العدل، التي ليس لهاأن تتدخل في أوضاعه الادارية أو اختيار شاغلي مناصبه الرئيسية التي
تتمبالاقدمية
المطلقة.فرئيس المجلس هو الذي يجب ان يرأس
المحكمة الادارية العليا، ونائبهالأول هو الذي يرأس الجمعية العمومية للفتوى والتشريع، ونائبه الثاني
يرأسمحكمة القضاء
الإداري، والثالث يرأس قسم التشريع.. وهكذا.
الحكم الذي نحن بصدده نموذج آخر
للحالات التي يكتفى فيها «بشرفالمحاولة»، اذ سيُطعن فيه امام المحكمة الادارية العليا، وايا كان
الحكمفإنه لن ينفذ
لأسباب يطول شرحها، ويصعب الخوض فيها لان بعضها يتعلقبالدوائر الحمراء التي يشير اليها المرء على
البعد ثم يسكت عن الكلامالمباح، انتظارا لأوان يلوح فيه الصباح.
حكم القضاء
الإداري بوقف تصدير الغاز لإسرائيل وبعضالدول الأخرى
لم يحرج الحكومة فقط، وإنما أدانها أيضاً وشكك في نواياها،على نحو لو أخذ مأخذ الجد في أي بلد ديموقراطي،
لأدى إلى سحب الثقة منالحكومة وإسقاطها، بل لعلي
لا أبالغ إذا قلت إن محكمة القضاء الإداري فضحتتلك الصفقة
المريبة، الأمر الذي يثير عددا من الأسئلة الكبيرة حول حقيقةالأطراف التي تقف وراءها وحجم النفوذ الذي يتمتع به
هؤلاء، الذي دفعالحكومة إلى ارتكاب مجموعة
من المخالفات الجسيمة للإسراع بعقد الصفقةوتمريرها من
وراء ظهر مجلس الشعب.
وهو ما دفع
مجموعة من العناصر الوطنيةالتي استفزها هذا السلوك
إلى مقاضاة الحكومة ووزير البترول والطعن فيتصرفاتهما،
وشاءت المقادير أن تنظر القضية بمحكمة يرأسها قاض نزيه من جيلالرجال المحترمين الذين لم ينقرضوا من مصر بعد،
فجاء حكمها مفاجئا فيمنطوقه وحيثياته، الأمر
الذي أحرج الحكومة وأربكها، إذ في حين امتنعالمتحدث الرسمي
باسمها عن التعليق على الحكم محتجا بأنه لم يطلع على نصه،فإن الإعلام الرسمي حاول تشويهه، فقد ذكر شريط
الأخبار الذي بثه التلفزيونأن المحكمة قررت وقف بيع
الغاز لإسرائيل بأسعار تقل عن الأسعار العالميةوقيمته
السوقية، وهو ما أبرزته أيضا الصحف القومية الثلاث على صفحاتهاالأولى، وهذا لم يكن صحيحا لأن المحكمة أصدرت
قرارها استنادا إلى وجودمخالفة دستورية وقانونية
في عملية البيع، وليس بسبب انخفاض سعر بيع الغاز،الذي هو بمنزلة
مسألة تقديرية،
وكان واضحا في
معالجة الصحف القومية حرصهاعلى التقليل من شأن الحكم
والتأكيد على أن الحكومة ستطعن فيه، فعنوانالخبر في
«الأهرام» كان كالتالي: «القضاء الدستوري يوقف بيع الغازلإسرائيل وهيئة
قضايا الدولة تستشكل»، أما «الأخبار» فقد قدمت الاستشكالعلى قرار
المحكمة فقال عنوان الصفحة الأولى « إن هيئة قضايا الدولة سوفتستشكل في تنفيذ حكم وقف تصدير الغاز لإسرائيل»،
أما «الجمهورية» التيأبرزت في قلب الصفحة
الأولى ـ بالعناوين الحمراء ـ خبر افتتاح مهرجانالقاهرة
السينمائي، فإنها نشرت في زاوية تحتية قرار المحكمة على النحوالتالي: «الحكومة تتقدم باستشكال اليوم - القضاء
الاداري أوقف بيع الغازلإسرائيل بأسعار تقل عن
السوق العالمية «!».
لقد مارس الإعلام القوميالتدليس في عرض حيثيات الحكم، ولولا ضيق المساحة
لأوردت النص الذي نشرتالصحف المستقلة خلاصة
وافية له، لكن لا يفوتني أن أشير إلى نقطتين مهمتينفيه:
الأولى نص الحكم على أن الالتزام ببيع الثروات
الطبيعية كان ينبغي أنيُعرض على مجلس الشعب ـ
طبقا لنص الدستور ـ ولكن ذلك لم يحدث، وإنما تمالتكتم على
الأمر بحيث لم يعرف أحد مضمون عقد بيع الغاز أو شروطه. وهو مايجعل قرار التفويض في البيع معدوما لمخالفته أحكام
الدستور، ولا يترتبعليه أي أثر قانوني.
النقطة الثانية
أن القاضي انتقد السرعة المتناهيةالتي تمت بها عملية إنشاء
شركة خاصة فوضت في البيع، ومنحها دون غيرها حقامتياز واحتكار
الغاز المصدّر لإسرائيل، الامر الذي يثير التساؤل عن أسبابذلك التزامن والتكتم الشديد الذي فرضته الادارة على
العملية، مما يتعارضمع الشفافية ويخل بالثقة
الواجب توافرها في تعاملات جهة الادارة».
وهذهالعبارة
الأخيرة منقولة من منطوق الحكم الذي أصدره القاضي، المستشار محمدأحمد عطية. وفيها إشارة كافية إلى الملابسات
المريبة التي أحاطتبالموضوع.. ونكمل غدا بإذن
الله.
نص عقد مشروع «مدينتي» الذي نُشر
أول أمس يمثل فصلاواحدا في مسلسل نهب مصر.
