الذين يقدرون البابا شنودة
ويعتزون ببعض مواقفه الوطنية،تصيبهم بعض تصريحاته بالحيرة، فتلجم ألسنتهم وتكاد تجمد مشاعرهم
الدافئةنحوه،
وبعض ما قاله يوم الاثنين الماضي
27 /10 على شاشة التلفزيون المصري
(في برنامج
«اتكلم» الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، يعد نموذجا لتلكالتصريحات اذ حين سئل عن رأيه في
محاضرة الأنبا توماس أسقف القوصية وعضوالمجمع المقدس، التي ألقاها في معهد هيودسون
بالولايات المتحدة (المرتبطبالمحافظين الجدد وإسرائيل) فانه تحدث باقتضاب مثيراً ثلاث نقاط هي:
انالمحاضرة
تاريخية وتتحدث عن تاريخ المسيحيين في مصر منذ عهد الفراعنة وأنهلم يقرأها جيدا (كلمة كلمة) وان
كاتبا من بلدة الأسقف يحرض المسلمين عليهبسببها.
لم أصدق ما سمعته من البابا شنودة
لأول وهلة، فكذبت أذني واتصلتببعض من أعرف هاتفيا للتأكد من حقيقة ما قاله، فتلقيت ردودا شاركتنيالحيرة والدهشة وأكدت أن الكلام
صدر فعلا عن البابا ولأن كثيرين ربما نسواتفاصيل المحاضرة التي ألقاها الأنبا توماس في
شهر يوليو الماضي أجدنيمضطرا إلى تلخيصها لتبيان خطورة الأفكار والآراء التي تتضمنها ليس فقط
علىنسيج الجماعة
الوطنية المصرية ولكن أيضا على تاريخ الكنيسة الأرثوذكسيةالوطني والمشرف وكنت قد أشرت الى
مضمون تلك المحاضرة في هذه الزاوية (يوم 22 يوليو) في تعليق كان عنوانه : طعنة
للجماعة الوطنية. تساءلت في ختامه عنموقف عقلاء المثقفين الأقباط منها، وعبرت عن
دهشتي إزاء سكوتهم على ما جاءفيها.
لقد اعتبر الأنبا توماس أن أكبر معضلتين تواجهان
المجتمع المسيحي فيمصر هما التعريب والأسلمة وقال إن القبطي يشعر بالإهانة إذا قيل له
انهعربي كما أن
الاقباط يشعرون بالخيانة من جانب إخوانهم في الوطن (يقصدالمسلمين) بعدما أماتوا ثقافتهم وسرقوا
فنونهم وزوروا تاريخ مصر. وإنالأقباط يترقبون اليوم الذي تعود فيه البلد إلى جذورها القبطية. مما
قالهالأنبا توماس
أيضا إن الأقباط يتعرضون للاعتداء والاضطهاد في مصر وإن منحقهم الدفاع عن أنفسهم الأمر الذي
يسوغ لهم طلب التدخل الأميركيلحمايتهم...الخ.
هذا الكلام الخطير الذي ينسف أسس
التعايش حين ينقل عنأسقف القوصية، فان أول ما يتوقعه المواطن العادي أن يتم التحقق من
صدورهعن الرجل، من
خلال الرجوع إلى نص المحاضرة وتسجيلاتها، وإذا ثبت صحةالكلام المنقول فلا أقل من أن يسأل الرجل
كنسيا على الاقل، ويطالب بإيضاحموقفه، ومن واجب الكنيسة أن تحدد موقفها بدورها مما ثبت صدوره عن عضومجمعها المقدس إساءة منه للبلد
بأسره وللكنيسة بوجه أخص.
وحين لا يحدث شيءمن ذلك، فلابد أن يصاب المرء بالدهشة، أما
حين يصف البابا هذا الكلام بأنه
«تاريخ» فإن
ذلك لا يحيرنا فقط، وإنما يصدمنا ايضا، وستتضاعف الدهشة حينتسمع من البابا أنه لم يقرأ
محاضرة الأنبا توماس كلمة كلمة، في حين أنهكان يتابع أثناء مرضه في أميركا تفصيلات ما
جرى في بني سويف بين العربورهبان دير ابو فانا.
كما أننا لا بد أن نستغرب أنه من
بين حوالي مئةتعليق نشرتها الصحف المصرية خلال الحديث على محاضرة الأنبا توماس،
فإنهغمز في واحد
واختصه بالذكر، حين قال إن كاتبا من بلدة الأسقف يحرضالمسلمين عليه ولان بلدة الأسقف هي القوصية،
فان الكاتب القبطي المعروفالوحيد فيها هو جمال أسعد وقد كان أحد المئة الذين انتقدوا الأسقف منمنطلق وطني وعروبي صرف. وكان
كلامه دفاعا عن وحدة الجماعة الوطنية وتعزيزاللتعايش بين المسلمين والأقباط وليس تحريض المسلمين
على القمص، في حينتبدو إشارة البابا وكأنها تحريض للأقباط على الرجل المعروف بنزاهة
مواقفهالوطنية،
فضلاً عن أن الغضب والاستفزاز من كلام الأنبا توماس لا يحتاجانإلى تحريض من أحد.
إن مقام البابا واحترامنا له يمنعاننا من الذهاب
الىأبعد من
التعبير عن الاستياء مما صدر عنه في برنامج «اتكلم» ..ليته ماتكلم!
الطريقة التي أبرزت بها الصحف حديثالبابا شنودة عن عدد الاقباط في
مصر تثير اكثر من علامة استفهام، فقد نقلتعنه قوله ان عددهم 12 مليونا، ثم اضافت انه
قال في حوار تلفزيوني اجريمعه ان الكنيسة تعرف اعداد الارثوذوكس المصريين عن طريق «كشوف
الافتقاد»
التي تعد
بمنزلة تعداد داخلي لكل اسرة مسيحية. ومن ثم فبوسعها معرفة عددالاقباط «ولا يهمنا العدد المعلن».
وان لوحظ ان البابا شنودة لم يتطرق الىالرقم في الحوار التلفزيوني الذي
تم بثه اول من امس، فلا تفسير لذلك سوىانه تحدث عن الرقم في الاسكندرية اثناء لقاء
كنسي تم هناك، ولكن المحررالمختص ضم ما قاله على شاشة التلفزيون مع تصريحاته في الاسكندرية، ثم
صاغالخبر
بالصورة التي أُبرزت على الصفحة الاولى في الجريدة.
واذا صح ذلك،فانها تصبح المرة الاولى التي يتدخل فيها
البابا في هذا الشأن. ويعلن رفضهالاعتراف بالاحصاءات التي أجرتها الحكومة، كما اعلن في السابق رفضهالاعتراف باحكام الطلاق التي تقضي
بها المحاكم في شأن الاقباط الارثوذوكس. وهي مواقف لها دلالتها المسكونة بروح الندية
والتحدي، التي تشيع جوا منالتوتر وعدم الارتياح في علاقة الكنيسة بالدولة. قضية تعداد السكان هيالتي تهمنا في اللحظة الراهنة،
لانها تعيد فتح ملف مسكون باللغط والالتباسوالمبالغات غير المبررة.
واذا كانت هذه هي المرة الاولى
التي يعلن فيهاالبابا رقما للاقباط، إلا انها ليست المرة الاولى التي يمارس فيهاالاجتهاد في الموضوع. وهو ما سجله
وفصّل فيه المستشار طارق البشري فيكتابه عن «الجماعة الوطنية»، الذي نشر ضمن سلسلة كتاب الهلال، اذ اشار
الىالمزايدات في
المسألة التي أوصلت عدد الاقباط الى 15 مليونا (المؤتمرالقبطي الذي عقد في زيوريخ عام 2004)، في حين
ان مجمع الآباء الكهنة قالفي سنة 77 ان عددهم سبعة ملايين، وكان التعداد الرسمي الذي أجري في
سنة 76قد اظهر ان
عددهم نحو مليونين ومائة ألف شخص (اصبحوا مليونين و83 ألفا فيتعداد عام 86).
ذكر المستشار البشري ان نتائج
التعداد التي اعلنت في عام
76 اثارت ضجة
عبر عنها اقباط المهجر، وكانت لها اصداؤها في جهات عدة،ولذلك تشكلت لجنة لتقصي حقائق التعداد في
مجلس الشعب. ضمت اربعة اعضاء،بينهم اثنان من الاقباط. وفي جلسة مهمة عقدت في 98/6/15 شرح الفريق
جمالعسكر رئيس
جهاز التعبئة والاحصاء، ملابسات اجراء التعداد، الذي تساوت نسبةالمسلمين والمسيحيين في خطوات
اجرائه، وكان أحد المسؤولين عنه في الوجهالبحري وكيل وزارة قبطيا هو السيد موريس حنا
غبريال. وقال ان نسبةالمسلمين والمسيحيين لم تتغير طوال 80 سنة (اول تعداد اجري في سنة 1897) وشرح بالارقام كيف ان كل الطوائف
المسيحية كانت تدخل في التعداد.
ففي حينان نسبتهم كانت في الاصل بحدود 6.3 ٪، ولكنها
ارتفعت الى اكثر من 8 ٪نتيجة ضم جيش الاحتلال الانجليزي (خلال السنوات من 1917 الى 1937)،وتراجعت تلك النسبة بعد عام 1960
حتى وصلت الى 5.87 ٪ في تعداد عام 1986،بسبب هجرة الاجانب والمتمصرين من البلاد بعد
ثورة 1952، ونتيجة لاتساعنطاق الهجرة المسيحية شبه المنظمة الى اميركا وكندا واستراليا بعد حرب
عام
1967.في
حديثه الى لجنة تقصي الحقائق قال الفريق عسكر ان البابا شنودة كانفي زيارة للولايات المتحدة، التقى
خلالها الرئيس جيمي كارتر الذي ابلغهبأنه يعرف ان عدد الاقباط في مصر 8 ملايين.
وابدى رئيس جهاز التعبئة تعجبهودهشته ان يكون الرئيس الاميركي
قد قام بعدّ المسيحيين في مصر حتى وصل الىهذه النتيجة، متجاهلا حقيقة ان كل التعدادات
التي اجريت منذ عام 1897 كانتمعدلاتها ثابتة بين المسلمين والمسيحيين في حين كان الانجليز
والفرنسيونهم المشرفين عليها، وقد كان رئيس الاحصاء يوما ما قبطيا هو حنين بك
حنين
. انني اخشى اذا فتح هذا الملف ان يثير لغطا لا
حدود له، ويضيف الى واقعنااحتقانا نحن في غنى عنه، علما بأن القضية الاهم هي الدفاع عن حق
المواطنةوالمساواة للجميع بلا استثناء. اذ حين نعترف بذلك، فان الامر لن يختلفكثيرا، سواء كان عدد الاقباط 50
شخصا ام عشرة ملايين.
الحضور المصري في لقاء إسطنبول
كان مميزا ولافتاللأنظار، على الأقل من حيث الكم، فحين يمثل البلد 300 من رجال الأعمالالناشطين في مختلف المجالات
والمحافظات، فذلك مؤشر ليس فقط على تنامي دورالقطاع الخاص، وإنما على طموحات العاملين فيه
ايضا. ذلك أنهم جميعاً جاءواالى ذلك المنتدى الدولي يبحثون عن فرص للتواصل والمعرفة.
ولا أعرف إذا كانلحجم المشاركة المصرية الكبرى في
المؤتمر علاقة بالانعكاسات المحتملةللأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المصري
أم لا، لكن ما أعرفه أن تلكالمشاركة لها أهميتها الخاصة في الظروف الراهنة. فهو لابد أن يتأثر
بماجرى، وهو في
حاجة إلى دفع عجلة الاقتصاد بكل وسيلة ممكنة، وإذا كانتالانهيارات المتتالية للبورصة والأزمة
الحاصلة في أوروبا قد دفعت بعضالمستثمرين إلى تحويل أموالهم إلى الخارج، فمن الطبيعي والمنطقي أن
تسعىمصر إلى
محاولة جذب آخرين إلى السوق المصري.
وإذا تذكرت أن المنتدى الدوليلرجال الأعمال أقيم أصلا لتحقيق
التعاون بين رجال الأعمال في دول منظمةالمؤتمر الإسلامي، فإن مد الجسور المصرية في
ذلك الاتجاه يمثل تطورا مهمافي السياسة الاقتصادية الخارجية، ذلك أن مصر في الاقتصاد كما في
السياسة،متجهة الى الغرب وليس إلى الشرق، وذلك أوضح ما يكون في السياحة،
المصممةكلها لكي تستقبل السائح الغربي، في حين أسقطت من اهتمامها تماما
السياحالقادمين من
العالم الإسلامي.
