صحيفة الشروق الجديد الثلاثاء
25 صفر 1431 – 9 فبراير 2010
على أبواب
المرحلة الإسرائيلية – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_09.html
إذا صدقت
الإشارات التى تبثها وسائل الإعلام المختلفة هذه الأيام، فهى تعنى أن منطقة الشرق
الأوسط تستدرج بشكل حثيث للدخول فى المرحلة الإسرائيلية.
ــ1ــ
التسخين
الراهن الذى يلوح باحتمالات اندلاع الحرب فى المنطقة يبدو مفاجئا. ذلك أن حسابات
بداية العام كانت توحى بأن شبح الحرب لن يلوح فى الأفق قبل نهاية العام الحالى.
وانبنت تلك الحسابات على أساس تقدير الموقف الأمريكى بوجه أخص، ذلك أن ثمة اتفاقا
بين الخبراء على أن أى حرب تشنها إسرائيل فى المنطقة إذا لم تكن بمشاركة أمريكية
فلن تقع بغير موافقة منها، بمعنى أن واشنطون ستكون فى كل الأحوال طرفا فيها، سواء
بحكم تحالفها الاستراتيجى مع إسرائيل، أو بحكم حساباتها ومصالحها الاستراتيجية
المفترضة فى المنطقة.
التقدير الذى أشرت إليه وضع فى الحسابات العوامل التالية:
أولوية الأزمة الاقتصادية الداخلية فى أجندة الرئيس أوباما ومشروعاته التى يريد
تمريرها من الكونجرس تحسبه لانتخابات الكونجرس النصفية فى شهر نوفمبر القادم خصوصا
فى ظل تراجع التأييد الشعبى له انتظاره لإتمام انسحاب القوات الأمريكية من العراق
الذى يفترض أن يبدأ فى شهر أغسطس المقبل ورطة القوات الأمريكية والدولية فى
أفغانستان.
كان الظن أن الإدارة الأمريكية لن تتحمس لأى عمل عسكرى جديد فى المنطقة مادامت هذه
العوامل قائمة. خصوصا أن احتمالات ردود الأفعال المترتبة عليه واسعة ومحفوفة
بالمخاطر،
إذ يفترض أن يوجه العمل العسكرى إما ضد سوريا ولبنان أو ضد إيران أو ضد الثلاثة فى
نفس الوقت، والأخيرة هى الهدف الأساسى، لأن تقدم طهران فى مشروعها النووى يشكل خطا
أحمر، باعتبار أن من شأن ذلك ظهور قوة ردع حقيقية لإسرائيل تهدد انفرادها بصدارة
القوة فى الشرق الأوسط.
وفى الحسابات الإسرائيلية أن توجيه الضربة العسكرية لإيران يستلزم تأمين محور
سوريا جنوب لبنان لتجنب احتمال صدور أى قصف من هذه الجبهة، وخطوة من ذلك القبيل
ليست مهمة لإسرائيل فحسب، ولكنها مهمة للولايات المتحدة أيضا، إذ إن المحور
المتمثل فى إيران وحزب الله وسوريا، مضافا إليه المقاومة الفلسطينية التى تتصدرها
حركة حماس لا يزال يمثل الرباعى المتمرد على السياسة الأمريكية فى المنطقة.
ــ2ــ
ليس سرا أن
إسرائيل وأذرعها الممتدة فى الولايات المتحدة ما برحت تلح على توجيه الضربة
العسكرية إلى إيران، ولم يكن هناك خلاف بين الطرفين على المبدأ، وإنما اختلفت
التقديرات حول التوقيت والتدابير الأخرى.
لكن يبدو أن كفة الحسابات الإسرائيلية، أصبحت أرجح خلال الأسابيع الأخيرة، التى
شهدت تسخينا فى التصريحات وتصعيدا فى الإجراءات المتخذة على الأرض. وترتب على ذلك
أن أصبح موضوع الحرب عنوانا رئيسيا فى صحف الأسبوعين الأخيرين
. فتحدثت صحيفة «الشروق» عن حرب إسرائيلية متوقعة فى عام 2010،
وذكر الرئيس بشار الأسد أن إسرائيل تدفع المنطقة إلى الحرب،
ونشرت صحيفة الأهرام أن مصر طالبت إسرائيل بوقف التلويح بالحرب ضد أى دولة عربية.