صحيح أن المسلسل معروض علينا منذ
عقدين من الزمانمن خلال ما تنشره الصحف من أخبار وتقارير وما تتناقله الألسنة من
رواياتتتحدث عن
صفقات الأراضي وبيع مؤسسات القطاع العام وتسهيلات البنوك وأذوناتاستيراد السلع الأساسية وتوكيلات
الشركات العالمية وغير ذلك، إلا أن نشرعقد مشروع «مدينتي» يظل الحدث الأكثر إثارة
في المسلسل.. لماذا؟ لأننا هنالسنا بصدد أخبار وشائعات، يمكن التشكيك في صدقيتها، ولا يُستبعد أن
تتعرضالوقائع فيها
للزيادة أو النقصان، بسبب تعدد الرواة واختلاف أمزجتهموأهوائهم.
إنما نحن بإزاء نص كامل للعقد،
وصورة زنكوغرافية له، مكنتنا منأن نقرأه كلمة كلمة من سطره الأول: إنه في يوم الاثنين الموافق 1
أغسطس
2005،
تم الاتفاق بين كل من هيئة المجتمعات العمرانية والشركة التي يمثلهاالمحاسب هشام طلعت مصطفى، إلى
فقرته الأخيرة التي تم التوقيع عليها، ونصّتعلى تحرير العقد من ثلاث نسخ، وتحتها توقيع
الطرفين. خلاصة العقد أن وزارةالإسكان الموقرة منحت السيد هشام 33 مليونا و600 ألف متر مربع من أرض
مصرالمحروسة(؟)، وأعطته الحق وحده في امتلاك 1800 فدان مجاورة لها. ولم يحددالعقد ثمنا لتلك المساحة الكبيرة
من الأرض، ولكنه نص على أن السيد هشامعليه أن يسدد قيمتها بطريقة عينية، وهي نسبة
7 ٪ من الوحدات السكنية التييقيمها (وهو ما لم يتم، في حين أن صاحبنا باع الشركة التي يمثلها وطرحأسهمها في البورصة).
جريدة «الدستور» المصرية ذكرت أن
السيد هشام الذيتسلّم الأرض بما يشبه الإهداء المجاني، لو باع متر الأرض بألف جنيه
فقط،فإن ذلك يعني
حصوله على ما لا يقل عن 34 مليار جنيه هدية من حكومة مصرووزارة التعمير فيها. ولذلك لم يكن غريبا أن
يصف النائب طلعت السادات، أحدالمحامين في قضية سوزان تميم، العقد بأنه من المضحكات المبكيات، ومن
أعجبعجائب
الدنيا.
في حدود معلوماتي، فإن ذلك ليس العجيبة الوحيدة،
ولكنه إحدىالعجائب المسكوت عنها في بلادنا، التي أصبحت تتمدد فوق بحيرة هائلة منالفساد المروِّع. وأنا مغمض
العينين أقطع بأن وزارة الإسكان لم تقدم علىهذه الخطوة الصادمة من ذات نفسها، رغم أن
سجلها في تبديد وإهدار الثروةالعقارية للبلد متخم بالفضائح التي إذا كُشفت أمام الرأي العام، فإنها
لاتُسقط وزيرا
أو حكومة، ولكنها تُسقط نظاما بأكمله.
لذلك فإن القضية من هذهالزاوية تثير سؤالين أساسيين هما:
كيف أُهديَ هشام طلعت مصطفى هذه المساحةالكبيرة ومن صاحب المصلحة المباشرة أو غير
المباشرة في إبرام هذه الصفقة؟أما السؤال الثاني فهو: كيف تصرّفت وزارة الإسكان في مجمل الثروة
العقاريةالمصرية؟ ومن هم الذين اقتسموا فيما بينهم أرض «المحروسة»؟
في الأروقةكلام كثير ووقائع مذهلة تتحدث عن
دور للأبناء والأصهار، واتصالات هاتفيةتدخّلت في توزيع الأراضي ومجاملات لكبار
المسؤولين بمن فيهم بعض الذينيجلسون على مقاعد الأجهزة الرقابية، التي يفترض أن تتولى محاربة
الفسادوملاحقة
الضالعين فيه، وإذا صح ربع هذا الكلام أو عشره فمعناه أن رجالالسلطة المتحالفين مع رجال
الأعمال نهبوا البلد ونحن غافلون، وأن الفسادالذي كان أحد أسباب تفجير ثورة يوليو، وما
كان انحرافا ساذجا يتصاغر إلىجانب ما جرى في البلد بعد مضي نصف قرن بعد ذلك.
إذا قال قائل إن هذه نظرةسوداوية لا ترى سوى نصف الكوب
الفارغ، فإنني أتوسّل إليه وعلى استعداد لأنأقبِّل يديه ووجنتيه إذا دلني على ما هو ملآن
في الكوب، وإلى أن يتحققذلك، وأغلب الظن أنه سيستغرق وقتا طويلا، فهل هناك أمل في أن يجيب أحد
علىالسؤالين
اللذين ذكرتهما؟ وهل نحلم بأن يشكل مجلس الأمة، بعد التجديدالتاسع عشر لرئيسه الدكتور سرور،
لجنة تقصي حقائق مسلسل نهب مصر والكشف عن «كشوف البركة» الجديدة؟
عندي تأييد متحفظ لقرار حظر النشر
في قضية الموسمالمتهم فيها رجل الأعمال الشهير
وضابط أمن الدولة السابق في قتل الفنانةاللبنانية، إذ رغم انني أحد ضحايا
حظر النشر ولي سجل طويل يشهد بذلك وثقتهبكتابي «مقالات محظورة» الأمر
الذي يفترض أن يضعني في مقدمة الرافضينللحظر والمقاومين له، إلا أنني لا
أخفي تعاطفاً مع القرار الذي اتخذ بشأنهذه القضية بالذات.