ولولا القفزة الكبرى التي حققتها
الصين التياقترنت بالأسعار الزهيدة التي هي بمقدور كل فرد، لما دخلت السلع
الآسيويةإلى الاسواق المصرية والعربية. وقد سبقتنا تركيا إلى تطوير
إستراتيجيتهاالاقتصادية كما ذكرت امس، ورتبت أهدافها بحيث وضعت دول الجوار على رأسالقائمة، وبعدها دول العالم
الإسلامي، تليها أفريقيا التي تتحرك فيهابفاعلية مشهودة في الوقت الراهن. ولا تسألني
عن إستراتيجينا أو أولوياتنالأنني لا أعرف إن كانت لدينا إستراتيجية اقتصادية ـ أو سياسية ـ أم لا،كما أنني أعرف أن العشوائية في
حياتنا لم تنجُ منها أولوياتنا على مختلفالأصعدة.
لا أستبعد أن يكون حجم الحضور
المصري الكثيف مرتباً لإقناع منظميالمؤتمر بأهمية عقد دورته القادمة في القاهرة، بعدما طاف بدول أخرى
منهاماليزيا
وجنوب أفريقيا والسعودية وأبوظبي، وقد قوبل الاقتراح المصري بحماسملحوظ، حيث صوتت لمصلحته 11 دولة
في حين صوتت ثلاث دول فقط لمصلحة عقدالاجتماع في طهران.
وكان حضور وزير التجارة المصري م.محمد
رشيد الىالمؤتمر إشارة إلى أن مصر الرسمية تدعم الفكرة، رغم أن استضافة
القاهرة لمتكن بحاجة إلى جهد كبير، ذلك أن مصر لاتزال تحتل مكانة خاصة في العالمالعربي والإسلامي، ولحسن الحظ فإن
أغلب رجال الأعمال في العالم الإسلاميلايزالون يذكرون مصر الكبيرة والعزيزة، ولم
يحتكوا بمصر المغتصَبةوالمنهوبة.
وأرجو أن تنجح الأطراف المعنية في
مصر في تنظيم مؤتمر العامالمقبل الذي قد يصل عدد المشاركين فيه إلى ثلاثة آلاف شخص (هذا العام
حضرمؤتمر
إسطنبول 2300 رجل أعمال). بعد التصويت وانتهائه عبّرت بعض الوفود عنقلقها من تدخل جهاز الأمن المصري
في قوائم المشاركين، بما قد يؤدي إلى منعالبعض من الحضور على الأقل، فهذا ما سمعت من
الفلسطينيين والإيرانيينوالعراقيين والجزائريين إذ رغم أن المشاركين ليسوا من أهل السياسة،
إلاأنهم يخشون
من السمعة التي تجاوزت الحدود أو أعطت انطباعا للمقيمين فيالخارج بأننا نعيش في ظل دولة
بوليسية، الكلمة الأخيرة فيها للتقاريرالسرية والقوائم السوداء،
وعندما ترددت هذه الانطباعات
أمامي في إحدىالجلسات فإنني لم أكذب، وخجلت من ذكر الحقيقة!
كلما زرت تركيا عدت منها بمشاعر
الدهشة والحزن، الدهشة لأنهم يخططون ويتحركون وينجزون كل حين، والحزن لأننا نملك
الكثير، لكن حركتنا تتسم بالعشوائية، وحصيلة الإنجاز إن وُجِدت، فإنها لا تكاد
تمثل تقدما إلى الامام. حضرت في اسطنبول منتدى الاعمال الدولي، استجابة لدعوة حرصت
على تلبيتها لكي أعرف كيف يفكر رجال الأعمال في العالم الإسلامي في ظروف الأزمة
المالية الراهنة.
وأثار انتباهي في البداية أن رجال الأعمال الفلسطينيين قد أقاموا بدورهم منتدى
خاصا بهم، عقد أول اجتماعاته في اليوم السابق على افتتاح منتدى الأعمال الدولي.
وإذا سألت لماذا يذهب واحد مثلي ليس له في المال أو الأعمال الى ملتقيات من هذا
القبيل، فردي اختصره في السؤال التالي: من منا ظل بعيدا عن الاقتصاد، بعدما
أُجبرنا على متابعة تطوراته، حتى أصبحت مصطلحاته ومفرداته ومؤشراته مقررة علينا
جميعا، وصرنا نتلقى فيها دروسا في نشرات الأخبار صباح ومساء؟
من الأفكار التي ترددت بقوة في المؤتمر وحوارات المشاركين (2300 رجل أعمال معهم 24
وزيرا من أنحاء العالم الاسلامي) أن ما جرى يعزز ثقة المسلمين في نظامهم الاقتصادي
الذي يجرِّم الربا ويشجع على المرابحة، خصوصا بعدما تبين أن فوائد القروض العقارية
كانت احد أسباب الكارثة التي بدأت بالـولايات المتحدة ولا يزال صداها يتردد في
أنحاء العالم. وإذ تحدث البعض عن تكاتف الدول الغربية من أجل تجاوز الأزمة، فإن
الدول العربية والإسلامية أصبحت أحوج ما تكون إلى مراجعة نظامها الاقتصادي
وتطويره، وإلى مد جسور التعاون فيما بينها، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لتخفيف تأثير
الأزمة العالمية على اقتصادياتها. كانت تركيا تقدِّم نفسها باعتبارها نموذجا
اقتصاديا ناجحا للنهوض والانتشار، حيث اصبح ترتيبها السابع عشر بين الدول الصناعية
في العالم، كما أصبحت القوة الاقتصادية السادسة في اوروبا. وقد استطاعت أن تصل
بصادراتها الى 200 دولة بقيمة 200 مليار دولار، والى جانب ذلك فإنها تسهم في
تنفيـذ مشروعات للإعمـار في 7 دولة بقيمة 110 مليارات دولار.
ولفت نظري أن تركيا تتجه بصادراتها الى الجنوب بصورة تدريجية، فقبل عام كانت
صادراتها تتجـه إلى دول الاتحـاد الاوروبي بنسبة 57 ٪، وقد انخفضت الى 48 ٪ هذا
العام، في الوقت الذي زادت صادراتها الى العالم العربي خلال العام الاخير بنسبة 44
٪، وقد احتلت صادراتها الى دولة الامارات رأس القائمة، حتى أصبحت اكبر شريك تجاري
لها، حيث تضاعفت الصادرات 4 مرات خلال السنتين الأخيرتين.
قال الأتراك إنهم منذ سنة 2000 وضعوا ثلاث أولويات لنشاطهم الاقتصادي الخارجي،
فاحتلت دول الجوار المرتبة الأولى، وبعدها الدول العربية والإسلامية، ثم الدول
الأفريقية، وان كانوا قد قطعوا أشواطا طيبة في علاقاتهم مع دول الجوار والعالم
العربي والإسلامي، فإنهم انفتحوا هذا العام على أفريقيا، وأنجزوا الكثير معها حتى
أن الحكومة التركية قررت فتح عشر سفارات جديدة لها في أنحاء القارة، حين وجدوا أن
السوق هناك مفتوحة بشكل كامل، واكتشفوا أن إقامة السفارات العشر كلفتهم أعباء
مالية تقل عما تتكلفه سفارة واحدة في أوروبا.
حينما سمعت هذا الكلام، ظللت أردد بين الحين والآخر: إن هذه أسواقنا في مصر،
فتحناها ونشطنا فيها حينا من الدهر، ثم انسحبنا منها بصورة تدريجية، وتمدد الأتراك
في فراغنا، ولا غرابة في ذلك، لأن الذي حدث في الاقتصاد كان انعكاسا للسياسة التي
انسحبنا منها، فتقدم غيرنا ليملأ الفراغ الذي تركناه، وكانت النتيجة أننا عجزنا عن
النهوض بالبلد واستقلنا من النهوض بالدور في الدوائر المحيطة بنا، وذلك لعمري سبب
كاف للشعور بالحزن والغم. وغدا نواصل.
تسجل تركيا هذه الأيام صفحة جديدة
فيتاريخها,
بعدما أمسكت بأهم خيوط الحكومة الخفية, التي ظلت تتحكم فيمصير البلد طوال نصف القرن الأخير
علي الأقل.
(1)
هو زلزالسياسي بكل المعايير, تلمس أصداءه فور وصولك الي استنبول, التي
تجريعلي أرضها
محاكمة العصر. اذ لايزال كثيرون غير مصدقين ان كابوس الحكومةالخفية الممثلة في منظمة أرجنكون
بصدد الزوال. وهي التي ظلت تتربصبالحياة السياسية منذ منتصف القرن الماضي, محركة عددا من الأحداثالكبيرة أو الغامضة, التي ظلت
تهز البلاد وتصدم الرأي العام بين الحينوالآخر, من الانقلابات العسكرية الاغتيالات
والتصفيات, مرورا بزرعالمتفجرات وإطلاق المظاهرات.
وصلت الي
استنبول مع بدء المحاكمةالكبري( الأثنين10/20) التي جرت بضاحية سيلفيري بالقسم الأوروبي
مناستنبول.
ومن الواضح أن الحكومة حرصت علي أن تطلع الرأي العام أولا بأولعلي تفاصيل القضية, حتي يعرف
الجميع حقيقة ما كان يجري في تركيا خلالالعقود الخمسة السابقة, فنشرت علي موقع
بالانترنت أسماء كلالمتهمين(84 حتي الآن وقد ألقي القبض علي25 آخرين في الأسبوعالماضي). كما نشرت لائحة
الادعاء المقدمة ضدهم التي وردت في2500صفحة. وقيل إن هناك5 ملايين وثيقة تؤيد
الادعاءات والجرائم المنسوبةاليهم.
أكثر ما أثار
الانتباه في قائمة المتهمين أن علي رأسهمثلاثة من جنرالات الجيش المتقاعدين, ورئيس
جامعة استنبول السابق وأحدكبار الصحفيين. إضافة إلي أعداد من رجال الجيش والشرطة, والقوميينالمتطرفين المنخرطين في منظمة
حماية الأفكار الاتاتوركية. وأي متابعللمحاكمة التركية يعرف أن القبض علي
الجنرالات خط أحمر, باعتبار أنالاصل في النظام السائد ان يقبض الجنرالات علي البلد وعلي
المواطنين.وكان لابد أن تحدث معجزة خارقة حتي يحدث العكس.
(2)وحدهمالمتابعون للحالة التركية ـ فضلا
عن عموم الاتراك بطبيعة الحال ـ الذينيدركون دلالة إلقاء القبض علي الجنرالات
ومحاكمتهم. ذلك أن الجيش هناكمحاط بهالة من القداسة, وجنرالاته يعتبرون أنفسهم ورثة أتاتورك
وحماةالعلمانية
والاوصياء علي الجمهورية. لكن دولة الجيش لم تستمر وسلطانهمتراجع بمضي الوقت, خصوصا بعدما
اشترط الاتحاد الأوروبي علي تركيا انتقلص دور الجيش في الحياة السياسية, حتي
أصبحت الاغلبية في مجلس الأمنالقومي للسياسيين المدنيين, وحين غلت يد العسكر عن القرار
السياسي,صار المجتمع أكثر جرأة في التعامل معهم.
تجلت تلك
الجرأة حينأصدر رئيس الاركان الحالي بيانا هاجم فيه بشدة الصحف التي انتقدت
إهمالالجيش في
الدفاع عن أحد المراكز الحدودية في جنوب شرقي البلاد, كان قدتعرض لهجوم من قبل حزب العمال
الكردستاني في بداية الشهر الحالي,وحينذاك رد عليه رئيس تحرير صحيفة طرف أحمد
الطاق بمقال عنيف كان عنوانهمن أنت أيها الجنرال حتي تهددنا؟ كان المقال جريئا في مفرداته وفي
لغته,فلم يسبق ان خوطب الرجل بصفته جنرالا. إذ كان يشار اليه عادة
باعتبارالباشا( القائد) أو رئيس الأركان, كما لم يسبق لأحد ان سأله منأنت, ولا بماذا تهددنا بل إن
الكاتب سخر منه حين سأله عما إذا كان سيوجهطائراته النفاثة اف16 لقصف مقر جريدة طرف؟
في الوقت ذاته فان الصحفانتقدت بشدة قائد القوات البرية لانه مشغول بلعب الجولف أثناء مراسم
دفنأحد الجنود
الذي قتلته غارة حزب العمال الكردستاني علي المركز الحدودي.