وأضفت تصريحات التهديد التى أطلقها وزيرا الدفاع والخارجية الإسرائيليين مزيدا من
السخونة والتوتر على الأجواء،
فى حين تناقلت الصحف أخبارا عن حشود إسرائيلية ومناورات عسكرية على الحدود مع
لبنان،
وأخبارا أخرى عن الاستنفار بين قوات حزب الله واستدعاء سورية لعناصر «الاحتياط
الرابع»، وبعضهم عمال يعيشون فى الأراضى اللبنانية.
وخرجت علينا صحيفة نيويورك تايمز فى «30/1» بتقرير ذكر أن الولايات المتحدة بصدد
نشر أنظمة صواريخ مضادة للصواريخ فى دول منطقة الخليج، تحسبا لهجوم إيرانى محتمل
(ردا على الضربة العسكرية المفترضة)،
ذكر التقرير أيضا أن سفنا حربية أمريكية بصدد الانتشار أمام السواحل الإيرانية.
وهذا الذى تحدثت به الصحيفة الأمريكية أيده وزير خارجية البحرين، الذى أكد أن
الولايات المتحدة نشرت الأنظمة المذكورة، مضيفا أن وجودها يدخل فى نطاق «الترتيبات
الدفاعية».
وإذ تزامن ذلك مع الزيارات التى قام بها رئيس المخابرات المركزية الأمريكية لبعض
عواصم المنطقة، فإن تلك الشواهد توضح لنا مغزى تصريح السيد عمرو موسى الأمين العام
لجامعة الدول العربية فى باريس الذى قال فيه إن
«المنطقة تسير على صفيح ساخن بصورة غير مسبوقة».
حتى إذا كانت تلك حرب أعصاب، للتخويف قبل الحرب الحقيقية فما يهمنا فيها أن مجمل
المسار يمثل استجابة للاستراتيجية الإسرائيلية التى لا ترى بديلا عن إجهاض المشروع
النووى الإيرانى وتصفية قوى الممانعة فى المنطقة، بحيث لا يعلو فيها صوت على صوت
إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
وسط هذه الأجواء حدث تطوران مهمان فى الولايات المتحدة،
الأول أن مجلة «تايم» نشرت فى 21/1 حوارا مستفيضا مع الرئيس أوباما بمناسبة مرور
سنة على توليه السلطة، عبر فيه عن شعوره بالإحباط إزاء الآمال التى كان قد علقها
على جهود إحياء عملية السلام فى المنطقة.
وقال إنه هوَّن فى بداية عهده من الصعوبات التى تعترض تسوية الصراع العربى
الإسرائيلى، وأنه لو أدرك طبيعة تلك الصراعات مبكرا ما كان له أن يرفع سقف توقعاته
(كان أوباما قد دعا إلى وقف الاستيطان والتوسع النسبى فى تطبيع العلاقات مع
إسرائيل، لإطلاق مفاوضات تسوية القضية ولكن إسرائيل رفضت وقف الاستيطان).
الحدث الثانى كانت دلالته أعمق، ذلك أن الرئيس الأمريكى وقف فى 27/1 لكى يلقى خطبة
الاتحاد، التى تحدث فيها عن أهم التحديات والقضايا الداخلية والخارجية، وجاءت الخطبة
فى 5700 كلمة، لم تذكر فيها القضية الفلسطينية ولو بكلمة واحدة. وكان ذلك انتصارا
آخر للسياسة الإسرائيلية.
ــ3ــ
حين أسقط أوباما الملف الفلسطينى من خطابه الأخير فإنه أراد أن يبعث بعدة رسائل
إلى من يهمه الأمر فى بلادنا.
أول هذه الرسائل أن أهمية القضية تراجعت، وصارت همَّا إقليميا وليس شأنا دوليا.
ثانيها أنه ترك الباب مفتوحا لما يمكن أن يحققه مبعوثه إلى المنطقة السناتور جورج
ميتشيل فى جولاته المكوكية بين العواصم العربية وإسرائيل.