فقط لدي تحفظ عن بعض الأسباب التي
ذكرت لتبرير الحظر،فقد نشرت بعض الصحف أمس ان سبب
فرضه هو ان الشهادات والمرافعات من شأنهاان تأتي على ذكر بعض الشخصيات
العربية المهمة، وهو ما لا يراد له ان يشيعبين الناس، حتى لا يساء الى تلك
الشخصيات. وأنا لا أتردد في القول بأنهإذا كان هذا هو السبب فلا ينبغي
ان يكون هناك حظر، لأن من شأن ذلك التسترعلى علاقات مريبة أو مشبوهة
تورطوا فيها، وهذه ليست مهمة الإعلام الذييتعين عليه في هذه الحالة ان يكشف
تلك العلاقات بأدلتها بطبيعة الحال، لاأن يتستر عليها، خصوصاً أن لدينا
ما يكفينا من مصادر الفساد بمختلف صورهواشكاله، السياسي والاقتصادي
والإداري. ولسنا بحاجة الى حصص اضافية منالفساد الأخلاقي.
ولا يقولن احد ان للأمر علاقة من قريب أو بعيد
بالتضامنالعربي الذي سيكون في هذه الحالة
من قبيل التعاون على الاثم المنهي عنهشرعاً، وليس تعاوناً على البر
الذي نحن مدعوون اليه ومأمورون به.
تأييديللحظر في هذه القضية بالذات يرجع
الى امرين جوهريين، أولهما حاجتنا الىتوفير جو مناسب لتحقيق العدالة في
موضوع، خصوصاً بعدما بدا أن هناك ضغوطاقوية للتأثير في المحكمة أو
الشهود أو الرأي العام، من خلال الإعلام أولاًوالنشر ثانيا. ذلك اننا وجدنا
برامج تلفزيونية عدة اعتبرت القضية فرصةلجذب المشاهدين وإثارة فضولهم،
وتولى مقدمو تلك البرامج التحقيق في القضيةواستدعاء المحامين للمرافعة فيها
وفتح باب المناقشة الواسعة حولها، الأمرالذي لابد له ان يؤثر في الرأي
العام والشهود ولا يضمن حياد المحكمة.
وقدوجدنا ان رأس المال المتوافر لدى
بعض المتهمين لعب دوراً بتلك التعبئةسواء عن طريق الدفع بالمحامين
الكبار لتقديم مرافعاتهم خلال البرامجالتلفزيونية أو عن طريق المقالات
المدفوعة التي نشرتها بعض الصحف أو حتىاصدار بعض المنشورات والكتب التي
اعدت على عجل لنصرة رجل الأعمال الشهيروتبرئته، وقد ظهرت ثلاثة من تلك
الكتب في الاسواق هذا الاسبوع.
وكنت قدحذرت في وقت سابق
في هذا المكان من تلك المحاكمات التلفزيونية واستشهدتبآراء نفر من كبار فقهاء القانون،
الذين اعتبروا التوسع في نشر التحقيقاتوالمرافعات في الصحف عنصراً يمكن
ان يؤثر في حياد القضاء، فضلاً عن انهيجعل من الرأي العام عنصراً
ضاغطاً لا يخدم تحقيق العدالة في نهايةالمطاف.
الأمر الثاني الذي شجعني على
تأييد حظر النشر هو ما ذكرته امس،وكتبته قبل إعلان قرار المحكمة والنائب العام، من ان اشغال الرأي
العامبمثل هذه القضايا خصوصاً في ظل
التأثير الهائل لوسائل الاعلام على الادراكالعام، يمكن ان يصرف الانتباه عن
أمور أكثر أهمية، واوثق صلة بمصير البلدومصالحه العليا.
وكنت قد ضربت مثلاً لذلك بانشغال وسائل الاعلام
المصرية،والمحطات التلفزيونية بوجه اخص،
بقضية رجل الأعمال وقتل الفنانة اللبنانيةوتجاهلها لإظلام غزة ومنع الوقود
عنها واستمرار اسرائيل في تصفية عناصرالمقاومة فيها، ومع الأسف فإن
الصحف المستقلة وشبه المستقلة تورطت في هذاالمسار وذهبت بعيدا في مسعى
الاثارة لجذب القراء، حتى اصبحت الحوادث لاالاخبار تحتل موقعا بارزاً على
صفحاتها الأولى والداخلية وهو ما ادى إلىتراجع اهتمامات القارئ وانكفائه
على ما يشبع الفضول ويغذي نوازع الاثارة،في حين لا يضيف شيئاً يذكر إلى
معارفه، خصوصاً هدم وطنه وأمته.
أن يوضع السودان – وجنوبه بوجه
أخص – ضمن أولويات السياسة الخارجيةالمصرية فهذا تطور مهم لا ريب. والأهم منه أن
يتم ذلك وفق رؤية استراتيجيةواضحة المعالم والأهداف.
(1) طوال الأيام
العشرة الأخيرة، ظلالاتصال الهاتفي مقطوعاً بين القاهرة والخرطوم. إذ كلما هاتفت مكتبالاتصالات الدولية طالبا محادثة
بعض ممن أعرف في العاصمة السودانية، كانالرد في كل مرة أن الخط معطل، في حين أن
الاتصال بأي مكان في الكرةالأرضية ظل متاحاً طول الوقت. وحين ذكرت ذلك لبعض الأصدقاء السودانيين
فيالقاهرة، كان
تعليق أحدهم أن انقطاع الخطوط الأرضية هو الأصل في حين أناتصالها هو الاستثناء, وأضاف آخر
ضاحكاً أن الاتصالات السلكية واللاسلكيةتتمتع بحساسية عالية، جعلتها تتأثر كثيراً
بأجواء السياسة، فالحرارة تسريفيها حين يسود الدفء تلك الأجواء والعكس صحيح. وحين غلَّطته مستنداً
إلىدفء الأجواء
الراهنة، كان رده أن الخروج من طور البرودة السابقة يحتاج إلىبعض الوقت، لأن التسخين بدأ أخيرا
مع رحلة الرئيس مبارك إلى الخرطوموجوبا.