(3)كنتقد سمعت بمنظمة( ارجنكون) قبل
أحد عشر عاما, حيث حدثني عنها أحدالخبراء المتخصصين في ملفها, وقد طلب مني
حينئذ ألا أذكر اسمه, ونشرتفي21 مايو1997 مقالا كان عنوانه الحكومة الخفية في تركيا, ركز
علينفوذ الجيش
في الخريطة السياسية, باعتباره الحليف الرئيسي للمنظمة,قيل لي إن كلمة ارجنكون لها
رنينها الخاص في الذاكرة التركية, اذ تقولالاسطورة ان الصينيين حين هاجموا القبائل
التركية اثناء وجودها في وسطآسيا, موطنها الاصلي, فانهم سحقوهم وقضوا عليهم, بحيث لم يبق منالجنس التركي إلا عدد قليل من
الناس, احتموا بواد عميق باسم ارجنكونوهناك ظلوا مختفين ومتحصنين سنين عددا,
تكاثروا خلالها حتي ضاق بهمالمكان, ولم يعرفوا كيف يخرجون منه, حتي ظهر في حياتهم الذئب
الأغبرالذي دلهم
علي طريق الخروج, ومن ثم أتيح لهم ان ينفتحوا علي العالمويقيموا دولتهم الكبري. وإذ
اصبح الذئب الأغبر رمزا عن القوميين الأتراكفان كلمة ارجنكون أصبحت رمزا للحفاظ علي
الهوية وبقاء الجنس اذ لولاهلاندثر الأتراك ولم يعد لهم وجود.
في مقال
الحكومة الخفية الذينشر لي قبل أحد عشر عاما استعرت عنوانا رئيسيا نشرته صحيفة يني شفق
آنذاكتساءلت
فيه: من صاحب القرار في تركيا؟ ذلك أن رئيس الوزراء انذاك كاننجم الدين اربكان زعيم حزب الرفاه
الاسلامي, لكن رئاسة الأركان نازعتهسلطته وظلت تمارس ضغوطها عليه حتي اضطرته
للاستقالة في نهاية المطاف.
تحدثتفي المقال عن أنني حاولت أن أتحري
حقائق ذلك العالم الخفي الذي يتحكم فيالحياة السياسية التركية. ونقلت عن بعض
الباحثين الاتراك الذين لقيتهمقولهم لي: لا تجهد نفسك كثيرا في محاولة التعرف علي الحقيقة,
لأنها لاتستعصي علي المراقب القادم من الخارج فحسب, وأنما تستعصي علي
الأتراكأنفسهم.. الذين يعرفون أن الخفي منها والمجهول أكثر من المعلوم.
(4)منذ صعود القوي ذات الخلفية
الاسلامية الي مواقع متقدمة في الحياةالسياسية التركية استنفر العلمانيون
المتطرفون قواهم وأصبح شغلهم الشاغلهو كيفية قطع الطريق عليهم وإفشال تجربتهم,
باعتبارهم يمثلون تهديدامباشرا للعلمانية والتراث الكمالي. وأصبحت هذه المهمة أحد أهداف
منظمةارجنكون,
التي تتعدد الأقوال في منشئها, فمن قائل انها امتداد لجماعةالاتحاد والترقي التي خلعت
السلطان عبدالحميد وقضت علي الخلافةالأسلامية, وقائل إنها كانت ذراعا لحلف
الناتو الذي انضمت اليه تركيا فيبداية الخمسينيات, وانها كانت ضمن المنظمات التي شكلتها المخابراتالمركزية في أوروبا لمكافحة
الشيوعيين في مرحلة الحرب الباردة, لكن الذيلا يختلف عليه احد أن أصابعها كانت هناك في
أغلب القلاقل والاضطرابات التيشهدتها تركيا. وانها انتشرت في مختلف مفاصل الدولة حتي قدر أحد
الخبراءاعضاءها بنحو40 ألف شخص.
ثمة حادث وقع
في شهر نوفمبر منعام1996 يسلط الضوء علي مدي قوة وانتشار تلك المجموعة الخطيرة,
ذلك أنسيارة مرسيدس
سوداء كانت تسير مسرعة علي أحد طرق غرب تركيا, فخرجت عليهاسيارة شحن كبيرة صدمتها وقتلت
ثلاثة من ركابها, أحدهم كان مدير الأمنالسابق لمدينة استنبول, والثاني أحد زعماء
المافيا الخطرين والمطلوبينمحليا ودوليا, والثالثة ملكة جمال سابقة لتركيا كانت عشيقة
الثاني.أما الرابع الذي جرح فقط فقد كان شيخ عشيرة كرديا يتمتع بالحصانةالبرلمانية, في التحقيق تبين ان
المجموعة كانت قادمة من أزمير, عقباجتماع عقدته مع وزير الداخلية في الحكومة,
وان السيارة كانت تحملسلاحا, وحيث قدمت الاستخبارات تسجيلاتها التي تتبعت بها بعض ركابالسيارة, تبين ان السيدة تانسو
شيللر نائبة الوزراء في الحكومة كانت علياتصال مع واحد منهم, هي وزوجها الذي لا يقل
أهمية عن ذلك ان القضية تمتلفلفتها حيث اختفت البصمات من ملف القضية, وصدرت احكام مخففة لحق
الذيناتهموا فيها
وأفلتت احدي خلايا منظمة ارجنكون من العدالة. وكان أحدالأسباب التي أدت إلي ذلك ان الحكومة كانت
ضعيفة في مواجهة الجيش( رئيسالاركان وقتذاك احتج ورفض مساءلة مدير الدرك, معتبرا ان ذلك من
اختصاص الجيش وحده).
هذهالمرة وقعت المصادفة في ظل وضع
اختلفت فيه موازين القوة في تركيا. فقددأبت بعض الأبواق الاعلامية علي اتهام
الحكومة بأنها تسعي لتطبيق الشريعةفي البلاد, وكان ذلك مبررا لتنظيم بعض مظاهرات الاحتجاج باسم الدفاع
عنالعلمانية.
في هذه الاجواء القيت قنبلتان علي فناء صحيفة الجمهوريةالمتطرفة( مدير تحريرها متهم في القضية),
للإيحاء بأن الاسلاميينيريدون تخويفها. وبعد ذلك قتل أحد المحامين قاضيا في المحكمة
العليا,وقال القاتل في التحقيق إنه أقدم علي فعلته لأن الرجل من معارضي
السماحللمحجبات
بالدراسة في الجامعة, وبطبيعة الحال فان الابواق العلمانيةاستشهدت بما جري, وراحت تحذر من
مغبة السياسة التي تتبعها الحكومة.
الحادثانوقعا في السنة الماضية, التي
كانت أجهزة الأمن تراقب خلالها شقة سكنيةفي ضاحية العمرانية باستنبول, وحين اقتحمت
الشقة وجدت فيها مخزناللاسلحة وعدة وثائق بالغة الأهمية. إذ اكتشفت أن بها قنابل من نفسالطراز الذي ألقي علي صحيفة
الجمهورية, وعثرت علي صورة لقاتل القاضي معأحد الجنرالات المتقاعدين, وصورة أخري
لقائد الشرطة العسكرية السابق,الذي يعد أحد اهم خمسة قيادات عسكرية في البلاد, وصورة لجنرال ثالث
معمؤسس جمعية
الدفاع عن الأفكار الاتاتوركية وكانت تلك الوثائق هي الخيوطالأولي التي تتبعتها أجهزة الأمن
والتحقيق التي كشفت عن حلقات أخري فيالتنظيم الجهنمي, واشارت الي علاقة
لارجنكون بحزب العمال الكردستانيالانفصالي الداخل في صراع مع حكومة أنقرة. وهناك شكوك يرددها البعض
عنعلاقة
لعبدالله أوجلان بالتنظيم( حماه كان مسئولا كبيرا فيالاستخبارات) الذي يكتشف فيه جديد كل يوم
لا أحد يعرف بالضبط حجم الجزءالغاطس منه.
أحد الخبراء
قال لي انهم لا يستبعدون أن يرد التنظيمبتوجيه ضربة من أي نوع للحكومة التي دخلت
معهم في مواجهة مكشوفة لأول مرةفي التاريخ التركي المعاصر. وقد تأتي الضربة من حركة مفاجئة داخلالجيش, ولا يستبعد ان يتعرض
رئيس الوزراء أردوجان للاغتيال, كما لايستبعد ان يلقي رئيس الجمهورية عبدالله جول
المصير ذاته, بحيث يتكرر معهما جري مع الرئيس الاسبق توركوت اوزال, الذي تتواتر الروايات عن أنتنظيم ارجنكون قام بتسميمه
عام1993, لكن الأهم في الأمر أن ارجنكونأصبحت اخيرا في قفص الاتهام, وأن المحاكمة
بدأت منذ اسبوع وقد تستمرلسنة أو سنتين.
حين وجه مذيع قناة الجزيرة سؤالا
إلى وزير السياحةالمصري بلغة عربية فصيحة، فإن الوزير رد عليه بالعامية ولم يستطع انيخاطبه باللغة نفسها، صحيح ان
المذيع جميل عازر كان متمكنا من الفصحى بحكمخبرته الطويلة في الاذاعة البريطانية الناطقة
بالعربية، التي تتشدد فيإلزام المذيعين بقواعد اللغة، الا ان الوزير كان معبرا بدوره عن حالةعناصر النخبة في مصر الذين اصبحوا
يجيدون اللغات الاجنبية، الانجليزيةبوجه أخص، في حين يتعثرون في الحديث بالعربية
الفصحى.
شهدت مؤتمرا في دبيحضره رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف، وألقى
فيه كلمة مكتوبة، التقطت أذنيفيها أربعة أخطاء نحوية، وحين وجه اليه رئيس الجلسة الأميركي الجنسيةسؤالا باللغة الانجليزية، فإنه رد
بطلاقة أثارت الانتباه، حتى بدا وكأنالانجليزية وليست العربية هي لغته الأم. وفي
احتفال أقيم بأحد فنادقالقاهرة الكبرى لتقديم جائزة الشعر للفائزين بها، وقف السيد فاروق
حسنيليلقي كلمة
الافتتاح، ولكنه لم يستطع وهو وزير للثقافة أن يتكلم بالفصحىلأكثر من ثلاث دقائق، وكانت
عباراته ركيكة ومرتبكة، الأمر الذي اضطره الىإنهاء كلامه بسرعة، خصوصا ان مستمعيه كانوا
جميعا من المهتمين بالشعرواللغة العربية.
الظاهرة تدعو إلى القلق، ليس فقط
لان النخبة يعانون منالفقر في حصيلتهم اللغوية العربية، ولكن ايضا لانهم افراز نظام تعليميوحالة ثقافية لم يحترم أي منهما
لغة البلد الذي ينتمون اليه، ووجدوا فياجادتهم للغات الاجنبية تميزا لا يحصله الذين
اكتفوا بالفصحى، وحتى لايساء فهم كلامي فإنني تماما مع الاحاطة باللغات الاجنبية واجادتها،
بشرطواحد هو الا
يكون ذلك على حساب تعلم الفصحى والتمكن منها.
الادهى من ذلكوالأمر ان هذه النخب التي نعيب
عليها الضعف في التعامل مع الفصحى، يبدوانهم افضل حالا من اجيال جديدة ليست ضعيفة في
الفصحى ولكنها جاهلة بها فيالاساس، ذلك انه في ظل انهيار العملية التعليمية في مصر، فإن كل
القادرينعلى إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة لم يترددوا في إلحاقهم بها، في
الوقتذاته، فإن
نسبة كبيرة من تلك المدارس تركز على التعليم بالانجليزية،وتعتبر ذلك ميزة وعنصر جذب
لأولياء الأمور الذين يعتبرون أن التمكن منالانجليزية يهيئ لأبنائهم فرصا أفضل في
المستقبل. وإزاء ذلك فمن الطبيعيان تخرج لنا هذه المدارس اجيالا مقطوعة الصلة باللغة الأم، قد لا تجهلالفصحى فحسب، ولكنها تحتقرها أيضا.
إن السؤال الذي يطرح نفسه، في هذهالحالة هو: أين دور الحكومة؟ وما
موقف السياسة التعليمية من هذه الظاهرة؟اننا لا نكاد نجد موقفا واضحا من هذه
المسألة، كما اننا لا نلمس اثرالسياسة تعليمية حازمة، تعنى بتربية الاجيال الجديدة تربية سوية تصقلشخصيتها وتعتبر الاعتزاز باللغة
من مظاهر الكبرياء الوطني والاعتزازبالذات، والعكس صحيح بطبيعة الحال، لان
احتقار اللغة هو من مظاهر احتقارالذات.
والامر كذلك فلعلي لا أبالغ اذا قلت ان تدهور
أوضاع اللغةوالازدراء بها هو في حقيقته تعبير عن الهزيمة الحضارية، وقد نبهنا ابنخلدون الى ان المغلوب مولع دائما
بتقليد الغالب، ليس في سلوكه وعاداتهفحسب، ولكن في لغته ايضا. وقديما قيل ان
اعوجاج اللسان علامة على اعوجاجالحال، الامر الذي اذا صح فإنه يدلنا على ان المشكلة ليست في ألسنة
اعوجتولغة تدهورت،
وإنما هو استسلام للهزيمة والانكسار، وشعور باليأس من الحاضروالمستقبل، يدفع البعض الى الهجرة
خارج الوطن، ويدفع آخرين الى الهجرة معالاستمرار في داخل الوطن.