الرسالة الثالثة أنه لم يرد أن يضع أى قيد يحول دون تحقيق التطلعات الإسرائيلية التى
أدرك أن السلطة الفلسطينية والدول العربية «المعتدلة» على الأقل يتعاملون معها
بمرونة مشهودة. كان واضحا أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو كسب جولته
فى واشنطون، واستطاع أن يوقف الرئيس أوباما عند الحدود التى أرادها دون أن يدفع
ثمنا لذلك، لا من مشروعات التوسع والاستيطان ولا من عملية التهويد المستمرة على
قدم وساق فى القدس. كما أنه نجح فى إقناع الجميع بمن فيهم بعض العرب بأن إيران هى
المشكلة وهى مكمن الخطر ومصدره.
نتنياهو لم يهزم الرئيس الأمريكى فحسب ولكنه ذهب إلى أبعد، حين نجح فى توظيف نفوذ
الإدارة الأمريكية فى تكثيف الضغوط على العرب لكى يقدموا مزيدا من التنازلات
المجانية لإسرائيل.
والهدف من هذه التنازلات هو التراجع عن مطلب وقف الاستيطان. والعودة إلى طاولة
المفاوضات «بدون شروط مسبقة»، كما ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلى. وتدل الشواهد
المختلفة على أن هذا الهدف تم الاتفاق عليه،
والحاصل الآن هو الإعداد لإخراجه بشكل مقبول، ذلك أن مطلب وقف الاستيطان تم
التراجع عنه بصورة تدريجية، أمام تمسك الحكومة الإسرائيلية باستمراره رغم مخالفته
الصريحة والزاعقة لأحكام القانون الدولى.
من ثم جرى الحديث عن «تعليق مؤقت» بحيث لا يشمل القدس أو تصريحات البناء السابقة.
(الأمر الذى يعنى إقرارا بشرعية ما سبق بناؤه).
بعد ذلك جرى الحديث عن «ضمانات» أمريكية، يمكن تبيعنا كلاما معسولا، لكننا نعرف
مسبقا إلى أى جانب سننحاز فى نهاية المطاف.
كلام نتنياهو عن رفض «الشروط المسبقة»، الذى أيدته فيه وزيرة الخارجية الأمريكية،
لا يعنى سوى أمرين،
أولهما التغاضى عن التوسع الاستيطانى والتهويد وغير ذلك من الوقائع التى تفرضها
إسرائيل على الأرض.
وثانيهما تحويل المفاوضات إلى هدف يؤدى إلى تسكين أو تخدير الوضع الفلسطينى
والعربى، بدعوى أن جهود التسوية مستمرة.
وهذا التسكين يوفر مناخا مواتيا لإسرائيل لأن تعربد على الجبهات الأخرى من سوريا
إلى لبنان وصولا إلى إيران، لتضمن تركيع المنطقة بأسرها.
ــ4ــ
إسرائيل مطمئنة إلى أنه فى ظل العجز العربى الراهن، فإنها لن تصادف عقبة فى تحقيق
مرادها.
فأبومازن لم تعد لديه أية خيارات أخرى بعدما أصبح يتباهى بأنه قضى على المقاومة فى
الضفة الغربية التزاما منه ببنود خريطة الطريق، وهو «الإنجاز» الذى أسهم فيه
التعاون الأمنى مع الإسرائيليين،
أما بقية الدول العربية وفى المقدمة منها ما سمى بمعسكر «الاعتدال» فإنها اكتفت
بالمبادرة العربية المفتوحة التى أبرأت ذمتها بإعلانها.
ويبدو أنها على استعداد لمراجعة بعض بنودها التى اعترضت عليها إسرائيل، وعلى رأسها
البند الخاص بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم.
فى هذا الصدد لابد أن يستوقفنا تصريح وزير الخارجية المصرى عقب اجتماع الرئيس
مبارك مع نتنياهو الذى زار القاهرة فى 29 ديسمبر 2009، الذى قال فيه إن اللقاء كان
«إيجابيا للغاية».
وهو ما يعنى أن ثمة تفاهما بين الطرفين (للأسف!) حول العناوين الرئيسية على الأقل.
الخلاصة لا هى صعبة أو مستعصية.
ذلك انه بعد استبعاد الخيارات الاخرى، والالتزام بالمفاوضات فحسب، وتسليم مفاتيح
القضية للولايات المتحدة الأمريكية التى كفت عن مطالبة إسرائيل بشىء،
فإن نتائج المفاوضات المرتقبة والتنازلات المرجوة منها تصبح محسومة لصالح الطرف
الإسرائيلى. خصوصا أنه ليست لدى الطرف الفلسطينى أى أوراق يضغط بها أو أية خيارات
أخرى يلجأ إليها. وهو ذاته الحاصل مع أغلب الدول العربية.
