فهمي هويدي

مقالات الاستاذ الكبير فهمي هويدي

بنينا المجلس وتنقصنا الشورى

صحيفة الرؤية الكويتيه الإثنين 6 ذوالحجة 1430 – 23 نوفمبر 2009

بنينا المجلس وتنقصنا الشورى - فهمى هويدى

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/11/blog-post_23.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/11/974901.html

 

أصبح لدينا مبنى لمجلس الشورى ينافس مبنى مجلس اللوردات في بريطانيا.

لست صاحب هذه الملاحظة، التي وردت على لسان أحد الوزراء في حديثه إلى رئيس مجلس الشورى السيد صفوت الشريف أثناء افتتاح الدورة الجديدة للمجلس. الذي احترق مبناه قبل 15 شهرا، ثم أعيد بناؤه على نحو أثار إعجاب وثناء الجميع، وهو ما سجلته كتابات عدة أشادت بتصميم المبنى وكفاءة تجهيزاته واتساع قاعاته ونسق ديكوراته، وما اتسم به كل ذلك من فخامة ووقار، تجليا بصورة خاصة في بهو معتبر وصف بأنه «مبهر» حمل اسم الرئيس مبارك.

 

لا أستبعد أن يكون المبنى في ثوبه الجديد مناظرا حقا لمجلس اللوردات أو متفوقا عليه. ولا أرى في ذلك فضلا أو ميزة، لأن المجالس النيابية لا تقيم بمبانيها وديكوراتها، وإنما قيمتها الحقيقية تقاس بمقدار ما تؤديه من وظيفة وما تقوم به من دور في حياة المجتمع،

إذ لا يخطر على بال أحد من المهتمين بالشأن العام في أي بلد ينسب نفسه إلى الديموقراطية أن يسأل عن قاعات وطوابق وأثاث أي مجلس نيابي،

 إنما الذي يهم الناس في نهاية المطاف هو المهمة التي يقوم بها المجلس، وما إذا كان تعبيرا عن المجتمع أو جزءا من الديكور الديموقراطي.

 

حين قرأت قصائد الغزل التي دبجها البعض في مديح المبنى الجديد قلت على الفور،

 إننا بنينا المجلس وتنقصنا الشورى.

 

ذلك أن إنجاز البناء شيء جيد يحسب لشركة المقاولات ومهندس الديكور، لكن الأجود أن يكون للمجلس دور مفيد في حياة الناس. وهذا هو الشق الصعب الذي لا يستطيع أن ينهض به، فضلا عن أنه لا أحد في السلطة معني به، وربما كان السيد صفوت الشريف رئيس المجلس هو الوحيد الذي حرص على أن يجد عملا للمجلس، ذلك أنه نجح في أن يأتي له ببعض الاختصاصات. التي حولته من مجرد منظر وقطعة ديكور في المشهد السياسي، إلى فريق انضم إلى الجوقة التي تتحرك فوق المسرح، وزاد من أعداد مؤيدي الحكومة والمهللين لها. فقد كان رأي المجلس استشاريا فيما يعرض عليه حتى سنة 2007، ولم يكن له دور يتجاوز حدود الثرثرة السياسية التي لا يعتد بها ولا تؤخذ على محمل الجد.

وعندما تولى السيد صفوت الشريف رئاسته في سنة 2004 فإنه سعى لأن يجد له دورا يحسن من صورته الشخصية كرجل فاعل ونشيط ويحسن من صورة المجلس الذي اعتبر شيئا كماليا لا يضيف ولا ينقص. وأثمرت مساعيه، إذ نصت التعديلات الدستورية التي اجريت سنة 2007 على وجوب عرض بعض القوانين على المجلس. وعلى حق أعضائه في الحوار مع الحكومة من خلال طلبات المناقشة وإبداء الرغبات، دون أن يذهبوا إلى حد مساءلة الوزراء أو استجوابهم. إلى غير ذلك من الصلاحيات التي توحي بأن له وظيفة مهمة في البلد، وإن كان سقفها وحدودها معروفين، باعتبار أن المجلس تحت السيطرة بالكامل، نظرا للأغلبية الساحقة التي يتمتع بها الحزب الوطني الحاكم فيه، إضافة إلى أن ثلث المجلس الذي يضم 264 عضوا من المعينين المرضي عنهم.