حين
علمت ان قطر قدمت مبادرة لحل مشكلة دارفور كان اولما خطر ببالي سؤالان: اين مصر؟ واين الجامعة
العربية؟ ليس لدي تحفظ عنالمبادرة القطرية، التي تظل خطوة مرحبا بها في كل الاحوال. لذلك
فتساؤليلا ينصب على الحضور القطري بقدر ما انه يعبر عن الحيرة الممتزجةبالاستنكار ازاء غياب الآخرين. والمبادرة
التي تناقلت اخبارها وكالاتالانباء تظل نافلة وتطوعا من جانب قطر، اذا ادتها ربحت واذا انصرفت
عنهافلا لوم
عليها ولا تثريب.
اما الجهد المصري ودور الجامعة العربية فهما منالفرائض التي تخصم من رصيد
الاثنتين اذا تقاعستا عن ادائهما. مصر لانهادولة كبرى لها مسؤولياتها ازاء اشقائها في
المنطقة، والجامعة العربيةلانها قائمة على الشأن العربي ومعبرة ـ في ميثاقها على الأقل ـ عن
مصالحواشواق الأمة
العربية. حتى يكون تشخيصنا أكثر دقة فإن غياب مصر والجامعةالعربية ليس مقصورا على مشكلة
دارفور وحدها، وانما هو تعبير عن غيابالاثنتين عن مجمل القضايا العربية المصيرية،
الامر الذي احدث فراغا هائلافي الساحة العربية، اغرى دولة مثل قطر بمحاولة سد بعض ثغراته.
وهذهالمحاولة تجلت في الوساطات
القطرية في لبنان واليمن وفلسطين والصومالواخيرا في السودان. ولا يفوتنا ان نذكر هنا
انه حين تعاملت مصر بجفاء معاسماعيل هنية وقت رئاسته لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، بحيث لميقابله سوى وزير الخارجية المصري
لدقائق معدودة، فإن قطر ارسلت الىالقاهرة طائرة خاصة لتحمله الى الدوحة، وخرج اميرها الشيخ حمد بن
خليفةلاستقباله في
المطار. ومازالت قطر تفتح أبوابها لمختلف الاطرافالفلسطينية، في حين ان مصر تستقبل كل من هب
ودب من الشرق والغرب، بمن فيهمرجل مثل سمير جعجع يداه ملطختان بدم الفلسطينيين واللبنانيين، ومازالتابوابها مغلقة امام قادة «حماس» في
غزة، بحيث لم يعودوا يدخلونها الاللقاء مسؤولي الأجهزة الامنية دون غيرهم.
الاجابة عن السؤال «اين مصر؟» لمتعد صعبة، بعدما اصبحت استقالتها
من «الدور» امرا شائعا بين المتابعينوالمحللين. لكن المشكلة في حالة دارفور انها
لا تتعلق بالمكانة فحسب،وانما بالمكان ايضا. اعني انها لا تعد خصما من دور مصر كدولة كبرى فقط،وانما تمس صميم الامن القومي
المصري. ذلك ان السودان ليس جيبوتي اوموريتانيا في بعدهما الجغرافي عن مصر، ولكنه
بلد لصيق بمصر تمر به مياهالنيل التي هي شريان الحياة في البلد، بالتالي فإن كل استقرار للسودانيمثل امانا لمصر، وكل اضطراب او
قلق له تأثيره السلبي على مصالحها العليا. ان مختلف الشواهد تدل على ان مصر الراهنة
تخلت عن دورها الاقليمي، ولمتوجه الاهتمام الواجب ازاء امنها القومي، واصبح شاغلها الاول هو وضعهاالداخلي، وترتيب انتقال السلطة في
المستقبل، الامر الذي ادى الى تراجع كلما عدا ذلك من اهتمامات.
ايضا لم تعد صعبة الاجابة عن السؤال «أين
الجامعةالعربية؟» لانك اذا تابعت تحركات امينها العام فستلاحظ انه يتحرك وفقاجندة تفرض اولوياتها حسابات ليست
عربية خالصة ولكن دولية ايضا، ففي حينلا تحظى المصالحة العربية او الموضوع الفلسطيني
او موضوع دارفور اوالاحتراب الاهلي في اليمن باهتمامه، فإننا وجدناه يركز على لبنان
والعراقوالمشاركة في المحافل الدولية. وهذه ليست مصادفات بطبيعة الحال،
ولكنهاأولويات
تستجيب للضغوط الدولية التي تقودها الولايات المتحدة التي لهاحساباتها الخاصة، التي اصبحت
اولويات ما سمي بمحور الاعتدال في المنطقة.
وربما
كانت هذه «مصادفة» لا تخفى دلالتها، فمادامت الدول العربية الكبرىملتزمة بإطار تلك الحسابات، فلا
مانع من ان تتحرك قطر وتنطلق في أرجاءالعالم العربي لتحل مشكلاته.
بح
صوتي طوال العقدين الأخيرين وأنا أحاول إقناعالمهتمين بموضوع التطرف والارهاب بمسألتين. الأولى
ان الناس لا يولدونمتطرفين او ارهابيين، ولكنهم يصبحون كذلك بفعل عوامل اجتماعية
واقتصاديةوسياسية معينة. الثانية ان التطرف والارهاب ليسا مقصورين على الافرادوالجماعات، ولكن هناك انظمة
ومؤسسات رسمية تمارس التطرف والارهاب ايضاوعلينا اذا كنا جادين في مواجهة الظاهرة ان
نتصدى لها في مختلف مصادرهاومضامينها.
أعدت
هذا الكلام على مسامع باحث جاء الى القاهرة من بروكسل موفدا مناحدى الجامعات ليدرس ظاهرة التطرف
والارهاب في مصر وبعض الاقطار العربيةالاخرى ولاحظت ان الرجل متأثر بالتعبئة
الاعلامية بأكثر من تأثرهبالدراسات والقرارات التي وقع عليها.
اذ
بدا من اسئلته وتعليقاته ان الصورة النمطية للارهابي او المتطرفالتي روج لها الاعلام مسيطرة على
ادراكه الى حد كبير. فهو يتجه ببصرهدائماً الى الجماعات والمنظمات الاهلية،
معتبرا ان كل متدين مشروع متطرفاو ارهابي، وان اللحية والعمامة والجلباب الأبيض هي من العلامات
المميزةللمتطرف، وأبدى اهتمامه بما قلته عن ان هناك انظمة متطرفة، وان
سياساتهاتسهم الى حد كبير في تفريخ سلوكيات التطرف او الارهاب لدى الناس.
كانت
زيارته هي الأولى لمصر، ولذلك وجدت نفسي مضطرا الى ان اشرح لهخلفيات كثيرة، منبها الى ان
الظاهرة انحسرت في مصر الى حد كبير، وان قدومهلدراستها في الوقت الراهن ينطبق عليه المثل
اللبناني الذي يتحدث عن رجلقرر ان يؤدي فريضة الحج في حين بدأ الناس يعودون منه.
قلت
له ان ثمة فرقا بين التطرف والارهاب. فالاول وقوف في الطرف وانحيازالى الاشد والأكثر عسرا في
التعاليم، وهو اختيار ينحاز اليه المرء فيلزمنفسه به، وقد يلزم محيطه العائلي ايضا. اما الارهاب
فهو يمثل مرحلة ابعدكثيراً واخطر وذلك ان الفرد في هذه الحالة يتجاوز محيطه الخاص الى
العام،ثم انه في
تجاوزه ذاك يلجأ الى العنف في محاولة فرض تشدده او مشروعه علىالآخرين.
اضفت
ان التطرف يصبح خياراً مطروحا حين تنغلق ابواب الاعتدال وانالارهاب يبرز كخيار في الأفق حين
تنسد ابواب التغيير السلمي، وفي الحالتينتبرز البنية الثقافية والسياسية كعنصر مهم
ومؤثر الى حد كبير في الجنوحنحو التطرف او الارهاب. الدليل على ذلك ان تيارات التطرف والارهاب
تنخر فيالمجتمعات التي ترفرف عليها رايات الحرية والتسامح بحيث تصبح شذوذاواستثناء على القاعدة. في حين
تنمو وتزدهر في المجتمعات التي تعاني منالقهر والقمع. وفي التجربة المصرية فإن
جماعات التكفير والتغيير بالعنفولدت داخل السجون، وكانت من اصداء سياسة القهر وعمليات التعذيب التي
طالتالناشطين.
لفت
نظر صاحبنا الى اننا في مصر نعيش وضعا تراجعت فيه جماعات التطرفوالارهاب، في حين ظلت السلطة مصرة
على موقفها المتشدد الذي يتجلى فيلجوئها الى القمع وممارسة العنف في التعامل مع الناشطين، وكثيرة هي
المراتالتي يحاول
فيها الناشطون التعبير عن آرائهم بالتظاهر او الاعتصام اوالمشاركة في الانتخابات في ظل
القانون ومن خلال القنوات الشرعية. ولكن هذهالمحاولات لا تقابل من جانب الاجهزة الامنية
الا بأساليب البطش التيتتراوح بين الاعتداء بالضرب والاعتقال والمحاكمة. وهو ما يضعنا امام
مشهديمارس فيه
الناشطون اعتدالا يلتزمون فيه بحدود القانون، في حين تمارساجهزة الأمن تطرفا وارهابا يعتدي
على القانون وينتهك أبسط حقوق الانسان.
لا أخفي تعاطفي مع المرشح
الديموقراطي باراك أوباما،رغم انني لست طرفا في معركته، كما ان صوتي لا يقدم أو يؤخر في حظوظه،
واذلاحظت ان
الرجل يحظى بتأييد واسع في بلادنا، فإنني حاولت ان اتحرى السببفي ذلك. صحيح ان ثمة اهتماما
عالميا بالانتخابات الرئاسية الأميركية، يرجعإلى قمة الحضور الاميركي في الساحة الدولية
والى تأثير الاعلام الاميركيفي العالم الخارجي، اضافة إلى الاسلوب المتبع في اجراء الانتخاباتالرئاسية، الذي يستغرق امدا
طويلا، ويعرض المرشحون مناظرات واختبارات تجذباهتمام الجميع، إلا أن هذه اسباب تفسر بدرجة
أو أخرى الاهتمام العالمي بأيانتخابات اميركية، لكنها لا تجيب عن السؤال: لماذا الانحياز إلى
أوباما فيالعالمين العربي والاسلامي؟
أزعم أن من أهم الأسباب التي جعلت
الاغلبية في عالمنا تؤيده انه بديلعن الرئيس الحالي دبليو جورج بوش، اعني ان الرصيد السيئ للرئيس الحالي - لا تفهمني خطأ من فضلك - دفع
الاغلبية إلى الترحيب بأي بديل له، ليسبالضرورة حفاوة بأوباما ولكن كراهة في بوش،
والى عهد قريب فإن سمعة الرئيسبوش كانت قد وصلت إلى الحضيض في العالمين العربي والاسلامي، وجاء
الانهيارالمالي في الولايات المتحدة ليجهز على ما تبقى للرجل من رصيد داخل
بلادهذاتها، وهذا
الرصيد البائس الذي خلفه بوش وبطانته لم يعبئ الناس ضده فحسب،ولكنه ألقى بظلاله على المرشح
الجمهوري الذي يريد ان يخلفه.
وأستبعد ان يكون لونه الاسود
وأصوله الافريقية، وكونه ينتمي إلىالأقلية العرقية، من العوامل التي أثارت تعاطفنا معه. ورغم انه تنصل
منابيه «حسين»،
ولم يفوت فرصة دون ان يعلن انه تعمد كاثوليكيا، وان ولاءهللكنيسة لا شبهة فيه، الا ان وجود
الاب في خلفية الصورة ربما كان سببا آخرللتعاطف معه في العالم الاسلامي.
في برنامج أوباما ما يشجع على
التصويت لمصلحته، سواء موقفه الداعي إلىالتفاوض المباشر بغير شروط مع سورية وايران،
أو دفاعه عن الحريات المدنيةفي داخل الولايات المتحدة، التي انتهكت في عهد بوش بدعوى مقاومة
الارهاب،أو التزامه بالانحياز إلى الديموقراطية في تعامله مع العالم الخارجي.
وهوالالتزام
الذي تحللت منه ادارة بوش، حين غضت الطرف عن انتهاكات حقوقالانسان في بعض الدول «الصديقة»،
مقابل تضامنها معه في الحرب المزعومة ضدالارهاب.