سيناريو الدخول فى المرحلة الإسرائيلية لا هو أكيد ولا هو مضمون مائة فى المائة،
لكنه مرجح فحسب.
وثمة عوامل ثلاثة يمكن أن تحول دون تحقيق مبتغاه،
الأول أن يشعل الرد الإيرانى على العمل العسكرى الإسرائيلى حريقا يصعب السيطرة على
حدوده أو تداعياته.
الثانى أن تتغير توازنات الساحة الفلسطينية، سواء بانتفاضة ثالثة فى الداخل، أو
انتفاضة سياسية فى الخارج تعبر عن موقف الأغلبية الصامتة الفلسطينية التى لا هى
فتح ولا هى حماس.
أما العامل الثالث فهو أن يتغير شىء فى المعادلة العربية يستنقذ الأمة من الوهن
الذى استسلمت له. وهذه عوامل تختلط فيها التمنيات بالأحلام، لكن ربك قادر على كل
شىء، خصوصا إذا وجد من يستحقون النصرة.
..............................
الثلاثاء, 09 فبراير, 2010
الثلاثاء, 09 فبراير, 2010
تعادل غير مشرف مع الجزائر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_08.html
لم ينتبه كثيرون إلى أننا تعادلنا مع الجزائر في الفساد. وهو تعادل لا يشرف الطرفين بطبيعة الحال. لكنه فرض على الجميع رغما عنهم.
إذ في حين تجرى في مصر التحقيقات حول نهب الثروة العقارية المصرية في عهد وزير الإسكان السابق الدكتور محمد إبراهيم سليمان، تفجرت في الجزائر قصة نهب أموال الدولة وعائداتها النفطية خلال السنوات الأخيرة.
ولم يكن «الموضوع» هو وجه الشبه الوحيد، لأن غموض الملابسات التي أحاطت بكل من الحدثين كان متماثلا إلى حد كبير. ذلك أن رائحة الفساد ظلت تزكم الأنوف لعدة سنوات في الجزائر، تماما كما كان الحاصل في حالة وزير الإسكان المصري.
وفجأة رفع الغطاء عن ملف الفساد هناك، كما رفع الغطاء عن الدكتور سليمان في مصر. وهو ما أثار عديدا من الأسئلة الحائرة حول دوافع هذه الخطوة ومآلاتها.
الحاصل في مصر منشور على الملأ بوقائعه المثيرة والصارخة ومفاجآته المحيرة التي كانت استقالة الوزير السابق من عضوية مجلس الشعب وتخليه عن الحصانة البرلمانية أحدث فصولها.
لكن الحاصل في الجزائر يحتاج إلى بعض التفصيل. إذ فجأة ودون أي مقدمات ولأول مرة منذ ثلاثين عاما، أطلقت حملة «الأيادي النظيفة» التي كان عنوانها دالا على أنها بيان إعلان حرب على الفساد المستشري. وهو الذي كان حديث الألسن وترددت في ثناياه أسماء كبيرة في النظام الجزائري شملت ضباطا كبارا ومسئولين حاليين وسابقين،
في هذا السياق فتح ملف مؤسسة «سونا طراك» للنفط والغاز التي تعد الشريان الأول للاقتصاد الجزائري. ولأنها كذلك، فقد اعتبرت الساحة الأوسع لممارسة أقصى صور النهب والسرقة.
وقيل في تفسير ذلك إن كشف أوراق ووقائع الفساد الكبير في ذلك القطاع الحيوي أريد به إحراج الرئيس بوتفليقة ووضعه في مأزق. خصوصا أنها مست بعض رجاله،
ومنهم وزير الطاقة والمناجم «شكيب خليل» الذي أثار تعيينه في ذلك المنصب الحساس لغطا كبيرا، لأنه يحمل الجنسية الأمريكية وزوجته غير جزائرية، ووجهت إليه اتهامات كثيرة نسبت إليه الضلوع في العديد من الجرائم المالية.
آخرون رأوا أن الأمر ليس كذلك، وأن فتح ملف الفساد أريد به امتصاص غضب الشارع الجزائري الذي يئن تحت وطأة الغلاء والبطالة، في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن فضائح سرقة المال العام من قبل عناصر النخبة الحاكمة.