المشكلة أكبر من مجلس الشورى وصلاحياته المحددة، لأن نظامنا السياسي يرفض المشاركة والمساءلة من الأساس. ويعتبر غياب دوره وضعا مريحا ومثاليا. وذلك أوضح ما يكون في مجلس الأمة، الذي يفترض من الناحية القانونية أنه الممثل الحقيقي للمجتمع (المعينون فيه عشرة من بين 454 عضوا)، فضلا عن أنه يعول عليه في إصدار التشريعات والرقابة على السلطة التنفيذية. لكنه من الناحية العملية يتحرك في مساحة لا تجاوز كثيرا حدود ما هو متاح لمجلس الشورى.

 إذ هو مجلس للتمرير والتأييد بأكثر منه للتشريع أو الرقابة. والقاسم المشترك الأعظم بين المجلسين أنهما من نماذج الفصل بين الأشكال والوظائف في بعض دول العالم الثالث، التي تحرص على توفير جميع متطلبات الشكل الديموقراطي من تجهيزات ومبان. في حين لا تسمح بشيء يتصل بأداء الوظائف وترسيح القيم والمعاني.

 

مبروك علينا «العمارة» ومقارعة مبنى مجلس اللوردات، لكن ذلك الإنجاز يظل وساما على صدر شركة «المقاولون العرب»، لا شأن له بالشورى أو الديموقراطية. ونرجو أن يطول بنا العمر حتى نرى لشاغلي العمارة دورا في الشورى.

................

درس الصين الذى لم نتعلمه

صحيفة الرؤية الكويتيه الأحد 5 ذوالحجة 1430 – 22 نوفمبر 2009

درس الصين الذى لم نتعلمه - فهمى هويدى

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/11/blog-post_21.html

 

الكتابات التي تابعت وقائع مؤتمر شرم الشيخ الأخير حول الصين وأفريقيا ركزت على التعاون مع الصين دون التعلم منها. علما بأن مسألة «التعاون» هذه محل نظر، لأنها لا تعني إلا أحد أمرين تقديم المساعدات الصينية إلى دول القارة، أو فتح أسواق تلك الدول أمام السلع الصينية، وهو ما يجعل اليد العليا للصين في الحالتين، في حين تظل اليد السفلى من نصيب كل دول القارة.

 

وقد ذهبت بعض صحفنا في المبالغة حدا جعل إحداها تصف انعقاد المؤتمر باعتباره «تحالف الأصفر والأسود»، وهو ما ذكرني بتعليق للشيخ محمد الغزالي سمعته منه حين قرأ في إحدى الصحف أن وزير الخارجية لإحدى الدول العربية اجتمع مع «نظيره» الأميركي. إذ قال ضاحكا: نظيره مرة واحدة، ما الدليل على ذلك؟!


لسنا بصدد تعاون ولا تحالف، لأننا لسنا في موقف الأنداد، كما أن الصين ليست جمعية خيرية تتبرع بالعون ولكنها دولة كبرى لها مصالح وأهداف استراتيجية تتوخاها، ولا يعيبها ذلك. وهي النجم الصاعد الذي يعمل الجميع حسابه في القرن الواحد والعشرين، ولا غضاضة في الاستفادة من معوناتها وخبراتها، وهذه الاستفادة ينبغي أن تكون واعية وحذرة، بحيث لا تؤدي مثلا إلى تعزيز الوجود البشري الصيني الذي ظهرت مقدماته في عدد من العواصم الأفريقية، وهي الملاحظة الصائبة التي عبر عنها وزير الخارجية الليبي موسى كوسا، عقب الجلسة الافتتاحية لمؤتمر شرم الشيخ.


لست مشغولا في الوقت الراهن بتكييف العلاقة مع الصين، ولكني تطرقت إلى نقد مسألة التعاون والتحالف من باب التعبير عن الغيظ فقط إزاء استخدام مفردات اللغة في التدليس على القارئ وإعطائه انطباعات مغلوطة، بحسن أو سوء نية، ذلك أن شاغلي الأساس ينصب على درس الصين وليست منتجاتها أو معوناتها. ذلك أن الخبراء المتابعين للتجربة الصينية لهم كلام كثير حول العوامل التي أدت إلى إنجاحها بالشكل المثير الذي تشهده الآن، لكن ما يهمني في هذه العوامل أمران تمنيت أن نستعيدهما ونسلط الضوء عليهما في مناسبة انعقاد المؤتمر،

 

 الأمر الأول أن الزيادة السكانية ليست عبئا دائما ولا هي كارثة إلا عند الذين يفشلون في التعامل معها، وتحويلها إلى طاقة إنتاج مضافة، وهذه الزيادة تشكل عائقا يحول دون التقدم في حالة واحدة. تتمثل في فشل السلطة التي تدير المجتمع في استثمارها على نحو رشيد، بحيث تتحول إلى رافعة للتقدم وليس قيدا يكرس التخلف.