48عاما مرت
بين أول زيارة لرئيس مصري إلى جنوب السودان (الرئيس عبد الناصر في عام 60)، وبين الزيارة
الثانية التي قام بها الرئيسمبارك في العاشر من شهر نوفمبر الحالي. الزيارة الأولى تمت في إطار
اهتماممصر المبكر
بالدائرة الأفريقية التي اعتبر السودان الممر الرئيسي المؤديإليها. خصوصاً أن السودان كان
وقتذاك حديث العهد بالاستقلال (في عام 1956)، وإلى جانب ذلك فإن تواصل الشمال مع الجنوب
كان قد بدأ ينشط، بعد أنأغلقه الإنجليز في وجه الشماليين طوال عشرين عاماً (بين عامي
1927و1947)
بمقتضى
"قانون المناطق المغلقة"، الذي أريد به فصل الجنوب عن الشمال،واستئصال أي تأثير عربي عليه، من
جانب الشمال أو من جانب مصر. ومن غرائبذلك القانون أنه منع الجنوبيين من استخدام أي
إسم عربي، كما منعهم منارتداء جلابيب الشماليين، وفي حين أشاع الانجليز بين الجنوبيين ثقافةكراهية الشماليين والعرب، الذين
منعوا من دخول مناطق الجنوب، فإن تلكالمناطق لم تستمر مفتوحة إلا للأجانب
وارساليات التنصير.
قبل حملةالاحتلال البريطاني كان للمصريين
وجودهم المهم الذي تمثل آنذاك في مكتبينلشئون الري في كل من ملكال وجوبا، ومن خلال
المكتبين كانت الحكومة المصريةتباشر أنشطة أخرى متعددة في مناطق الجنوب. وفي كل الأحوال فان
الاهتمامالمصري بالسودان ظل متأثراً بتقلبات العلاقات السياسية بين القاهرةوالخرطوم. وإلى عهد قريب فان
الاهتمام الأكاديمي في مصر كان متقدما طولالوقت على الاهتمام العملي. إلا أن الأجهزة
المعنية بالأمن القومي جددتاهتمامها في السودان خلال العامين الأخيرين.
(2) هناك أكثرمن متغير طرأ على السودان وجنوبه
خلال الـ48سنة التي مرت بين الزيارتين. أحدها وأخطرها أن الجنوب أعطى حق تقرير
المصير حسب اتفاقية نيفاشا التيعقدت في سنة 2005، وأنهت الحرب المستمرة منذ عقدين بين الحركة
الانفصاليةوالحكومة. وبمقتضى تلك الاتفاقية يفترض أن تجرى انتخابات برلمانية فيالعام القادم، تسفر عن حكومة تشرف
على استفتاء الجنوبيين، وتخيرهم بينالبقاء في ظل دولة السودان أو الانفصال.
من تلك
المتغيرات أيضاً أنالرئيس السوداني عمر البشير مهدد بالمحاكمة هو وعدد آخر من المسئولينالسودانيين، أمام المحكمة
الجنائية الدولية، بتهمة الإبادة الجماعية فيدارفور. في الوقت ذاته فإن مدة البرلمان
الحالي تنتهي في شهر ديسمبرالقادم (الدستور حدد له 4 سنوات ابتداء من عام 2005) وإذا لم تجرالانتخابات لتشكيل برلمان جديد
فإن شرعية الحكم ستصبح مشكوكاً فيها. ذلكأننا سنكون بإزاء رئيس مطلوب وبرلمان معطل.
الأمر الذي يترتب عليه إضعافالسلطة القائمة داخلياً وخارجياً. وحين يحدث ذلك في ظل استمرار التمرد
فيدرافور
والاستعداد لمرحلة يواجه فيها البلد شبح الانفصال، فذلك يعني أنكيان الدولة ذاته أصبح مهدداً
بالخطر.
الملاحظ في
هذا الصدد أن رياحالداخل تتجه إلى تأزيم الموقف وإضعاف الحكومة، لأن الأحزاب السودانيةوالحركة الشعبية لا تريد إجراء
الانتخابات خلال الأشهر القادمة. وفي تقديرالعارفين بما يجري في تلك الدوائر أن هذه
التجمعات ليست جاهزة لخوضالانتخابات، فالأحزاب تعاني من الضعف الداخلي والحركة الشعبية تخشى منظهور الانقسامات الحادة التي يجري
تسكينها في الجنوب، والناشئة عن رفضقبائل المنطقة لتسلط وهيمنة قبيلة
"الدنكا" المحتكرة للسلطة.
منالتغيرات الأخرى التي تترقبها
النخبة السودانية موقف الإدارة الأمريكيةالجديدة. وقد أخبرني الدكتور غازي صلاح الدين
مستشار الرئيس البشير، بأنالرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما ينحدر من سلالة قبيلة
"اللو" في جنوبالسودان، وأن هذه القبيلة نزحت من جنوب السودان إلى كينيا، وكان أبوه
حسينأوباما من
بين أولئك النازحين. وللعلم فإن حكومة الجنوب أعلنت يوم 5نوفمبر الحالي عطلة في كل الدوائر
الرسمية ابتهاجاً بفوز أوباما.
فيرأي دوائر السلطة بالخرطوم أن
فريق الرئيس الأمريكي الجديد المختص بالشأنالأفريقي منحاز إلى الحركة الشعبية، ومؤيد
لانفصال الجنوب عن الشمال،الأمر الذي يجعلهم غير مطمئنين إلى موقف الإدارة الجديدة، وإن كانوايؤثرون الانتظار إلى الربيع
القادم الذي يتوقعون أن يتضح فيه موقفهاالحقيقي إزاء السودان.