وفى تقدير هؤلاء أن جهاز المخابرات الذي يدير البلد سعى بإطلاق حملة التطهير والإعلان عن مكافحة الفساد إلى تصريف الاحتقان السائد وتجنب انفجار الموقف الداخلي.
في مواجهة حملة «الأيادي النظيفة» يرى البعض أن الرئيس بوتفليقة لن يكون بمقدوره المضي في محاسبة أركان الفساد وتقديمهم للعدالة. لأن هؤلاء هم أركان النظام المنتفعون به.
هو ذاته الغموض الذي يحيط بملابسات فتح ملف وزير الإسكان في مصر. حيث لا يعرف أحد ما إذا كانت هذه الخطوة محاولة لتطهير صفحة النظام والتخلص من العناصر المحسوبة عليه والتي شوهت صورته وسيرته،
وهل يمكن أن ينتهي الأمر بمحاسبته هو والذين شاركوا في نهب الثروة العقارية المصرية. أم أن هناك أهدافا أخرى من وراء ذلك؟.
وإذ رجح كثيرون أن الرجل لن يحاكم لأن المشاركين في عملية النهب من أركان النظام ــ تماما كما في الحالة الجزائرية ــ فإن هناك من ذهب إلى أن استقالته من مجلس الشعب أريد بها تمكينه من العودة لرئاسة شركة الخدمات البترولية التي أقصى عنها بسبب عضويته لمجلس الشعب.
هذا التشابه في نموذج الفساد الحاصل في مصر والجزائر ما كان له أن يقع بهذه الصورة لولا أن هناك تشابها أكبر وأعمق في النظام السياسي للبلدين، الذي يحتكر السلطة ويغيب الديمقراطية بما يهدر قيمة الحساب والمساءلة ومن ثم يوفر تربة مواتية لاستشراء الفساد وتورط أركان النظام فيه، لأن احتكار السلطة هو المقدمة الطبيعية لإشاعة الفساد واحتكار الثروة.
......................
السبت, 06 فبراير, 2010
المقاطعة مسألة أخلاقية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_06.html
هذه مناقشة قديمة جديدة، من إفرازات حالة البلبلة الحاصلة فى مصر، التي أصابت أعدادا من المثقفين والصحفيين،
هي قديمة نسبيا لأنها تطرح موضوع علاقة المثقفين بالعدوالصهيوني، الذي نوقش أكثر من مرة، خصوصا في المحيط الصحفي،
أما الجديد فيه فهواللغط الذي أثاره قرار هيئة التأديب بنقابة الصحفيين المصريين توجيه إنذار لإحدى الزميلات لأنها استقبلت السفير الإسرائيلي في مكتبها
وإيقاف زميل آخر لمدة ثلاثة أشهر لأنه أعلن أنه سافر إلى إسرائيل 25 مرة،
وتزامن ذلك اللغط مع حدث آخر في ذات الإطار تمثل في حضور أحد الزملاء مؤتمرا صحفيا عقده السفير في القاهرة بمناسبة انتهاء مهمته، وهوما انتقده آخرون فإنه وجه رسالة نشرتها صحيفة "المصري اليوم" في 2/2 قال فيها ما نصه،
«إنه حضر المؤتمر الصحفي»: من منطلق مهني بحت، كوني صحفيا عليه الاطلاع على الحقائق والوقائع ونقلها كما هي، حتى وإن لم يتفق معها ملتزما «الحيادية». كما أنها محاولة للانفتاح على الآخر،
وفي موضع آخر من رسالته كرر زميلنا أن كل ما فعله أنه أدى عمله بحرفية، وأنه ليس من حق أحد أن ينتقده لأنه أدى مهمته الصحفية.
هذه الملابسات أعادت إلى الأذهان موقف الصحف من التعامل مع الإسرائيليين، وحدود وضوابط المهنية والحرفية في هذه الحالة،
وهي المناقشة التي كنت طرفا فيها يوما ما حين رفضت حضور لقاء صحفي مع الرئيس أوباما أثناء زيارته للقاهرة في أوائل العام الماضي، بسبب دعوة صحفي إسرائيلي إلى ذلك اللقاء،
ووقتذاك قال الزميل المصري الذي حضر اللقاء إنه أدى واجبه المهني، وأيده في ذلك نقيب الصحفيين الذي وصف موقفه بأنه مهني في حين قال عن موقفي إنه سياسي،
وهوالجدل الذي عزفت عن مناقشة هذه الجزئية فيه، واعتبرته جدلا عقيما لا طائل من ورائه.