 

ان المسؤولين في بلد مثل مصر لا يكفون عن تقريع المجتمع لأن نموه السكاني يصدمهم ويفشل خططهم للتنمية، في حين أن معدلات النمو معروفة للكافة ولا مفاجأة فيها. والمفاجأة الوحيدة انهم يخفون عجزهم عن تلبية احتياجات ذلك النمو ويستعيضون عن ذلك بلوم الناس والتنديد بهم، ورغم فشلهم هذا، فإنهم يظلون متمسكين ببقائهم في السلطة وإصرارهم على احتكارها. يشجعهم على ذلك أنهم مطمئنون إلى أن أحدا لن يحاسبهم على عجزهم وفشلهم.


الأمر الثاني أنه ليس في التقدم سر لأن قوانينه معروفة والشرط الوحيد المطلوب لتحقيق النهوض باستخدام تلك القوانين هو توافر العزيمة الجادة والإرادة المستقلة. وهي النقطة التي ألمحت إليها في المؤتمر الذي عقد أخيرا في دبي لإطلاق تقرير المعرفة العربي لعام 2009 الذي صدر بالتعاون بين البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بالتعاون مع مؤسسة محمد بن راشد.

وكان التقرير قد أكد على ضرورة توافر ثلاثة عوامل لتحقيق النهضة، هي المعرفة والحرية والتنمية. إذ قلت إن تلك عوامل مهمة لا ريب، لكن تجربة الصين أثبتت أن التنمية يمكن أن تتم في غيبة الحرية، وأنه إذا توافرت العزيمة والإرادة المستقلة فإن ذلك الهدف يمكن بلوغه بغير عقبات. وليس ذلك إقلالا من شأن الحرية التي تكفلها الديموقراطية، والتي توفر للتنمية بعدا إنسانيا ضروريا، وإنما تأكيدا على دور الإرادة المستقلة في إطلاق عملية التنمية، وكون التلازم ليس شرطيا بينها وبين الحرية.

 

لا يعيبنا ألا نكون أندادا للصين أو لغيرها من الدول الكبرى، لكن يعيبنا أن ندعي لأنفسنا ندية مزيفة، كما يعيبنا ألا نتعلم من خبرات غيرنا وفضائلهم لكي نعزز من قدراتنا الذاتية، بما يحقق النهوض لأمتنا ويحفر لها مكانتها في مجرى التاريخ، بدلا من أن تبقى خارجة أو متفرجة عليه.

.......................

غاب العرب فحضرت تركيا

صحيفة الرؤية الكويتيه الخميس 12 شوال 1430 – 1 أكتوبر 2009

غاب العرب فحضرت تركيا – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/10/blog-post.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/10/948216.html

 

ما هو شعور القادة العرب والأمين العام لجامعة الدول العربية حين احيطوا علما بالخبر الذي بثته وكالات الأنباء يوم الأربعاء الموافق 23 سبتمبر الماضي ، خاصا بإعراب أنقرة عن «قلقها إزاء العنف الدائر في اليمن».

 

 ربما لم تستوقفهم كثيرا التصريحات الأميركية التي دعت الجيش اليمني والحوثيين إلى وقف القتال الدائر بينهما منذ شهرين، لأن الولايات المتحدة تعتبر نفسها شرطي العالم.

وربما لم يكترث هؤلاء بمناشدة منظمة «أوكسفام» وغيرها من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان السلطة في صنعاء فتح الطريق لإيصال المؤن والأغذية لنحو 250 ألف شخص من ضحايا تلك الحرب البائسة، فروا من قراهم وتحولوا إلى «لاجئين» في وطنهم، ذلك أن ما تحدثت به تلك المنظمات هو من صميم عملها الذي تقوم به في مواجهة الأزمات والصراعات حيثما وجدت.

 

هذا كله مفهوم ومألوف، لكن إعلان أنقرة هو غير المألوف، وإن بات مفهوما، بعدما نجحت تركيا في أن تصبح لاعبا مهما في هذا الجزء من العالم الذي هجرته وأدارت ظهرها له بعد سقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي.