في مواجهة
هذه المتغيرات، التي تضيق الخناقعلى حكومة الخرطوم، فإن حزب المؤتمر الحاكم يتمسك بإجراء الانتخاباتالبرلمانية لتفويت الفرصة على
تعطيل دور البرلمان. وفي الوقت ذاته فإنهأطلق مع الآخرين مبادرة أهل السودان التي كان
من نتائجها وقف القتال منجانب القوات الحكومية في دارفور.
وثمة إشارات تدل على أن الحكومة بصددالتراجع النسبي في موضوع محاسبة
الذين اتهموا في ارتكاب جرائم ضدالإنسانية في دارفور، خصوصاً الاثنين اللذين ذكرهما مدعي المحكمة
الدولية
(أوكمبو)،
وهما أحمد هارون وزير الدولة للشئون الإنسانية، وعلي كوشيب الذييقدم باعتباره رئيس ميليشيا
الجنجويد. وقد رفضت الحكومة السودانية تسليمالاثنين، مقابل عدم تقديم الرئيس البشير
للمحاكمة، كما اقترح الرئيسالفرنسي ساركوزي في مبادرة له. لكنها لم تمانع مؤخراً في التحقيق
معهماوانشأت لهذا
الغرض نيابة خاصة لاستجواب المتهمين في الجرائم التي ارتكبتفي دارفور، تمهيداً لمحاكمتهما
وغيرها داخل السودان. وفي الوقت ذاته فإنحكومة الخرطوم بصدد اتخاذ إجراءات إدراج
الاتفاقيات الخاصة بجرائم الحربوالجرائم ضد الإنسانية في القانون الجنائي السوداني.
(3) لايمكن التطرق إلى ملف جنوب السودان
من أي زاوية، دون التطرق إلى دورإسرائيل فيه (حركة تحرير السودان في دارفور التي يقودها عبد الواحد
نورالدين فتحت
مكتباً في تل أبيب). ذلك أن الأصابع الإسرائيلية تعبث هناك منذأكثر من خمسين عاماً، بحيث إننا
إذا أردنا أن نتحدث عن حضور في الجنوبلأية جهة، فلا مفر من الاعتراف بأنه ما إن
خرج الإنجليز من السودان عام
56،
حتى كان الإسرائيليون أول الداخلين إليه. وذلك لا يعني أن الآخرين لميكن لهم دور أو حضور في الجنوب،
لأن تلك الأدوار كانت قائمة – بما فيهاالمصري – لكنها جميعاً كانت تالية في الترتيب
والأهمية للدور الإسرائيلي.
هذاالدور وثَّقه ضابط الموساد
الإسرائيلي السابق، العميد متقاعد موشى فرحى،في دراسة سبق أن أشرت إليها عنوانها: إسرائيل
وحركة تحرير جنوب السودان.
وقد قدمت
الدراسة إلى مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا التابعلجامعة تل أبيب. وهي تروي بالتفصيل
وبصراحة شديدة قصة وصول المخابراتالإسرائيلية إلى جنوب السودان، من خلال استراتيجية وضعها بن جوريون
وجولدامائير
استهدفت الانتشار في قلب أفريقيا، والنفاذ إلى أثيوبيا والكونغوبرازافيل ثم أوغندا وكينيا للوصول
إلى جنوب السودان والتحالف مع حركةالتحرير هناك التي كان يقودها جون جارانج. والهدف من ذلك هو حث
الجنوبيينعلى الانفصال عن الشمال، لإضعاف السودان من ناحية، والضغط على مصروإضعافها من ناحية ثانية. إذ
المطلوب تهديد العمق الاستراتيجي لمصر. وفيالوقت ذاته الاقتراب من البحر الأحمر
للحيلولة دون تحويله إلى بحيرةعربية، يمكن أن تهدد المصالح الإسرائيلية من خلال خنقها بحرياً
واقتصادياًواستراتيجياً، وشل الحركة في ميناء إيلات.
تحدثت
الدراسة عن خمسمراحل مر بها الدعم الإسرائيلي للتمرد في الجنوب، بدأت بتقديم
المساعداتالإنسانية والإغاثية، وانتهت بمشاركة ضباط إسرائيليين مع الجنوبيين فيالحرب ضد الشمال. ومرت بتزويدهم
بالسلاح وإقامة معسكرات لتدريبهم فيأثيوبيا وإسرائيل.
خلصت الدراسة
في النهاية إلى أن جون جارانج توصلإلى اتفاق مع الإسرائيليين لإقامة دولة مستقلة في الجنوب، وطلب
مستشارينإسرائيليين لتأمينها، كما أنه طلب من واشنطن التدخل لحمايته إذا ما
هاجمتهقوات جيش
السودان، وقد صدرت تعليمات وزارة الدفاع الأمريكية إلى قواتها فيكينيا وأريتريا بالتدخل في
السودان إذا ما تطلب الأمر ذلك.
(4) موضوعانفصال الجنوب عن الشمال في عام
2011 لم يعد احتمالاً مستبعداً في الخرطومولا لدى الدول المجاورة. وهو ما يمكن أن يفتح
الأبواب لنزاعات وصراعاتجديدة، سواء حول النفط أو داخل القبائل الجنوبية ذاتها. البعض يشكك فيالانفصال لأن الجنوب لا موارد له
غير النفط وليس له أي منافذ مباشرة إلىالعالم الخارجي. وفي رأي هؤلاء أن هناك
اتجاهات داخل الجنوب حريصة علىالبقاء ضمن السودان الواحد، وأغلب هؤلاء بين السكان القريبين من
الشمال،التي دخلت في الإسلام وانتشرت بينها اللغة العربية، ويعول البعض على
الدورالمصري في
مجال التعليم والاستثمار لإقناع الجنوبيين بأن البقاء في دولةالوحدة أنفع لهم.