هذه العوامل تجعلنا نتعاطف مع
الرجل ونتمنى له الفوز في الانتخابات،لكن النقطة الوحيدة التي لا نستطيع ان نراهن
عليه فيها هي موقفه منإسرائيل، ذلك انه يمكن ان يختلف عن بوش فيما سبق من عناوين، وفي غيرهاايضا، الا ان مصلحة إسرائيل تظل
الثابت الوحيد في السياسة الأميركية، مهمااختلفت العهود والميول السياسية، وليس ذلك
مجرد استنتاج يتوصل اليه المرءمن متابعته لتصريحات الرجل وكلمته امام منظمة «ايباك» التي تمثل
اللوبيالإسرائيلي
في الولايات المتحدة، ولكن هذا الموقف عبر عنه صراحة اثنان منأركان فريق أوباما للسياسة
الخارجية، هما مادلين أولبرايت وزيرة الخارجيةالسابقة ومارتن انديك الديبلوماسي وسفير
أميركا السابق لدى إسرائيل، اذحين قاما بجولة في الشرق الأوسط اثناء اعدادهما ورقة تتعلق بسياسته
ازاءالشرق
الأوسط، فإنهما اجتمعا مع نفر من المثقفين العرب الذين أثاروا معهماموضوع إسرائيل واحتلالها الأراضي
العربية، ودورها في عدم استقرار المنطقة،وكان ردهما حين سمعا الكلام ان كل شيء يمكن
مراجعته في برنامج الرئيسالجديد، باستثناء الموقف من إسرائيل، وبالتالي فلا داعي لطلب المستحيلوالتعلق بأمل لا يمكن تحقيقه.
هذا الكلام صحيح من وجهة النظر
الاميركية، لكننا نعرف أنه في السياسةلا يوجد «آخر كلام»، وانما بوسع صاحب أي قضية
أن يكسبها اذا توافرت لهعناصر القوة التي تمكنه من تحقيق مراده، من هذه الزاوية فالعيب ليس فيأوباما، ولكنه في «جماعتنا» الذي
فرطوا في اسباب القوة، واختاروا انيتسولوا الحق لا ان يقرضوه أو ينتزعوه.
الحكم والسياسة في تونس مشغولان
بقصة تجدد في اذهانناصورة الديموقراطية المزورة في العالم العربي، التي تحرص على الاجراءاتوالاشكال والديكورات في حين لا
تبقي على شيء من القيم الديموقراطيةووظائفها.
خلاصة القصة أن تونس تستعد
لانتخابات رئاسية في شهر نوفمبر منالعام القادم. ولأن هذه الانتخابات يراد لها ان تكون تجديدا لبيعة
الرئيسالحالي زين
العابدين بن علي، الذي يحكم البلاد منذ عام 1987، فالمطلوب أنيتنافس على المنصب مع آخرين. بشرط
واحد أن يكون هو الفائز في نهايةالمطاف.
ولأن هذا الفيلم يتكرر منذ واحد
وعشرين عاما، فإن الإخراج هذهالمرة اختلف قليلا، حيث سمح لزعماء الأحزاب وحدهم بالترشح للانتخابات،ورغم أنهم مواطنون شأنهم شأن
غيرهم ممن ينبغي ان تتاح لهم فرصة التنافسعلى المنصب، إلا أن تعديلا دستوريا نص على ان
يكون الترشح مقصورا علىرؤساء الاحزاب، ولأن هذه النصوص يجري تفعيلها على أيدي «الترزية»
الذينأصبحوا
يحتلون موقعا متميزا في عالم السياسة والقانون، ولابد أنك سمعتبرواج بضاعتهم في مصر وغيرها، فقد
أريد بهذا النص استبعاد أحد أبرزالمعارضين للرئيس بن علي، هو السيد احمد نجيب الشابي الرئيس السابق
للحزبالديموقراطي
التقدمي المعارض.
مع ذلك، فقد رشح الشابي نفسه
منافسا للرئيس،وبدأ في تنظيم حملته الانتخابية رغم أنف السلطات التي فرضت حصارا عليهواتخذت تدابير عدة لتأديبه لأنه
تجرأ وحاول أن يخرج عن النص المكتوبللفيلم الانتخابي. اقام الشابي موقعا لحملته
الانتخابية على شبكةالانترنت، وعلى احدى صفحات الموقع نشر صورا للشخصيات التي تزكيه
وتسانده،كان من بينها صورة له والى جواره نقيب الصحافيين الحالي ناجي البغوري،الأمر الذي أربك السلطات التونسية
وأثار حفيظتها.. لماذا؟ لأن الحكومة وهيتحكم قبضتها على المجتمع، فإنها حرصت على أن
تكون قيادات المجتمع المدنيمن رجالها الموثوق بهم. وهو تقليد متبع في أنظمة الديموقراطية
العرجاء،التي ترحب بمؤسسات المجتمع المدني في العلن، لكنها تلحقها بالحكومة فيالسر.
المشكلة التي فجّرتها الصورة
يختزلها السؤال التالي: كيف يكونالبغوري نقيبا للصحافيين ويظهر في صورة تعطي انطباعا بأنه مؤيد لرجل
يعارضالرئيس زين
العابدين ويحاول منافسته في الانتخابات؟ ذلك أن النظام يعتبرقيادات المجتمع المدني من رجاله
الموثوق بهم، وما أقدم عليه نقيبالصحافيين يخل بهذه القصة ويجرح ولاءه للرئيس.
كان حل الإشكال بسيطا، أنيُضغط على ناجي البغوري لكي يصدر
بيانا يتبرأ فيه من الصورة، ويعلن علىالملأ أنه لم يرتكب جرم تأييد منافس للرئيس
وهو ما حدث. ذلك أن الرجل مالبث أن أصدر بيانا جرى تعميمه وإبرازه في مختلف وسائل الإعلام قال فيه: فوجئت بحشر صورتي مع السيد أحمد
نجيب الشابي في موقع حملته الانتخابية علىشبكة الإنترنت ضمن مجموعة من الشخصيات تحت
عنوان: «صور مريدي احمد نجيبالشابي»، وتم ذلك دون علم مني، وشدد البغوري في بيانه على أن النقابة
تؤكدعلى عدم
وقوفها إلى جانب أي مرشح للانتخابات الرئاسية، استنادا الىاستقلاليتها عن كل الاطراف. وبعد
اعلان البيان ذكر موقع الشابي أن البغوريتعرض لضغوط من جانب السلطات لكي يعلن عدم
مساندته لترشح الشابي، مضيفا
«إننا نفهم
الضغوطات التي تعرض لها ونقدر موقفه».
انتهى المشهد عند هذاالحد، لكن عرض الفيلم الديموقراطي
لايزال مستمرا، حيث يتقدم الرئيس زينالعابدين بن علي قائمة المرشحين، معلنا على
الملأ أنه يرحب بالمنافسة،وأنه مصرّ على نزاهة وشفافية الانتخابات، والاحتكام الى صناديقالانتخابات، في الوقت ذاته تقف
العناصر الوطنية والديموقراطية حائرةومترددة، لأنها تعرف جيدا أن النتيجة معلومة
سلفا، وأن منافسة الرئيسباهظة التكلفة، وان الثمن فيها يدفع بلا مردود.
إن الفيلم معروض في أغلبالعواصم العربية، وحتى الآن فإنه
حقق نجاحا كبيرا، رغم أنه حافل بالمشاهدالفاضحة!
أصبحت قضية التحرش الجنسي موضوعا
للحوار اليومي في وسائلالإعلام المصرية بعد الذي جرى أثناء عيد الفطر، حيث تجمع بضع عشرات منالشبان في إحدى ضواحي القاهرة، وتهجموا
على بعض الفتيات العابرات، ولم تكنهذه هي المرة الأولى، لأن القاهرة شهدت حادثا مماثلا في العام الماضي،
ذلكغير
الممارسات الفردية التي تقع بين الحين والآخر، وهو ما دعا البعض إلىاعتبار التحرش الجنسي ظاهرة عامة
في مصر حتى إن إحدى المنظمات النسائيةركبت الموجة، وبالغت كثيرا في الأمر، وذهبت
إلى أن ثلثي الرجال في مصرمارسوا التحرش، وأن ٪83 من النساء تعرضن له.
وهي أرقام مشكوك في دقتها،لأن التقديرات العالمية تشير إلى
أن ما بين 20 و40 ٪ من النساء يتعرضنللتحرش في أكثر المجتمعات انفتاحا، ولا يعقل
أن تصل نسبة النساء اللائييتعرضن للتحرش في مصر إلى 83 ٪ رغم أنها بلد محافظ بصورة نسبية. وقد
وجدتأن د.هدى
بدران خبيرة العلوم الاجتماعية ورئيسة رابطة المرأة العربيةتشاركني ذلك الشك، حين أعلنت عن
رأيها المعارض لتلك الأرقام في أكثر منمحفل ومناسبة.
لست في وارد مناقشة النسبة، لكن ملاحظتي
الأساسية علىالمناقشات التي دارت حول الموضوع أنها ركزت على بعض الجوانب من دون
غيرهافي الموضوع
فقد تحدث البعض عن معاناة شبابنا من الكبت الجنسي، وعن الإثارةفي الأزياء وفيما تعرضه وسائل
الإعلام من أفلام ومسلسلات تحريضية، وتحدثآخرون عن النظرة الذكورية التي تهيمن على
المجتمع. وطالب البعض بتفسيرالتزامن بين انتشار مظاهر التدين في المجتمع وتحول التحرش إلى ظاهرة
فيه،كما نبه
كثيرون إلى أن ثمة قصورا تشريعيا في التعامل مع المشكلة، حيث لايوجد نص يعاقب على التحرش الجنسي
في أماكن العمل أو التحرش من خلال توجيهالألفاظ الجارحة.. إلخ.
هناك أسباب أخرى عامة لم تأخذ
حقها في المناقشاتالدائرة، منها مثلا انهيار سلطة القانون وضياع هيبة الشرطة، لأن أولئكالشباب الذين يتجمهرون في الشوارع
في المناسبات المختلفة لاعتراض طريقالفتيات، لو أنهم يدركون أن في البلد قانونا
يطبَّق وشرطة تحمي النظامالعام، لما لجأوا إلى ما يقومون به،
من تلك الأسباب أيضا انتشار
البطالةبين الشباب، الأمر الذي يجعل التسكع في الشوارع عملا وحيدا يقومون به،منها كذلك غياب دور كل من المدرسة
والبيت في التربية والتوجيه، فالمدارسأصبحت لا تعنى بالتعليم (الذي يتم خارجها من
خلال الدروس الخصوصية)، كماأنها لم تعد تعنى بالتربية، أما البيت فإن دوره في التوجيه صار معطلا
أيضابسبب استغراق
الأب والأم في الركض وراء توفير متطلبات العيش من خلال العملفي الصباح والمساء، الأمر الذي
يترتب عليه أن نسبة غير قليلة من الأجيالالجديدة أصبحت تربى إما في الشارع أو من خلال
التلفزيون، وما أدراك ماهو؟!
من ناحية أخرى، فإن الاجيال
الجديدة من الشباب لم تعد تجد المثلالاعلى الحميد الذي يحتذى. فالصحف حافلة
بفضائح النخب ومغامرات عناصرها،كما أن منظومة القيم اهتزت في أعينهم بحيث أصبح لاعب كرة القدم أو
المطربهو النموذج
الذي يتطلعون إليه.
ملاحظتي الأخيرة أن اهتمامنا
بالتحرشالجنسي في محله، إذا ما أعطي حجمه الحقيقي، ونوقشت فيه الأسباب العامةوالخاصة، لكن لم أفهم لماذا لا
نولي التحرش السياسي نفس الدرجة منالاهتمام، رغم أن الأول تتعرض له فئات محدودة في المجتمع، في حين أنالثاني يعاني منه المجتمع بأسره،
فمثلا في استمرار الطوارئ والمحاكماتالاستثنائية والقمع والمصادرة والتعذيب
والانحياز إلى السياسات الغربية فيحصار غزة وفي لبنان والعراق،
وهو المنطق المعوج الذي استنكره
الشيخ محمدالغزالي ذات مرة حين قال «إن هتك عرض فتاة في بلادنا يقيم الدنيا ولايقعدها، لكن الاعتداء على شرف
الوطن والأمة لا نحرك له ساكنا».
لم يعد هناك شك في أن العالم مقبل
على تحولات ومراجعات مهمة، ليس هناك ما يدل على أن العالم العربي سيكون جزءاً منها.
(1) بعضهذه التحولات ماثل تحت أعيننا
الآن، فانهيار الاقتصاد الأمريكي، أفقدالولايات المتحدة سيطرتها على الأسواق
العالمية، وانهى دورها كقوةاقتصادية عظمى، الأمر الذي فتح باب الاجتهاد في أسس النظام الرأسماليوالفكر الليبرالي، وأعاد إلى
الواجهة مبدأ تدخل الحكومات في الاقتصادوأهمية دور القطاع العام، في حين وجه ضربة
قاضية إلى الإدعاء الذي استمرطويلاً، مؤكداً أن الأسواق قادرة على ضبط نفسها بصورة تلقائية.