لكن المشهد اختلف تماما مع دخول القرن الجديد، إذ بدأت تركيا ترنو ببصرها نحو الشرق، بعدما ثبتته طويلا نحو الغرب، إلى أن تولى السلطة حزب العدالة والتنمية منذ خمس سنوات، فأحدث نقلة هائلة في علاقات تركيا بكل جيرانها، إذ تحولت من جسر للعبور والتواصل بين الشرق والغرب، إلى لاعب مؤثر ومهم على الجبهتين.

 

وهكذا وجدنا تركيا حاضرة في كل الأزمات والملفات العالقة في العالم العربي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والوضع في العراق والأزمة الأخيرة بين بغداد ودمشق وصولا إلى اتفاق التعاون الإستراتيجي مع دول منطقة الخليج.

 

هذا الحضور السياسي جاء لاحقا للحضور الاقتصادي القوي الذي طرق أبواب جميع الدول العربية، حتى أصبحت لتركيا مصالح حيوية في هذه الدول، ومن ثم غدا استقرار الأوضاع فيها له مردوده الإيجابي على تلك المصالح.

 

في هذا السياق احتلت اليمن مكانة لافتة للنظر في السياسة التركية،

أولا بسبب موقعها الإستراتيجي المشرف على مضيق باب المندب،

وثانيا بسبب جوارها للمملكة العربية السعودية التي تحتفظ تركيا بعلاقات اقتصادية متميزة معها،

وثالثا لكونها دولة خليجية، وهي المنطقة التي أصبحت تركيا طرفا مهما في الحفاظ على استقرارها،

ورابعا لمواجهة احتمالات النفوذ الإيراني الذي تتحسب له أنقرة، وفي حدود علمي فإن تركيا تمارس نشاطا ثقافيا واجتماعيا ملحوظا في اليمن. إذ أقامت مدرستين هناك، إلى جانب تنوع الأنشطة الإغاثية التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني التركي في مناطقها الفقيرة.

فهمت أيضا أن هذه الخلفية شجعت أنقرة على محاولة الاقتراب من ملف الحرب الدائرة في شمال اليمن، التي دخلت عامها الخامس الآن، وأن هناك تفاهما تركيا - قطريا بشأن هذه الخطوة، خصوصا أن قطر كان لها في وقت سابق دورها في عقد اتفاق مصالحة بين الحوثيين والحكومة اليمنية.

 

الملاحظة المدهشة في كل ذلك أن العالم العربي بما في ذلك الجامعة العربية مازال يقف متفرجا على مشهد صراع الإخوة الأعداء، بل ان مصر التي ساندت ثورة اليمن وروت أرضها بدماء المئات من أبنائها في ستينيات القرن الماضي، أدارت ظهرها لما يجري، ولم تعرب حتى عن «قلقها» إزاء استمرار القتال في صعدة. علما بأنها الدولة العربية الأكثر قبولا بين الوسطاء الذين يمكن أن يسهموا في إعادة الاستقرار والوفاق إلى اليمن.

 

إننا نخطئ إذا استغربنا اهتمام تركيا بما يحدث في صنعاء، لأن الخطيئة الكبرى ارتكبناها نحن حين استسلمنا للغيبوبة وانكفأنا على أنفسنا، ومن ثم أحدثنا فراغا تمدد فيه غيرنا.

..................

الحجارة والأحذية هى الحل

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 11 شوال 1430 – 30 سبتمبر 2009

الحجارة والأحذية هى الحل – فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/09/blog-post_5883.html

http://fahmyhoweidy.jeeran.com/archive/2009/9/947648.html

 

الجامعة العربية تابعت «بغضب شديد وقلق كبير العدوان الصارخ والمبيت على المسجد الأقصى»

 والحكومة الأردنية «أدانت بشدة وشجبت واستنكرت»، واستدعت القائم بالأعمال الإسرائيلي في عمان وطلبت إليه نقل الاحتجاج إلى حكومته.

 مصر سكتت ولم تقل شيئا.

 

وغاية ما ذهب إليه بيان جامعة الدول العربية أنه طالب مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة والرباعية الدولية «بالتدخل الفوري لوقف الانتهاكات الإسرائيلية الخطيرة للمسجد الأقصى».