أما إذا حدث
الأسوأ وتم الانفصال فإن ذلك سوف يكونبمثابة زلزال يعين على انفراط الدولة القطرية
وهزيمتها، كما يعلن عن هزيمةالمشروع العربي والتحضير لإبعاد وطمس الوجود العربي في قلب أفريقيا،
فيتكرار لمأساة
زنجبار التي فقدت هويتها العربية والإسلامية. الأمر الذييترتب عليه أيضاً إغلاق أفريقيا في وجه
العرب, ناهيك عن تهديده لقائمةطويلة من المصالح التي يتصل بعضها بمياه النيل ويتصل البعض الآخر
بمختلفالثروات التي
تزخر بها السودان. وفي حالة فتح ملف إعادة تقسيم مياه النيل،حين تصبح دول حوضه 11 "بدلاً
من عشرة" فإن مصر ستجد نفسها في موقف دقيقوحرج، قد يؤدي إلى تقييد حريتها في إمكانية
تحقيق أي توسع زراعى، خصوصاًإذا ما قام اتحاد شرق إفريقيا (وهو فكرة بريطانية قديمة) الذي يضم
كينياوأوغندا و
تنزانيا. وفي هذه الحالة سيرشح جنوب السودان للانضمام إليه،ليصبح ذلك الاتحاد مهيمنا على
منابع النيل.
لأجل كل ذلك
ولكي نتجنبالأسوأ، فإن الحضور المصري في الجنوب أصبح أكثر إلحاحاً خلال العامينالقادمين. بل انه غدا فرضاً
لازماً لمصلحة السودان الموحد، ولمصلحة مصر،ولمصلحة الأمة العربية كلها. و تلك مسؤولية
تتطلب رؤية أوسع و تحركا اشملوأكثر جدية، ليس من جانب مصر و حدها و لكن من جانب كل معنى بالمستقبلالعربي. وليت هذا الموضوع يدرج
على جدول أعمال القمة الاقتصادية العربيةالقادمة التي يفترض أن تعقد بالكويت. واستشعر
غصة حين أجد أن الجامعةالعربية بحاجة لمن يذكرها بأن السودان في خطر، و أن أصداء ذلك الخطر
لنتنسحب عليه
وحده.
في حين ظل الإعلام المصري مشغولا
بمحاكمة رجل الاعمالالمتهم بقتل المطربة اللبنانية كانت غزة تختنق تحت وطأة الحصار الذي
منعالوقود وقطع
التيار الكهربائي عن القطاع وأدى الى وقف علاج عشرات المرضىالذين اصبحوا مشرفين على الموت.
اضافة الى تجويع الفلسطينيين وإذلالهم، منخلال منع وصول الأغذية ومستلزمات الحياة
الاساسية إليهم.
عدة جهات فيالعالم حذرت من الكارثة الانسانية
في غزة، خصوصا منظمة «الاونروا» (غوثاللاجئين) ومنظمات أخرى أوروبية معنية بحقوق
الإنسان، لكن هذه التحذيراتلم تجد لها صدى عندنا، على الأقل في أوساط اتخاذ القرار. فلا نحن
قررنا اننخفف من وقع الكارثة وفتحنا معبر رفح لتمكين المحاصرين من التزود ببعضاحتياجاتهم من السوق المصرية، ولا
نحن سمحنا للهيئات الإغاثية المصريةبتوصيل ما تقدر عليه من اغذية وادوية إلى
الاهالي في القطاع، ولا نحننددنا بوحشية الحصار وضغطنا على اسرائيل لكي تفتح المعابر المغلقة في
وجهالبضائع
والمؤن.
وحين التزمنا الصمت ولم نحرك ساكنا، فإن اسرائيل
تمادتفيما ذهبت
اليه ولم تكتف بإحكام الحصار والاصرار على تركيع الفلسطينيينوتجويعهم، وإنما اطلقت قواتها
الخاصة، التي توغلت في داخل القطاع وخطفتسبعة من النشطاء الفلسطينيين، ذلك انها
اعتبرت الصمت العربي، والمصري بوجهاخص، ضوءا اخضر شجعها على ان تواصل القمع والعربدة، دون ان يساورها
القلقمن حدوث اي
رد فعل عربي.
ليت الامر وقف عند هذا الحد، لأن
الدور المصريتجاوز الاشتراك في الحصار وإغماض الأعين عن الجرائم الاسرائيلية التيترتكب بحق المناضلين الفلسطينيين،
وانما ذهب الى حد بذل جهد ملحوظ فيتدمير الانفاق التي اضطر الفلسطينيون الى حفرها بأظافرهم للحصول علىاحتياجات الغذاء والدواء
ومستلزمات الحياة التي اصرت اسرائيل على حرمانهممنها. ولم يكن هناك تفسير بريء لبذل ذلك
الجهد، الذي لم يعد يحتمل سوىتفسير واحد، هو مضاعفة الحصار وتضييق الخناق على الفلسطينيين لكسر
صمودهموسحق
ارادتهم.
ثمة تفاصيل كثيرة في هذه الجريمة المستمرة سكت
عنها الاعلامالمصري، او لم يجد فيها مادة للاثارة تجذب الناس وتثير فضولهم. ولا
أستبعدان يكون
الاعلام قد مل الحديث في الموضوع، حيث اصبح إظلام القطاع خبراعاديا، وتوقف حياة مليون ونصف
مليون مواطن امرا لا غرابة فيه، وتوقفالمستشفيات عن علاج مرضى القلب والفشل الكلوي
والاطفال المبتسرين، حدثا لامفاجأة فيه.
اعتبر الاعلام ان تدمير حياة
الفلسطينيين وإماتتهم هو الأصلوأن بقاءهم على قيد الحياة استثناء، وان يعيشوا بكرامة في وطنهم حلم
بعيدالمنال،
وأمنية خرافية اقرب إلى الغول والعنقاء والخل الوفي. بسبب من ذلكفإن اعلامنا «الهادف» (؟!) وجد في
موضوع محاكمة هشام طلعت مصطفى ومغامرةالسكري وحكايات المطربة اللبنانية مادة اكثر
جاذبية واثارة، لذلك فإنهمشغلونا باتصالات هشام والملايين التي أنفقها او عرضها لإشباع نزواته،وبقمصان السيد السكري وعمليات
التجميل التي اجرتها المذكورة في شعرهاومواضع اخرى من جسمها، لتفتن اثرياء العرب
وتدغدغ احاسيسهم المراهقة.