في وقت لاحق وجدت أن ذريعة «المهنية» تكررت في تعليقات بعض الزملاء، وكان خطاب زميلنا الذي أشرت إلى بعض فقراته أحدث تعبير عن هذا المعنى، وإن أضاف إليه فكرة ساذجة تمثلت في حكاية الانفتاح على الآخر، وهوما يعني أن المسألة مازالت تحتاج إلى ضبط قبل أن يتسع الخرق على الراتق، ويصدق البعض حكاية «المهنية» هذه، بحيث يستدرجون إلى التطبيع مع العدوالصهيوني دون أن يشعروا.
في هذا الصدد عندي ثلاث ملاحظات هي:
* أن المهنية ينبغي أن تكون محكومة بالموقف الأخلاقي، والتواصل مع الإسرائيليين باسم المهنية يعطي انطباعا بأن الموقف المهني متحلل من القيود والضوابط الأخلاقية.
ومقاطعة إسرائيل في ظل استمرار سياساتها العدوانية وجرائمها والوحشية هوموقف أخلاقي بامتياز، وهوما أدركه العديد من الناشطين في مختلف أنحاء العالم الغربي الذي تتحالف أغلب دوله مع إسرائيل،
ومن المفارقات أن دعوة المقاطعة انطلاقا من الموقف الأخلاقي يرددها نفر من الأكاديميين المثقفين والناشطين الشرفاء في إنجلترا وأمريكا وكندا وإيطاليا وفرنسا، في حين يتجاهلها بعض الإعلاميين الذين يجردون المهني من ذلك الموقف الأخلاقي.
* إن موقف المقاطعة إلى جانب ذلك هوسلوك ديمقراطي، إذ هومن قبيل الامتثال لقرار الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، التي صوتت الأغلبية الساحقة من أعضائها لصالح مقاطعة العدوالإسرائيلي، شأنها في ذلك شأن النقابات المهنية المصرية الأخرى.
* إن هذا الأصل يمكن أن يرد عليه استثناء في حالة الضرورة، باعتبار أن الضرورات تبيح المحظورات،
والمبدأ الحاكم هنا يميز بين ضرورات الموظفين الذين يعملون في إطار الدولة التي وقعت اتفاقية «سلام» مع إسرائيل،
وبين خيارات المثقفين الذين لا تلزمهم تلك الاتفاقية، خصوصا إذا كانت نقاباتهم المهنية رفضتها، وهوالحاصل في الدول الغربية المتحالفة مع إسرائيل
في حين أن بعض مثقفيها اختاروا مقاطعتها للأسباب الأخلاقية والإنسانية،
وإذا ما اختار بعض الصحفيين أن يتصرفوا كموظفين رسميين فليقولوا ذلك صراحة،
ولا داعي للتستر وراء المهنية والحرفية وغير ذلك من الأقنعة.
...............................
الخميس, 04 فبراير, 2010
صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 20 صفر 1431 – 4 فبراير 2010
يتجملون بإنجاز المنتخب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_04.html
أيهما التعبير الحقيقي عن الواقع فى مصر : المنتخب القومي أم معهد الأورام؟
السؤال
من وحي التزامن بين الانجاز الكبير ,الذى حققه منتخب مصر لكرة القدم حين
فاز بكأس أفريقيا للمرة الثالثه , وبين التحقيقات الجاريه فى موضوع مبنى
معهد الأورام المهدد بالانهيار,
والانجاز بات ملء السمع والبصر , حيث
لم تكف وسائل الاعلام المصريه , وعلى رأسها قنوات التلفزيون عن الحفاوة
والتهليل له منذ مساء الأحد الماضي(13/1) وحتى هذه اللحظه .
وهى
الحفاوة التى شارك فيا كل رموز الدولة وفي المقدمة منهم الرئيس حسني مبارك
الذي حرصت بعض برامج التلفزيون وحواراته على ابراز دوره فى تحقيق الانجاز .