ما هواقتصادي في التحولات والمراجعات
أصبح معلوماً للكافة، من خلال الكتاباتاليومية والحوارات المفتوحة حول الأزمة
الراهنة واحتمالاتها، التي أعادتإلى الأذهان شبح أزمة الكساد الكبير الذي ضرب الولايات المتحدة عام
1919م،كما أعادت
مناقشة أفكار كارل ماركس في كتابه "رأس المال"، وكتاب أوزوالدشبنجلر حول "أفول الغرب".
إلى جانب
مناقشة الأفكار فإن مراجعاتالسياسات شملت جانباً يهم العالم العربي، ودوله النفطية بوجه أخص. ذلك
أنالأزمة التي
تمر بها الولايات المتحدة. فتحت أعين خبرائها على أهمية إعادةالنظر في سياسة الاعتماد على
النفط المستورد الذي وصلت أسعاره في النصفالأول من العام الحالي إلى معدلات أثقلت كاهل
المواطن الأمريكي. ذلك أنالولايات المتحدة تستهلك ما يزيد على 20 مليون طن برميل يومياً، يتماستيراد 12 مليوناً منها. ووفق
الأسعار التي سجلت في النصف الأول من العامالحالي (2008) فإن الولايات المتحدة ظلت تحول
لحساب الدول المصدرة للنفطحوالي بليون و300 مليون دولار في اليوم. أي ما يعادل 475 مليار دولار
فيالسنة. الأمر
الذي نبه الخبراء إلى أن ذلك وضع يتعذر استمراره خصوصاً انالأزمة مرشحة للاستمرار لعدة
سنوات قادمة.
هذه الخلفية
الضاغطة علىالاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة، دفعت المخططين إلى التحذير منخطورة استمرار الوضع الراهن،
والدعوة إلى الإقلال من الاعتماد على النفطالمستورد، الذي يعلم الجميع أن عمره محدود
(لا يتجاوز ما بين عقد أوعقدين). ذلك أنه إلى جانب الضغط على الموازنة الأمريكية، فإن الخبراءالأمريكيين تحدثوا عن أن المبالغ
الكبيرة التي تحول إلى الدول المنتجةللنفط وفرت لها قوة اقتصادية، جعلتها قادرة
على تحدي الإدارة الأمريكية.
على الأقل
فذلك حدث مع روسيا وفنزويلا وإيران. وللدبلوماسي الأمريكيالمخضرم ريتشارد هولبروك مقالة
مهمة في هذا الصدد، نشرتها مجلة السياسةالخارجية (فورين افيرز) في عدد أول سبتمبر
الماضي. (للعلم فإن عدة شركاتكبرى لصناعة السيارات أعلنت أنها خلال سنتين أو ثلاث ستنتج سيارات
تعملبالطاقة
الكهربائية ولا تعتمد على النفط، في مقدمة هذه الشركات فولكسواجون ورينو وشيفروليه و بي. ام.دبليو)
(2) في بداية
الشهرالحالي قدم
بول وولفويتز رئيس مجلس مستشاري الأمن الدولي بالخارجيةالأمريكية ونائب وزير الدفاع السابق دراسة
وقع عليها 17 من الباحثين فيالشؤون الاستراتيجية، تحدثت عن أن الصين تمثل التحدي الحقيقي والخطر
الذييهدد
الولايات المتحدة في القرن الحالي. واستندت في ذلك إلى التناميالملحوظ في موازنتها وقدرتها
العسكرية والتقدم الذي أحرزته على صعيدالتسلح النووي (ذكرت الدراسة أن لدى الصين
مائة رأس نووية على الأقل)،إضافة إلى محاولتها الانتشار خارج
حدودها من خلال قواعدها العسكريةومشروعاتها الاقتصادية وهذا التحذير من القوة العسكرية الصينية لم
يغفلقوتها
الاقتصادية المتعاظمة.
هذه الإشارة
إلى دور الصين و"خطرها"،حين يتبناها رجل من مهندسي غزو
العراق ظل طول الوقت يحذر من خطر الإرهاب،ويعتبره التحدي الأكبر للولايات المتحدة،
تعني فيما تعني أن ثمة تحولاً فيترتيبات الأولويات في دوائر صنع القرار الأمريكية. علماً أننا سمعنا
هذاالعام
تصريحات أمريكية تحدثت عن أن الحرب ضد العراق اختارت الجبهة الغلطفي مواجهة الإرهاب، وأن مخططي تلك
الحرب كان ينبغي أن يتجهوا إلىأفغانستان وليس العراق. وفي الوقت الذي تطلق فيه تلك التصريحات لتغطيةالانسحاب الأمريكي من العراق.
ومحاولة الخروج من مستنقعه، فإن الدولالأوروبية تبذل جهداً موازياً للخروج من
مستنقع أفغانستان، وسحب قواتها منذلك البلد الذي تورطت قواتها فيه أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وما برحت
تبحث عنمخرج من هذه الورطة.
مثل هذه الإشارات
إن دلت على شيء فإنما تدل علىأن الحرب على الإرهاب لم تعد تمثل أولوية فى الأجندة الغربية. وهو ما
تمالتوصل إليه
من خلال المراجعات التي تمت في دوائر صنع القرار في عواصمالغرب. من التحولات
المهمة التي شهدها العام الحالي أيضاً عودة الروحإلى الدور الروسي، الذي توارى خلال السنوات
التي أعقبت انهيار الاتحادالسوفييتي. وهذه العودة تمثلت في الجهد المبذول لتحديث القوات
المسلحة،والإعلان عن إطلاق صاروخ بعيد المدى قادر على اختراق أنظمة الدفاعالأمريكية. كما تمثلت في حملة
التأديب الروسية لجورجيا، وذهبت إلى حدإجراء مناورات روسية فنزويلية، وتحرك موسكو
في أمريكا اللاتينية لدرجةدفعت نائب رئيس الحكومة الروسية إيجور سيشين إلى توجيه ”نصيحة“ إلى
واشنطندعاها فيها
إلى الكف عن الاعتقاد بأن أمريكا اللاتينية هي بمثابة "حديقةخلفية" للولايات المتحدة،
ترتب لها حقوقاً خاصة فيها. إلى غير ذلك منالشواهد التى لا تعيدنا حقاً إلى سنوات الحرب
الباردة، ولكنها على الأقللا تعزز احتمالات تحقيق الوفاق الدولي وتقسيم مناطق النفوذ بين
الجانبين.
(3) يتعذرعلى المرء أن يستعرض فى الحيز
المتاح مختلف مظاهر التغير في الخرائطالسياسية وموازين القوى التي تتحرك في ظلال
الأزمة الاقتصادية الراهنة،لكن أكثر ما يعنينا فيها أمران، أولهما وجودها كحقيقة تتشكل على
الأرض،وثانيهما
تأثيرها على العالم العربى. أما الأولى فقد ثبتت شواهدها بالفعل. وما ذكرته تواً يمثل بعض مظاهر
ذلك الوجود. وأما الثانية فهي ما تحتاج مناإلى بعض التحليل، الذي يساعدنا على المضي فيه
الملاحظات التالية:
إنالولايات المتحدة ما زالت تتعامل
مع العالم العربي باعتباره حديقة خلفيةلها. تتمتع فيه بكلمة مسموعة تفوق في تأثيرها
كلمتها في أمريكا اللاتينية.
عند الحد
الأدنى فإن الخرائط السياسية في أمريكا اللاتينية. أفرزت مجموعةمن الأنظمة التي جهرت بتمردها على
الإملاءات الأمريكية، حتى مدت جسورها معموسكو على النحو الذي سبقت الإشارة إليه، في
حين أن العالم العربي لم يشهدتطوراً مماثلاً، حيث تظل "موالاة" السياسة الأمريكية هي
الأصل، حتى أصبحتبعض الخطوات والتحركات السياسية التي تتم في العالم العربي محكومة
بطبيعةالأضواء
الصادرة من واشنطن، وما إذا كانت حمراء أم خضراء أم صفراء. وهو ماتجلى مثلاً في القمة العربية
بدمشق، التي كان لواشنطن رأيها حتى في مستوىتمثيل بعض الدول العربية بالمؤتمر.
إن العلاقات
المتأرجحة بين واشنطنوموسكو لها تأثيرها في خرائط المنطقة. فإذا اتجهت إلى التفاهم فإن ذلك
قديؤدي إلى
الاعتراف بالمصالح الاستراتيجية لروسيا مع بعض الدول ذاتالعلاقات التاريخية معها. مثل مصر وسوريا
والعراق والجزائر. أما إذا اتجهتتلك العلاقات إلى التفاقم والتخاصم. فإن ذلك سيدفع موسكو إلى التصرف
بصورةمنفردة
ومحاولة إثبات وجودها بوسائل أخرى، بحيث تعود روسيا إلى تعزيزوجودها في قاعدة طرطوس البحرية
السورية، وإلى مد جسورها مع الجزائروالسودان، وقد تكرر زيارات اسطولها للموانئ
الليبية (رغيد الصلح- الحياةاللندنية 16-10)
من الواضح أن
السياسة الأمريكية بصدد إجراء محاولةللتفاهم مع عناصر المقاومة في المنطقة التي
فشلت في القضاء عليها خلال ماسمي بسنوات الحرب ضد الإرهاب. وهو الحاصل مع حركة طالبان في
أفغانستان،والمقاومة المسلحة في العراق، والمحاكم الإسلامية في الصومال.
والرسالةالشفوية التي أبلغت إلى حماس في الأسبوع الماضي تدخل في هذا السياق.
وهيإذا كانت لا
تعد من قبيل الضوء الأخضر بسبب التحفظات الاسرائيلية، إلاأنها تمثل ضوءاً أصفر عند الحد
الأدنى.
إن الإدارة
الأمريكية الراهنةتتأهب لإخلاء البيت الأبيض للوافد الجديد الذي سيتم انتخابه في الشهرالقادم، وإذا صحت التوقعات بفوز
المرشح الديمقراطي باراك أوباما، فأغلبالظن أن سياسة المواجهة العسكرية التي اتبعها
الرئيس بوش سوف تتراجع، لتحلمحلها سياسة التفاهم المباشر أولاً. وهو ما أعلنه أوباما فيما يخص
إيرانوسوريا على
الأقل.
فى كل
الاحوال فان الموقف الامريكى من الصراعالعربي - الإسرائيلي لن يتغير في جوهره
ومقاصده، وما قد يتغير هو وسائلهفقط. وهذه هي الرسالة التي نقلها إلى الأطراف المعنية بعض أعضاء فريقأوباما للسياسة الخارجية، الذين
قاموا بجولة في بعض العواصم العربية فيبداية العام، أثناء إعدادهم لبرنامج أوباما
فيما يخص السياسة الخارجية.
(4) فيماهو ظاهر على الأقل، فلا تكاد توجد
دلائل على أن فكرة "المراجعة" واردة فيالخطاب السياسي العربي، سواء فى الشأن
الداخلي او الخارجى. أذ يظل السكونسيد الموقف، او الجمود ان شئت الدقة. ذلك أن المراجعة لا تنطلق من
فراغ،ولكنها ثمرة
تفاعل الخلايا الحية في جسم المجتمع. وهي الحيوية التي توفرللمجتمع قدرة على الصمود في
مواجهة الأزمات وكفاءة في تجاوزها، وتحويلالصدمة إلى فرصة كما يقول الصينيون. لهذا
السبب فإنني لست مع المهللينالذين احتفوا في العالم العربي باعصار الانهيار الاقتصادي. وقلت في
مقامآخر ان
المجتمعات الغربية تتمتع بحيوية تمكنها من تجاوز الأزمة، وان الذينيجيدون السباحة لا يخشى عليهم من
الغرق. وان الفرق بيننا وبينهم أننا لانجيد السباحة، ولا نريد ان نتعلمها. ولذلك
فإننا سرعان مانغرق في شبرالمياه، كما يقول المثل العامي في مصر. يجب الا ننسي أن الخائبين
وحدهمالذين يعلقون
نجاحهم على سقوط غيرهم، لأنهم في هذه الحالة يعتبرون انتظارالمصادفات السعيدة خيارهم الوحيد.
وهو خيار العاجزين والمفلسين في كل حين.
قال لي مسؤول
أمريكى متقاعد من وظيفته الحساسة انه حضر في واشنطن حلقةمناقشة حول الأوضاع السياسية في أهم الأقطار
العربية، واشترك في المناقشةمسؤول أمني كبير في تلك الدولة. وبعد استعراض الخيارات المختلفة التي
طرحتأفكاراً عن
المشاركة والاحتواء. جاء الدور على المسؤول العربي الذي كان منرأيه أنه لا سبيل إلى تحقيق شيء
من ذلك، وحين سئل ما العمل إذن؟ كان ردهأن الاستئصال هو الحل، ولا بديل عن استمرار
العمل للقضاء على تلك الفئةالعصية على الاخضاع. وهو ما فوجئ به المحاورون، فتبادلوا النظرات
وانهواالجلسة في
هدوء.