لااظن ان اجراء المحاكمة في هذا التوقيت قصد به
مداراة الموقف البائس الذيتقفه مصر، وصرف انتباه الناس عن فظاعة الكارثة الحاصلة في غزة، وان
كنتأعذر انصار
فكرة المؤامرة اذا قالوا بذلك، لكنني ارجح احتمال التسابق علىالاثارة من جانب البعض وفساد
الأجواء الذي سبب خللا في الرؤية وترتيبالاولويات لدى البعض الآخر، ولا استبعد ان
يكون بين الاعلاميين فريق ثالثممن يكرهون أمتنا ويوالون اعداءها في اعماقهم وان تخفوا وراء شعار
«مصراولا وليذهب
الآخرون إلى الجحيم».
ليس عندي اي تبرير لهؤلاء ولا
هؤلاء،لكنني فقط
اقول انه اذا كان موقف السلطة بهذا الشكل الذي نراه، فإن سلوكالأخيرين يظل صدى طبيعيا له.
حين كان مؤتمر الحوار بين
الديانات والحضارات منعقداًفي نيويورك بحضور عدد من القادة العرب، على رأسهم العاهل السعودي
الملكعبدالله،
كانت غزة غارقة في الظلام، والمعابر المؤدية إليها مُحكمةالإغلاق أمام صف طويل من الشاحنات
المحمَّلة بالأغذية والأدوية، فياستمرار لسياسة تجويع الفلسطينيين وإذلالهم.
وفي ذات القاعة التي جلس فيهاالملك عبدالله وغيره من القادة
العرب، كان هناك شمعون بيريز رئيس اسرائيلوتسيبي ليفني، لم يخل المؤتمر من مفارقات
مخزية، إذ رغم انعقاده تحت شعار
«حوار
الأديان والثقافات»، فإنه وقف صامتا ومتجاهلا تماما لعملية الابادةالمنظمة والبطيئة التي ترتكبها
اسرائيل في غزة.
الأدهى من ذلك والأمرّ أنالمتحدثين العرب لم يُشر احد منهم
إلى جرائم الاحتلال الاسرائيلي، سواءالمتمثلة في الحصار او في الغارات والمذابح
التي تنفذها في غزة بين الحينوالآخر، رغم أن اخبار تلك الجرائم كانت تملأ شاشات التلفزيون طوال
انعقادالمؤتمر. كان
محزناً أن خطاب العاهل السعودي لم يُشر إلى الحاصل فيفلسطين، في حين ركّز كلامه على التنديد
بالإرهاب، وكأن ما يجري هناك منمذابح وجرائم ليس إرهابا رغم أنه لو أشار الى الاحتلال في فلسطينوالممارسات الاسرائيلية هناك لضرب
اكثر من عصفور بحجر واحد. من ناحية لأنهسيسجل موقفا شريفا إزاء قضية العرب والمسلمين
العادلة من فوق المنبرالدولي الذي وفره المؤتمر، ومن ناحية ثانية، فإنه كان سيخفف من الصدمةالتي شعرنا بها حين وجدنا خادم
الحرمين يجلس تحت سقف واحد مع بيريزوليفني، في تراجع نسبي عن الموقف السعودي
المُعلَن على الأقل، الذي اعتادان يحتفظ بمسافة إزاء قضية التطبيع.
ما سكت عنه الملك عبدالله خاض فيهشمعون بيريز، الذي لم يفوت
الفرصة، حين ارسل في كلمته رسالة غزل للمملكةرحب فيها بالمبادرة العربية التي اطلقها
الملك عبدالله حين كان ولياللعهد، لكنه تحفّظ على وضع القدس، والفرق بين الكلمتين أن الأولى قالتللعرب والاميركيين ما يودون
سماعه، اما الثانية فقالت للشعب الاسرائيلي مايستريح إلى سماعه.
ماذا كانت نتيجة المهرجان الكبير؟
صحيح أن اعلانا صدر،تضمن تعهدا بتشجيع حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع، لكنه يظل
وثيقةلم تُضِف
شيئاً الى الوثائق المختلفة التي عالجت الموضوع، ولم تحترم واحدةمنها في التعامل مع القضية
الفلسطينية، لكن أحدا لا يستطيع ان يدّعي انحوارا حدث، لا حول الديانات ولا حول
الثقافات، وأن ما جرى كان مؤتمراسياسيا في حقيقته، ومهرجانا خطابيا في ظاهره عبّر فيه المتحدثون عنأمنياتهم للمستقبل،
والى جانب ذلك برزت عنه ملاحظات
من أهمها ما يلي:
- أنالمتحدثين العرب جميعاً أكدوا تراجع أولوية
القضية الفلسطينية فياهتماماتهم.
- أن السعودية خسرت نقطة حين
أسقطت المسافة التي حرصت علىإقامتها بين سياستها وبين عملية التطبيع وأجوائها، صحيح أن التطبيع لميتم، لكن الحذر السعودي في
الموضوع تراجع على نحو رحبت به الولاياتالمتحدة بطبيعة الحال، لكنه أثار درجات
متفاوتة من الاستياء والإحباط فيالعالمين العربي والإسلامي.
- إن إسرائيل كانت الفائز الوحيد،
فقد كسبتنقطة في اقترابها من السعودية، باشتراك الملك عبدالله وشمعون بيريز فيالمؤتمر، وكان الأخير محقا في
وصفه بأن المؤتمر «نقطة تحوّل»، في الوقتنفسه فإن اسرائيل قدمت نفسها باعتبارها
الدولة المسالمة التي تفتح ذراعيهاللمبادرة العربية، في ذات الوقت الذي تواصل فيه خنق الشعب الفلسطيني
وقمعهوتجويعه.