وكان
رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف أحد الذين تعاملوا مع الفوز باعتباره احد
انجازات الرئيس فأرسل إليه برقيه هنأه فيها على ما حققه.
شأن مبنى
معهد الأورام حفل بمفاجآت عديده كشفت عنها التحقيقات التى تجريها نيابة
جنوب القاهره وقد نشرت جريده الدستور (في 26/1) بعضا من تلك المفاجآت
إذ
نقلت عن مصدر قضائى قوله إن وثائق المبنى الكبير اختفت تماما فلا وجود
لرخصة بنائه ولا لرسومه الهندسيه الأمر الذي يؤكد أن هناك تلاعبا كبيرا
ورشاوى هائله فى الموضوع
وتساءل المصدر : كيف يمكن أن يشيد مبنى حكومي
بهذه الضخامه بدون رخصة من الحي التابع له ودون أى أوراق تسجل مراحل
البناء أو عمليات الترميم التى تعرض لها.
بسبب غياب تلك الوثائق
فان النيابه اعتمدت في تحقيقاتها على التقرير الذى وضعت لجنة من أساتذة
الهندسه كلفت بفحص المبنى واعداد تقرير عنه.
وقد خلصت تلك اللجنة إلى
أن الرمل الذى استخدم في البناء كان أحد اسباب تصدع المبنى وتعرضه
للانهيار, إذ تبين أن ذلك الرمل من نوعيه تؤدي الى تآكل الحديد وتفريغ
الخرسانه من التسليح مما نتج عنه تدهور حالة المبنى.
من المعلومات
المثيره التى تضمنتها تصريحات المصدر القضائي أن عملية بناء المعهد
استغرقت نحو 14 عاما (من عام 1975 إلى عام 1989) بتكلفة بلغت 20 مليون
جنيه .
وبعد مرور 4 سنوات (عام 1993) ظهرت الشقوق والشروخ فى المبني
فكلفت لجنة أخرى بترميمه وكانت المفاجأه أن عمليات الترميم تجاوزت تكلفتها
60 مليون جنيه أى ثلاث أضعاف كلفة البناء كله!.
من تلك المعلومات
أيضا أن النيابه لم تطلب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات لسبب بسيط هوأنه
لا وجود من الأصل لملف البناء ولا أى تقرير يبين كيفيه انفاق الستين مليون
جنيه فى الترميم أو العشرين مليونا قبل ذلك .
منها كذلك أن النيابه
لن يمكنها توجيه أى اتهام لأحد حتى اذا ظهر المسئول أو المسئولون عن
الفضيحه لأن التهمه سقطت بالتقادم بعد مرور 21 سنه على البناء!.
في
التقرير أن النيابة استجوبت المدير المالي لمعهد الأورام فقال ان تولى
مسئوليته منذ خمس سنوات فقط ولا علم له بأى شيء يتعلق بتسلم وتسليم المبنى
ولا توجد لديه اى اوراق خاصه بعملية بنائه أو ترميمه وحين بحث عن أى أوراق
أو بيانات تتعلق بتكلفة المبنى والصادر والوارد فانه فشل فى العثور على أى
شيء يفيده.
هى ليست قضية مبنى فحسب لكنها قضيه أداء للجهاز الحكومي
له نظائره في مجالات أخرى عديده في المباني التعليميه وشبكات الرى والصرف
وملكية الأراضى الجديده .. إلخ.
وهو أداء يتسم بثلاث صفات :
التسيب المفرط
والنهب المفتوح للمال العام
وغياب المساءله.
إذا حاولت الاجابه عن السؤال الذى طرحته فى البدايه
فردي أنه لا تناقض بين الانجاز فى كرة القدم والكارثة فى معهد الأورام .
فالأول يجسد قدرة المجتمع وكفاءه افراده
والثانى نموذج لأداء الحكومه وسياساتها الفاشله
ومايحدث الآن من افراط فى الحفاوة والتهليل أريد به ستر عورة الاداء الحكومي والتجمل بانجاز المجتمع .
لكن
ذلك يظل من قبيل التسكين والتخدير الذي لا يلبث أثره ان يزول ليفيق الجميع
بعد ذلك على حقيقة المفارقة التى تؤكد كل حين أن هذه الحكومه ليست أفضل
تمثيل لهذا المجتمع.
..........................