إن الجمود
السياسى في أجواء الحركة السريعة التييشهدها العالم في تحولاته ومراجعاته لا يعد
استقراراً ولا ثباتاً، ولكنهيخرجنا من موقع الفعل إلى دائرة الصدى. ثم إنه يصبح تراجعاً وارتداداً
إلىالوراء، يوسع
المسافة ليس فقط بيننا وبين المجتمعات التى تنشد العافيةوتتحرى اسبابها، ولكن أيضاً بين المجتمعات
والأنظمة في بلادنا ذاتها.
لا أستطيع أن أفترض البراءة في
الحضور المصري الملحوظ في بيروت خلالالأسابيع الأخيرة، الذي تمثل في زيارات بعض
الشخصيات اللبنانية المثيرةللجدل للقاهرة «جعجع - جنبلاط».. وزيارة وزير الخارجية المصري للعاصمةاللبنانية، كما تمثل في اشتراك
شيخ الأزهر والمفتي في افتتاح أكبر مسجدأقامه الحريري في وسط بيروت.. بذات القدر
فإنني لا أستطيع أن أفترضالبراءة في الحضور المصري المفاجئ في بغداد، الذي تزامن مع وصول ممثلللجامعة العربية وعدد آخر من
سفراء الدول العربية إلي العاصمة العراقية.
ليأكثر من حجة تؤيد شكوكي، أولاها،
أن الأصل في العمل السياسي بشكل عام هوعدم البراءة، حيث علمتنا خبرات طويلة أنه لا
شيء في السياسة المعاصرة يتملوجه الله، وإنما لابد أن يكون هناك غرض وقصد يرمي إليه القرار
السياسي،نبيلاً كان أو شريرًا..
حجتي الثانية، أننا في مصر نفتقد
إلي الهمّة فيالأداء الدبلوماسي بشكل عام ومع العالم العربي بوجه خاص، ذلك أن مصر
منذوقعت
اتفاقيات كامب ديفيد قبل ثلاثة عقود ضعفت علاقاتها مع العالم العربي،في حين ارتفعت فيها الأصوات
الداعية إلي الانكفاء علي الذات، وإعطاءالأولوية للشأن الداخلي ، وهي النغمة التي
تزايدت في السنوات الأخيرة، حتيأفرزت في نهاية المطاف مدرسة في الخطاب السياسي ترفع شعار «نحن أولاً
ولاشأن لنا
بالآخرين» وكانت نتيجة ذلك أن خرجت مصر من ساحات عمل كثيرة فيالعالم العربي، حتي غدا حضورها
أمراً استثنائيًا يثير الحيرة والتساؤل.
الحجةالثالثة التي أستند إليها في
شكوكي؛ أن أكثر ملفات المنطقة الحساسة تُحسمخارج إطار وزارة الخارجية، وتصدر في شأنها
التوجيهات من جهات عليا، ينسحبذلك علي ملفات سوريا ولبنان والسودان وفلسطين وليبيا وإيران.
الحجةالرابعة، أن مصر بعدما استقالت من
دورها كدولة رائدة في المنطقة العربيةوكشقيق أكبر للجميع نأت بنفسها بصورة تدريجية
عن تحمل مسئوليات الموقعينوتحولت إلي طرف في مشكلات العالم العربي ينحاز في الصراعات ولا يستعليفوقها، وهي لم تقف عند ذلك الحد،
وإنما أصبحت أغلب قراراتها وثيقة الصلةبحسابات وضغوط الدول الكبري ذات المصالح في
العالم العربي.
لهذهالأسباب فإنني لم أستطع أن أفسر
تنشيط الدور المصري في لبنان والعراقبمثابة يقظة مفاجئة، أرادت من خلالها مصر أن
تستعيد حضورها بعد طول غياب،ذلك أن أي مراقب للشأن العربي لا يستطيع أن يقتنع بوجود تلك اليقظة فيبلدين عربيين بالتحديد، في حين
ينتفي ذلك الوجود في ساحات أخري تمس صميمالأمن المصري، والسودان ودارفور نموذج له
دلالته في ذلك.
حيناستوضحت الأمر ممن أعرف من
الخبراء قيل لي صراحة إن التحرك المصري ليسخالصًا حقًا لوجه الله، ولا استهدف تحقيق
المصالح العربية العليا، ولكنالهدف منه هو مواجهة الحضور الإيراني المادي في العراق والسياسي في
لبنان،وأن الحاصل
مع لبنان بوجه أخص أريد به أيضًا تعبئة الجماهير اللبنانيةوالسُّنية في المقدمة منها
لمساندة فريق «14آذار» الموالي للغرب الذييقوده سعد الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط
وآخرون، خصوصًا أن الجميعيحشدون صفوفهم الآن استعدادًا للانتخابات التي ستجري في شهرمايو من
العامالقادم، من
ثم فإن افتتاح مسجد الأمين في بيروت كان في حقيقته مهرجانًاانتخابيًا لفريق «14 آذار»،
استخدم فيه شيخ الأزهر ومفتي مصر.
قيللي أيضًا إن ترتيب تلك الزيارات
تم استجابة لضغوط سعودية، نجحت في التغلبعلي التردد المصري في استقبال سمير جعجع زعيم
القوات اللبنانية، بسبب سجلهالحافل بجرائم القتل التي مارسها ضد اللبنانيين «رشيد كرامي و 29
ضابطًامعه» وضد
الفلسطينيين في مذبحة صبرا وشاتيلا ، إضافة إلي تآمره معالإسرائيليين ضد عناصر المقاومة.
إن الحضور
المصري في بغداد وبيروت اعتبر خصمًا من رصيد مصر وليس إضافة إليه، لأنه من قبيل
الحضور الذي يغدو الغياب فيه أفضل وأكرم.
كلما تكلم السيد أحمد أبو الغيط ـ
وزير الخارجية ـ عن الشأن الفلسطينيوضعت يدي علي قلبي، وتمنيت أن يتحدث كرجل
يشرف الدبلوماسية المصرية ويحفظلها مقامها، إذ منذ قال الرجل تعليقاً علي اجتياز الفلسطينيين
المحاصرينفي غزة معبر رفح إن من يدخل إلي الحدود المصرية بذلك الأسلوب ستكسر
رجله،وأنا أتوجس
شراً من حديثه في الموضوع الفلسطيني، وتضاعف هذا الشعور عنديعندما نقل إليّ صديق أن السيد أبو
الغيط قال في مقام آخر إنه يريد أنيتراجع عن حكاية كسر الرجل، مفضلاً أن يتحدث عن كسر الرقبة، لأن الرجليمكن جبرها وعلاجها، أما كسر
الرقبة فهي القاضية!
لست متأكداً
منهذه المقولة
الأخيرة، وإن كنت لا أستبعدها ـ للأسف الشديد ـ لأنه في حديثالأول لم يكن ودياً علي الإطلاق،
حيث دفعنا إلي إساءة الظن بموقفه، خصوصاًحين تذكرنا أن إسحاق رابين ـ رئيس الوزراء
الإسرائيلي الأسبق ـ قال شيئاًمن هذا القبيل، حين تحدث عن تكسير عظام الفلسطينيين أيام الانتفاضة.
صدمتنافي كلام السيد أبو الغيط تكررت في
الحوار الذي أجرته معه قناة الـ «بي بيسي» العربية، واعتبر فيه أن حركة حماس لا
شرعية لها في قطاع غزة، وأن مصرهي البلد الوحيد القادر علي تحقيق الوساطة بين الفلسطينيين، وأن من
يبحثعن وساطة غير
مصرية لا يفكر إلا في الدولار الأمريكي وما سيجنيه من ربحمادي نتيجة لذلك، ووصف موقف حماس
في موضوع إطلاق سراح الجندي الإسرائيليالمختطف جلعاد شاليط بأنه تعبير عن التشدد،
كما أنه جزء من مناورة سياسيةتقوم بها.
استغربت كلام
السيد أبو الغيط لأنه احتفظ بموقفه المخاصموغير المحايد في الموضوع، وأحد أسباب
الاستغراب أن الرجل قال هذا الكلامفي الوقت الذي تحاول فيه مصر أن ترتب أمر المصالحة بين الفصائلالفلسطينية، خصوصاً فيما بين
حركتي فتح وحماس، ذلك أن أحد أبسط شروط نجاحالوساطة أن يكون الوسيط محايداً، ومحتفظاً في
العلن علي الأقل بمسافةواحدة إزاء كل الأطراف، لكن السيد أبو الغيط أطاح بكل ذلك، وتبين
بالكاملموقف أركان السلطة الفلسطينية في رام الله، ما قاله لم يختلف إطلاقاً
عمايتحدث به
الغلاة في حركة فتح.
لقد ذكر
السيد أبو الغيط أن حكومةحماس في غزة لا شرعية لها، وأنها طردت السلطة الفلسطينية من القطاع،
ولاأعرف لماذا
تجاهل حقيقة أن في فلسطين المحتلة شرعيتين وليس شرعية واحدة،فأبو مازن منتخب وله شرعية، كما
أن حكومة حماس منتخبة بدورها ولهاأغلبيتها التي مازالت مستمرة في المجلس التشريعي، وإذا لم يكن السيد
أبوالغيط يريد
أن يعترف بنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في عام 2006فإنه يضع نفسه في مربع واحد مع
الجناح المتطرف في السلطة الذي تبني الموقفذاته منذ اللحظات الأولي لظهور نتائج
الانتخابات،
كما أنني استغرب جداًقول الوزير إن حماس طردت السلطة من القطاع،
لأن السلطة لايزال معترفاً بهاهناك، ولايزال أبو مازن يخاطب ويذكر في وسائل الإعلام بالقطاع
باعتبارهرئيساً للسلطة، أما الحسم الذي تم فإنه كان موجهاً من الحكومة الشرعية
ضدالأجهزة
الأمنية التي تآمرت عليها، وأنا أفهم أن يقول هذا الكلام واحد مثلمحمد دحلان أو رشيد أبو شباك
وغيرهما من قادة الأجهزة التي تآمرت عليالحكومة، لكني لم أفهم لماذا يتطوع به وزير
الخارجية المصري،
أما الأكثرمدعاة للدهشة فهو أن السيد أبو
الغيط حمّل حماس المسئولية عن تعطيل إطلاقسراح الجندي الإسرائيلي الأسير، ولم يذكر
شيئاً عن مماطلة إسرائيل ورفضهاإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين، وقد أفهم أيضاً أن تتبني وزيرة
خارجيةإسرائيل هذا
الموقف، لكني عاجز عن فهم العوامل التي أدت إلي صدوره عنالوزير المصري، وفي الفم ماء كثير، أما في
القلب فشعور بالخزي والحزن لاحدود له.