يبدو أنه قدر نيويورك أن تظل
شاهدا على سوء تدبيرنا، مرة من خلالأحداث سبتمبر التي أطلق عليها تنظيم القاعدة
«غزوة نيويورك»، ومرة ثانيةمن خلال المهرجان السياسي الخطابي الذي أريد به تحسين الصورة، لكنه
أخفقواستحق أن
يوصف بأنه «نكسة نيويورك».
إذا أردت أن تتعرف علي نموذج
للخلل والغموض في القرار السياسي المصري،فقضية أيمن نور حالة تجسد الاثنين معًا، لا
يقولن أحد إنها قضية جنائيةعادية، أدين فيها شخص، وهو الآن ينفذ قرار القضاء بحقه، فذلك تشخيص
غيردقيق، لا
أعرف إنه كان ينطلي علي الأجانب الذين سمعوه كثيرًا أم لا؟، لكنهبالقطع لا يقنع أحدًا من الذين
يعيشون في مصر، إذ نحن نعرف جيدًا أن اتهامبعض الناس والتحقيق معهم وإحالتهم إلي
النيابة وتقارير الطب الشرعيالمتعلقة بالأمور التي تخصهم، ثم الأحكام التي تدينهم، بل حتي
معاملتهمداخل السجون، ذلك كله عادة ما لا يكون دائمًا بعيدًا عن السياسة وفي
بعضالأحيان فإنه
يظل داخلاً في السياسة، من أوله إلي آخره.
نحن نعرفأن الرجل رشح نفسه لمنصب رئيس
الجمهورية في شهر يوليو عام 2005 وخلالالأشهر الخمسة التالية حدثت أمور كثيرة انتهت
بالحكم عليه بالسجن بتهمةالتزوير بعد خمسة أشهر تقريبًا في 22 /12/2005، ومنذ ذلك الحين وإلي
الآنوهو وراء
القضبان، مضربًا عن الطعام حينًا ومشتبكًا مع سجانيه حينًا آخر،ومريضًا محرومًا من العلاج أو
مضيقًا عليه في ذلك في أحيان ثالثة، وإليجانب تدمير سمعته وحياته المهنية والأسرية،
فإن حزب الغد الذي أسسه تعرضلاختراقات أمنية أدت إلي تمزيقه، حتي قرأنا أخيرًا عن اقتحام البلطجية
مقرالحزب -الذي
هو مكتب أيمن- وإشعال الحريق فيه، وسط ملابسات مثيرة للدهشةوالشك، وفي ذلك كله تابعنا بسالة
زوجته في وقوفها إلي جواره، والدفاع عنهمن فوق مختلف المنابر المحلية والدولية،
وتحديها المستمر لمختلف قوي الضغطعليه وقهره، إلي غير ذلك من الملابسات المثيرة، التي تجعل الواحد منايتساءل في دهشة ومرارة: لماذا كل
ذلك؟
لأنني لا أجد
سببًا معقولاًلإبقائه في السجن طول كل ذلك الوقت مع التنكيل به، وعدم إطلاق سراحه
بعدانقضاء نصف
المدة كما يحدث مع غيره من المحكومين، بمن فيهم الجواسيسومرتكبو الجرائم المخلة بالشرف، فذلك يدفعني
إلي الشك في أن يكون الإذلالوتصفية الحساب والانتقام وراء ما جري له، لست متأكدًا من ذلك، ولكننيأصبحت لا أستبعد ذلك الاحتمال لا
لقوة الأدلة التي تثبته، ولكن لعدم وجودأدلة كافية تثبت «براءة» الإجراءات التي
اتخذت بحقه، بل ذهبت بي الظنونإلي حد الشك في أنه أريد بمعاقبة أيمن نور أن يصبح أمثولة تحذر أي شخص
منأن يفكر في
ترشيح نفسه للرئاسة مرة أخري، وإذا ما فعلها فإن عليه أن يتحملمسئولية فعلته التي لن يخرج منها
سليمًا!
لقد أوذي
أيمن نور كثيرًا، لكنه استفاد كثيرًا أيضًا، ولست أشك في أن الذين فعلوا به ما
فعلوه لميتمنوا له خيرًا، لكنه أصبح قصة مصرية تروي في مختلف المحافل السياسيةواجتماعات منظمة حقوق الإنسان، بل
أصبح أيضًا موضوعًا مدرجًا علي أجندةالعلاقات المصرية الأمريكية، ومثيرًا للجدل
بين ممثلي البلدين.
لستأشك في أن الذين قمعوا أيمن نور
ونكلوا به لم يتمنوا له شيئًا من ذلك،وربما ظنوا أنه سيظل واحدًا من الآلاف الذين
يقضون أعوامهم داخل السجون،ويخرجون منها مدمرين وغير قادرين علي فعل أي شيء في الحياة، بل عاجزين
عنالتعامل مع
المجتمع الذي غابوا عنه، لكن ذلك لم يحدث وأصبح أيمن نور وهوفي السجن أكبر وأهم كثيرًا منه في
خارجه.
لا أعرف إذا
كانت هذهالافتراضات قد جالت بخاطر الذين أداروا ملف أيمن نور أم لا؟!، لكن
الذيأعرفه جيدًا
أن الرجل كسب الكثير مما جري، بقدر ما أنه خسر الكثير أيضًا،وخسائره كلها إنسانية ومادية، أما
مكاسبه فسياسية بامتياز، بذات القدرفإنني لا أعرف أين كان ملف أيمن نور طوال السنوات
التي خلت؟، لكنني أعرفأن الذين أداروا معركتهم ضده لم يتخذوا بحقه قرارًا واحدًا رشيدًا،
كما لميتسموا
بالحكمة أو بُعد النظر، إن خوفي شديد من أن يكونوا قد تعاملوا بنفسالأسلوب مع ملفات أخري تتعلق
بمصير البلد.