 

هذه أهم الأصداء التي اعقبت محاولة اقتحام المسجد الأقصى من جانب 150 من المتطرفين الإسرائيليين، عشيَّة عيد الغفران (يوم كيبور) التي تزامنت مع ذكرى اندلاع انتفاضة الأقصى في سنة 2000. وهي التي اعقبت اقتحام رئيس الوزراء الأسبق آريل شارون للمسجد وسط حراسة مشددة.

 

المقدسيون العزل هم الذين أوقفوا الاقتحام الأخير. حموا المسجد بأجسادهم وهاجموا المتطرفين اليهود بالحجارة والأحذية والكراسي. كما ذكرت التقارير الصحافية. لم ينتظروا تدخلا من الأمم المتحدة أو الرباعية الدولية، ولم يعلقوا أملا على أي موقف عربي، خرجوا منذ الصباح الباكر لحماية المسجد، بعدما دخل المتطرفون اليهود إلى باحته متنكرين على هيئة سياح. رشقهم الفلسطينيون بكل ما طالته أيديهم حتى صدوهم وردوهم على أعقابهم، وأمطرتهم الشرطة التي كانت تحمي المستوطنين بالرصاص المطاطي. مما أدى إلى إصابة 40 فلسطينيا، منهم اثنان في حالة خطرة، إضافة إلى تسعة من رجال الشرطة الإسرائيليين.

 

ما حدث للمسجد الأقصى جزء من حملة تهويد مدينة القدس التي تدعي إسرائيل أنها خارج المناقشة ولا مجال للتفاوض بشأنها. وهي المدينة التي أثبتت الدراسات أنه حتى بداية القرن السابع عشر الميلادي لم يكن اليهود يملكون شبرا فيها. ومن وجد منهم بها كان مستأجرا فقط، سواء للدور أو الدكاكين، حتى مقابر اليهود كانت مؤجرة لهم من دائرة الأوقاف الإسلامية.

 وللعلم، فإن شعار «إن نسيتك يا أورشليم فلتشل يمينى» هو من العبارات الصليبية التي أطلقها حاكم عكا الفرنجي قبل رحيله، ولكن الحركة الصهيونية اختطفتها وزيفتها لمصلحة مشروعها في فلسطين.

 

إن عملية الحفر التي تهدد أساسات المسجد الأقصى مستمرة على قدم وساق. وحصار الحرم بمئة كنيس وسبع حدائق «توراتية» ومنتزهات من كل صوب يسهم في تهيئة المسرح لبناء ما يسمونه هيكل سليمان الذي فشلوا في العثور على أي دليل أو أثر له.

 

أما عمليات الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين وهدم ما بني منها فهي من تجليات التطهير العرقي الذي يمارس في المدينة على مرأى ومسمع من الجميع. في ذات الوقت تستمر إسرائيل في إقامة مستوطنة في قلب البلدة القديمة تحدثت عنها صحيفة «هاآرتس» هذا الأسبوع. وهذا التسارع والتصميم على تهويد القدس هو إحدى حلقات تصفية القضية التي تتابع أمام أعيننا، دون أن يستثير غضب السلطة الفلسطينية أو يحرك شيئا لدى النظم العربية أو الإسلامية.

 

إن استمرار الاستعانة بالمجتمع الدولي والرباعية سيئة الذكر هو في حقيقة الأمر ضوء أخضر للإسرائىليين لكي يستمروا في مخططاتهم، لأنه يعني أن «السلطة» مستعدة لغض الطرف عما يجري، وان الأنظمة العربية انسحبت من الموضوع ولم تعد مستعدة لفعل أي شيء، حتى على المستوى الديبلوماسي أو القانوني، رغم أنها تملك الكثير على هذين الصعيدين.

 

في زمن النخوة قامت الدنيا ولم تقعد حين جرت محاولة إحراق منبر المسجد الأقصى في سنة 69، مما استدعى عقد القمة الإسلامية وإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامى وتشكيل لجنة القدس. وبمضي الوقت ثبت أن الشيء الذي لم يعد متوافرا هو إرادة الدفاع عن القضية وعن أمن الأمة. ولذلك لم يكن غريبا أن يهب الفلسطينيون للدفاع عن المسجد الأقصى بأجسادهم، وبالحجارة والأحذية والكراسي.

 إن الأنظمة العربية لم تعد مؤتمنة على قضايا المصير، ولم يعد أمام شعوبنا العزل التي لم تهزم بعد سوى أن تدافع عنها بأجسادها وصدورها العارية، على الأقل حتى يأذن الله بفرج من عنده.

............................