أتمني أن
تقوم جهة ما في مصر برصد أصداء الزيارات التي يقوم بها كبار المسئولين إلي المواقع
المختلفة في المحافظات وليت الرصد يكون شفافاً وأمينًا، بحيث يُطلع المعنيين
بالأمر «لا نطمع في إخبارنا بطبيعة الحال» علي نتائجها الحقيقية، وما إذا كانت
مفيدة أم ضارة
أدري أن
الصحف لم تقصر في متابعة تلك الزيارات، بالكلمة والصورة والتعليق الذي يحاول
إقناعنا بأنها «فتوحات» في عالم السياسة، لكن هذا النوع من التغطية هو بالضبط ما
ينبغي أن ننحيه جانبًا، ليس فقط لأنه في الأول والآخر «كلام جرايد» لا ينبغي أن
يُحمل دائمًا علي محمل الجد
وليس فقط لأن الصحف القومية وغيرها من الأبواق
الرسمية تنقل إلي الناس ما يريد أن يقوله المسئول الزائر لا ما يريد أن يعرفه
القارئ، ولكن أيضًا لأن القائمين علي تلك المنابر ممن لا تجوز شهادتهم في هذا
الشأن، لأن شرعيتهم مستمدة من قدرتهم علي تزييف الشهادات السياسية
ما دعاني
إلي الخوض في هذا الموضوع أمران أولهما : أنني كثيرًا ما حاولت أن أرصد المجتمعات
التي يقوم فيها كبار المسئولين بزياراتهم الميدانية والمفاجئة لمواقع العمل في
الظروف العادية، وكانت أهم ملاحظة خرجت بها أنه كلما ضعفت مؤسسات المجتمع كلما كان
وجود كبار المسئولين بأنفسهم متكررًا في مواقع العمل، فرئيس الدولة أو رئيس
الوزراء أو حتي الوزير ليس مطلوبًا منه أن يفتتح جسرًا أو يزور مصنعًا أو مستشفي،
ولكن يفترض أن هناك جهاز إدارة يباشر التنفيذ، وقيادات محلية تفتتح ومؤسسات شعبية
ورقابية تحاسب، أما القيادات العليا فمهمتها سياسية وتخطيطية، ونزولها إلي مواقع
العمل لا يحدث إلا في الظروف غير العادية
الأمر
الثاني والأهم : أن زيارات المسئولين الكبار في بلادنا تحاط بإجراءات أمنية مبالغ
فيها، وبعملية تزييف واسعة النطاق، ذلك أن المسئول لا يلتقي عادة إلا بثلاث فئات
من الناس هم : رجال الإدارة الذين يدينون له بالولاء، ورجال الحزب الحاكم لفهم من
المهللين والمنتفعين، وعناصر أمن الدولة الذين يرتدون الثياب المدنيةإلي جانب
تزوير المستقبلين والمحاورين فإنه يتم أيضًا تزوير الواقع ذاته،
وهوما يذكرنا بقصة السيدة لورا بوش قرينة الرئيس
الأمريكي، التي زارت الإسكندرية قبل عامين وتضمن برنامجها تفقد إحدي المدارس، فما
كان من مديرية التعليم إلا أن غيرت أعضاء هيئة التدريس والتلاميذ في يوم الزيارة،
واستجلبت من مدرسة أخري مدرسات وتلاميذ يليق مظهرهم بمقام الزائرة، وهذا الذي حدث
مع الضيفة الأمريكية يتكرر دائمًا مع زيارات المسئولين الكبار، إذ يتم إخفاء
العورات وراء أستار عالية، كما يتم طلاء الواجهات، حتي لا يري الزائر ما يؤذي بصره
أو يكدر خاطره، وتكون النتيجة أنه لا يري الناس الحقيقيين ولا يري الواقع علي
حقيقته، وإلي جانب ذلك فإن رجال الأمن يحولون زيارته إلي كابوس، فيمنعون أناسًا من
الخروج، ويحتجزون آخرين في أقسام الشرطة ويغلقون الشوارع التي تعترض الموكب،
ويطردون الباعة الجائلين ويغلقون المحال التجارية المطلة علي الشوارع التي يمر بها
في حين يطالبون أصحاب السيارات الخاصة بوضعها في أماكن بعيدة وإلا ألقت بها شرطة
المرور في الخلاء، حتي إذا غادر الزائر الكبير المدينة أو القرية فإن الناس
يتنفسون الصعداء، ويعتبرون ما جري همًا وانزاح
لديَّ رسائل
كثيرة عبَّرت عن الضيق بمثل هذه الزيارات، تلقيتها في أعقاب أكثر من زيارة تمت
مؤخرًا، الأمر الذي أقنعني بأن الإنجاز الوحيد الذي تحققه دعائي بالدرجة الأولي،
وأن أولئك الأكابر لا يخاطبون المجتمع في زياراتهم، ولكنهم يخاطبون الإعلام
ويثبتون حضورًا مفتعلاً علي صفحات الصحف وشاشات التليفزيون ، في حين يثيرون سخط
الناس، ويبتعدون عنهم ولا يقتربون منهم ويضحكون علي أنفسهم ولا يضحكون علينا، وهو
اقتناع أرجو أن تثبت الدراسة المنشودة أنه غير صحيح.
استغربت الدعوة
التي وجهها نائب رئيس جامعة القاهرة،لشؤون البحث العلمي الى العالم المصري
الدكتور مصطفى السيد، الذي حصل علىأرفع وسام علمي أميركي في علاج السرطان، لكي يستكمل أبحاثه في المعهدالقومي للأورام بالقاهرة، وكانت
الحجة التي أوردها في دعوته هي مصدرالاستغراب والدهشة، إذ طبقاً لما نشر على
لسانه (في 3-10) فإن نائب رئيسالجامعة الدكتور حسين خالد، الذي كان مديراً سابقاً لمعهد الأورام،
ذكر أنالعالم
المصري الأميركي أجرى تجارب علاج السرطان على الحيوانات فقط. وأضافإن إجراء تلك التجارب الإكلينيكية
على الإنسان عملية صعبة في الولاياتالمتحدة، لذلك فإنه عرض استضافته في القاهرة
لكي يجري تجاربه على المرضىالمصريين، بمشاركة فريق عمل من أساتذة المعهد.
ولإقناعنا بوجاهة
الفكرةوتوافر
الفرصة المناسبة لإجراء تلك التجارب ذكر الدكتور حسين خالد ان معهدالأورام مثقل بالمرضى، وأنه
يستقبل سنوياً 20 ألف مريض سرطان جديد، إضافةالى المرضى القدامى الذين يتلقون العلاج فيه
بانتظام. ظاهر الخبر لا يبعثعلى القلق فها هو عالم مصري مرموق أجرى أبحاثاً حققت نجاحاً مدهشاً فيالولايات المتحدة، ولكن تبين أن
ثمة صعوبة تعترض استكمال تلك الأبحاثهناك، فتقدم نائب رئيس جامعة القاهرة لكي
يزيل تلك الصعوبة، وعرض عليه انيواصل عمله الكبير في مصر، التي هي أولى بتشجيعه واحتضانه،
لكن هذهالبراءة تتراجع حين يعيد المرء
قراءة الخبر مرة ثانية، حيث يدرك ان العالمالمصري اجرى تجاربه في الولايات المتحدة على
الحيوانات فقط، وحقق نجاحهعلى هذا المستوى، ولأن مواصلة التجارب على الإنسان هي العنصر الحاسم
فيإثبات ذلك
النجاح، فإنه كان عليه ان يخضع عدداً من مرض السرطان للعلاجالذي اكتشفه، وهذه مسألة ليست
سهلة هناك، لأن إجراء التجارب الإكلينيكيةعلى البشر في هذه الحالات له اشتراطات لا أول
لها ولا آخر، تدور حول ضمانألا تتم المخاطرة بحياة المريض بأي ثمن، ليس فقط لأن فشل العلاج
الجديدوتعريض أي
مريض للوفاة جراء ذلك يمكن ان يحمّل الجهة التي تجري التجارببتعويضات تصل الى ملايين
الدولارات، ولكن ايضاً لأن كرامة الإنسانالأميركي مصونة لا تمس، وقيمته أغلى من أن
تجعله حقلاً للتجارب العلميةالخطرة، من ثم فلا غضاضة في إجراء مثل هذه التجارب على الحيوانات، أماالإنسان الأميركي فلا، وإذا كان
لابد من إجرائها قبل توفير الضماناتوالاشتراطات التي تحمي المواطن الأميركي،
فليبحث العلماء عن إنس من جنسآخر أرخص، ويأخذوا راحتهم في إجراء تجاربهم عليه.
الاقتراح الذي
قدمه نائبرئيس جامعة القاهرة يرشح المرضى المصريين ليكونوا حقل تجارب العلاجالجديد، والغرض في هذا الصدد صريح
ولا يحتمل اللبس ولا يضع قيوداً علىالتجارب المفترضة سوى موافقة لجان البحوث
العلمية المتخصصة ولجنة أخلاقياتالبحث العلمي. وهي كما نعلم موافقات تتم على الورق وأحياناً من خلالالاتصال الهاتفي، هو عرض لا يخلو
من إغراء، فسعر المواطن المصري أرخص إذاما قورن بالأميركي، ثم إن مرضى السرطان عندنا
كثيرون، والضغط على معهدالأورام يفوق طاقة استيعابه واحتماله، وإذا تمت التضحية ببعض المصابينبالمرض اثناء العلاج فالخسائر لن
تكون كبيرة، ولن يزعج ذلك أحدا في السلطةالتي ما برحت تشكو من الزيادة المستمرة في
عدد السكان.
لست أشك في حسن
نيةنائب رئيس
الجامعة، وأغلب الظن أنه لم يدرك ان اقتراحه يعبر عن الإقراربدونية المواطن المصري ورخص سعره،
وتلك مشكلة بحد ذاتها، لأن الإقراربالدونية وقلة قيمة الإنسان اصبح أمراً عادياً يسلم به حتى كبار
المسؤولينفي البلد، وهو أمر يضاعف شعور الواحد منا بالهوان، حين يجد أن التراجع
لميصب حجم
البلد ووزنه فحسب، وإنما ضرب قيمة الإنسان المصري ايضاً.
لو كنا في بلد آخر يحترم نفسه
وتاريخه وذاكرة شعبه لحاسب وزير الثقافةوحاكمه سياسياً، هو ومن أذن له بافتتاح معرض
في باريس يحتفي باحتلالنابليون لمصر، ويتستر علي الجرائم التي ارتكبها هو وجيشه بحق
المصريين،طوال 38 شهراً قضتها حملته البائسة وهي تعيث فساداً في طول البلاد
وعرضها.
المشهديبعث علي الخجل والخزي من نواح
متعددة، فالصحف المصرية نشرت في الأسبوعالماضي أن السيد فاروق حسني وزير الثقافة
سافر إلي باريس لحضور افتتاحمعرض حول نابليون في مصر بعنوان: «أضواء وظلال» وتحدثت عن أن مصر
أسهمتبسبع وأربعين
قطعة أثرية عن الحياة في مصر قبل وبعد حملة بونابرت، ونقلتالصحف عن مدير معرض العالم العربي
في باريس قوله: إن العرض يسجل معالموصور وآثار المواجهة والتعاون بين فرنسا
والعالم العربي خلال الحملةالفرنسية علي مصر في عام 1798.
عنوان
المؤتمر لم يكن «أضواء وظلال»
لأن العنوان
الحقيقي كان «نابليون في مصر» وكلمتا أضواء وظلال كانتاعنواناً فرعياً ولا أستطيع أن أفترض البراءة
في إغفال هذه الإشارة، وتعمدتخفيف إيقاع العنوان لدي القارئ والحرص علي ألا يعدم العنوان الأساسي.
أدريأن نابليون لا يزال شخصية أسطورية
في فرنسا، وأن أمجاد «الحقيقة والوهمية» العسكرية لاتزال، تلهب الخيال والوجدان لدي
الجماهير الفرنسية، علي نحوكاد يطغي علي صورة الرجل الذي ما أن عاد من مصر «في عام 1799» حتي
استوليعلي السلطة
وقمع الحريات العامة، حين ألغي الانتخابات وأغلق الصحف، وتحولإلي ديكتاتور مستبد، قاد بلاده
إلي الخراب بعد أن توج نفسه إمبراطوراً.
هذاشأن الفرنسيين، وهم أحرار فيه
بطبيعة الحال، لكن نابليون في مصر ليس أكثرمن قائد مغامر، احتل البلد واجتاح جيشه مدنه
وقراه، ولم يتردد في ارتكابكل الجرائم الموجهة ضد الإنسانية لكي يضمن لجيشه السيطرة ويعزز قبضته
عليالبلد
المحتل، فقام بتدمير القري وإحراقها وقتل وصلب كل من اعترض طريقجيشه أو رفض الانصياع لأوامره في
الجباية أو الاستسلام وفي الوقت ذاته فإنهؤلاء لم يكفوا عن نهب ثروات البلد واغتصاب
نسائه، والعربدة في أنحائه،وهذا السجل الأسود عرضته الدكتورة ليلي عنان ـ أستاذ الأدب الفرنسي
بجامعةالقاهرة في
ثلاثة كتب صدرت قبل عشر سنوات تقريباً في سلسلة «كتاب الهلال» وقد أقدمت علي تأليفها حين تنادي
بعض المثقفين «الفرانكوفونيين في عام 1998 إلي «الاحتفال» بمرور 200 سنة علي الحملة
الفرنسية علي مصر، رفضالدعوة التي استفزت أغلب المثقفين الوطنيين، الذين اعتبروا الاحتفال
بهذهالمناسبة
إهانة للذاكرة المصرية وعملا شاذًا ومشينًا، باعتبار أنه لا يمكنبأي معيار أن يحتفل بلد بذكري
احتلاله واغتصابه.
الفكرة
المهينةوالمشينة تغطيها بعض الأكاذيب التي روجت لدور تنويري قامت به الحملةالفرنسية في مصر. وقد ردد نفر من
المثقفين تلك الأكاذيب، وأشار إليها وزيرالثقافة، حين قال إن الحملة كانت لها جوانبها
«المضيئة»، التي مهدت لنهضةمحمد علي باشا، وهذه فكرة غاية في الغرابة من حيث المبدأ، لأن
الاحتلاليظل جريمة بغرض النظر عن أي «إضاءات» يستصحبها. وبالمناسبة فإن أمثال
تلك
«الاضاءات»
المزعومة كانت الذريعة التي أطلقها الساسة الأوروبيون تبريرًالاحتلالهم بلادنا، بحجة
«تحضيرها». ولذلك أطلقوا علي حملاتهم وصفالاستعمار من العمران، ولا أحد